Полный текст (758 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ويُجَنَّب مُحْرِمٌ مَاتَ مَا يجنب فِي حَيَاته (١) .
وَسِقط لأربعة أشهر كمولود حَياً (٢) .
وإذا تعذر غسل ميت يُمِّم (٣) .
وَسن تكفين رجل فِي ثَلَاث لفائف (٤) بيض بعد تبخيرها (٥) ، وَيُجْعَل الحواشي
(١) وجوباً، فالرجل المحرِم الذي لم يتحلل التحلل الأول لا يغطى رأسه ولا يقرب طيباً، فلا يستعمل في تجهيزه الكافور والحنوط. أما الذي تحلل التحلل الأول: فقال البهوتي في حواشي الإقناع: (إذا حصل التحلل باثنين من ثلاثة، لم يمنع الميت من الطيب، ولبس المخيط، إذ الحي لم يمنع من ذلك). ومثل الرجل في الطيب: المرأةُ، فإذا ماتت محرِمةٌ قبل التحلل الأول مُنعت من الطيب، وكذا تغطيةُ وجهها، وبعده فلا.
(تتمة) لو ماتت المعتدة لم تمنع من الطيب على المذهب؛ لأن الإحداد ينقطع بالموت، أما الإحرام فلا ينقطع بالموت، بل يبعث صاحبه يوم القيامة ملبياً. (فرق فقهي)(٢) أي: السِّقط الذي استكمل أربعة أشهر يغسل ويصلى عليه ولو لم يستهل كما في الإقناع؛ لحديث المغيرة ﵁: «والسقط يصلى عليه»، رواه الترمذي وأبو داود، وقبل أربعة أشهر لا يسن أن يفعل به ذلك.(٣) وجوباً، سواء تعذر غسله لعدم الماء أو احتراق جسده أو تقطعه قطعاً كثيرة.(٤) لحديث عائشة ﵂: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاث لفائف بيض»، متفق عليه، فإن زيد على ثلاث كره.(٥) بعود أو غيره ثلاثاً، بعد أن ترش بماء الورد حتى تعلق فيها رائحة العود.стр. 177
الحنوطُ فِيمَا بَينهَا (١) ، وَمِنْه بِقطن بَين أَلْيَيْه (٢) وَالْبَاقِي على منافذ وَجهه (٣) ومواضع سُجُوده، ثمَّ يُرد طرفُ الْعليا من الْجَانِب الأيسر على شقِّه الأيمن، ثمَّ الأيمنِ على الأيسر، ثمَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ كَذَلِك (٤) ، وَيجْعَل أكثر الْفَاضِل عِنْد رأسه (٥) .
وَسن لامرأةٍ خَمْسَةُ أثواب: إزارٌ وخمارٌ وقميصٌ ولُفافتان (٦) ، وصغيرةٍ قَمِيصٌ ولفافتان (٧) ،
وَالْوَاجِبُ ثوبٌ يستر جَمِيع الْمَيِّت (٨) . الحواشي
(١) أي: بين اللفائف استحباباً، ويوضع عليها الميت، والحنوط: أخلاط من طيب.(٢) أي: يجعل من الحنوط في قطن، ويوضع بين أليتي الميت.(٣) كعينيه وفمه وأنفه. قوله: والباقي: أي من القطن المحنط.(٤) قوله: (على شقه الأيمن) أي: بالنسبة للميت، فيؤتى باللفافة من جانب الميت الأيسر حتى تغطي جانبه الأيمن وتجعل تحته، ثم يؤتى باللفافة التي من جانب الميت الأيمن حتى تغطي جانبه الأيسر وتجعل تحته، ثم اللفافة الثانية، والثالثة كالأولى.(٥) ثم يعقد اللفائف؛ لئلا تنتشر، ثم تفتح في قبره.(٦) على الترتيب المذكور، والإزار: ما يلبس أسفل البدن، والخمار: الغطاء على الرأس، والقميص - وفي الزاد: درع -: يقصد به الفقهاء الثوب الذي نلبسه اليوم، والذي له أكمام ويصل إلى القدم، ثم اللفافتان.(٧) بلا خمار. قوله: وصغيرةٍ: أي يسن لصغيرة.
(تتمة) أما الصبي فيكفي في تكفينه: ثوبٌ واحدٌ، ويجوز في ثلاثة ما لم يرثه غير مكلف، فيحرم.(٨) في جميع ما تقدم: الرجل والمرأة والصغيرة والصغير، فيجب في الكل ثوب واحد يستر جميع الميت بحيث لا يصف البشرة، ويحرم كون هذا الثوب جلداً أو حريراً أو مذهباً.стр. 178
فصل (في الصلاة على الميت وحمله ودفنه)
وَتسقط الصَّلَاة عَلَيْهِ بمكلف (١) ،
وَتسن جمَاعَةً (٢) ، وَقيامُ إمام ومنفردٍ عِنْد صدرِ رجل ووسطِ امرأة (٣) ، ثمَّ يكبر أربعاً (٤) ، يقرأ بعد الأُولى والتعوذِ الحواشي
(١) واحد، ولو أنثى. وقوله: تسقط: أي فرضيتها.
(تتمة) شروط صحة الصلاة على الميت ثمانية: ١ - النية، ٢ - والتكليف، ٣ - واستقبال القبلة، ٤ - وستر العورة، ٥ - واجتناب النجاسة، ٦ - وحضور الميت بين يدي المصلي إن كان بالبلد، ٧ - وإسلام المصلي والمصلى عليه، ٨ - وطهارتهما ولو بتراب لعذر، فلا تصح الصلاة على الميت قبل تغسيله.(٢) وتجوز فرادى، ويسن أن تكون صفوفاً، وألا تقل الصفوف عن ثلاثة؛ فلو كانوا ستة مثلاً فيقفون: اثنين اثنين اثنين.(٣) فإن اجتمعا جُعل وسط المرأة محاذياً لصدر الرجل، والذي يظهر كون رأس الميت عن يمين الإمام، والله أعلم.(٤) وتجوز الزيادة إلى سبع، ويحرم أكثر من ذلك.стр. 179
الْفَاتِحَةَ (١) بِلَا استفتاحٍ، وَيُصلي على النَّبِي ﷺ (٢) بعد الثَّانِيَةِ، وَيَدْعُو (٣) بعد الثَّالِثَةِ، والأفضلُ بِشَيْء مِمَّا ورد، وَمِنْه: «اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، وَذكرِنَا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شَيْء قدير»، «اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه على الإسلام وَالسُّنة، وَمن توفيته منا فتوفه عَلَيْهِمَا (٤) ، اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ (٥)
وارحمه وعافه واعف عَنهُ وأكرم نزله، وأوسع مَدْخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبَرَد، ونقه من الذُّنُوب والخطايا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ من الدنس، وأبدله دَاراً خيراً من دَاره، وزوجاً خيراً من زوجه (٦) ، وأدخله الْجنَّة، وأعِذْه من عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب الحواشي
(١) سراً ولو ليلاً، يقرأها بعد التعوذ والبسملة.(٢) كالصلاة التي في التشهد الأخير، ولا يزيد عليها.(٣) للحديث: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء»، رواه أبو داود وابن ماجه.(٤) تابع فيه المنتهى والمقنع، وذلك للحديث الذي رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁، وهو المذهب. وفي الإقناع: فتوفه على الإيمان. (مخالفة الماتن)(٥) وذكر النجدي أنه يستوي فيه الرجل والمرأة، فلا تعتبر معرفته، لكن الأَولى مع ذلك تسميته أو الإشارة إليه: اللهم اغفر لهذا الميت. وكلام النجدي: (يستوي فيه الذكر والأنثى)، أي في قوله: (اغفر له) فيه نظر؛ لأن المنتهى نص على أن الداعي يؤنث الضمير، فيقول - إذا كان الميت أنثى -: اللهم اغفر لها وارحمها .. الخ، والله أعلم ..(٦) ولا يقوله إذا كان الميت امرأة، كما في الإقناع، وعزا الشيخ منصور هذا الكلام إلى الفروع، ونقل النجدي عن ابن نصر الله أن الميت إذا لم يكن متزوجاً لا يقال له ذلك أيضاً.стр. 180
النَّار، وافسح لَهُ فِي قَبره وَنوِّر لَهُ فِيهِ».
وإن كَانَ صَغِيراً أو مَجْنُوناً قَالَ (١) : «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْراً لوَالِديهِ وفَرَطاً (٢) وأجراً وشفيعاً مجاباً، اللَّهُمَّ ثَقِّل بِهِ موازينَهما وأعظم بِهِ أجورَهما، وألحقه بِصَالح سلف الْمُؤمنِينَ، واجعله فِي كَفَالَة إبراهيم وقِهِ بِرَحْمَتك عَذَاب الْجَحِيم». وَيقف بعد الرَّابِعَة قَلِيلاً (٣) وَيسلم وَيرْفَع يَدَيْهِ مَعَ كل تَكْبِيرَة.
وَسن تربيعٌ فِي حملهَا (٤) ، الحواشي
(١) أي: بعد قوله: (فتوفه عليهما).(٢) أي: سابقاً لهما.(٣) ولا يدعو.
(تتمة) أركان الصلاة على الميت: ١ - القيام في فرضها لقادر، ولعل الفرض هو الصلاة الأُولى على الميت؛ لأنه من دخل في فرض موسع حرم قطعه، فمن كبر خلف إمام يصلي على الميت أول مرة فقد دخل في فرض كفاية موسع، فيجب عليه القيام مع القدرة، والله أعلم، ثم وجدته مصرحا به في كلام الشيخ منصور في شرح المنتهى وأنها إذا تكررت صحت من قاعد لأنها إذن نافلة (تحرير) ٢ - التكبيرات الأربع. ٣ - قراءة الفاتحة. ٤ - الصلاة على النبي ﷺ . ٥ - الدعاء للميت. ٦ - الترتيب للأركان، وتتعين قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية. أما الدعاء، فلا يتعين كونه عقب الثالثة، بل يجوز بعد الرابعة.(٤) التربيع: أن يأخذ بقوائم السرير الأربع كلها: فيبدأ بحمل العمود الأيمن - بالنسبة للميت - من مقدمة السرير، ثم يأخذ الأيمن من المؤخرة، ثم الأيسر من المقدمة، ثم الأيسر من المؤخرة.стр. 181
وإسراعٌ (١) ، وَكَونُ ماشٍ أمامَها وراكبٍ لحَاجَة خلفهَا (٢) ، وَقربٌ مِنْهَا (٣) ، وَكَونُ قبر لحداً (٤) ، وَقَولُ مُدْخلٍ (٥) : «بسم الله وعلى مِلَّة رَسُول الله».
ولَحْدُه (٦) على شقَّه الأيمن، وَيجب استقباله الْقبْلَةَ (٧) . الحواشي
(١) أي: بالجنازة؛ للحديث: «أسرعوا بالجنازة، فإنها إن تكن صالحة فخير تقدمونه إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»، متفق عليه. ويكون إسراعه دون الخبب، فلا يكون شديداً يسقط معه الميت.(٢) ودليل سنية المشي أمامها حديث ابن عمر ﵄: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، رواه أبو داود والترمذي. ويكره أن يكون الراكب أمامها، كما يكره ركوبه لغير حاجة.(٣) عند اتباعها.(٤) اللَّحد بفتح اللام - والضم لغة -: أن يُحَفر أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت، سواء كان في الجانب المحاذي للقبلة أو لا، واللحد هو السنة، وهو الذي فُعل بالنبي ﷺ ، كما في مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. أما الشَّق - وهو أن يُحْفر وسط القبر كالحوض ثم يوضع فيه الميت -، فيكره بلا عذر.(٥) أي: مُدخِل الميت، كما في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمر ﵄. ويسن أن يدخل الميت من قِبَلِ رِجْلَيْ القبر بأن يوضع النعش آخر القبر، فيكون رأس الميت في الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل الميت في القبر سلاً رفيقاً. وهذا سنة إن كان أسهل، وإلا فيدخل القبر من حيث سهل.(٦) أي: يسن لحده.(٧) سواء جعله على شقه الأيمن أو الأيسر، لكن يسن كونه على الأيمن، كما تقدم.стр. 182
وَكره بِلَا حَاجَة جُلُوسُ تابعها قبل وَضعهَا (١) ، وتجصيصُ قبرٍ (٢) ، وَبِنَاءٌ (٣) وَكِتَابَةٌ (٤) ، ومشيٌ (٥) ، وجلوسٌ عَلَيْهِ، وإدخالُه شَيْئاً مسته النَّارُ (٦) ، الحواشي
(١) أي: على الأرض، بلا حاجة، والدليل حديث: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع»، رواه مسلم.(٢) أي: وضع الجص أو الجبس عليه، لحديث جابر: أن الرسول ﷺ نهى أن يجصص القبر رواه مسلم.(٣) سواء لاصقه أو لم يلاصقه، من قبة وغيرها، والتجصيص والبناء من البدع.(٤) أي: كتابة على القبر، كما في حديث جابر: (وأن يكتب عليه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.(٥) أي: المشي على القبر بنعل، كذا في المنتهى والغاية، وعبارتهما فيها خلل، ولذا صرفها البهوتي عن ظاهرها فقال: (يعني: المشي بين القبور بنعل). وفي الإقناع وشرحه: (ويكره المشي بالنعل فيها، أي: في المقبرة، ولا يكره المشي بين القبور بخف؛ لأنه ليس بنعل، ولا في معناه، ويشق نزعه). وقال البهوتي في شرح المنتهى: (ولا يسن خلع خف؛ لأنه يشق)، وقال في الكشاف: (وأما وطء القبر نفسه، فمكروه مطلقًا)، ويستثنى من سنية خلع النعل: خوف نجاسة، أو شوك، ونحوه كحرارة الأرض، أو برودتها، فلا يكره لبس النعل للعذر.(٦) كالفخار، وكذا يكره أن يجعل في القبر الحديد ولو أن الأرض رخوة أو ندية، قال البهوتي في شرح المنتهى: (تفاؤلا بأن لا يصيبه عذاب؛ لأنه آلته).
(تتمة) في الإقناع: (ويكره أن يزاد على تراب القبر من غيره إلا أن يحتاج إليه)، وفيه أيضاً: (ويسن أن يُرَشَّ على القبر الماء، ويوضع عليه حصى صغار يُجلل به؛ ليحفظ ترابه).стр. 183
وَتَبَسمٌ وَحَدِيثٌ بِأَمْر الدُّنْيَا عِنْدَه.
وَحرُم دفن اثْنَيْنِ فأكثر فِي قبر إلا لضَرُورَة (١) .
وأي قُربَة فُعلت وَجُعل ثَوَابُهَا لمسلم حَيٍّ أو ميتٍ نَفعه (٢) . الحواشي
(١) اقتصر على الضرورة فقط - كزاد المستقنع - وزاد في الإقناع والمنتهى والغاية: (أو حاجة)، وقد فعله الرسول ﷺ مع قتلى أحد رواه النسائي، ويسن أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب (مخالفة الماتن).(٢) المراد بالقربة: الطاعات من صلاة وصيام وقراءة القرآن وغيرها من النوافل لا الفرائض فلا يجوز إهداؤها كما قرره ابن النجار في شرحه، وفي الإقناع وشرحه: (ويستحب إهداء ذلك، فيقول: اللهم اجعل ثواب كذا لفلان، وذكر القاضي أنه يقول: اللهم إن كنت أثبتني على هذا، فاجعله أو ما تشاء منه لفلان، وقال ابن تميم: والأولى أن يسأل الأجر من الله تعالى، ثم يجعله له، أي: للمهدى له، فيقول: اللهم أثبني برحمتك على ذلك، واجعل ثوابه لفلان، وللمُهدي ثوابُ الإهداء. وقال بعض العلماء: يثاب كلٌّ من المهدي والمهدى له، وفضل الله واسع).
وقال البهوتي في شرح المنتهى: (ولا يشترط في الإهداء ونقلِ الثواب نيتُه به ابتداءً، بل يتجه حصول الثواب له ابتداء بالنية له قبل الفعل، أهداه أو لا، وظاهره: لا يشترط أن يقول: إن كنت أثبتني على هذا، فاجعل ثوابه لفلان).
وفي الغاية: (وكل قربة فعلها مسلم وجعل بالنية - فلا اعتبار باللفظ - ثوابها أو بعضه لمسلم حي وميت جاز، ونفعه ذلك بحصول الثواب له).стр. 184
وَسن لرجال زِيَارَةُ قبر مُسلمٍ (١)
وَالْقِرَاءَةُ عِنْده (٢) وَمَا يُخَفف عَنهُ، وَلَو بِجعْل جَرِيدَة رطبَة فِي الْقَبْر (٣) ،
وَقَولُ زائر الحواشي
(١) للحديث: «زوروا القبور، فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ»، رواه مسلم، لكن بلا سفر كما في الإقناع والغاية، وقيَّد به البهوتي إطلاقَ المنتهى. ويكون أمامه - أي: مقابلاً له كما لو كان حياً، والقبلة خلفه - واقفاً، ذكره في الإنصاف والإقناع. وأما زيارة قبر الكافر فمباحة.
(تتمة) أما المرأة فتكره لها زيارة القبور على المذهب، وإن عُلم أنه يقع منهن محرم حرمت، ويستثنى من ذلك: قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه، فعلى المذهب: تسن زيارتها للرجال والنساء.
وفي الإنصاف بعد أن قدم المذهب - وهو كراهة زيارة النساء للقبور - قال: (وعنه: يحرم، كما لو علمت أنه يقع منها محرم، ذكره المجد واختار هذه الرواية بعض الأصحاب، وحكاها ابن تميم وجهاً، قال في جامع الاختيارات: وظاهر كلام الشيخ تقي الدين: ترجيح التحريم؛ لاحتجاجه بلعنه ﵊ زوارات القبور، وتصحيحه إياه).(٢) أي: عند القبر.(٣) هذا هو المذهب؛ لأن الرسول ﷺ وضع جريدة، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄. وقد جاء في البخاري عن بريدة ﵁ أنه أوصى أن يوضع على قبره جريدة رطبة. ويقول النووي فيما نقله عنه ابن النجار وغيره: (إذا رجي التخفيف بتسبيح الجريدة، فقراءة القرآن من باب أولى).
وفي الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام: (وقال أبو العباس في غرس الجريدتين نصفين على القبرين: إن الشجر والنبات يسبح ما دام أخضر فإذا يبس انقطع تسبيحه، والتسبيح والعبادة عند القبر مما توجب تخفيف العذاب كما يخفف العذاب عن الميت بمجاورة الرجل الصالح كما جاءت بذلك الآثار المعروفة ولا يمتنع أن يكون في اليابس من النبات ما قد يكون في غيره من الجامدات مثل حنين الجذع اليابس إلى النبي ﷺ وتسليم الحجر والمدر عليه وتسبيح الطعام وهو يؤكل)
والقول الثاني في المذهب: عدم الاستحباب، وذكر المرداوي أن جماعة أنكروه؛ وبعضهم علل: بأن رسول الله ﷺ علم أن الميت يعذب، وأما غيرُهُ فلا يَدري أن الميت يعذب أو لا؟стр. 185
ومارٍّ بِهِ (١) : «السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وإنا إن شَاءَ الله بكم لاحقون، يرحم الله (٢) الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم والمستأخرين، نسأل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم، وَلَا تفتنَّا بعدهم، واغفر لنا وَلَهُم».
وتعزيةُ المصَاب (٣) بِالميتِ الحواشي
(١) والظاهر: أنه سواء مر بالمقبرة ولم يتمكن من رؤية القبور لحجزها بسور المقبرة، أو تمكن من رؤيتها من سورها؛ لأنه إنما يسلم على الميت الذي داخل القبر وهو لا يراه حتى لو رأى القبر، والله أعلم. (تحرير)(٢) تابع فيه الإقناع، أما المنتهى فقال: ويرحم الله - بالواو - تبعاً للمقنع، وهو الموافق للحديث الوارد الذي رواه مسلم، ولعل هذا هو المذهب. (مخالفة الماتن)(٣) حتى الصغير والصديق والجار للميت، وكذا من شق ثوبه، فلا يترك حق لباطل.стр. 186
سُنةٌ (١) ،
وَيجوز البكاءُ عَلَيْهِ (٢) . وَحرم نَدْبٌ (٣) ، ونياحةٌ (٤) ، وشقُّ ثوبٍ، وَلَطمُ خدٍّ (٥) الحواشي
(١) بعد الموت إلى ثلاثة أيام، وتكره بعدها إلا لغائب. والتعزية: التسلية والحث على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب، وفيها أجر عظيم. وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده خلافاً للشافعية، فلا تسن عندهم إلا بعده. أما تعزية الكافر فمحرمة.
(تتمة) صيغة التعزية: في الإقناع: (ولا تعيين فيما يقوله، ويختلف باختلاف الْمُعَزَّيْن). ثم يذكرون صيغة: يقول المعزِّي للمصاب: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، ونحوه مما يؤدي معناه، ويرد المعَزَّى: استجاب الله دعاءَك، ورحمنا الله وإياك.(٢) أي: على الميت.(٣) وهو: البكاء مع تعداد محاسن الميت.(٤) وهي: البكاء مع تعداد محاسن الميت مع رفع الصوت بذلك برَنَّة؛ لحديث أم عطية ﵂: «أخذ علينا رسول الله ﷺ ألا ننوح»، متفق عليه.(٥) للحديث: «ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية»، متفق عليه.
(تتمة) حكم الاجتماع للعزاء: يكره الجلوس والاجتماع للعزاء. ويكره لأهل الميت أن يصنعوا طعاماً للمعزين الزائرين، وكذا يكره أن يُصنع طعام لمن يجتمع عند أهل الميت، بل يسن أن يُصنع لأهل الميت طعام كما ورد في حديث قتل جعفر ﵁، رواه أبو داود والترمذي وحسنه. ويستثني الحنابلةُ المسافرَ الذي يأتي أهلَ الميت، فلا بأس أن يأكل معهم من الطعام الذي أُحضر لهم. وجوّز الشيخ ابن باز الاجتماع الخفيف للعزاء كعلى قهوة أو شاي، لا على طعام، وذلك لقول جرير: «كنا نعد الاجتماع للميت وصناعة الطعام من النياحة»، رواه الإمام أحمد وابن ماجه.стр. 187
الحواشي
(١) كنتف الشعر ونشره وحلقه.стр. 188
كتاب الزكاة (١)
تجب فِي خَمْسَةِ أشياء:
بَهِيمَةُ أنعام، وَنقدٌ، وَعرضُ تِجَارَة، وخارجٌ من الأرض، وثمارٌ (٢) . الحواشي
(١) الزكاة لغة - كما في المطلع -: من الزكاء، وهو: النماء والزيادة، واصطلاحاً: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص.(٢) الأموال الزكوية خمسة: ١ - بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، ٢ - النقد، والمقصود به: الذهب والفضة، ٣ - عروض التجارة، وهي: ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح، ٤ - الخارج من الأرض: يشمل الثمار والحبوب والركاز والمعدن، ٥ - العسل، ويلحقونه بالخارج من الأرض.
(تنبيه) تقسيم الماتن للأموال الزكوية إلى خمسة أقسام ثم ذكره للخارج من الأرض الرابع، والثمار الخامس فيه نظر؛ لأن الثمار من الخارج من الأرض، ومشى عليه في أصله: (كافي المبتدي) وجعل شارحه الخارج من الأرض والثمار شيئا واحدا وزاد الخامس: العسل.
(تتمة) تقسم هذه الأموال بعدة اعتبارات:
١ - الاعتبار الأول (من حيث الظاهر والباطن): أ- الأموال الظاهرة - أي: تظهر للناس ويرونها - وهي: المواشي والحبوب والثمار، ب- الأموال الباطنة، وهي التي لا تظهر للناس ولا يرونها، وهي: الأثمان وقيمة عروض التجارة والمعادن.
وفوائد هذه القسمة كثيرة، منها: أنه يجب على ولي الأمر أن يبعث السعاة لقبض زكاة المال الظاهر فقط، ويجوز له - ولا يجب عليه - أن يبعثهم لقبض زكاة المال الباطن. ويحصل إشكال في الوقت الحالي؛ لأن عروض التجارة من الأموال الباطنة التي لا يجب على ولي الأمر أن يجمع زكاتها، ومن جهة أخرى، فإن المواشي والحبوب والثمار الآن قليلة جداً.
٢ - الاعتبار الثاني (من حيث ما يجزئ إخراج الزكاة منه وما لا يجزئ): أ- الذي يجزئ إخراج الزكاة من عينه: الحبوب، والثمار، والأثمان، والمعادن من الذهب والفضة، والسائمة من بهيمة الأنعام، ب- الذي لا يجزئ إخراج الزكاة منه: عروض التجارة، والمعادن من غير الذهب والفضة كالنحاس، وما دون خمسة وعشرين من الإبل، فزكاتها من الشياه.стр. 189
بِشَرْط: إسلام، وحرية، وَملك نِصَاب (١) ، واستقرارِه (٢) ، وسلامةٍ من الحواشي
(١) شروط وجوب الزكاة خمسة: الشرط الأول: الإسلام، والشرط الثاني: الحرية، والشرط الثالث: ملك نصاب. والمقصود بالنصاب: المقدار الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، والمذهب أن النصاب يقدر تقريباً في الأثمان وقيم عروض التجارة، وتحديداً في غيرهما.(٢) الشرط الرابع: الاستقرار. وقوله: استقرار: وافق فيه الزاد، بخلاف الإقناع والمنتهى فقالا: (تمام الملك)، والمعنى واحد. وهذا أهم شروط وجوب الزكاة. والاستقرار الذي هو بمعنى تمام الملك ما قاله البهوتي في شرحيه: (الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره وفوائده حاصلة له، قاله أبو المعالي).
ومن الاستقرار أن يكون للمال مالك معين، فلا زكاة في أموال الدولة - أي: بيت المال - والجمعيات الخيرية ونحوها. كذلك لا تجب الزكاة فيما يجمعه إمام المسجد من صدقات لمسجده. أما الأوقاف، فإن كانت خاصة - أي: على معين -، فتجب فيها الزكاة إن بلغ الخارج أو المتحصل منها نصاباً؛ وإن كانت موقوفة على جهة عامة - كعمارة موقوفة على المساجد -، فلا زكاة فيها.
ويدخل تحت هذا الشرط أيضاً الملكُ الذي يثبت في ذمم الآخرين وليس عرضة للسقوط كالديون التي في ذمم الناس من ثمن مبيع وقيمة متلف ونحوها، فتجب فيها الزكاة، لكن إذا قبضها.
أما ما كان عرضة للسقوط كربح العامل في المضاربة، فإنه لا يكون له إلا إذا استكمل رأس المال، وهو عرضة للسقوط إذا خسر، فلا تجب فيه الزكاة حتى يقبضه ويستقبل به حولاً جديداً.стр. 190
دينٍ يُنقص النّصابَ (١) ،
ومضيُّ حولٍ إلا فِي معشرٍ، ونِتَاجِ سَائِمَةٍ، وَربحِ تِجَارَةٍ (٢) ،
وإن نقص فِي بعض الحول بِبيع أو غَيرِه لَا فِرَارًا الحواشي
(١) الديون قسمان: ديون للشخص، وديون عليه.
أما الديون التي للشخص، فتجب فيها الزكاة مطلقاً سواءً كان المدين معسراً أو قادراً أو مماطلاً؛ لكن لا يجب عليه إخراجها إلا بعد القبض، ويزكي لما مضى من السنوات.
أما الديون التي عليه - ولو مؤجلة أو مقسطة -، فيُسقط من أمواله ما يقابل هذه الديون، ويزكي الفاضل؛ فلو كان عنده ستون ألفاً وحال عليها الحول وعليه دين قدره خمسون ألفاً، فيزكي عشرة آلاف. هذا هو المذهب، وهو الأقرب.(٢) الشرط الخامس: مضي الحول. ويستثنى من شرط مضي الحول ثلاثة أمور:
١ - المعشرات: وهي ما وجب فيها العشر ونحوه كالحبوب والثمار والركاز والمعادن والعسل، فتجب فيها الزكاة فوراً.
٢ - نِتاج سائمة: فلو حال الحول على أربعين شاة، وكان هناك نتاج له ستة أشهر مثلاً، فيزكى النتاج مع أصله؛ لأن حوله حول أصله.
٣ - ربح التجارة: فلو تاجر برأس مال قدره خمسون ألفاً، ودخل عليه ربح قبل الحول بخمسة أيام مثلاً، فيجب أن يزكيه مع أصله - وهو رأس المال -؛ لأن حول ربح التجارة حول أصله.стр. 191
انْقَطع (١) ، وإن أبدله بِجِنْسِهِ فَلَا (٢) . الحواشي
(١) إن نقص النصاب في بعض الحول ببيع أو غيره كتلف، انقطع الحول ولا زكاة. والمراد بالبيع: البيع الصحيح، ولو بخيار مجلس أو خيار شرط. أما إن أنقص النصابَ فراراً من الزكاة كأن يذبح شاةً من الأربعين قبل حلول الحول، فلا تسقط عنه الزكاة ووجب عليه إخراجها؛ معاملةً له بنقيض قصده. وسواء فعل ذلك - أي: أنقص النصاب أثناء الحول- فراراً من الزكاة أَوَّلَ الحولِ أو وسطَه أو قبل آخره، فلا تسقط عنه الزكاة، وهذا ظاهر كلام الماتن والمنتهى والتنقيح، وقدمه في الفروع، وهو المذهب كما في المبدع، نقله عنه الشيخ منصور في الكشاف. وقَيَّدَه في الإقناع: بما إذا فَرَّ منها بعد مضي أكثر الحول، وتابعه صاحب الغاية. (مخالفة الماتن)(٢) فلو باع أربعين شاة بمثلها لم ينقطع الحول، وكذا لو أبدل عروضَ تجارة بعروض تجارة أخرى استمر الحول. ويفهم منه: أنه إن أبدل النصاب بغير جنسه، فينقطع الحول، كما لو أبدل نصاب غنم سائمة بخمس من الإبل السائمة، فإنه ينقطع حولُ سائمة الغنم، ويستأنفُ حولاً جديداً للإبل، وهكذا. ويستثنى على المذهب: ١ - ما لو أبدل نصابَ ذهبٍ بنصابِ فضة أو بالعكس، فلا ينقطع الحول؛ لأن كلاً منهما يضم إلى الآخر في تكميل النصاب، ٢ - وكذا لو اشترى بالذهب أو الفضة التي عنده عروضَ تجارة، فيبني على حولهما؛ لأن الزكاة في عروض التجارة إنما تجب في قيمتها من الذهب أو الفضة، والله أعلم.стр. 192
وإذا قبض الدّينَ زَكَّاهُ لما مضى (١) .
وَشُرِط لَهَا فِي بَهِيمَة أنعام سومٌ أيضاً (٢) .
وأقلُّ نِصَاب إبلٍ خمس وفيهَا شَاةٌ، وَفِي عشرٍ شَاتَان (٣) ، وَفِي خمس عشرَة ثَلَاثٌ، وَفِي عشْرين أربَعٌ، وَفِي خمس وعشْرين بنتُ مَخَاض وَهِي الحواشي
(١) تقدم أنه يجب على الشخص أن يزكي الديون التي له على غيره؛ لكن لا يجب عليه إخراجها إلا إذا قبضها.(٢) يشترط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام:
(الشرط الأول) السوم: وهو أن ترعى المباح كل الحول أو أكثره، فإن علفها، فلا زكاة.
(الشرط الثاني) أن تُتخذ للدر - أي: در الحليب -، والنسل - أي: التكاثر -، والتسمين لا للعمل. قال البهوتي في شرح المنتهى: (فلا تجب في سائمة للانتفاع بظهرها، كإبل تُكرى وتُؤجَّر، وبقر حرث، ونحوه أكثر الحول، كما في الإقناع وغيره)، والمراد: إذا اجتمع في الماشية العمل والسوم، فلا زكاة؛ تغليباً للعمل، والله أعلم.
(الشرط الثالث) اكتمال النصاب، وتقدم.(٣) هنا وقص، فلا يجب أكثر من شاة واحدة حتى يكون عنده عشر من الإبل.стр. 193
الَّتِي لَهَا سنة (١) ، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون وَهِي الَّتِي لَهَا سنتَانِ، وَفِي سِتّ وَأَرْبَعين حِقةٌ وَهِي الَّتِي لَهَا ثَلَاثٌ، وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وَهِي الَّتِي لَهَا أَربع، وَفِي سِتّ وَسبعين بِنْتا لبون، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعين حِقتان، وَفِي مائَة وإحدى وَعشْرين ثَلَاث بَنَات لبون، ثمَّ فِي كل أربعين بنت لبون، وَفِي كل خمسين حِقة (٢) .
وأقلُّ نِصَابِ الْبَقر ثَلَاثُونَ وفيهَا تبيعٌ وَهُوَ الَّذِي لَهُ سنة، أو تبيعةٌ.
وَفِي أربعين مُسِنَّةٌ وَهِي الَّتِي لَهَا سنتَانِ، وَفِي سِتِّينَ تبيعتان، ثمَّ فِي كل ثَلَاثِينَ تبيعٌ وَفِي كل أربعين مُسِنَّة.
وأقلُّ نِصَاب الْغنم أربعون وفيهَا شَاةٌ، وَفِي مائَة وإحدى وَعشْرين شَاتَان، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ إلى أربعمائة (٣) ، ثمَّ فِي كل مائَة شَاة، وَالشَّاة بنت سنة من المعز وَنِصْفِهَا من الضأن (٤) . الحواشي
(١) أي: استكملت سنة.(٢) فتستقر الفريضة، فإن كان له مئتان من الإبل خُير بين إخراج خمس بنات لبون وأربع حقاق.(٣) ففي أربع مئة شاةٍ أربعُ شياه.(٤) وجوباً. والمعز: ما له شعر من الغنم، والضأن: ما له صوف.
(تتمة) يشترط في المخْرَجِ من بهيمة الأنعام: (الشرط الأول) السن، وتقدم. (الشرط الثاني) يشترط كونه أنثى إلا في ثلاث مسائل يجزئ فيها الذكر:
١ - التبيع في ثلاثين من البقر، وتقدم.
٢ - إذا كان كل النصاب من الإبل أو البقر أو الغنم ذكوراً.
٣ - يجزئ ابن لبون والحق والجذع عند عدم بنت مَخْاض.стр. 194
والْخُلطة فِي بَهِيمَة الأنعام بشرطها تصير الْمَالَيْنِ كالواحد (١) . الحواشي
(١) الخلطة: أن يختلط اثنان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعضه مطلقاً.
والخلطة في بهيمة الأنعام تصير المالين كالواحد بشرط اشتراكها في خمسة أمور:
١ - المراح: والمقصود به المبيت والمأوى، ٢ - والمسرح: وهو ما تجتمع فيه لتذهب إلى المرعى، ٣ - والمحلب: وهو موضع الحلب، ٤ - والمرعى: وهو موضع الرعي ووقته، ٥ - والفحل: فيطرقها فحل واحد إذا اتحد النوع، فإن اختلف النوع كضأن ومعز، فلا يشترط.
أما الاشتراك في الراعي أو المشرب - وهو مكان الشرب - فلم يشترطه المنتهى ولا التنقيح -، وهو المذهب - خلافاً للإقناع. (مخالفة)
وقد تفيد الخلطة تخفيفاً أو تغليظاً، فمثال التغليظ: أن يشترك شخص له عشر شياه مع آخر له ثلاثون شاة، فعليهما شاة، أما لو انفرد كل منهما عن الآخر، فلا زكاة على واحد منهما. ومثال التخفيف: لو اشترك اثنان، لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ستون، فعليهما شاة واحدة، وبدون الخلطة على كل واحد منهما شاة.
مسألة: تعدد بلد السائمة: لو كان لشخص بهيمة أنعام في بلاد متفرقة، فإن كان بين هذه البلاد مسافة قصر فأكثر، فلكل بلد حكم بنفسه. أما إن كان بينها أقل من مسافة قصر، فهي كالمال الواحد.
(تتمة) أما الخلطة في غير بهيمة الأنعام فليس لها أثر، فيزكي كل من الشريكين ماله إذا بلغ نصاباً.
وأيضاً، لا أثر لتفرقة المال - غير الماشية - في بلدان متباعدة ولو كان بينها أكثر من مسافة قصر، فيضم الجميع ويزكى.стр. 195
فصل (في زكاة الخارج من الأرض)
وَتجب (١) فِي كل مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ خرج من الأرض (٢) ، ونصابُه خَمْسَةُ أُوسقٍ (٣) ، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَاثْنَانِ وأربعون رطلا وَسِتَّة أسباع رطل بالدمشقي. الحواشي
(١) سيذكر الماتن ﵀ في هذا الفصل زكاةَ الخارج من الأرض، ويشمل ذلك: الحبوب والثمار والعسل والركاز والمعدن.(٢) يشمل ذلك: ١ - الحبوب التي تكال - أي: يستخدم فيها الكيل، وهو وحدة حجم -، وتدخر - أي: تكنز وتحفظ ولا تبلى أو تتعفن بسرعة - كالأرز والقمح والشعير، ٢ - والثمار التي تكال وتدخر مأكولة كانت أو غير مأكولة، ٣ - والمكيل المدخر من غير الحب والثمار، وهو الزعتر والأشنان، ٤ - وورق الشجر المقصود كالسدر والحناء، فإنه يكال ويدخر.(٣) يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان: الشرط الأول: بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق بعد تصفية الحب من تبنه وقشره وجفاف الثمر والورق.
(تتمة) الوسق والصاع والمد وحداتُ كيلٍ، نَقَلَهَا الفقهاءُ إلى الوزن. وقد تقدم أن الصاع كيلوان وأربعون غراماً = ٢، ٠٤ كجم، والوسق الواحد =٦٠ صاعاً، فخمسة أوسق = ٣٠٠ صاع، إذن الخمسة أوسق = ٢، ٠٤ × ٣٠٠ = ٦١٢ كجم.стр. 196
وَشُرط ملكُه وَقتَ وجوبٍ (١) ، وَهُوَ اشتدادُ حبٍّ وبدوُّ صَلَاحِ ثَمَرٍ (٢) ، وَلَا يسْتَقرّ إلا بجعلها فِي بَيْدَر (٣)
وَنَحْوه (٤) .
وَالْوَاجِب عشرُ مَا سُقِي بِلَا مؤونة (٥) وَنصفُه فِيمَا سقِي بهَا، وَثَلَاثَةُ الحواشي
(١) هذا هو الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة، فلو ملكه بعد وقت الوجوب لم تجب عليه الزكاة.(٢) اشتداد الحب: أن يكون قوياً وصلباً بحيث لا ينضغط إذا ضغط. وبدو صلاح الثمر: أن يطيب أكله، ويظهر فيه النضج.(٣) البيدر: الوعاء أو المكان الذي يحفظ فيه الثمر أو الحب بعد الحصاد أو القطع، فحينئذ يستقر الوجوب. فوقت الوجوب: اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمر، ووقت الاستقرار: قطعها وجعلها في مكان التجفيف.
(تتمة) ثمرة التفريق بين وقت الوجوب ووقت استقرار الوجوب: في وقت الوجوب يكون الحب أو الثمر أمانة لا يضمن صاحبُها الزكاة فيها إن تلفت إلا بالتعدي - وهو: فعل ما لا يجوز -، أو التفريط - وهو ترك ما يجب -. أما بعد الاستقرار، فيضمن الزكاة فيها مطلقاً ولو لم يتعدَّ أو يفرط.(٤) أي: ونحو البيدر كالجرين والمسطاح.(٥) ذكر ابن النجار في المعونة ضابطاً للسقي بالمؤونة وهو: (ترقية الماء من باطن الأرض إلى وجه الأرض). ومثال ذلك: الآلات الحديثة كالمواطير، أما إذا كان الماء يفور من العين كما يوجد في بعض البلدان ويوزعه المزارع على الجداول، فهو سقي بلا مؤونة، ومثله لو كان الماء نازلاً من السماء.стр. 197
أرباعِه فِيمَا سقِي بهما (١) ، فإن تَفَاوتا اعتبر الأكثرُ (٢) ، وَمَعَ الجَهْل الْعشْرُ (٣) .
وَفِي العَسَلِ العشْرُ سَوَاء أخذه من موَاتٍ أو ملكِه (٤) إذا بلغ مائَةً الحواشي
(١) فما سقي بلا مؤونة يجب فيه العشر، فيُقسم النصاب على العدد(١٠) ، والناتج هو المقدار الواجب إخراجه؛ ففي ١٠٠٠ كجم من التمر يخرج ١٠٠ كجم. وما سقي بمؤونة يجب فيه نصف العشر، فيُقسم النصاب على العدد(٢٠) ؛ ففي ١٠٠٠ كجم يخرج ٥٠ كجم. وما سقي بهما يجب فيه ثلاثة أرباع العشر، فيُضرب النصاب في العدد(٣) ، ثم يقسم على العدد(٤٠) هكذا: النصاب × ٣ ÷ ٤٠ = الواجب إخراجه؛ ففي ١٠٠٠ كجم يخرج ٧٥ كجم.(٢) فإن كان الأكثر بمؤونة وجب نصف العشر، وإن كان الأكثر بلا مؤونة فالعشر، واعتبار الأكثر: يكون بالنمو والنفع، وليس بمدة السقي أو عدد السقيات.(٣) قوله: الجهل: أي بمقدار السقي، فلا يُدرى أيهما أكثر، أو جهل أكثرهما نفعاً ونمواً، فيجب العشر احتياطاً، فيقسم النصاب على العدد(١٠) للحصول على المقدار الواجب إخراجه.(٤) أي: سواء كان في أراضٍ غير مملوكة، أو مملوكة له أو لغيره؛ لأن العسل لا يملك بملك الأرض، قاله في الإقناع، والذي يظهر: سواء حصل على العسل من منحلته التي أنشأها بأمواله، أو من غيرها ودخل في ملكه بالحيازة ولم يكن مملوكا لغيره والله أعلم.стр. 198
وَسِتِّينَ رطلا عراقية (١) .
وَمن استخرج من مَعْدِنٍ نِصَاباً فَفِيهِ ربعُ الْعشْر فِي الْحَالِ (٢) ، وَفِي الرِّكَازِ الْخمسُ مُطلقًا (٣) وَهُوَ مَا وُجد من دِفن الْجَاهِلِيَّة (٤) . الحواشي
(١) الرَّطل =٩٠ مثقالاً، والمثقال = ٤، ٢٥ جم، فالرطل = ٩٠ × ٤، ٢٥ = ٣٨٢، ٥ جم. إذن نصاب العسل: ٣٨٢، ٥ × ١٦٠ = ٦١٢٠٠ جم ÷ ١٠٠٠ = ٦١، ٢ كجم. والواجب فيه العشر، فلو كان عنده ١٠٠٠ كجم من العسل مثلاً يقسمها على العدد(١٠) ، فيخرج ١٠٠ كجم.(٢) المعدِن بكسر الدال: كل متولد من الأرض من غير جنسها وليس نباتاً، ولا يخلو من حالتين: (الأولى) إن كان ذهباً أو فضة، ففيه ربع عشر عينه في الحال، (الثانية) وإن كان غيرهما كالحديد، ففيه ربع عشر قيمته من الذهب أو الفضة في الحال، ولا يجزئ الإخراجُ من عينه. ولمعرفة نصاب المعدِن الذي ليس ذهباً ولا فضة: يقوِّمُهُ بالأحظ للفقراء منهما، والتقويم بالفضة هو الأحظ للفقراء، فإذا بلغ نصاباً بقيمة الفضة أخرجنا ربع عشر قيمته من عين الفضة أو عين الذهب بقسمتها على العدد(٤٠) .(٣) نقداً كان أو عرضاً أو غيرهما، قليلاً كان أو كثيراً، فلا نصاب له، وسواء كان واجده مسلماً أو ذميّاً، صغيراً أو كبيراً، حرّاً أو مكاتباً، عاقلاً أو مجنوناً. فلو وجد ١٠٠ جم من الذهب مثلاً، فإنه يقسمها على العدد(٥) ، فيخرج ٢٠ جم.(٤) يشترط في الركاز: أن يكون من دِفن الجاهلية أو دِفن غيرهم من الكفار، وأن يكون عليه أو على بعضه علامة كفر، فإن لم توجد علامة فلقطة.стр. 199
فصل (في زكاة الأثمان والعروض)
وأقلُّ نِصَابِ ذهبٍ عشرُون مِثْقَالاً (١) ، وفضةٍ مِائَتَا دِرْهَم (٢) ،
ويُضمان الحواشي
(١) المثقال هو الدينار الإسلامي وهو درهم وثلاثة أسباع درهم، وتكتب عدداً الدينار= ١، ٤٢٩ درهم، وعلى طريقة البسط والمقام: البسط ٣ والمقام ٧ وعن يمين الكسر ١. والدرهم = سبعة أعشار مثقال، ويكتب عدداً: (٠، ٧)، وعلى طريقة البسط والمقام: البسط ٧ والمقام ١٠. وبالجرامات، يكون الدينار الإسلامي = ٤، ٢٥ جم، فنصاب الذهب = ٤، ٢٥ × ٢٠ = ٨٥ جم. أما بالريالات، فلو كانت قيمة الجرام من الذهب ١٥٦ ريالاً مثلاً، فيكون نصاب الذهب ١٣٢٦٠ ريالاً، فلا زكاة في أقل من ذلك.(٢) لحديث: «ليس في ما دون خمس أواق صدقة» متفق عليه، والأوقية =٤٠ درهماً، فخمس أواق = ٤٠ × ٥ = ٢٠٠ درهم، والدرهم الإسلامي = ٢، ٩٧٥ جم، فنصاب الفضة = ٢، ٩٧٥ جم × ٢٠٠ = ٥٩٥ جم. أما بالريالات، فلو كانت قيمة الجرام من الفضة ٢، ٥ ريال مثلاً، فنصاب الفضة = ٢، ٥ × ٥٩٥ = ١٤٨٧، ٥ ريال.
(تتمة) تخريج الأوراق النقدية: الأوراق النقدية كالفلوس في زمن الفقهاء، والفلوس عبارة عن قطع من الحديد أو النحاس يتعاملون بها ويجعلونها قيماً للأشياء كالدراهم والدنانير. وقد نص في الإقناع على أن الفلوس عروض تجارة، وعليه فلا زكاة في الفلوس ما لم تتخذ للتجارة بها، فإن اتخذها للتجارة وجبت زكاتها، وبذلك صرح الغاية حيث قال: في باب زكاة الأثمان: (الفلوس كعروض التجارة، فيها زكاة قيمة ما لم تكن للنفقة). وفيما قالاه نظر؛ لأن المنتهى اشترط في مبادلة الدراهم والدنانير بالفلوس القبض قبل التفرق في باب الصرف، وهذا يدل على جريان ربا النسيئة بين الفلوس والدراهم والدنانير، ولم يلتفت إلى خروجها عن الوزن إلى العدد بل إلى كونها ثمناً وقيماً للأشياء، فهي موزونة - ولا يؤثر فيها كونها معدودة كما لم يؤثر ذلك في الدراهم والدنانير -، فأصبحت كالدراهم والدنانير في جريان ربا النسيئة بينها. وإذا كان الأمر كذلك، فالفلوس تأخذ حكم الدراهم والدنانير في كونها تجب فيها الزكاة وإن لم تتخذ للتجارة. والأوراق النقدية وإن كانت قراطيس فهي كالفلوس وأولى؛ لأن فيها من القيم للأشياء ما في الدراهم والدنانير أو أكثر أحياناً، فتجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، وتُقَوَّم بالأحظ للفقراء، وهو التقويم بالفضة في الوقت الحالي. فمن كان عنده ٢٠٠٠ ريال وجبت عليه الزكاة باعتبار الفضة، ويخرج ربع العشر.
(تعقيب) يكدر على ما مضى ما قررته في باب الربا من أن الربا لا يجري في مبادلة الفلوس بعضها ببعض كما قرروا ذلك، وإن كان يجري ربا النسيئة في مبادلة الفلوس بالنقدين. وأيضاً، لا يرى الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ إلحاقَ الأوراق النقدية بالأثمان من عدة أوجه، وله في هذا اثنتان من الفتاوى، وبحث على شكل مناظرة في الفتاوى السعدية ص ٢٣٣، إلا أنه أوجب فيها الزكاة، وهذا لا خلاف فيه، بل ولا يشك فيه، كما قاله ﵀. (بحث)стр. 200
فِي تَكْمِيلِ النّصابِ (١) ، وَالْعرُوضُ إلى كلٍ مِنْهُمَا (٢) ، وَالْوَاجِبُ فيهمَا ربعُ العشْر (٣) .
وأبيح لرجلٍ من الْفضةِ خَاتَمٌ (٤)
وقبيعةُ الحواشي
(١) فيضمان وجوباً - وإن كانا جنسين - في تكميل النصاب؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة، فهما كنوعي الجنس الواحد؛ ولا فرق بين حاضر ودين. والضم يكون بالأجزاء لا بالقيمة؛ لأن الضم بالأجزاء متيقن، بخلاف القيمة، فإنه ظن وتخمين، فعشرة مثاقيل ذهباً نصف نصاب، ومائة درهم فضة نصف نصاب، فإن ضُمّا كمل النصاب ووجبت الزكاة. وكذا،(١٥) مثقالاً وخمسون درهماً، فهذا ثلاثة أرباع نصاب الذهب وربع نصاب الفضة، فيكمل النصاب، أما عشرة مثاقيل وتسعون درهمًا تبلغ قيمتها عشرة مثاقيل، فلا ضمّ لعدم اكتمال النصاب.(٢) فيضم قيمة عروض التجارة إلى ما لديه من ذهب وفضة ويزكي الكل، قال في الكشاف: (قال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا. كمن له عشرة مثاقيل، ومتاعٌ قيمته عشرة أخرى؛ أو له مائة درهم، ومتاعٌ قيمته مثلها؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض، وهي تقوم بكل منهما، فكانا مع القيمة جنساً واحداً)، انتهى كلام البهوتي.
(تتمة) يضم أيضاً قيمة العروض مع ما لديه من أوراق نقدية، ويزكي الكل، والله أعلم.(٣) الواجب فيهما ربع العشر، فيقسم ما لديه على أربعين ويخرج الناتج.(٤) حكم لبس الخاتم في المذهب يختلف باختلاف مادته:
١ - فإن كان من فضة، فهو مباح وليس بسنة. وقد اتخذ الرسول ﷺ خاتماً من ورق متفق عليه؛ لكن العلماء قالوا: إنما اتخذه ليختم به الكتب. والأفضل أن يلبسه في خنصر اليسرى، ويجعل الفص مما يلي كفه.
٢ - وإن كان من حديد أو نحاس أو صفر، فيكره للمرأة والرجل.
٣ - وإن كان من عقيق، فذكر صاحب المنتهى أنه يستحب، خلافاً للإقناع، فذكر أنه يباح، ولعله هو المذهب؛ لضعف الحديث، ولذا قال في الغاية: (ويستحب لبس العقيق، وفي الإقناع يباح). (مخالفة)
وقد سألت من يعمل في تجارة الخواتيم: هل يُصنع الخاتم من عقيق؟ فذكروا أن ذلك شبه مستحيل، فلا أدري هل يقصد الحنابلة أن يصنع كل الخاتم من العقيق أو فصه فقط؟ أما الفص فممكن؛ لأن العقيق مثل الرخام، ويحتاج إلى آلات دقيقة جداً حتى لا ينكسر، فكل من سألتهم أخبروني: أنه لا يمكن أن يصنع كله من عقيق، لكن المنتهى ينص على استحباب لبسه إن كان من عقيق، ثم أطلعني أحد المشايخ على صورة خاتم مصنوع من عقيق إيراني الصنع وقال: إنه نادر الصناعة والله أعلم (بحث)стр. 201
سيفٍ (١) وَحِلْيةُ مِنْطقَة (٢) وَنَحْوُه (٣) ، وَمن الذَّهَبِ قبيعةُ سيفٍ، وَمَا دعت إليه الحواشي
(١) قال الجوهري: (قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد)، قاله في المطلع. وفي شرح المنتهى: (ما يُجْعَلُ على طرف القبضة)، فإن كانت من فضة فجائز.(٢) المنطق والمنطقة: ما شددت به وسطك، والنطاق: إزار فيه تَكَّةٌ تَنْتَطِق بها المرأة، قاله في المطلع. وليس المراد أن المنطقة كلها مصنوعة من فضة، وإنما يباح كون الحلية التي عليها من فضة.(٣) كحلية الخف؛ فلا يكون الخف من فضة، وإنما يحلى بها.стр. 202
الحواشي
(١) وقد ورد عن أحد الصحابة ﵃ أنه كُسر أنفه فاتخذ مكانه ذهباً، رواه أبو داود وغيره.
(تتمة) حكم لبس المشالح التي فيها زري من الفضة والذهب: هل يمكن أن نجعله في حكم التابع؟ لا شك أن قيمة المشلح العالية إنما هي بسبب الزري؛ لأن قيمة القماش لا تتجاوز في الغالب ٣٠٠ ريال، فإن كان السعر ٣٠٠٠ ريال، فالمقصود هو الزري لا القماش.
وقد تواصلت مع أحد الإخوة ممن يصنع البشوت - وهو من أهل الاستقامة -، فسألته عن الزري الذي يجعلونه في البشت؟ فقال هو على نوعين:
النوع الأول: خيطٌ من النسيج مطلي بالنحاس، وصناعته هندية، وهو رخيص يتكلف البشت الواحد مِئتا ريال فقط من الرو? ت، ولو عُرِض على النار لم يتحصل منه شيء، بل يتطاير ويتلاشى، قال صاحبنا: وهذا الذي أستخدمه خروجاً من الخلاف والشبهة. قلت: هذا على المذهب مباح على ما يظهر لي، والله أعلم.
النوع الثاني: سلك من الفضة مطلي بماء الذهب - وهو المموه على المذهب - ا? صلي، ومنه عيار(١٠) ، و(٧) ، و(٥) ونصف. وأعلاه ا? ول، وصناعته إما ألمانية - وهو أجود - وإما فرنسية، والبشت الواحد يحتاج على ا? قل إلى ١٧ لفة تُسمى «كلافة»، وسعر الواحدة منها على ا? قل: ٩٢ ريالاً، وهذا النوع أصلي يطول بقاؤه ويسهل إصلاحه، وله مميزات كثيرة. فسألته: هل يتحصل منه شيء لو عرض على النار؟ فقال: الصانع للبشت يجمع أثناء صناعته الزري المتقطع الذي يتبقى ويبيعه للصاغة ويصهرونه، ويتحصل منه ماء ذهب وفضة يسيرة.
قلت: الذي يظهر لي - بناء على كلام أهل الاختصاص في صناعة البشوت - أن هذا الزري يحرم استخدامه في البشت، وكذا يحرم البشت المحتوي على هذا النوع من الزري ولو كانت مساحته يسيرةً على المذهب؛ ? نهم قالوا: (ويحرم على ذكر - بلا حاجة - لبسُ منسوج بذهب أو فضة أو مموه بأحدهما، فإن استحال - أي: تغير - لونه ولم يحصل منه شيء أبيح، وإلا فلا) كما في الإقناع، وهذا يحصل منه شيء، فيحرم. وقالوا أيضاً: (وما حرم استعماله من ... مُذَهَّب ... حرم بيعه ونسجه وخياطته وتمليكه وتملكه وأجرته لذلك وا? مر به، ويحرم يسير ذهب تبعاً) انتهى من ا? قناع، والله أعلم. بل حتى لو لم يتحصل منه شيء بعرضه على النار، فيحرم اتخاذه بالشراء ونحوه؛ للقاعدة: (لا يلزم من جواز استدامة شيء جواز اتخاذه وصناعته)، بخلاف ما لو ورثه مثلاً، أو التقطه وملكه بعد تعريفه، فيجوز استعماله.
والرواية الثانية في المذهب التي اختارها شيخ الإسلام، والتي يعمل بها بعض العلماء: جواز يسير الذهب التابع لغيره في اللباس - أي: دون الأواني، فهي أضيق كما قاله شيخ الإسلام، ذكره في الإنصاف -. والظاهر: أن المراد باليسير: هو اليسير في العرف، والمراد باليسير التابع أي: المساحة، فتكون مساحة اليسير التابع أقل من مساحة ما معه، ولو كان ثمن اليسير أكثر مما معه، وعليه فيشترط كونه يسيراً في العرف، وتابعاً لغيره لا منفرداً والله أعلم. (بحث)стр. 203
ولنساءٍ مِنْهُمَا مَا جرت عادتُهنَّ بلبسه (١) ، وَلَا زَكَاة فِي حُلي مُبَاحٍ أُعد لاستعمالٍ أو عَارِيةٍ (٢) . الحواشي
(١) ولا يتقدر بمقدار معين، أما ما لم تجر العادة بلبسه فمحرم.
(تتمة) هل يجوز للمرأة أن تلبس نظارة أو ساعة مصنوعة من ذهب؟ نص البهوتي في الكشاف: على تحريم النعال المذهبة؛ لأنه لم يكن من عادة النساء في زمنه لبسها، فقال في الكشاف: (وظاهره: أن ما لم تجر العادة بلبسه كالنعال المذهبة لا يباح لهن)؛ فالمرجع فيما يباح للنساء لبسه من الذهب والفضة هو العادة، فما جرت العادة بلبسه فهو جائز، وإلا فلا. فالساعة جائزة؛ لأنها في حكم السوار من ذهب، وهو جائز للنساء. أما النظارة من الذهب، فالظاهر تحريمها؛ لعدم العرف على لبسها من الذهب، وقد يقال هي مثل التاج المنصوص على جوازه، فليحرر. والله أعلم. (بحث)(٢) (زكاة الحلي) في هذه المسألة خلاف كبير بين الجمهور والحنفية، أما الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز فيريان وجوبَ الزكاة في الحلي المعد للاستعمال.
وأما عند الجمهور - وهو المذهب عندنا -، فلا تجب الزكاة - وهو الأقرب -؛ لفعل كثير من الصحابة ﵃، وهو مثل الفستان والسيارة التي يستعملها الإنسان. وإن لم تستعمل المرأة هذا الحلي أو تُعِره، فلا زكاة عليها ما دام معداً للاستعمال أو للعارية. أما إذا لم يُعَدَّ لاستعمالٍ ولا لعاريةٍ، فيجب فيه الزكاة. وعليه، فالذي يظهر: أنه إن كان الذهبُ الموجودُ عند المرأة قديماً لا تنوي لُبْسَه البتة لِقِدَمِ شكْله وعدمِ مناسبته لِلُّبْسِ في المناسبات، وأيضاً لا تنوي إعارته لأحد، فإنه تجب فيه الزكاة؛ لأنه لم يُعَدَّ للاستعمال ولا للعارية، والله أعلم. وكذا لو أُعِدَّ للإيجار أو للنفقة منه، فتجب فيه زكاة، كما نصوا عليه في المذهب. (بحث)стр. 204
وَيجب تَقْوِيمُ عَرْضِ التِّجَارَةِ بالأحظ للْفُقَرَاء مِنْهُمَا، وَتُخرج من قِيمَته (١) ،
وإن اشْترى عرضاً بنصابِ غيرَ سَائِمَة الحواشي
(١) العرْض بإسكان الراء: ما يعد للبيع والشراء لأجل الربح. وقد تقدم: أنه لا يجزئ إخراج زكاة العروض من عينها؛ لأن الزكاة واجبة في قيمتها إذ هي محل الوجوب. والقيمة إن لم توجد عينًا فهي مقدرة شرعًا، فيخرج من أحد النقدين أو الأوراق النقدية. وننظر إلى الأحظ للفقراء من الذهب والفضة، وفي الوقت الحالي، الأحظ هو الفضة. ويرى شيخ الإسلام جوازَ إخراج زكاة العروض من عينها، ذكره عنه في الإنصاف، قلت: وهو كذلك في الاختيارات، وفي الفتاوى جوَّز إخراجَها من العروض للحاجة أو المصلحةالراجحة، واختاره أيضا الشيخ السعدي كما في الفتاوى السعدية.
(تتمة) يشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة: ١ - أن تبلغ قيمتها نصاباً، ٢ - أن ينوي التجارة حال تملكه لها، ٣ - أن يملكها بفعله كفتح دكان وغيره، أما إذا ملكها بغير فعله كمن ورث بقالة، فلا تكون عرض تجارة، ولا زكاة عليه.
والدليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة، ١٠٣]، ومال التجارة أعم الأموال، فهو أولى بالدخول من غيره. والخلاف في وجوبها - كما قال شيخ الإسلام - هو خلاف شاذ. ويرى بعض العلماء المعاصرين عدمَ وجوبها، وهذا فيه ضرر كبير على الفقراء؛ لأن السائمة تكاد تتلاشى، ولا يكاد يوجد ذهب ولا فضة، وأكثر ما تزيد به الأموال الآن هو عروض التجارة، فإذا لم نوجب الزكاة في عروض التجارة لم يبق للفقراء إلا شيء يسير.
ونذكر بعض المسائل التي تتعلق بزكاة العروض:
- من عنده تجارة ثم أتته أموال ليست من عروض التجارة الأُولى، وبدأ بها تجارة أخرى في نصف السنة مثلاً، فيبدأ حولها من نصف السنة. ومن بدأ تجارة بأقل من نصاب ثم بعد مضي مدة بلغ نصاباً، فحينئذ يبدأ الحول بشرط كونه ناوياً التجارة.
- من عنده سيارات للقنية ثم نوى بها التجارة لا تصير للتجارة بمجرد النية حتى يبيعها ويدخل عليه الثمن بنية التجارة، فيبدأ حينئذ حول التجارة. والقول الثاني في المذهب: أنها تنتقل للتجارة بمجرد نية التجارة، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
- من عنده بقالة، فإنه يُقوِّم ما عنده بسعر اليوم الذي وجبت فيه الزكاة ويخرجها. فإن باع البقالة كلها قبل الحول بأيام، فعليه أن يزكي ثمنها عند انقضاء ذلك الحول، لا إن قطع نية التجارة بأن اشترى بثمنها بيتاً ونحوه قبل حولان الحول.
- من عنده محل لإصلاح السيارات لا تجب عليه الزكاة في الآلات التي يستعملها، لكن يقوِّم الكفرات (الإطارات) مثلًا كل سنة ويزكيها. وكذا صاحب مغسلة الملابس لا تجب عليه الزكاة في آلات الغسل والكي. أما المواد التي يستعملها، فهي نوعان: ما كان يستهلك كالصابون والمبيِّض الذي يستعمله ويستهلك فلا زكاة فيه، أما الأصباغ التي يزيد بها سعر الثوب أو يبقى أثره، فيجب عليه أن يزكيها إذا حال عليها الحول وهي عنده؛ حتى النِّيل فإنه يبقى أثره.
- العقارات في المذهب تجب فيها زكاة العروض إذا اشتراها بنية الربح. فمن أخذ أرضاً وبقيت عنده سنوات ينتظر ارتفاع الأسعار، فإنه يقومِّها كل سنة ويخرج الزكاة إذا باعها عن كل سنة؛ لأن انتظاره ارتفاع الأسعار هي نية التجارة. وأما إذا اشتراها لحفظ ماله لا للربح، فالظاهر عدم وجوب الزكاة فيها، والله أعلم.
- العين المؤجرة كعمارة تؤجر لا زكاة في عينها بل في الأجرة، ويبدأ حولها من حين العقد، فإذا حال الحول وهي عنده وجبت زكاتها إن كانت نصاباً.
- كما تجب زكاة العروض في الأعيان، فإنها تجب أيضاً في المنافع، وهي مسألة صعبة جداً مذكورة في المنتهى، وتحتاج لتحرير، والله أعلم.стр. 205
الحواشي
(١) إذا اشترى عرضاً للتجارة وكان ما دفعه نصاباً من ذهب أو فضة أو عروض تجارة، فإنه يبني على حوله. أما إن اشتراه بنصاب سائمة، فلا يبني. فلو كان عنده أربعون شاة ومضى من الحول ستة أشهر مثلاً، ثم اشترى به بقالة، فإنه يستأنف حولاً جديداً، وكذا لو باع عرض التجارة وكان الذي قبضه نصاباً من السائمة انقطع الحول ولم يَبْنِ عليه؛ لاختلافهما في النصاب والواجب، والله أعلم.стр. 206
فصل (في زكاة الفطر)
وَتجب الفطْرَة على كل مُسلم (١) إذا كَانَت فاضلةً عَن نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ يَومَ العِيد وَلَيْلَتَهُ (٢) وحوائجَ أصلية (٣) ، فَيخرج عَن نَفسه وَمُسلم يمونه (٤) ، وَتسن عَن جَنِين (٥) .
وَتجب بغروب الشَّمْس لَيْلَة الْفطر (٦) ، وَتجوز قبله الحواشي
(١) لحديث ابن عمر ﵄: «أن الرسول ﷺ فرض الزكاة على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، متفق عليه.(٢) الغِنَى هنا: مقدر بيوم العيد وليلته فقط، فلا يشترط كونه غنياً طوال العام أو مدة طويلة.(٣) كالمسكن والخادم والدابة التي يحتاج إليها.(٤) فيجب عليه أن يُخرج عن نفسه وعن كل مسلم يمونه - أي: ينفق عليه - كزوجته ووالديه إن كان ينفق عليهما. والنفقة في ثلاثة: الكسوة والسكنى والقوت، أي: الأكل والشرب.(٥) الذي لم يولد، فيسن أن يخرج عنه؛ لفعل عثمان ﵁.(٦) زكاة الفطر لها خمسة أوقات: (الوقت الأول) وقت الوجوب: فتجب الزكاة بغروب الشمس ليلة الفطر، ويترتب على ذلك: أنه لو مات قبل الغروب فلا زكاة عليه وإن مات بعد الغروب فتجب الزكاة في تركته، ولو ولد له مولودٌ أو تزوج بعد الغروب، فلا تجب عليه الزكاة عن هذا المولود أو هذه الزوجة؛ وقبل الغروب تجب، وكذا لو كان معسرا قبل الغروب وأيسر بعده فلا تجب عليه كما في الإقناع، فلو وجد فقير قوته وقوت عياله من زكوات اجتمعت له بعد الغروب فلا تجب عليه الزكاة، وإن كان هذا قبل الغروب وجبت والله أعلم.стр. 207
بيومين فَقَط (١) ، ويومه قبل الصَّلَاة أفضل (٢) ، وَتكره فِي بَاقِيه (٣) ، وَيحرم تأخيرها عَنهُ، وتقضى وجوباً (٤) .
وَهِي صَاعٌ (٥) من بر أو شعير أو سويقِهما أو دقيقِهما أو تمر أو زبيب الحواشي
(١) (الوقت الثاني) وقت الجواز: فتجوز قبل يوم العيد بيومين فقط، ولا تجزئ قبل ذلك.(٢) (الوقت الثالث) وقت السنية أو الأفضلية: وهو يوم العيد قبل الصلاة؛ لقول ابن عمر: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» في الحديث المتفق عليه، وهو بين طلوع الفجر وصلاة العيد.(٣) (الوقت الرابع) وقت الكراهة: فيكره إخراجها يوم العيد بعد صلاة العيد؛ لكنها في المذهب لا تزال من باب الأداء لا القضاء.(٤) (الوقت الخامس) وقت الحرمة: وهو تأخيرها إلى بعد يوم العيد، فيحرم، لكن يخرجها وجوباً، وتكون من باب القضاء. فلا تسقط بخروج الوقت؛ لأنها عبادة كالصلاة.(٥) مقدارها: صاع. واختلف العلماء في تقديره بالوزن، فقال بعضهم: ٣ كجم، وهو رأي اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم المبارك المالكي الأحسائي: كيلوان وأربعمئة جرام. وقال الشيخ ابن عثيمين: ٢، ٠٤٠ كجم، أي: كيلوان وأربعون جراماً، وهو المذهب والأقرب إن شاء الله؛ وذلك أن الصاع على المذهب = خمسة أرطال وثلث، أي ٥، ٣٣٣٣٣ رطل، والرطل = ٩٠ مثقالًا، والمثقال = ٤، ٢٥ جم، فناتج الضرب = ٢٠٤٠ جم، فإذا قسمناه على ألف حصلنا على ٢، ٠٤٠ كجم، أي: كيلوان وأربعون غراماً.стр. 208
أو أقط (١) ، والأفضلُ تمرٌ فزبيبٌ فبرٌ فأنفعُ (٢) ، فإن عَدِمتْ أجزأ كلُّ حبٍّ يُقتات (٣) .
وَيجوز إعطاءُ جمَاعَة مَا يلْزمُ الوَاحِدَ وَعَكسُهُ. الحواشي
(١) يجب أن تُخرج زكاة الفطر من هذه الأصناف الخمسة فقط. والسويق: هو أن يحمص البر أو الشعير ويقلى ثم يطحن، كما ذكر الشيخ منصور. لكن يشترط في إخراج الدقيق أو السويق أن يخرج بوزن الحب ولا يخرجه كيلاً، فيأتي مثلاً بصاع من الشعير ثم يزنه، ثم يخرج دقيق الشعير بوزن صاع الحب الذي وزنه. ويشكل في الوقت الحالي إخراج الشعير والأقط؛ لعدم قبول الفقراء لهما، لكن المذهب وجوب إخراج الزكاة من أحد هذه الخمسة إن وجدت في البلد.(٢) الأفضل التمر؛ لأنه حلاوة وقُوت يتحمل التخزين، وبعده الزبيب، وبعده البر، ثم الأنفع للفقير.(٣) كالأرز الآن والذرة، ويجزئ أيضاً: الثمر الذي يقتات كالتين. والقوت - كما قال النجدي ﵀: ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام.стр. 209
فصل (في إخراج الزكاة وأهلها)
وَيجب إخراج زَكَاةٍ على الفَوْرِ مَعَ إمكانِه (١) ،
وَيُخرج وليُّ صَغِيرٍ الحواشي
(١) أي: إذا كان متمكناً من إخراجها، فيجب إخراج الزكاة وقت الوجوب على الفور؛ لأن الأوامر عندنا كلها محمولة على الفورية.
(تتمة) وقت وجوب الزكاة يختلف باختلاف الأموال الزكوية: ١ - فوقت الوجوب في بهيمة الأنعام والأثمان وعروض التجارة: حَوَلان الحول، ٢ - وفي العسل: إحرازه وبلوغه النصاب، ٣ - وفي الخارج من الأرض: اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر، ٤ - وفي المعدن: إحرازه، أي: استخراجه من الأرض، ويقدر نصابه بالفضة؛ لأنها الأحظ للفقراء، ٥ - وفي زكاة الفطر: غروب الشمس ليلة عيد الفطر.
وقد استثنى الحنابلة صوراً يجوز فيها تأخير إخراج الزكاة عن وقت الوجوب، ومن هذه الصور: ١ - تعذر إخراجها من النصاب لغيبة المال؛ فلو دخل شخص في مشروع زمنه سنتان أو ثلاث مثلاً فيجب عليه أن يزكي كل سنة، لكن لا يجب أن يخرج الزكاة إلا إذا قبض رأس المال والأرباح، ولا يلزمه أن يخرجها من مال آخر عنده ولو كان مالا كثيراً، بل الواجب عليه أن يخرجها من نفس المال، لكن لو أخرج من مال عنده لكل سنة أجزأ، والله أعلم. ٢ - كذلك إذا كان المزكي فقيراً محتاجاً لزكاته، ومثال الفقير الذي تجب عليه الزكاة: من كان عنده مال مدفون ونسيه، ثم وجده بعد سنتين مثلاً، فيجب عليه أن يزكيه.
(مسألة تعلق الزكاة بالذمة): من عليه زكاة سنتين وليس عنده إلا ألفا ريال مثلاً، فتجب عليه الزكاة. ولو أنه لم يجد المال إلا بعد السنتين، فالواجب عليه ربع العشر للحول الأول، فيقسم الألفين على أربعين ويخرج خمسين ريالاً، أما الحول الثاني، فينقص الخمسين ويخرج ربع عشر الباقي، كما ذكر الزاد، فقال: (وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلق بالذمة)، فهو مدين بهذه الزكاة، وهذا هو المذهب. فإذا أراد أن يخرج للحول الثاني، فإنه يقسم ١٩٥٠ على أربعين، ويخرج ٤٨، ٧٥ ريالاً. وهذه مسألة مهمة جداً.стр. 210
وَمَجْنُونٍ عَنْهُمَا (١) ، وَشُرِط لَهُ نِيَّةٌ (٢) . الحواشي
(١) وجوباً.(٢) أي: يشترط للإخراج نية من مكلف، ويستثنى من ذلك ثلاث صور: ١ - مالو أُخِذت منه قهراً، فتجزئ ظاهراً، ٢ - أو يُغَيِّب ماله، فتؤخذ منه الزكاة حيث وجد المال، وتجزئ ظاهراً، فلا يؤمر بها ثانياً، ٣ - أو يتعذر الوصول إلى المالك بحبس أو أسر، فيأخذها الساعي من ماله، وهنا تجزئ ظاهراً وباطناً.
وصيغ النية هنا: أن ينوي الزكاة، أو ينوي الصدقة الواجبة، أو ينوي صدقة المال أو صدقة الفطر.
ولا يشترط في الزكاة تعيين المال المزكى، بخلاف العبادات الأخرى؛ فيعين في الصلاة كونها ظهراً، وفي الصيام كونه من رمضان، وكذا جميع العبادات إلا الزكاة. فمن عنده أربعون شاة في الرياض، وأربعون في الأحساء فعليه شاتان؛ فإن أراد أن يخرجهما لم يجب أن يعين كون هذه الشاة عما في الرياض، وتلك عما في الأحساء.стр. 211
وَحرُم نقلهَا إلى مَسَافَةِ قصرٍ إن وُجد أهلُها (١) ،
فإن كَانَ فِي بلد وَمَالُه فِي آخر أخرَجَ زَكَاةَ المَال فِي بلدِ المال، وفطرتَه وفطرةً لَزِمتهُ فِي بلد نَفسه (٢) ، وَيجوز تَعْجِيلُهَا لحولين فَقَط (٣) . الحواشي
(١) فيحرم نقلها إلى مسافة قصر فأكثر - لا دونها - من بلد المال، ولو كان لرحم أو أشد حاجة. فإن فعل أجزأت مع الإثم. وإن لم يجد المزكي أهلَ الزكاة في بلده فرقها - على أهلها - في أقرب البلاد إليه.
(تتمة) يستثنى من تحريم نقل الزكاة من بلد المال: ما إذا ترتب على جعل الزكاة في فقراء بلد كل مال تشقيصُ زكاةِ الحيوان السائمة، فإنها تجعل في بلد واحد، كما لو كان له عشرون مختلطة مع عشرين لآخر في بلد، وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر أيضاً بينهما مسافة قصر؛ فإن عليه في كل خلطة نصف شاة فيخرج شاة في أي البلدين شاء، والله أعلم.(٢) فزكاة المال تتبع المال، وزكاة الفطر تتبع البدن؛ لأنه سببها. فمن كان في الأحساء وعنده مال في الرياض، أخرج زكاة ذلك المال في الرياض، وأما الفطرة، فلو أن مصرياً أقام في المملكة وأهله في مصر، فيخرج الفطرة عن نفسه وأهله في المملكة.
لكن يرد عليه إشكال: وهو كون الناس هناك أحوج إليها ممن في المملكة، فهل يجوز أن يخرجها في مصر؟ عندي فيها تردد، فلتحرر. والله أعلم.(٣) والأفضل تركه. ويستثنى من جواز التعجيل: ما يستفاد من ربح التجارة، ونتاج السائمة، وكذا المعدن، والركاز، والزروع، والثمار، فلا يجوز تعجيل زكاتها قبل حصولها. أما غير ذلك، فيجوز فيه التعجيل بشرطين:
(الشرط الأول) كونه بعد كمال النصاب: فلا يجوز قبل ذلك؛ لعدم انعقاد سبب وجوب الزكاة كالتكفير قبل الحلف؛ قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه).
(الشرط الثاني) ألا يعجل لحولين من المال، وإذا أخرج من غير المال أجزأه. فمن عنده أربعون شاة فعجَّل منها قبل حَوَلان الحول واحدةً للحول الأول وأخرى للحول الثاني، فلا يجزئه؛ لنقصان النصاب في الحول الثاني. والعلة: أن المعجل للحول الأول في المذهب هو في حكم الموجود في النصاب، وأما المعجل للحول الثاني فهو في حكم المفقود. لكن لو عجل واحدة من النصاب، واشترى الثانية للحول الثاني من السوق أجزأه، ولهذا قال الشارح في كشف المخدرات: (لا منه للحولين).стр. 212
وَلَا تُدفع إلا إلى الأصنافِ الثَّمَانِية وهم: الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ (١) ، الحواشي
(١) ضابط الفقير: من لا يجد شيئاً البتة، أو يجد أقل من نصف كفايته. وضابط المسكين: من يجد نصف كفايته أو أكثرها. وتقدر الكفاية: بسَنة، فقد كان الرسول ﷺ يدخر لأهله نفقة سنة لا أكثر متفق عليه.
فمن كان راتبه ١٥٠٠ في الشهر - أي: ١٨٠٠٠ في السنة -، لكن نفقته في السنة ٤٠٠٠٠، فهو فقير؛ لأن دخله أقل من نصف كفايته. أما من راتبه ٢٠٠٠ في الشهر - أي: ٢٤٠٠٠ في السنة -، ونفقته ٤٠٠٠٠ أيضاً، فهو مسكين؛ لتعدي دخله نصف كفايته.
(تتمة) لا بد أن يُسأل الفقير عن راتبه ونفقته قبل أن تدفع إليه الزكاة، وهو مستأمن فيصَدَّق بما يُخبر، فإن غلب على الظن صدقه دُفعت إليه. فيجب تحري الفقراء والمساكين؛ لئلا تعطى الزكاة لمن لا يستحقها ويُحرم المستحق.
ومقدار ما يعطى الفقير والمسكين من الزكاة: تمام كفايتهما مع عائلتهم سنة، ولا يزادان.
(تتمة) إعطاء الفقير من الزكاة ليتزوج: اختلف فيه الشيخان مرعي الكرمي والبهوتي رحمهما الله تعالى، فمنع مرعي ذلك، فقال: (ويتجه باحتمال: لا - أي: ? يعطى من الزكاة - لتزويجه، فإن استدان له جاز)، فأجاز إعطاءه من الزكاة بعد أن يستدين؛ لكونه غارماً. أما الشيخ منصور فأجازه، وقال: (ومن تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به إذا لم تكن له زوجة واحتاج للنكاح)، وذكره عنه الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على المنتهى، ولم أره عند غيره.
قلت: قول الشيخ منصور هو قياس المذهب؛ لما ذكره الحنابلة في باب النفقات: أن من وجب عليه نفقة شخص وجب إعفافه. والنكاح حاجة للإنسان كالأكل والشرب، فإذا جاز إعطاؤه لأكله وشربه جاز لنكاحه. والله أعلم. (خلاف المتأخرين)стр. 213
الحواشي
(١) هم الذين يكتبون ويحفظون ويقسمون الزكاة، ويشترط كونه: مسلماً، مكلفاً، أميناً، كافياً، من غير ذوي القربى ولو غنياً. ومقدار ما يعطى العامل: قدر أجرته، وقال في الإقناع: (ويقدم العامل بأجرته على غيره من أهل الزكاة).
(تتمة) إن كان الذي يخرج الزكاة عن صاحب المال وكيلاً لصاحب المال، فلا يستحق من نصيب العامل شيئاً. وإن كان من الجمعيات الخيرية: فإن كانوا مُوَكَّلِين من قبل ولي الأمر باستقبال الزكاة من الناس وليس لهم رواتب من قِبَل ولي الأمر، فالظاهر: استحقاقهم من سهم العاملين عليها قدر أجرتهم، والله أعلم. (تحقيق)
وقد نص في الإقناع: على أن الإمام وكيل عن الفقراء.стр. 214
والمؤلفةُ قُلُوبُهم (١) ، وَفِي الرّقابِ (٢) ، والغارمون (٣) ، الحواشي
(١) يشترط في المؤلَّف قلبه: أن يكون سيداً مطاعاً في قومه فبإسلامه يسلم أتباعه، فلا يعطى غيره. والمؤلفة ستة أصناف: ١ - من يرجى إسلامه، ٢ - أو يخشى شره مسلماً كان أو كافراً، لكن يحرم على المسلم أن يأخذ الزكاة ليكف شره، ٣ - أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، ٤ - أو إسلام نظيره، ٥ - أو جبايتها ممن لا يعطيها، ٦ - أو يدفع عن المسلمين، ٧ - وزاد في الإقناع والغاية: يرجى بعطيته نصحه في الجهاد.
(تتمة) مقدار ما يعطى المؤلف من الزكاة: قدرٌ يحصل به التأليف.(٢) وهم المكاتبون، ويجوز أن يشترى منها رقبة، ويجوز أيضا أن يفك منها الأسير المسلم، فيدفع من الزكاة لفك أسره عند الحاجة إلى ذلك.(٣) جمع غارم، وهم ضربان: ١ - من تدين لإصلاح ذات البين كمن تحمل ديناً للإصلاح بين قبيلتين، فيعطى من الزكاة ولو غنياً بشرط ألا يكون دفع الحمالة من عنده، فإن فعل لم يعط، ٢ - ومن تدين لنفسه في مباح، ثم عجز عن سداد دينه.
(تتمة) شرط استحقاق الغارم لنفسه الزكاة: أن يعجز عن وفاء دينه. وعبارة المتون في ذلك: في الزاد: (أو لنفسه مع الفقر)، وفي الإقناع: (إن كان عاجزاً عن وفاء دينه)، وفي المنتهى: (أو تدين لنفسه في مباح ... وأعسر)، ومثله الغاية.
فما حد العجز عن وفاء الدين؟ وهل يشمل العجز عن وفائه حالاً ومآلاً، أم يقتصر على العجز عن وفائه حالاً فقط؟ فلو اقترض شخص مئة ألف ريال وأنفقها في شراء حاجة أو غير ذلك، ولو طولب بها في الحال لم يستطع الوفاء، لكنه قادر على الوفاء بعد سنة مثلاً، فهل يستحق الزكاة؟ أم لا بد لاستحقاق الغارم للزكاة أن يعجز عن الوفاء في الحال والمستقبل؟
والذي يظهر لي: أنه يشترط لاستحقاق الزكاة العجز عن الوفاء في الحال والمستقبل، والله أعلم. (بحث)
(تتمة) مقدار ما يعطى الغارم من الزكاة: يعطى وفاء دينه ولو كان الدين لله تعالى ككفارة، لكن لا يجوز أن يقضى من الزكاة دين على ميت.стр. 215
وَفِي سَبِيل الله (١) ، وَابْن السَّبِيل (٢) . الحواشي
(١) وهم الغزاة المتطوعون الذين ليس لهم ديوان، أي: ليس لهم وظائف في الدولة، أو لهم لكن لا تكفيهم لغزوهم. فيعطى الغازي ولو غنياً؛ لأنه لحاجة المسلمين. ويجزئ في المذهب إعطاء الزكاة لحج فرض فقير وعمرته؛ لحديث: «الحج والعمرة في سبيل الله»، رواه الإمام أحمد.(٢) وهو المسافر المنقطع به في غير بلده، فيُعْطَى ما يوصله إلى بلده أو منتهى قصده وعوده ولو وجد مقرضاً. ويشترط كون السفر: مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، أو محرماً وتاب منه، لا محرماً لم يتب منه، ولا مكروهاً، ولا في نزهة، بخلاف قصر الصلاة، فيجوز لمن سافر في نزهة. (فرق فقهي) ولعل مرادهم بعدم إعطائه في سفر النزهة: ليذهب إلى نزهته ويعود، أما لو انتهى وأراد أن يعود لبلده ولم يجد ما يوصله لبلده، فإنه يعطى من الزكاة ما يرده إلى بلده، فليحرر. والله أعلم.
(تتمة) أهل الزكاة قسمان: القسم الأول: من يأخذ الزكاة بسبب يستقر الأخذ به، وهو الفقر والمسكنة والعمالة والتأليف، فمن أخذ من هؤلاء شيئاً من الزكاة صرفه فيما شاء كسائر أمواله، ولا يرد ما فضل عنده. والقسم الثاني: من يأخذ الزكاة بسبب لا يستقر الأخذ به، وهو الكتابة والغرم والغزو والسبيل، فمن أخذ من هؤلاء من الزكاة شيئاً صرفه فيما أخذه له فقط؛ لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه، وإن فضل عنده شيء من الزكاة رده وجوبا. (فرق فقهي)
ذكر هذه القاعدة المجد، وتبعه في الفروع والإقناع والنجدي وغيرهم.следующие страницы →