Полный текст (758 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَحرُم نقلهَا إلى مَسَافَةِ قصرٍ إن وُجد أهلُها (١) ،
فإن كَانَ فِي بلد وَمَالُه فِي آخر أخرَجَ زَكَاةَ المَال فِي بلدِ المال، وفطرتَه وفطرةً لَزِمتهُ فِي بلد نَفسه (٢) ، وَيجوز تَعْجِيلُهَا لحولين فَقَط (٣) . الحواشي
(١) فيحرم نقلها إلى مسافة قصر فأكثر - لا دونها - من بلد المال، ولو كان لرحم أو أشد حاجة. فإن فعل أجزأت مع الإثم. وإن لم يجد المزكي أهلَ الزكاة في بلده فرقها - على أهلها - في أقرب البلاد إليه.
(تتمة) يستثنى من تحريم نقل الزكاة من بلد المال: ما إذا ترتب على جعل الزكاة في فقراء بلد كل مال تشقيصُ زكاةِ الحيوان السائمة، فإنها تجعل في بلد واحد، كما لو كان له عشرون مختلطة مع عشرين لآخر في بلد، وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر أيضاً بينهما مسافة قصر؛ فإن عليه في كل خلطة نصف شاة فيخرج شاة في أي البلدين شاء، والله أعلم.(٢) فزكاة المال تتبع المال، وزكاة الفطر تتبع البدن؛ لأنه سببها. فمن كان في الأحساء وعنده مال في الرياض، أخرج زكاة ذلك المال في الرياض، وأما الفطرة، فلو أن مصرياً أقام في المملكة وأهله في مصر، فيخرج الفطرة عن نفسه وأهله في المملكة.
لكن يرد عليه إشكال: وهو كون الناس هناك أحوج إليها ممن في المملكة، فهل يجوز أن يخرجها في مصر؟ عندي فيها تردد، فلتحرر. والله أعلم.(٣) والأفضل تركه. ويستثنى من جواز التعجيل: ما يستفاد من ربح التجارة، ونتاج السائمة، وكذا المعدن، والركاز، والزروع، والثمار، فلا يجوز تعجيل زكاتها قبل حصولها. أما غير ذلك، فيجوز فيه التعجيل بشرطين:
(الشرط الأول) كونه بعد كمال النصاب: فلا يجوز قبل ذلك؛ لعدم انعقاد سبب وجوب الزكاة كالتكفير قبل الحلف؛ قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه).
(الشرط الثاني) ألا يعجل لحولين من المال، وإذا أخرج من غير المال أجزأه. فمن عنده أربعون شاة فعجَّل منها قبل حَوَلان الحول واحدةً للحول الأول وأخرى للحول الثاني، فلا يجزئه؛ لنقصان النصاب في الحول الثاني. والعلة: أن المعجل للحول الأول في المذهب هو في حكم الموجود في النصاب، وأما المعجل للحول الثاني فهو في حكم المفقود. لكن لو عجل واحدة من النصاب، واشترى الثانية للحول الثاني من السوق أجزأه، ولهذا قال الشارح في كشف المخدرات: (لا منه للحولين).стр. 212
وَلَا تُدفع إلا إلى الأصنافِ الثَّمَانِية وهم: الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ (١) ، الحواشي
(١) ضابط الفقير: من لا يجد شيئاً البتة، أو يجد أقل من نصف كفايته. وضابط المسكين: من يجد نصف كفايته أو أكثرها. وتقدر الكفاية: بسَنة، فقد كان الرسول ﷺ يدخر لأهله نفقة سنة لا أكثر متفق عليه.
فمن كان راتبه ١٥٠٠ في الشهر - أي: ١٨٠٠٠ في السنة -، لكن نفقته في السنة ٤٠٠٠٠، فهو فقير؛ لأن دخله أقل من نصف كفايته. أما من راتبه ٢٠٠٠ في الشهر - أي: ٢٤٠٠٠ في السنة -، ونفقته ٤٠٠٠٠ أيضاً، فهو مسكين؛ لتعدي دخله نصف كفايته.
(تتمة) لا بد أن يُسأل الفقير عن راتبه ونفقته قبل أن تدفع إليه الزكاة، وهو مستأمن فيصَدَّق بما يُخبر، فإن غلب على الظن صدقه دُفعت إليه. فيجب تحري الفقراء والمساكين؛ لئلا تعطى الزكاة لمن لا يستحقها ويُحرم المستحق.
ومقدار ما يعطى الفقير والمسكين من الزكاة: تمام كفايتهما مع عائلتهم سنة، ولا يزادان.
(تتمة) إعطاء الفقير من الزكاة ليتزوج: اختلف فيه الشيخان مرعي الكرمي والبهوتي رحمهما الله تعالى، فمنع مرعي ذلك، فقال: (ويتجه باحتمال: لا - أي: ? يعطى من الزكاة - لتزويجه، فإن استدان له جاز)، فأجاز إعطاءه من الزكاة بعد أن يستدين؛ لكونه غارماً. أما الشيخ منصور فأجازه، وقال: (ومن تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به إذا لم تكن له زوجة واحتاج للنكاح)، وذكره عنه الشيخ عثمان النجدي في حاشيته على المنتهى، ولم أره عند غيره.
قلت: قول الشيخ منصور هو قياس المذهب؛ لما ذكره الحنابلة في باب النفقات: أن من وجب عليه نفقة شخص وجب إعفافه. والنكاح حاجة للإنسان كالأكل والشرب، فإذا جاز إعطاؤه لأكله وشربه جاز لنكاحه. والله أعلم. (خلاف المتأخرين)стр. 213
الحواشي
(١) هم الذين يكتبون ويحفظون ويقسمون الزكاة، ويشترط كونه: مسلماً، مكلفاً، أميناً، كافياً، من غير ذوي القربى ولو غنياً. ومقدار ما يعطى العامل: قدر أجرته، وقال في الإقناع: (ويقدم العامل بأجرته على غيره من أهل الزكاة).
(تتمة) إن كان الذي يخرج الزكاة عن صاحب المال وكيلاً لصاحب المال، فلا يستحق من نصيب العامل شيئاً. وإن كان من الجمعيات الخيرية: فإن كانوا مُوَكَّلِين من قبل ولي الأمر باستقبال الزكاة من الناس وليس لهم رواتب من قِبَل ولي الأمر، فالظاهر: استحقاقهم من سهم العاملين عليها قدر أجرتهم، والله أعلم. (تحقيق)
وقد نص في الإقناع: على أن الإمام وكيل عن الفقراء.стр. 214
والمؤلفةُ قُلُوبُهم (١) ، وَفِي الرّقابِ (٢) ، والغارمون (٣) ، الحواشي
(١) يشترط في المؤلَّف قلبه: أن يكون سيداً مطاعاً في قومه فبإسلامه يسلم أتباعه، فلا يعطى غيره. والمؤلفة ستة أصناف: ١ - من يرجى إسلامه، ٢ - أو يخشى شره مسلماً كان أو كافراً، لكن يحرم على المسلم أن يأخذ الزكاة ليكف شره، ٣ - أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، ٤ - أو إسلام نظيره، ٥ - أو جبايتها ممن لا يعطيها، ٦ - أو يدفع عن المسلمين، ٧ - وزاد في الإقناع والغاية: يرجى بعطيته نصحه في الجهاد.
(تتمة) مقدار ما يعطى المؤلف من الزكاة: قدرٌ يحصل به التأليف.(٢) وهم المكاتبون، ويجوز أن يشترى منها رقبة، ويجوز أيضا أن يفك منها الأسير المسلم، فيدفع من الزكاة لفك أسره عند الحاجة إلى ذلك.(٣) جمع غارم، وهم ضربان: ١ - من تدين لإصلاح ذات البين كمن تحمل ديناً للإصلاح بين قبيلتين، فيعطى من الزكاة ولو غنياً بشرط ألا يكون دفع الحمالة من عنده، فإن فعل لم يعط، ٢ - ومن تدين لنفسه في مباح، ثم عجز عن سداد دينه.
(تتمة) شرط استحقاق الغارم لنفسه الزكاة: أن يعجز عن وفاء دينه. وعبارة المتون في ذلك: في الزاد: (أو لنفسه مع الفقر)، وفي الإقناع: (إن كان عاجزاً عن وفاء دينه)، وفي المنتهى: (أو تدين لنفسه في مباح ... وأعسر)، ومثله الغاية.
فما حد العجز عن وفاء الدين؟ وهل يشمل العجز عن وفائه حالاً ومآلاً، أم يقتصر على العجز عن وفائه حالاً فقط؟ فلو اقترض شخص مئة ألف ريال وأنفقها في شراء حاجة أو غير ذلك، ولو طولب بها في الحال لم يستطع الوفاء، لكنه قادر على الوفاء بعد سنة مثلاً، فهل يستحق الزكاة؟ أم لا بد لاستحقاق الغارم للزكاة أن يعجز عن الوفاء في الحال والمستقبل؟
والذي يظهر لي: أنه يشترط لاستحقاق الزكاة العجز عن الوفاء في الحال والمستقبل، والله أعلم. (بحث)
(تتمة) مقدار ما يعطى الغارم من الزكاة: يعطى وفاء دينه ولو كان الدين لله تعالى ككفارة، لكن لا يجوز أن يقضى من الزكاة دين على ميت.стр. 215
وَفِي سَبِيل الله (١) ، وَابْن السَّبِيل (٢) . الحواشي
(١) وهم الغزاة المتطوعون الذين ليس لهم ديوان، أي: ليس لهم وظائف في الدولة، أو لهم لكن لا تكفيهم لغزوهم. فيعطى الغازي ولو غنياً؛ لأنه لحاجة المسلمين. ويجزئ في المذهب إعطاء الزكاة لحج فرض فقير وعمرته؛ لحديث: «الحج والعمرة في سبيل الله»، رواه الإمام أحمد.(٢) وهو المسافر المنقطع به في غير بلده، فيُعْطَى ما يوصله إلى بلده أو منتهى قصده وعوده ولو وجد مقرضاً. ويشترط كون السفر: مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، أو محرماً وتاب منه، لا محرماً لم يتب منه، ولا مكروهاً، ولا في نزهة، بخلاف قصر الصلاة، فيجوز لمن سافر في نزهة. (فرق فقهي) ولعل مرادهم بعدم إعطائه في سفر النزهة: ليذهب إلى نزهته ويعود، أما لو انتهى وأراد أن يعود لبلده ولم يجد ما يوصله لبلده، فإنه يعطى من الزكاة ما يرده إلى بلده، فليحرر. والله أعلم.
(تتمة) أهل الزكاة قسمان: القسم الأول: من يأخذ الزكاة بسبب يستقر الأخذ به، وهو الفقر والمسكنة والعمالة والتأليف، فمن أخذ من هؤلاء شيئاً من الزكاة صرفه فيما شاء كسائر أمواله، ولا يرد ما فضل عنده. والقسم الثاني: من يأخذ الزكاة بسبب لا يستقر الأخذ به، وهو الكتابة والغرم والغزو والسبيل، فمن أخذ من هؤلاء من الزكاة شيئاً صرفه فيما أخذه له فقط؛ لعدم ثبوت ملكه عليه من كل وجه، وإن فضل عنده شيء من الزكاة رده وجوبا. (فرق فقهي)
ذكر هذه القاعدة المجد، وتبعه في الفروع والإقناع والنجدي وغيرهم.стр. 216
وَيجوز الِاقْتِصَارُ على وَاحِدٍ من صنف، والأفضلُ تعميمُهم والتسويةُ بَينهم (١) .
وَتُسَنُّ إلى مَنْ لَا تلْزمُهُ مؤونتُه من أقاربه (٢) ، وَلَا تدفعُ لبني هَاشم (٣) ومواليهم (٤) ، وَلَا لأصلٍ وَفرعٍ وَعبدٍ وَكَافِرٍ (٥) ، فإن دَفعهَا لمن ظَنّه أهلاً الحواشي
(١) يجوز الاقتصار على واحد من هذه الأصناف الثمانية؛ بخلاف الشافعية الذين يوجبون تعميمهم حسب الإمكان، لكن الأفضل تعميم الأصناف الثمانية، والتسوية بينهم في العطاء.(٢) كذوي رحمه، ومن لا يرثه من نحو أخ وابن عم.(٣) أي: لا يجوز ولا يجزئ أن تدفع لبني هاشم وهم: سلالته، وهم ستة: آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل أبي لهب، وآل حارث بن عبد المطلب، فلا يعطون من الزكاة إلا إذا كانوا غزاة أو مؤلفة أو غارمين لإصلاح ذات البين.(٤) مولى بني هاشم: هو من أعتقه بنو هاشم، فلا يعطى من الزكاة.(٥) فلا تُدفع لأصل المزكي كأبيه وأمه وجده، ولا لفرعه كولده؛ لأنه يسقط بذلك النفقة الواجبة عليه، ولا لزوج، ولا لزوجة، ولا لعبد؛ لأنه لا يملك، ولا لكافر.
(تتمة) المذهب: لا يجوز دفع الزكاة إلى عمودي نسبه في حال وجوب نفقتهم على المزكي أو عدم وجوبها، ورثوا أو لم يرثوا، حتى ذوي الأرحام منهم، ولو في غرم لنفسه أو في كتابة أو كان ابن سبيل؛ لأن هؤلاء إنما يأخذون مع الفقر، فأشبه الأخذ للفقر. انتهى ملخصاً من كشاف القناع. واختار شيخ الإسلام جواز إعطاء عمودي النسب لغرم نفسه ولكتابته، وكذا إن كان ابن سبيل كما في الإنصاف. وقال المرداوي: (ويأخذ لكونه عاملًا، ومؤلفاً، وغازياً، وغارماً لذات البين، جزم به في الهداية، والمستوعب، والخلاصة، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين، والحاويين، وغيرهم).стр. 217
فَلم يكن أو بِالعَكْسِ لم تُجزئه إلا لَغَنِيّ ظَنّه فَقِيراً (١) .
وَصدقَةُ التَّطَوُّع بالفاضل عَن كِفَايَتِه وكفايةِ من يمونه سُنةٌ مُؤَكدَةٌ (٢) ، وَفِي رَمَضَانَ وزمنٍ وَمَكَانٍ فَاضل وَوقتِ حاجةٍ أفضلُ (٣) . الحواشي
(١) فلا تجزئ إلا في هذه الحالة؛ لأن حال الفقير قد يخفى على المزكي. لكن يجب على ذلك الغني ردها، ويحرم عليه أكلها.(٢) فإن تصدق بما ينقص مؤنته، أو مؤنة تلزمه، أو أضر بنفسه أو غريمه أو كفيله حرم عليه، ويأثم؛ للحديث: «لا ضرر ولا ضرار».(٣) فإذا كانت في رمضان أو زمن فاضل كالعشر الأول من ذي الحجة، أو مكان فاضل كالحرمين، أو وقت الحاجة في أي مكان، فهو أفضل. ومثال وقت الحاجة في الزمن الحالي: الصيف حيث ترتفع فواتير الكهرباء، والله أعلم.стр. 218
كتاب الصيام (١)
يلزم كل مُسلم مُكَلّف قَادرٍ (٢) بِرُؤْيَة الهلَال وَلَو من عدل (٣) ، أو بإكمال شعْبَان (٤) ، أو وجودِ مَانعٍ من رُؤْيَتِه لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ كغيمٍ وجبلٍ وَغَيرِهمَا (٥) ،
وإن رُؤِيَ نَهَاراً الحواشي
(١) الصيام لغة: الإمساك، وشرعاً: الإمساك بنيةٍ عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص، وهو ركن من أركان الإسلام.(٢) شروط وجوب صيام رمضان ثلاثة: ١ - كونه مسلماً، فلا يجب على كافر، ٢ - كونه مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً، ٣ - كونه قادراً على الصيام.(٣) يثبت دخول رمضان عندنا بأحد ثلاثة أمور: (الأمر الأول) برؤية هلاله، والهلال - كما في المطلع -: (أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قَمَرٌ). ويشترط في الرائي - ولو واحداً -: ١ - كونه مسلماً، ولو أنثى، ٢ - مكلفاً، ٣ - عدلاً. والظاهر: أن المراد بالعدالة: العدالة الظاهرة والباطنة؛ لقول الإقناع والغاية: (لا مستور)، ومستور الحال هو: العدل في الظاهر فقط، والله أعلم.(٤) (الأمر الثاني) إكمال شعبان ثلاثين يوماً.(٥) (الأمر الثالث) وهو مما انفرد به الحنابلة: إذا وُجد مانع من رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان كغيم وجبل وغيرهما كغبار، وجب صوم رمضان وجوبا احتياطياً لا يقينياً، فتثبت به الأحكام الخاصة بصوم رمضان فقط كالتراويح، والسحور ليلته، والكفارة بالوطء فيه. أما العِدد والديون، فلا تحلّ؛ لأنها أحكام لا تتعلق بصوم رمضان، بل بدخول الشهر اليقيني. والخلاف مشهور بين الحنابلة وغيرهم في هذه المسألة. وانتصر شيخُ الإسلام في شرحه للعمدة للمذهب، وردَّ حججَ المخالفين، ثم انتهى إلى أن صومه: مباح وأن بعض الصحابة ﵃ كان يصوم ذلك اليوم. وعلى المذهب، القدر المذكور في الحديث المتفق عليه: «فإن غم عليكم فاقدروا له» هو التضييق، بأن يُجعل تسعة وعشرين يوماً، كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق، ٧]، أي: من ضيق عليه رزقه.
(تتمة) لا يصام رمضان بغير مستند شرعي مما تقدم كحساب ونجوم ولو كثرت إصابتهما، كما في الإقناع وشرحه.стр. 219
الحواشي
(١) فإذا رؤي الهلال في نهار اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فهو لليلة المقبلة ولو قبل الزوال، أول الشهر أو آخره، وقولهم: (فهو لليلة المقبلة) هذا ليس على ظاهره؛ فالحنابلة ينفون أن البارحة رمضان فقط، ولا يثبتون أن الليلة رمضان؛ لأن الرؤية الشرعية إنما تكون بعد الغروب، وقد نبه على هذا البهوتي في كشاف القناع، وكذا الخلوتي، والنجدي.
(تتمة) في المذهب: لو رُؤي الهلال في أي مكان من الأرض - ولو في ماليزيا -، لزم جميع الناس الصوم؛ لأنه هلال واحد. وهذا القول لم تعمل به الأمة ولا في زمن واحد، ولهذا يستحيل أن تصوم الأمة كلها في يوم واحد إلا أن يشاء الله. وشيخ الإسلام يقول باختلاف المطالع، أي: إذا رؤي الهلال في المناطق التي يطلع فيها حُكم بالصوم على جميع أهل تلك البلاد، والمطلع عندهم ٢٢٢٦ كيلو متر، فإذا رؤي الهلال في مكان، فمن كان على مسافة ٢٢٢٦ كيلو متر منه وجب عليه الصوم، كذا ذكره الشيخ عبد الله البسام ﵀ في تعليقه على كتابه نيل المآرب الذي جمع فيه بين عمدة الطالب وشرحِها هداية الراغب. ويُعمل الناسُ الآن بحكم ولي الأمر، فمتى أعلن دخولَ الشهر صام الناس.стр. 220
وإن صَار أهلاً لوُجُوبه (١) فِي أثنائه، أو قدم مُسَافر مُفطراً أو طهرت حَائِض أمسكوا وقضوا (٢) .
وَمن أفطر لكبرٍ أو مرضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أطعم لكل يَوْم مِسْكيناً (٣) .
وَسن الفطرُ لمريضٍ يشق الحواشي
(١) يكون أهلاً لوجوبه إذا توفرت فيه شروط وجوب صوم رمضان المتقدمة، وهي: الإسلام، والتكليف، والقدرة على الصيام.(٢) أي: أمسكوا وجوباً، وقضوا وجوباً. وفي الغاية: (ولهم ثواب إمساك، لا ثواب صيام). وقوله: في أثنائه: أي أثناء اليوم، فلو قدم المسافر مفطراً لزمه الإمساك، فإن جامع زوجتَه وجب عليه القضاء والكفارة. أما الصبي إذا بلغ صائماً في نهار رمضان بسن أو احتلام، فإن صومه يصح فرضاً بقيد مهم، وهو: أن يكون قد بيّت النية من الليل؛ بخلاف بلوغه في أثناء الصلاة، فإنه يجب عليه إعادتها، وكذا الحج غير ما يأتي، نبه عليه البهوتي في شرح المنتهى. (فرق فقهي)(٣) وجوباً؛ فيطعم كل مسكين مد برٍّ أو نصف صاعٍ من غيره. والأصناف التي يطعم منها في المذهب هي الواجبة في زكاة الفطر، وهي: البر، والشعير، والزبيب، والتمر، والأقط.стр. 221
عَلَيْهِ (١) ومسافرٍ يقصر (٢) ، وإن أفطرت حَامِلٌ أو مرضعٌ خوفاً على أنفسهما قضتا فَقَط، أو على ولديْهِما فمَعَ الإطعام مِمَّن يمون الْوَلَدَ (٣) ، وَمن أُغمي عَلَيْهِ أو جُنَّ جَمِيعَ النَّهَارِ لم يَصح صَوْمُهُ وَيَقْضِي الْمغمى عَلَيْهِ (٤) . الحواشي
(١) أي: يتعبه، وكذا لو خاف بصيامه زيادة المرض أو طولَه بقول طبيب مسلم ثقة. أما من لا يتضرر بالصوم كمن به جَرَبٌ، أو وجع إصبع، فلا يجوز له الفطر، كما في الإقناع. ويجوز الفطر لخوف حدوث مرض له بسبب العطش وغيره.(٢) بشرط: مفارقة عامر بلده، ودليلُ سنية فطر المسافر حديث: «ليس من البر الصيام في السفر» رواه مسلم. ويكره صوم المريض الذي يشق عليه الصوم والمسافر الذي يسن له القصر؛ بخلاف إتمام الصلاة للمسافر، فيباح. (فرق فقهي)(٣) يباح الفطر للحامل والمرضع، ويكره لهما الصوم مع الخوف على أنفسهما أو على الولد كالمريض وأَولى. فإن صامتا أجزأ؛ لكن متى قَبِلَ رضيعٌ ثديَ غير أمه، وقدر وليه أن يستأجر له لم تفطر أمه؛ لعدم الحاجة، كما في المنتهى وشرحه. وللحامل والمرضع ثلاثة أحوال: ١ - إن خافتا على أنفسهما فقط قضتا وجوباً فقط، ٢ - وإن خافتا على أنفسهما وعلى الولد، قضتا وجوباً فقط كذلك، ٣ - وإن خافتا على الولد فقط وجب عليهما القضاء، ويجب الإطعام فوراً - فلا يؤخر الإطعام إلى يوم القضاء، قاله النجدي وغيره - على من يمون الولد كأبيه مثلاً، فيطعم عن كل يوم مسكيناً مد بر أو نصف صاع من غيره.(٤) وجوباً، قال في المغني والشرح الكبير: (بغير خلاف علمناه) , والمغمى عليه - كما في المطلع -: المغشي عليه. أما المجنون فلا قضاء عليه؛ لأنه غير مكلف.стр. 222
وَلَا يَصح صَوْمُ فرضٍ إلا بنيةٍ مُعينَةٍ بِجُزْءٍ من اللَّيْل (١) ، وَيصِح نفلٌ مِمَّن لم يفعل مُفْسِداً بنيةٍ نَهَاراً مُطلقًا (٢) . الحواشي
(١) فلا بد أن ينوي الصوم، ولا بد أن يعين أنه من رمضان، أو أنه نذر، أو قضاء، أو كفارة. وتصح النية في أي وقت من الليل. والدليل حديث: «لا صيام لمن لم يبيِّته من الليل»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي.(٢) سواء كانت النية قبل الزوال أو بعدَه، وهو المذهب، نص عليه، وقال في الفروع: (وعليه أكثر الأصحاب). والدليل حديث عائشة ﵂: «دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا. فقال: فإني إذن صائم»، رواه الجماعة. وكذا الحائض إن طهرت في أثناء النهار ولم تتناول مفطراً، فإن لها أن تنوي الصيام، ويصح منها. وأيضاً لو أسلم كافر ونوى الصيام في ذلك اليوم صح منه بشرط ألا يكون قد أتى قبله بمفسد للصيام، كما في الإقناع والمنتهى.
(تتمة) ظاهر المذهب: أنه لا تشترط النية من الليل لصيام عاشوراء وعرفة؛ لكنه إذا نوى أثناء النهار بدأ الثواب من حين النية، وبهذا يكون قد وافق المذهبَ من اشترط النية من الليل للحصول على الثواب كاملاً كالشيخ ابن عثيمين ﵀.стр. 223
فصل (في مفسدات الصوم وما يكره ويسن فيه)
وَمن أدخل إلى جَوْفه (١) أو مُجَوَّفٍ فِي جسده كدماغٍ وَحلقٍ شَيْئاً (٢) من أَي مَوضِعٍ كَانَ (٣)
غيرَ الحواشي
(١) الجوف - كما في المصباح المنير -: يستعمل فيـ (ما يقبل الشَّغل والفراغ)، والمراد به هنا: المعدة.(٢) مطلقاً سواء كان سائلاً أو مائعاً، مغذيًا أو غير مغذٍ.(٣) أي: من جسده، يقولون: الدماغ هو أحد الجوفين، والحلق مجوف أيضاً، فإذا أدخل فيه شيئاً أفطر وإن لم يصل إلى معدته؛ لأنه مظنة الوصول إلى المعدة. كذلك المرأة تفطر إن أدخلت شيئاً في باطن فرجها؛ لأنه جوف.
فالمراد بالجوف: المعدة على وجه الخصوص عند فقهاء الحنابلة، وأما المجوَّفُ: فهو كل ما يكون فيه فراغ وغير ممتلئ كالمعدة والدماغ والحلق والبطن والصدر والظهر والدبر وباطن فرج المرأة، بخلاف الفخذ مثلاً فهو ممتلئ لا فراغ فيه، وكذا العضد والساعد والقدم والساق، قال في المصباح: (وقيل للجراحة جائفة اسم فاعل من جافته تجوفه إذا وصلت الجوف فلو وصلت إلى جوف عظم الفخذ لم تكن جائفة لأن العظم لا يعد مجوفا) والله أعلم. (تحرير معنى الجوف)
(تنبيه) يشترط للفطر بإدخال شيء إلى الجوف أو مجوف في الجسد: العلم بالواصل كما في الكشاف، ودليل الطالب: فيشترط أن يتيقن وصول قطرة العين والأنف للحلق، وإلا لم يفطر. وكذا يشترط العلم بوصول قطرة الأذن ودواء المأمومة التي في رأسه للدماغ. وكذا لو داوى الجائفة - وهي الجرح الذي يكون في الظهر، والبطن، والصدر - فيشترط للفطر بهذه أن يعلم وصولها للمعدة (وهذه تحتاج لتحرير، وكلامهم هنا محتمل؛ لاشتراط وصوله للمعدة أو بمجرد وضع شيء فيها يصير مفطراً، فالله أعلم). أما الحقنة من الدبر، فلم يشترطوا وصولها للمعدة؛ لأنها منفذ لها، فبمجرد وضعها يفطر، وكذا باطن فرج المرأة، والله أعلم.стр. 224
إحلِيلِه (١) ، أو ابتلع نُخامةً بعد وصولها إلى فَمِه (٢) ، أو استقاءَ فقاء (٣) ، أو استمنى، أو بَاشرَ دون الفرجِ فَأمنى، الحواشي
(١) الإحليل - كما في المطلع -: مخرج البول، فإذا أدخل أو قَطَرَ في ذكره شيئاً لم يفطر ولو وصل إلى مثانته؛ لأنه لا ينفذ إلى المعدة ولا إلى البدن.(٢) فإنه يفطر، وحد الفم: مخرج الخاء كما قاله ابن بلبان في مختصر الإفادات، فإذا وصلت النخامة إلى فمه فابتلعها أفطر، سواء كانت من حلقه أو دماغه أو صدره.(٣) استقاء: أي: طلب إخراج القيء من المعدة، فإن فعل أفطر، أما إن غلبه القيء فلا.стр. 225
أو أمذى (١) ، أَو كرر النّظر فأمنى (٢) ، أو نوى الْإِفْطَارَ (٣) ، أو حَجَمَ، أو احْتَجَم (٤) عَامِدًا مُخْتَارًا ذَاكِرًا لصومه (٥) الحواشي
(١) فإنه يفطر؛ لمعارضة الحديث القدسي: «يترك شهوته وطعامه من أجلي» متفق عليه، وهذا من الشهوة.(٢) ولا يفطر إن أمذى؛ لعدم إمكان التحرز منه، فلا يفطر بالمذي هنا خلافاً لما تقدم.(٣) أي: نوى قطع نية الصوم، فيفطر ولو لم يتناول شيئاً؛ لكن ليس حكمه كمن أكل، أوشرب، فيجوز أن يستأنف نية جديدة لصيام نفل، إلا إذا نوى الإفطار في رمضان، فإنه يفطر ولا يجوز له أن ينويه نفلاً.(٤) حَجَمَ: حجم غيره، أو احتجم: حجمه غيرُه، فيفطر لحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، رواه الإمام أحمد وغيره. وهذه من المفردات، والعلة فيها تعبدية، فلا يقاس عليها التبرع بالدم ولا الفصد ولا الشرط.(٥) يشترط للفطر بما تقدم أن يكون: ١ - عامداً، أي قاصداً الفعل، ليخرج من لم يقصده كمن طار إلى حلقه ذباب أو غبار، ٢ - مختاراً، أي غير مكره، ٣ - ذاكراً لصومه، فلو كان ناسياً لم يفطر. أما الجهل بالتحريم، فلا يعذر به على المذهب، أي: الجهل أن كذا يحرم تناوله أو أن الحجامة مثلاً تفطر، فإنه يفطر بها.
(تتمة) في مفطرات معاصرة:
١ - التبرع بالدم: التبرع بالدم لا يفطر على المذهب؛ لأن الفطر بالحجامة تعبديّ، فلا يقاس عليه الفصد والشرط والتبرع. والمفتى به من قِبَل علمائنا المعاصرين كالشيخين ابن باز وابن عثيمين - رحمهما الله تعالى - أن التبرع يفطر.
٢ - الإبر المغذية وغير المغذية: الإبر التي? تغذي، والتي تكون في اليد أو الفخذ أو الرجل? تفطر؛ لأنها ليس بينها وبين المعدة منفذ مفتوح. أما التي تكون في البطن أو الصدر أو الظهر، فإن تحقق وصول شيء منها إلى المعدة فإنها تفطر، وإلا فلا. أما الإبر المغذية، فرأي الشيخين أنها تفطر. قلت: وينبغي أن يكون هو قياس المذهب؛ لكونها تغذي الجسم كما يغذيه الأكل والشراب والله أعلم.
٣ - الغسيل الكلوي: رأي الشيخين أنه يفطر، أما حكمه على المذهب فيحتاج إلى تحرير ونظر.
٤ - المنظار: الظاهر أنه يفطر على المذهب إن كان عن طريق الحلق ووصل إلى الحلق وإن لم يكن عليه شيء من دهن ونحوه، وبعض المشايخ يرى أنه إن كان عليه شيء كزيت ونحوه فإنه يفطر، وإلا فلا.
٥ - القسطرة: القسطرة كالمنظار، لكنها إن كانت من غير الحلق ولم تصل إلى المعدة - وهذا الغالب فيها -، فالأظهر: أنها لا تفطر، والله أعلم.
٦ - التطيب بالبخور: إن تعمد استنشاقه ووصل إلى حلقه، فإنه يفطر، وإلا فلا.
٧ - معجون الأسنان: الذي يظهر لي من مذهب الحنابلة تحريمه، قياساً على تحريمهم للعلك المتحلل، لكن? يفطر بالمعجون إلا إذا وصل طعمه إلى الحلق. أما استعمال فرشاة الأسنان بدون معجون، فالذي يظهر أنها مباحة ما لم تكن بعد الزوال، فالظاهر الكراهة؛ لأنها تزيل أثر الصيام من الفم، والله أعلم.
٨ - التحاميل والحقن التي تؤخذ عن طريق الدبر: كلاهما مفطر على المذهب؛ لأن الدبر منفذ للمعدة على المذهب، وقد صرحوا به.
٩ - قطرة العين والأنف والأذن: للأطباء طريقة للتقطير في الأنف والعين بحيث? يصل إلى الحلق منها شيء، لكن إن وصل شيء من القطرة - سواء كانت قطرة العين أو الأنف أو الأذن - إلى الحلق أو الدماغ، فإن الصوم باطل، وإلا فلا، وهذا الحكم الوضعي. ودليل الفطر حديث: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» أخرجه الأربعة. أما الحكم التكليفي في جواز التقطير أو عدم جوازه - سواء وصل إلى الحلق أو الدماغ أو لم يصل -، فلم أقف على كلام صريح للحنابلة فيه، ثم وقفت على كلام شيخ الإسلام في شرح العمدة حيث قال: (الصحيح أنه إذا غلب على ظنه أنه لا يصل إلى حلقه لم يكره).
١٠ - دواء الغرغرة للفم: يقال فيه ما قيل في قطرة العين والأنف والأذن، فإن وصل شيء منها إلى الحلق أفطر بها الصائم وإلا فلا، وقد يقال فيه: هي كالمضمضة، فلا تفطر، والله أعلم.
١١ - بخاخ الربو: يفطر على المذهب قياساً على البخور؛ لأنه يصل إلى الحلق، والله أعلم.
١٢ - البنج: إن كان عن طريق الأنف أو الفم ويكون بالاستنشاق، فإنه يفطر إن وصل للحلق، وهذا الأصل أنه يمر بالحلق، وأهل الطب يقولون إن له طعماً يكون في الحلق. وأما إن كان عن طريق الإبرة في اليد أو الوَرِك، فالأظهر: أنه? يفطر، والله أعلم.стр. 226
أفطر، لَا إنْ فكّر فَأنْزل (١) ، أو دخل مَاءُ مضمضةٍ أو استنشاقٍ حلْقَه، وَلَو بَالغ أو زَاد على ثَلَاث (٢) .
وَمن جَامع برمضان نَهَاراً (٣) بِلَا عذرِ شَبَقٍ الحواشي
(١) أي: فأنزل منياً أو مذياً فلا يفطر؛ لأنه بغير مباشرة ولا نظر.(٢) فلا يفطر، لكن تكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم.(٣) سواء كان صائماً، أو كان ممن يلزمه الإمساك كمسافر قدم مفطراً، أو مريض شُفي في اليوم الذي أفطر فيه.стр. 227
وَنَحْوِهِ (١) فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مُطلقًا (٢) ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا مَعَ الْعذرِ كنومٍ وإكراهٍ ونسيانٍ وَجَهلٍ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ (٣) . الحواشي
(١) الشَّبَقُ: اشتداد الشهوة للجماع. ويشترط لكي يباح الجماع لمن فيه شبق: ١ - ألا تندفع شهوته بغير الجماع، ٢ - أن يخاف - إذا لم يجامع - تشقق ذكره أو أنثييه أو مثانته، فإن جامع لم تجب عليه كفارة، لكن بالشرط المذكور. ويجوز الوطء أيضاً لمن به مرض ينتفع به، وهو داخل في قول الماتن: (ونحوه).(٢) أي: ناسياً كان أو جاهلاً أو مخطئاً، فلا يعذر الرجل في المذهب بالجماع مطلقاً؛ ويقولون: لا يتصور إكراهه في الجماع.(٣) فتعذر المرأة بنوم وإكراه ونسيان وجهل، فلا كفارة عليها، لكن لا بد أن تقضي، قال في الكشاف: (قال في الشرح: بغير خلاف نعلمه). ويجب عليها إذا أكرهها على الجماع أن تدفعه بالأسهل فالأسهل، وإن أدى ذلك إلى قتله.
(تنبيه) اقتصر الماتنُ على إيجاب الكفارة بالجماع فقط، فلا تجب في غيره، وهو الذي مشى عليه في الإقناع والغاية. أما المنتهى فتابع التنقيح في إيجاب الكفارة أيضاً بالإنزال بالمساحقة بين امرأتين، وإنزال المجبوب - وهو المقطوع ذكره - مع مثله أو مع امرأة. والأصل أن المذهب ما في المنتهى؛ لكن البهوتي في كشاف القناع ذكر كلام الإقناع والمنتهى، وقال في المساحقة والمجبوب: (ولا كفارة، صححه في المغني والشرح فيما إذا تساحقتا، ونقله في الإنصاف عن الأصحاب في مسألة المجبوب؛ لأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على الجماع). ومع ذلك فنقول إن المذهب ما في المنتهى؛ لأنه تابع التنقيح، والله أعلم. (مخالفة الماتن)стр. 228
وَهِي عتقُ رَقَبَةٍ فإن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين، فإن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكيناً، فإن لم يجد سَقَطت (١) .
وَكُرِه أن يجمعَ رِيقَه فيبتلِعَه (٢) ، وذوقُ طَعَامٍ (٣) ، ومضغُ عِلكٍ لا الحواشي
(١) فالكفارة على الترتيب. وقوله: عتق رقبة فإن لم يجد ... : أي: الرقبة ولا ثمنها، ويطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، فإن لم يجد سقطت. ولا يلزمه إن وجد بعد ذلك أن يخرج الكفارة؛ لأن العبرة في الكفارات بوقت الوجوب، فينظر في حال الإنسان وقتَ وجوب الكفارة عليه، فإن كان قادراً على شيء عومل به ولو تغير حاله بعد ذلك.
(تتمة) هل يحرم على من جامع زوجته نهار رمضان أن يجامعها قبل الكفارة؟ قال في كشاف القناع: (ولا يحرم الوطء هنا قبل التكفير، ولا في ليالي صوم الكفارة، ذكره في الرعاية والتلخيص، ككفارة القتل، بخلاف الظهار، والفرق واضح). (فرق فقهي)
ويسقط بالعجز في المذهب ثلاثة أمور: ١ - كفارة الوطء في نهار رمضان، ٢ - وكفارة الوطء في الحيض، ٣ - وصدقة الفطر، وليست كفارة، لكنهم يذكرونها هنا تتمة لما يسقط بالعجز.(٢) أما إن وصل إلى شفتيه فابتلعه، فإنه يفطر، وكذلك إن أخرجه ثم أعاده.(٣) تابع فيه المنتهى كالتنقيح، وهو المذهب. ومفهوم كلامهم: أنه يكره مطلقاً، سواء احتاج إلى ذلك أو لا، قال ابن النجار في المعونة: (فعلى الكراهة، متى وجد طعمه في حلقه أفطر؛ لإطلاق الكراهة)، وأما الإقناع فقال: (ويكره له ذوق الطعام بلا حاجة)؛ ويفهم منه: أنه إذا احتاج لذوق الطعام كالطباخ مثلاً فلا كراهة، وتابعه صاحب الغاية في ذلك، قال في كشاف القناع: (ومقتضاه: أنه لا فطر إذا قلنا بعدم الكراهة للحاجة)، ومع ذلك فقد قالوا كلهم: (إذا وجد طعم المذوق في حلقه أفطر، فيجب عليه أن يخرج ما ذاقه من فمه ويستقصي في ذلك)، ونص صاحب المنتهى على هذا في شرحه لا في المنتهى؛ فَهُم اختلفوا في المقدمات (الحكم التكليفي)، واتفقوا في النتائج والمآلات (الحكم الوضعي)، وهذه من المسائل النادرة التي يحصل فيها ذلك. (مخالفة)стр. 229
يتحلل، وإن وجد طعمَهما فِي حلقِه أفطر (١) ، والقُبلةُ وَنَحْوُهَا (٢) مِمَّن تحرّك شَهْوَتَه.
وَيحرُم إن ظنَّ إنزالاً (٣) ، ومضغُ علكٍ يتَحَلَّل (٤) ، وَكذبٌ وغيبةٌ، ونميمةٌ وَشتمٌ وَنَحْوهُ بتأكدٍ (٥) . الحواشي
(١) قوله: لا يتحلل: أي: لا يتفتت، وقوله: طعمهما: أي: طعم الطعام الذي ذاقه أو طعم العلك، فإن وجد الطعم في حلقه أفطر. فالواجب على من ذاق طعاماً أو أكل علكاً لا يتحلل أن يسعى في إخراج كل بقايا الطعام أو العلك الذي في فمه، ولا يبلعه.(٢) أي: تكره القبلة ونحوها كالمعانقة، ولمس الزوجة، وتكرار النظر إليها.(٣) فيحرم التقبيل ونحوه إن ظن إنزال مني أو مذي؛ لأن نزول أحدهما مع القبلة ونحوها يفسد الصوم على المذهب، أما مع تحرك الشهوة فقط فيكره، كما تقدم.(٤) فيحرم ولو لم يبتلع ريقه، وهو المذهب - خلافاً لزاد المستقنع -؛ لأنه عَرَّضَ صومه للفساد، وإن وجد طعمه في حلقه أفطر.(٥) قال الإمام أحمد ﵀: (لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم)، وهذا من تواضعه ﵀.
(تتمة) يسن له الكف عمَّا يكره، وعن الكلام المباح الذي لا فائدة منه، قاله الشيخ منصور؛ لحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وغيره.
(تتمة) لو شُتم الصائم سن له أن يقول: إني صائم، مرتين أو ثلاثاً كما قاله النجدي، ويقوله جهراً في رمضان وغيره؛ لعموم حديث: «فليقل إني امرؤ صائم»، متفق عليه، ولم يفرق، قال المرداوي في تصحيح الفروع: (وهو ظاهر الحديث، وظاهر كلام الأصحاب). وهذا ما مشى عليه في المنتهى تبعاً للتنقيح وتصحيح الفروع، وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو المذهب. وذهب الحجاوي في الإقناع - وتبعه الغاية - تبعاً لما صححه المرداوي في الإنصاف - وجعله المذهب - إلى أنه يقول: (إني صائم) جهراً في رمضان، سراً في غيره؛ لزجر نفسه وخوف الرياء. (مخالفة)стр. 230
وَسُنَّ تَعْجِيلُ فطر (١) ، الحواشي
(١) تفصيل ذلك كما يلي:
١ - إذا تحقق غروب الشمس باختفاء جميع القرص، سن له تعجيل الفطر، والفطر قبل الصلاة أفضل.
٢ - إذا غلب على ظنه غروب الشمس، فالإفطار مباح وليس مسنوناً، وأما إن أفطر: أ- فإن تبين أنه أكل قبل الغروب وجب القضاء، ب- وإن تبين أنه أكل بعد الغروب فلا يجب القضاء، جـ- وإن لم يتبين له شيء، فلا يجب القضاء كذلك.
٣ - إذا كان شاكاً ومتردداً في الغروب، فيحرم عليه الفطر، وأما إن أفطر: أ- فإن تبين أنه أكل قبل الغروب وجب القضاء، ب- وإن تبين أنه أكل بعد الغروب فلا يجب القضاء، جـ- وإن لم يتبين له شيء، فإنه يقضي؛ ففي هذه الحالة خالف الشكُّ غلبةَ الظن.стр. 231
وَتَأْخِيرُ سحورٍ (١) ، وَقَولُ مَا ورد عِنْد فطرٍ (٢) ، وتتابعُ الْقَضَاء فَوْرًا (٣) ، وَحَرُمَ تأخيرُه إلى آخر الحواشي
(١) ما لم يخش طلوع الفجر الثاني، كما في الغاية وغيرها. ويبدأ السحور في المذهب من منتصف الليل.
(تتمة) تحصل فضيلة السحور بشرب، وكمالها بأكل، هكذا في المنتهى والغاية. وفي الإقناع: (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل، وتمام الفضيلة بالأكل).(٢) فيقول: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم تقبل مني، إنك أنت السميع العليم)، ومال النجدي إلى أنه يأتي به بعد الإفطار فقال: (يحتمل أن يكون قبل الفطر ويحتمل أن يكون بعده، ومقتضى حديث ابن عباس أنه يقوله بعده).
وحديث ابن عباس ﵄ هو: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت ... » الحديث رواه الدارقطني، والطبراني، وضعف إسناده النووي في المجموع، وابن القيم في زاد المعاد.(٣) فيسن تتابع القضاء، وكذلك تسن الفورية فيه. والأصل في الأوامر عند الحنابلة أنها على الفور؛ لكن جاز تأخير قضاء رمضان لما جاء في حديث عائشة أنها كانت تؤخر القضاء.
(تتمة) يجب العزم على القضاء في القضاء الموسع، وفي كل عبادة متراخية، كما في الإقناع؛ فلو دخل وقت الصلاة الموسع وجب العزم على فعلها.стр. 232
بِلَا عذرٍ (١) ،
فَإن فعل وَجب مَعَ الْقَضَاء إطعامُ مِسْكين الحواشي
(١) أي: يحرم تأخير القضاء إلى رمضان آخر بلا عذر، وقد وقفت على اختلاف في تفسير التأخير لعذر على ما يلي:
الأول: ما قاله الصالحي في (مسلك الراغب لشرح دليل الطالب): (ويجوز تأخير القضاء مع اتساع الوقت إلى أن يبقى قدر ما يسعه، فإن حصل عذر فيما بقي جاز تأخيره بعد رمضان الثاني، فيقضيه بلا كفارة)، فكلامه ﵀ يدل: على أن اعتبار العذر من عدمه هو: بأن يبقى قبل دخول رمضان الثاني مقدارُ ما عليه من القضاء، وهنا ينظر: إن ترك القضاء لعذر فلا شيء عليه، وإن تركه لغير عذر حرم وعليه الكفارة.
الثاني: ما قاله شيخ الإسلام في شرح العمدة: (ليس له أن يؤخره - أي: القضاء - إلى رمضان آخر إلا لعذر، مثل أن يمتد به المرض أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني. فإن أخره إليه لعذر، صام الرمضان الذي أدركه، وقضى الرمضان الذي فاته بعده، ولا شيء عليه ... وإن أخره إلى الثاني لغير عذر أثم، وعليه أن يصوم الذي أدركه، ثم يقضي الأول، ويطعم لكل يوم مسكيناً)، فيفهم من كلامه ﵀: أن العذر الذي إذا وجد لا تلزمه الكفارة هو الذي يستغرق ما بين الرمضانين.
والثمرة على القولين: أنه لو أخر القضاء لغير عذر حتى لم يبق على رمضان الثاني إلا مقدار ما عليه، فحصل له عذر يمنعه من الصيام - كمرض - حتى دخل رمضان الثاني، فعليه القضاء، ولا كفارة على كلام (الصالحي)، وأما على كلام (شيخ الإسلام) فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه لم يمتد به العذر حتى الرمضان الثاني؛ بل تخلله كونه فيه صحيحاً ولم يصم.
وكلام شيخ الإسلام أقرب لقول الأصحاب المتأخرين، ويؤيده ما قاله البهوتي في شرح المنتهى: ((و) إن أخر القضاء إلى آخَر (لعذر) من سفر أو مرض (قضى فقط) أي: بلا إطعام؛ لأنه غير مفرط. وإن أخر البعض لعذر، والبعض لغيره، فلكل حكمه).
وهنا فائدة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في شرح العمدة حيث قال: (فإن قيل: قضاء رمضان موسع، والعبادة الموسعة إذا مات في أثناء وقتها لم يكن آثما بدليل الصلاة، ومن لا إثم عليه فلا فدية عليه؟
قلنا: نعم، إذا لم يغلب على ظنه الموت قبل القضاء لم يأثم، وإن غلب على ظنه الموتُ قبله أثِمَ، كما قلنا في الصلاة، لكن الفدية تجب بدون الإثم، كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه؛ لأنه بدل عن الصوم الواجب).
(تتمة) لا يصح في المذهب التطوع قبل قضاء ما عليه من رمضان كصيام يوم عرفة وستة من شوال، خلافاً لما ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين، فأجاز التطوع - غير الست من شوال- قبل أن يقضي ما عليه من رمضان.
أما فعل الحج أو العمرة نفلاً لمن لم يأت بالفرض، فإن نفله ينقلب فرضاً مباشرة.
وأما الصلاة، فلا يصح التطوع قبل قضاء الفوائت؛ لوجوب الفورية في قضائها مع بعض الاستثناءات.
وأما الزكاة، فلم أجد نصاً في حكم التصدق قبل أداء الزكاة، لكني انتهيت إلى: أنه يحرم، إلا أن الصدقة لا توصف بالصحة أو عدمها.стр. 233
عَن كل يَوْم (١) ، وإن مَاتَ المفرطُ وَلَو قبل آخر أُطعم عَنهُ كَذَلِك من رأس الحواشي
(١) ومقدار الإطعام: مد بر أو نصف صاع من غيره مما يجزئ في زكاة الفطر، ويجوز الإطعام قبل القضاء أو بعده أو معه، وقبله أفضل، كما في الإقناع. ولو أخر القضاء أكثر من رمضان، فعند الشافعية يتعدد الإطعام بعدد الرمضانات، لكن المذهب عند الحنابلة أنه يطعم إطعاماً واحداً.стр. 234
مَاله، وَلَا يُصام (١) .
وإن كَانَ على الْمَيِّت نذرٌ (٢) من حجٍ أو من صَوْمٍ أو صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا (٣) الحواشي
(١) فإن كان عليه أيام من رمضان وفرط فلم يصمها حتى مات، وجب أن يطعم عنه من رأس ماله - أي: من جميع ماله، لا من ثلث التركة - عن كل يوم مسكيناً، ولا يصام عنه. وصورة التفريط هنا: أن يعيش بعد رمضان مثل عدد الأيام التي عليه أو أكثر وهو صحيح معافى لم يحصل له ما يمنعه من القضاء. وأما صورة عدم التفريط: أن يمتد عذره - كالمرض مثلاً - بعد رمضان حتى مات، وهذا على ما نقلته من كلام شيخ الإسلام السابق.
وقوله: المفرط ولو قبل آخر: أي: وإن مات المفرط ولو قبل مجيء رمضان آخر أُطعم عنه لكل يوم مسكيناً، بل حتى لو مات المفرط بعد أن مرَّ عليه رمضان آخر ولم يَقْضِ فلا يجب على ورثته إلا أن يطعموا عنه من تركته مسكينا واحدا فقط عن كل يوم، وإن مات قبل قضاء ما عليه بلا تفريط فلا يجب عليه شيء ولا يُطعم عنه.(٢) الحنابلة يفرقون بين ما وجب بأصل الشرع وما أوجب الإنسان على نفسه بالنذر. فالواجب بأصل الشرع كصوم رمضان والكفارات لا يصام عن الإنسان لو مات؛ بخلاف النذر، فلو نذر أن يصوم ومَرَّت عليه أيام ولم يصم ثم مات، فإنه يصام عنه، وعليه يحملون حديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه). (فرق فقهي)(٣) كطواف واعتكاف.стр. 235
سنّ لوَلِيِّه قَضَاؤُهُ (١) ، وَمَعَ تَرِكَةٍ يجب (٢) ، الحواشي
(١) وهذا مقيد بالإمكان، إلا الحج والعمرة، كما سيأتي. ومعنى الإمكان ما قاله البهوتي في حواشي المنتهى: (إمكان فعل ما نذر؛ بأن كان دخل وقته، ومضى ما يسعه ولو لم يتمكن منه لمرض أو سفر) انتهى. فلو نذر مثلاً أن يصوم عشرة أيام لم يخلُ الحال: ١ - أن يعيش عشرة أيام أو أكثر ولم يفعلها، فتُقضى عنه ولو كان عدم فعله لها بسبب مرض أو سفر، ٢ - وإما أن يعيش بعد نذره أقل من عشرة أيام، فلا تُفعل عنه سوى ما عاشه. وهكذا يقال في الصلاة المنذورة والاعتكاف المنذور: إن أمكنه فعلها فُعلت عنه، وإلا لم تفعل. وهذا بخلاف الحج والعمرة، فإنه لو نذر أن يحج أو يعتمر ثم مات قبل أن يأتي زمن يتمكن فيه من فعلهما، فإنهما يُفعلان عنه؛ لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى، والله أعلم. (تحرير وفرق فقهي)(٢) أي: مع وجود تركة يجب القضاء، أي: فعل هذه الأمور: الحج المنذور، والصوم المنذور.
(تتمة) وهذه المسألة من المسائل المشكلة في المذهب أي: إيجاب قضاء الصلاة المنذورة عن الميت عند وجود التركة، مع أن الاستئجار على فعل الطاعات لا يجوز؛ لكن قد تُخرَّج على كونها جعالة، فيقال مثلاً: من صلى عن فلان خمس صلوات فله كذا. ويشكل على تجويز الجعالة في الصلاة المنذورة عن الميت: ما ذكره الإقناع في باب الإجارة: (ولا يصح أن يصلي عنه غيره فرضاً ونافلة في حياته، ولا في مماته)، قال البهوتي - كالمستدرك والمستشكل -: (وتقدم في آخر الصوم: من مات وعليه نذر صلاة ونحوه) الكشاف ٩/ ٩٣، إلا أن يحمل كلام الإقناع على الفرض فقط دون النذر، فتصح الجعالة عليه، وعليه فلا إشكال. وإن سُلِّم عدم صحة الجعالة عن الصلاة المنذورة، فيبقى ما عداها من الحج المنذور والصوم المنذور والاعتكاف المنذور، فتصح الجعالة فيه. والله أعلم. (بحث)стр. 236
الحواشي
(١) أي: لا يجب على الولي مباشرة القضاء، بل يجوز أن يباشره غيره. ولو نذر أن يصوم ثلاثين يومًا، فيجزئ على المذهب أن يصوم عنه ثلاثون شخصاً في يوم واحد.стр. 237
فصل (في صوم التطوع)
يسن صَوْمُ أيام البيض (١) ، وَالْخَمِيسِ والاثنين، وستٍ من شَوَّال (٢) وَشهرِ الله الْمحرم، وآكده الْعَاشِرُ ثمَّ التَّاسِعُ (٣) ، وتسعِ ذِي الْحجَّة، وآكدُه الحواشي
(١) تابع الماتن هنا فيه "زادَ المستقنع" و"دليلَ الطالب"، وإلا فعلى المذهب: يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويسن كونها أيام البيض، وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. وسميت بيضاً لابيضاض ليلها بالقمر ونهارها بالشمس.
(تتمة) ذكر النجدي ضابطاً لتحديد هذه الأيام فقال: (متى شُك في أول الشهر فاعتبر القمر ليلة اثني عشر، فإن غاب فذاك، وإن تقدم عليه بنحو عشر درج فهو ليلة أحد عشر)، ومعناه: انظر إلى القمر، فإن غاب مع الفجر، أو غاب قبل الفجر بأقل من عشر درج فالليلة صحيحة، وإن تقدم على الفجر بنحو عشر درج فهو ليلة أحد عشر.(٢) والأَولى: تتابعها، وكونها عقب العيد.(٣) في مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم»، رواه مسلم. فأفضل شهر تُطُوِّعَ بصومه كاملاً هو: شهر محرم. وآكد شهر محرم هو: العاشرُ ثم التاسع، ويسن الجمع بينهما، ولا يكره إفراد العاشر بالصوم، وإذا شُك في دخول الشهر فتصام الثلاثة أيام حتى تدرك بيقين، كما جاء عن الإمام أحمد.стр. 238
يومُ عَرَفَةَ لغيرِ حَاجٍ بهَا (١) .
وأفضلُ الصّيامِ صَوْمُ يَوْمٍ وَفطرُ يَوْمٍ (٢) ، وَكُرِه إفرادُ رَجَبٍ (٣) وَالْجُمُعَةِ (٤) والسبتِ (٥) الحواشي
(١) فيسن صوم تسع ذي الحجة؛ للحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ... » الحديث، رواه الترمذي. وهل صامها النبي ﷺ ؟ فيه خلاف، لكن يؤخذ فضل هذه الأيام من عموم الحديث المتقدم، ومن الإجماع الذي حكاه النووي ﵀.
أما يوم عرفة، فيسن صومه لغير الحاج، وهو كفارة سنتين كما في مسلم، والمراد: كفارة للصغائر كما نقله في الفروع عن النووي ﵀. أما الحاج فلا يسن له صومه، بل الفطر له أفضل، قاله في الإقناع، ويستثنى من ذلك: المتمتع والقارن إن عدما الهدي، فيستحب لهما أن يجعلا يوم عرفة آخر يوم من أيام الصيام الثلاثة، فيصومان السابع والثامن والتاسع.(٢) وهو صيام نبي الله داود ﵇، كما جاء في حديث ابن عمرو، متفق عليه.(٣) يكره إفراده بصوم جميعه، وتزول الكراهة بأحد أمرين: ١ - بفطره فيه ولو يوماً واحداً، وهو أفضل، أو ٢ - بصوم شهر آخر - مع شهر رجب - من السنة كاملاً غير رمضان، كما ذكره الخلوتي، قال في الإقناع: قال المجد: (وإن لم يَلِه).(٤) لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده»، متفق عليه.(٥) لحديث الصماء بنت بسر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغها»، رواه الترمذي وحسنه.стр. 239
وَالشَّكِّ (١) ، وكلِّ عيد للْكفَّار (٢) ، وَتقدمُ رَمَضَان بِيَوْم أو بيومين (٣) مَا لم يُوَافق عَادَةً فِي الْكل (٤) .
وَحرم صَوْمُ الْعِيدَيْنِ مُطلقًا (٥) ، وأيامِ التَّشْرِيق إلا عَن دمِ مُتْعَةٍ وقرانٍ (٦) . الحواشي
(١) وهو على المذهب: يوم الثلاثين من شعبان إذا كان الجو في ليلته صحواً، أما إن كان هناك غيم أو قَتَر فالواجب صومه بنية رمضان احتياطاً، خلافاً للجمهور، وتقدم.(٢) كالنيروز - وهو: أول أيام السنة عند الفرس -، والْمِهرجان- وهو: اليوم السابع عشر من الخريف، كما في المطلع -، قياساً على يوم السبت.(٣) لحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه»، متفق عليه، فإن تقدمه بأكثر من يومين لم يكره.(٤) أي: في كل ما تقدم، فلو كان يصوم صيام نبي الله داود ﵇ مثلاً ووافق صومه يوم الجمعة أو السبت، فلا يكره إفرادهما.
(تتمة) إذا وافق يومُ الجمعة يومَ عرفة، أو وافق يومُ السبت عاشوراءَ مثلاً، فإن كان قد اعتاد صوم عاشوراء أو عرفة كل سنة فلا يكره له إفراده، وإلا كره، كذا قرره البهوتي في كشاف القناع.(٥) ولا يصح فرضاً ونفلاً، والنهي يقتضي فسادَ المنهي عنه وتحريَمه.(٦) فإن كان عن دم متعة أو قران فلا يحرم صيام أيام التشريق، كما في البخاري عن ابن عمر وعائشة ﵃: (لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي). وقوله: (إلا عن دم متعة وقران): يرجع على أيام التشريق فقط.стр. 240
وَمن دخل فِي فرضٍ موسعٍ حرم قطعُه بِلَا عذرٍ (١) ، أو نفلٍ غيرَ حجٍ وَعمرَةٍ كره بِلَا عذر (٢) . الحواشي
(١) فلا يحرم مع العذر. وتحريم قطع الفرض يشمل فرضَ العين كقضاء رمضان، وفرضَ الكفاية كصلاة عيد، كما في الإقناع؛ لكن إن قلب الفرض نفلاً لم يحرم- ما لم يضق وقت القضاء وإلا حرم (استثناء)، واختلف الإقناع والمنتهى في صحة قلب قضاء رمضان نفلاً، فالمنتهى يقول: بصحة ذلك، وهو المذهب، خلافاً للإقناع الذي منع من قلب القضاء نفلاً معللا بعدم صحة النفل قبل القضاء، وقال في الغاية: بحرمة قلبه نفلاً إن كان حيلة لقطع الفرض، وهو قيد مهم لإطلاق المنتهى. (مخالفة)(٢) فإن دخل في نفل كره قطعه بلا عذر، أما إن كان هذا النفل حجاً أو عمرة فيجب إتمامهما للآية: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة، ١٩٦].стр. 241
فصل (في الاعتكاف (١) )
وَالِاعْتِكَافُ سُنةٌ.
وَلَا يَصح مِمَّن تلْزمهُ الْجَمَاعَةُ إلا فِي مَسْجِدٍ تُقَام فِيهِ (٢) إن أتى عَلَيْهِ صَلَاةٌ (٣) . وَشُرِط لَهُ طَهَارَةٌ مِمَّا يُوجب غسلًا (٤) .
وإن نَذره أو الصلاةَ فِي مَسْجِدٍ غيرِ الثَّلَاثَةِ فَلهُ فعلُه فِي غَيرِه (٥) ، وَفِي الحواشي
(١) الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والإقبال عليه. وشرعاً: لزوم مسجد لطاعة الله - تعالى - على صفة مخصوصة، وهو مسنون كل وقت. وأقل زمن الاعتكاف في المذهب: ساعة من ليل أو نهار أي: ما يسمى به معتكفاً لابثاً.(٢) أي: الجماعة، ولو كانت من المعتكفين فقط، أما الذي لا تلزمه الجمعة أو الجماعة كالمريض، فيصح أن يعتكف في كل مسجد ولو لم تُقم فيه الجماعة.(٣) وذلك لجواز الاعتكاف فترة قصيرة لا تتخللها صلاة، كمن يعتكف ساعة بعد الظهر مثلاً، بل يستحب في المذهب لكل من دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف مدةَ لبثه فيه.(٤) كجنابة أو حيض.(٥) كذا عبارة الإقناع، وقال في الإنصاف: (في غيره: يعني من المساجد)؛ فمن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد، فإنه لا يتعين، بل له الاعتكاف في غيره. وقال البهوتي في حواشي الإقناع: (ولا كفارة عليه على الصحيح)، قال الرحيباني في مطالب أولي النهي: (وعلى المذهب: لا يُكفِّر، صححه في الإنصاف، وجزم به الموفق في المقنع والشارح، وهو ظاهر المنتهى والإقناع)، قلت: وعدم التكفير هو المذهب. وخالف صاحب الغاية فقال: يكفِّر. (خلاف المتأخرين)
(تتمة) إن عين جامعاً فلا بد أن يوفي بنذره في مسجد جامع، ولو غير الذي عينه بنذره، فيتعين: جنس الجامع لا عينُه، كما قال النجدي.стр. 242
أَحدِهَا (١) فَلهُ فعلُه فِيهِ وَفِي الأفضلِ، وأفضلُها الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثمَّ مَسْجِدُ النَّبِي ﵇ فالأقصى.
وَلَا يخرج مَنْ اعتكف منذوراً مُتَتَابِعًا إلا لما لَا بُد مِنْهُ (٢) ، وَلَا يعود مَرِيضاً، وَلَا يشْهد جَنَازَةً إلا بِشَرْط (٣) . الحواشي
(١) أي: الثلاثة التي سيأتي ذكرها.(٢) قوله: (ولا يخرج): الحكم هنا مبهم، وبينه في المنتهى وشرحه بقوله: (يحرم). فإن نذر اعتكافاً متتابعاً فلا يخرج - بلا شرط - إلا لما لا يستغني عنه حساً كالأكل والشرب، أو شرعاً كصلاة الجمعة وشهادةٍ لزماه. واشتراط التتابع يكون بالنية: كأن ينذر اعتكاف خمسة أيام وينوي تتابُعَها، أو بالقول كقوله: «متتابعة» أو «شهر شعبان»، فيلزمه التتابع.(٣) القربة التي لا تجب على المعتكف كعيادة مريض وشهادة جنازة وكل ما له منه بد - أي: يستطيع أن يستغني عنه - فلا يخرج له إلا إذا اشترطه.
(تتمة) مما يصح أن يشترطه المعتكف: المبيت أو الأكل في منزله. أما الخروج للتجارة والتكسب بالصنعة، فلا يجوز الخروج لها ولو اشترطه لما فيهما من منافاة الاعتكاف. أما الوظيفة، فعندي تردد في جواز خروجه لها بالشرط، فليحرر.стр. 243
وَوَطْءُ الْفرجِ يُفْسِدهُ، وَكَذَا إنزالٌ بِمُبَاشَرَةٍ (١) ، وَيلْزم لإفساده كَفَّارَةُ يَمِين (٢) . وَسن اشْتِغَالُه بِالْقربِ (٣) وَاجْتنَابُ مَا لَا يعنيه (٤) . الحواشي
(١) يفسد الاعتكاف بأمور، ذكر المؤلف منها اثنين: ١ - الوطء في الفرج ولو ناسياً، ٢ - الإنزال بالمباشرة، ولا يفسد إن باشر دون الفرج ولم ينزل، ٣ - الردة، ٤ - الخروج من المسجد بلا حاجة ولا شرط، ٥ - السُكر، ٦ - قطع نية الاعتكاف ولو لم يخرج من المسجد، كبطلان صلاة من نوى قطعها وإن لم يخرج منها في الظاهر.(٢) وهو مقيد بكون المنذور معيناً، قاله البهوتي في كشاف القناع، كمن نذر أن يعتكف شهر شعبان ثم أفسده. أما إن نذر - مثلاً - أن يعتكف خمسة أيام ولم يعينها ولم ينو الترتيب، فإنه يخرج ويستأنف خمسة أيام جديدة.(٣) القُرَب هنا: كل ما يتقرب به إلى الله من صلاة وذكر وقراءة قرآن، لا إقراء قرآن وتدريس علم ومناظرة الفقهاء، كما في الإقناع؛ لأن المقصود من الاعتكاف الخلوة بالله تعالى. لكن قال في الإقناع: (فعله لذلك أفضل من الاعتكاف؛ لتعدي نفعه). وقال في الغاية: (فإن فعل - أي: إقراء القرآن وتدريس العلم ونحوه - في اعتكافه فلا بأس).(٤) أي: ما لا يهمه ولا يخصه.стр. 244
كتاب الحج والعمرة (١)
يجبان (٢) على المسلمِ الحرِّ المكَلفِ المستطيعِ (٣) فِي العُمْر مرّةً على الحواشي
(١) الحج لغة: القصد إلى من تعظمه، وشرعاً: قصد مكة للنسك في زمن مخصوص، وهو أحد أركان الإسلام. والعمرة لغة: الزيارة، وشرعاً: زيارة البيت على وجه مخصوص.(٢) أدلة وجوب الحج كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران، ٩٧]. أما العمرة، فمن أدلة وجوبها حديث عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، رواه أحمد وابن ماجه، والرجال أولى، وذكر ابن عثيمين أنه أقوى دليل على وجوب العمرة.(٣) هذه شروط الوجوب: ١ - الإسلام، ٢ - والحرية، فلا يجبان على العبد، ٣ - والبلوغ، ٤ - والعقل، وقد جمع الماتن البلوغ والعقل في قوله: المكلف، ٥ - والاستطاعة: وهي أن يجد زادًا مطلقاً بعيداً كان عن مكة أو قريباً، وأن يجد راحلة - صالحة لمثله - إن كان بعيداً عن مكة أكثر من مسافة قصر؛ فلا تشترط للقريب. ويشترط: كون الزاد والراحلة فاضلين عن كفايته، وكفاية من يمونه، وعن كتب علم يحتاجها، ودين. ومن الاستطاعة أيضاً: سعة الوقت، وأمن طريق يمكن سلوكه بلا خفارة، ودليل لجاهل، وقائد لأعمى.стр. 245
الفَوْر (١) ، فإن زَالَ مَانعُ حجٍّ بِعَرَفَةَ، وَعمرَةٍ قبل طوافها، وفُعِلا إذنْ وَقعا فرضاً (٢) .
وإن عجز لكبَر أو مرض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لزمَه أن يُقيم من يحجّ عَنهُ ويعتمرُ من حَيْثُ وجبا (٣) ، ويجزئانه مَا لم يبرأ قبل إحرام نَائِبٍ (٤) . الحواشي
(١) لأن الأوامر على الفور، كما هو مستقر في المذهب.(٢) فإن زال مانع الحج كأن بلغ الصغير أو أفاق المجنون بعرفة صح الحج منهما فرضاً، فإن كان قد دفع من عرفة قبل زوال المانع ثم زال وعاد فوقف في الوقت صح فرضاً. ومثال ذلك: أن يعرف أن بلوغه خمس عشرة سنة يكون في ساعة كذا بعد دفعه من عرفة، فيلزمه أن يعود ليقف؛ لأن حج الفرض واجب على الفور، ويشترط أيضاً حتى يجزئه عن الفرض: ألا يكون قد سعى بعد طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً؛ وإلا لم يجزئه ولو أعاد السعي.
وكذا إن زال المانع بعد أن أحرم بالعمرة صحت منه فرضاً بشرط ألا يكون قد شرع في طوافها، وإلا صحت نفلاً، ووجب عليه إعادتها للفرض.(٣) أي: من البلد الذي وجب عليه فيه فعل الحج والعمرة؛ ويجوز من خارج البلد لكن دون مسافة قصر. فإن لم يفعل، بأن أناب شخصاً من الرياض مثلاً وقد وجب عليه الحج بالأحساء لم يجزئه على المذهب.(٤) أي: يجزئ حج النائب عن هذا الكبير أو المريض مالم يبرأ قبل إحرام نائبه، فإن برئ قبل إحرام النائب لم يجزئه.
(تتمة) مسألة: لو برئ المستنيب قبل إحرام النائب فحَجَّ النائبُ غيرَ عالمٍ برءَ من أنابه:
أولا: تحرير محل النزاع: اتفق علماء المذهب على أن هذا الحج لا يصح فرضاً عن المستنيب.
ثانياً: اختلف الحنابلة في صحة هذا الحج نفلاً عن المستنيب.
القول الأول: صحة الحج نفلاً عن المستنيب، اختاره ابن نصر الله والنجدي والشطي في حاشيته على الغاية وعبد الرحمن السعدي. فعلى هذا القول لا يلزمه أن يرد النفقة.
القول الثاني: عدم صحة الحج نفلاً عن المستنيب؛ وإنما يصح نفلاً عن النائب، اختاره مرعي الكرمي ومنصور البهوتي في شرح المفردات. وعلى هذا القول يلزمه رد النفقة.
ولعل هذا القول هو المذهب لأمرين: ١ - أنه لا يصح نفل الحج ممن لم يحج الفرض، ٢ - ولأن الوكيل ينعزل بعزل الموكل له - ولو لم يعلم -، فكل تصرف تصرفه الوكيل بعد عزله لا يصح؛ والعزل هنا هو برء المستنيب. (خلاف المتأخرين)стр. 246
وَشُرط لامرأة مَحرَمٌ أيضاً (١) ، فإن أَيِسَت مِنْهُ استنابت (٢) . الحواشي
(١) هذا الشرط يدخل في الاستطاعة، فيشترط أن تجد محرماً، وأن تقدر على أجرته، وعلى الزاد والراحلة لها وله. وهو شرط وجوب، فإن لم تجد لها محرماً لم يجب عليها الحج. والمحرَم هو: زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة.(٢) إن أيست المرأة من المحرم وجب عليها أن تستنيب، وهذه المسألة مشكلة في المذهب؛ لأن الأصل أن وجود المحرم شرط لوجوب الحج والعمرة، فكيف تلزمها الاستنابة إن أيست من وجود محرم الذي هو شرط الوجوب؟ وهذه العبارة توجد في الإقناع والمنتهى والتنقيح. وقد حل البهوتي هذا الإشكال في شرح المنتهى - وأصله الفروع وغيره - فبيّن أن المراد: أنه إن وجدت المحرم وفرطت بالتأخير حتى فُقد المحرم ثم أيست منه، فيجب عليها أن تستنيب. أما إن لم تجد محرماً يذهب معها إلى مكة، فلا يجب عليها أن تستنيب ولو كانت من أغنى الناس؛ لأن الحج لم يجب عليها. (إشكال وحله)
(تتمة) لا يجب على الزوج أن يذهب مع امرأته مَحْرَمَاً إلا إذا كان حاجا في تلك السنة فيلزمه أن يكون معها كما في حاشية العنقري، ولا يلزم الزوج أيضا أن يدفع نفقة حجة امرأته لكن ذلك من المروءة، فالعرف عندنا أن الزوج يحجج امرأته، فإن اشترطت عليه أن يدفع نفقة حجها كلها، أو هذا وأن يذهب معها في الحج صح الشرط ولزمه الوفاء به؛ لأنه شرط ما تنتفع به المرأة وهو صحيح كما سيأتي في الشروط في النكاح إن شاء الله.стр. 247
وإن مَاتَ من لزماه أُخرجا من تركتِه (١) .
وَسُنَّ لمريد إحرامٍ (٢) غُسلٌ (٣) أو تيَمّمٌ لعذرٍ (٤) ، وتنظفٌ (٥) ، وتطيبٌ فِي بدنٍ (٦) وَكُرِه فِي ثوبٍ (٧) ، وإحرامٌ بإزار ورداء الحواشي
(١) فإن مات من لزمه الحج والعمرة - سواءً بأصل الشرع أو بالنذر - أُخرجا وجوباً من جميع تركته لا من الثلث، أوصى بذلك أو لا.(٢) الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم، وشرعاً: نية الدخول في النسك.(٣) لأن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل، كما في حديث زيد بن ثابت، رواه الترمذي.(٤) سواءً فقد الماء أو لم يستطع استعماله.(٥) بإزالة الشعور: من حلق عانة، ونتف إبط، وقص شارب؛ لئلا يحتاج إلى ذلك وهو محرِم.(٦) كما في حديث عائشة ﵂ قالت: طيَّبتُ رسول ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف، متفق عليه.(٧) أي: يكره لمن أراد أن يحرم: أن يتطيب في ثوبه؛ لأن الرسول ﷺ لما تطيب لم يأمر أصحابه ﵃ بذلك. وبعض العلماء يحرمه؛ لكنه في المذهب مكروه. أما لو تطيب في ثوب ثم خلعه، فإنه لا يجوز له أن يعيده إلا بعد إزالة الطيب منه.стр. 248
أبيضين (١) عقب فَرِيضَةٍ أو رَكْعَتَيْنِ فِي غير وَقت نهي (٢) .
وَنِيَّتُه شَرطٌ (٣) ، والاشتراطُ الحواشي
(١) الإزار: ما يلبس أسفل البدن، والرداء: ما يلبس أعلى البدن. ويسن أن يكونا أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين.(٢) فيسن أن يحرم بعد فريضة أو ركعتين؛ لقول جبريل ﵇ للرسول ﷺ : «صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة»، رواه البخاري، والذي أُمر به أن يصليه هو الظهر؛ لأنه خرج إلى ذي الحليفة فصلى فيها الظهر. فالمذهب: أنه إن كان وقت فريضة اكتفى بها، فإن لم يكن عليه فريضة صلى نافلة مقيدة كسنة الفجر مثلاً، وإلا فنافلة مطلقة ما لم يكن وقت نهي، أو يعدم الطهورين، فيحرم عليه أن يصلي نافلة. فإذا صلى سن له أن يحرم عقب صلاته.
(تتمة) قول الماتن: ركعتين: تابع في ذلك المنتهى، لكن السنية تحصل أيضاً بركعة واحدة كصلاة الوتر؛ ولذلك يقول الخلوتي: (لو قال - أي: المنتهى -: أو نفل لكان أحسن؛ لأن هذا لا يتقيد بالركعتين).(٣) يشترط لانعقاد الإحرام في المذهب النية؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، ومحلها: القلب. أما التلفظ بها فهو مستحب - ولعل التلفظ هنا سراً كما في بقية العبادات - وليس شرطاً؛ فلو أتى الميقات ونوى بقلبه عقد الإحرام بدون أن يتلفظ بشيء أجزأه. أما شيخ الإسلام، فيشترط للدخول في الإحرام مع النية وجود قول كالتلبية، أو فعل كأن يسوق الهدي.
(تتمة) لا يشترط أن يعين النسك من عمرة أو حج، بل يكفي أن ينوي الإحرام فقط؛ لكن لا يجوز له أن يشرع في الطواف حتى يعين نسكه عمرة أو حجاً.стр. 249
فِيهِ سُنةٌ (١) .
وأفضلُ الأنساك التَّمَتُّعُ، وَهُوَ أن يحرمَ بِعُمْرَةٍ فِي أشهرِ الحَج ويفرُغَ مِنْهَا ثمَّ بِهِ فِي عَامه (٢) . الحواشي
(١) الاشتراط في ابتداء الإحرام سنة مطلقاً خاف أو لم يخف؛ لحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ المتفق عليه. ولا بد أن يتلفظ بالاشتراط، فلا يكفي أن ينويه، فيقول: «اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». ويستفيد من الاشتراط: أنه إن حصل ما يمنعه من إكمال النسك فله أن يفسخ إحرامه، ولا يصير حلالاً بمجرد حصول السبب، بل يخير بين أن يحل وأن يبقى على إحرامه.(٢) أي: ثم يحرم بالحج في عامه الذي أحرم فيه بالعمرة. فالتمتع أفضل الأنساك عندنا، والرسول ﷺ تأسف على تركه، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأحللت معكم، ولجعلتها عمرة» متفق عليه؛ لأنه حج قارناً. واختلفت أقوال العلماء في ذلك: فمنهم من قال: إنه كان متمتعاً، ومنهم من قال: إنه كان قارناً، ومنهم من قال: إنه كان مفرداً، وقال في الإنصاف: (قال في الفروع: والأظهر قول أحمد: لا شك أنه كان قارناً، والمتعة أحب إلي، قال الشيخ تقي الدين: وعليه متقدمو الصحابة ﵃. وقد نقل القاضي عياض عن الطحاوي أنه كتب أكثر من ألف ورقة في سبب خلاف الصحابة ﵃ في ذلك، ذكره النووي في شرح مسلم.стр. 250
ثمَّ الإفرادُ، وَهُوَ أن يُحرم بِحَجٍّ ثمَّ بِعُمْرَةٍ بعد فَرَاغه مِنْهُ (١) .
وَالقرَانُ أن يُحْرِم بهما مَعًا أو بهَا ثمَّ يدْخلُهُ عَلَيْهَا قبل الشُّرُوعِ فِي طوافِها (٢) . الحواشي
(١) أي: بعد أن ينتهي من الحج يحرم بعمرة، اقتصر على هذا في التنقيح والمنتهى والغاية، وأما الإقناع فقيده بأنه يُحْرِمُ بعمرةٍ: (إن كانت باقية عليه) قال البهوتي: بأن لم يأت بها من قبل.
(تنبيه) الإفراد عندنا أفضل من القران؛ لأن صاحبه أتى بالحج كاملاً ثم أتى بالعمرة كاملة من أدنى الحل، عكس التمتع، لكن من لم يأت بالعمرة بعد الحج في الإفراد لا يكون أفضل من القارن؛ لأن القارن أتى بنسكين وهدي، والله أعلم.(٢) القران له ثلاث صور:
(الصورة الأولى) ما ذكره المصنف في قوله: أن يحرم بهما معاً، فيقول سراً: لبيك حجاً وعمرة، أو: نويت حجاً وعمرة، أو: إني أريد حجاً وعمرة، هذا هو المذهب.
(الصورة الثانية) ما ذكره المصنف في قوله: أو بها، أي: يحرم بالعمرة أوّلاً، فيقول: لبيك عمرة مثلاً، ثم يدخله - أي: الحج - قبل الشروع في طوافها. أما بعد الشروع في طوافها فلا يصح إدخال الحج ما لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيصح أن يدخل الحج عليها ولو بعد السعي، ويصير بهذا قارناً.
(تتمة) قالوا: لا يشترط لصحة إدخال الحج على العمرة أن يكون قد أحرم بالحج في أشهر الحج لصحة الإحرام به قبل أشهر الحج، وهذا بخلاف التمتع فيشترط لكي يكون متمتعاً أن يحرم بالعمرة والحج في أشهر الحج وفي نفس العام. (فرق فقهي)
(الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة، وهذه الصورة لا تصح على المذهب؛ لأنه لا يستفيد منها شيئاً؛ لأننا لو صححنا القران لم تختلف أفعاله عن أفعال المفرد، أما الشيخ ابن عثيمين فيرى صحتها، ويقول: إنه يستفيد نسكاً آخر، أي: العمرة، فيرجع بحج وعمرة بخلاف من أحرم بالحج فقط.
(تتمة) يسن للمفرد والقارن فسخ نيتهما بالحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة - سواء قبل طواف القدوم والسعي أو أثناءهما أو بعدهما -، فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين بشرطين: ١ - ألا يسوقا هدياً، ٢ - ألا يكونا وقفا بعرفة.
لكن هل يجوز أن يفسخ المفرد أو القارن الحج بعمرة ونيته ألا يحج ويذهب عن مكة؟ نقل شمس الدين ابن مفلح في الفروع، وابن النجار في شرحه للمنتهى، والبهوتي في الكشاف الخلاف في ذلك وهو: (فإن قيل: هل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟ قيل: منعه ابن عقيل وغيره، نقل ابنُ منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، ولأنه على الفور فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به. واختلف كلام القاضي: وقدم الصحة؛ لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع، ولأن العمرة لا تصير حجاً، والحج يصير عمرة، كمن حصر عن عرفة، أو فاته الحج).
ونقل ابن جاسر هذا الخلاف ومال إلى كلام ابن عقيل، فلم يسوغ فسخ الحج إلى عمرة بدون حج بعده، وتعقب القاضي حيث قال: (قلت: وفيما قاله القاضي: نظر؛ لأنه إنما يحصل على صفة يصح منه التمتع إذا حج من عامه الذي فسخ فيه، أما إذا لم يحج عام الفسخ فإن الصفة المذكورة منتفية عنه، فالصحيح ما نقله ابن منصور من أنه لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، وإلا ينو إهلالاً بالحج من عامه، فإنه لا يسوغ له فسخ الحج، والله أعلم).
وكلام ابن عقيل وغيره يفهم منه: المنع لمن لم يحج حجة الإسلام؛ لقوله: (ولأنه على الفور، فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به)، أما من حج حجة الإسلام وفسخ حجه إلى عمرة، فكأنه مسكوت عنه في كلام ابن عقيل.
وممن منع أيضاً فسخَ المفرد والقارن إلى عمرة بلا حج شيخُ الإسلام في شرحه للعمدة حيث قال: (وذلك لأنه إذا أهل بالحج أولاً، فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع بها إلى الحج. وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيكون مدخلاً للعمرة في حجه، وفاعلاً للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك).
قلت: إنما يفيد كلامُ شيخ الإسلام، وابن جاسر تحريمَ التحلل لا عدم صحته، فلو تحلل بالعمرة فقد يقال بصحة تحلله مع الإثم؛ لتركه الحج، والله أعلم.
أما على المذهب: فرأيت لهم كلاماً في باب الفوات والإحصار قد يدل على إباحة تحلل المفرد والقارن بعمرة، وإن لم ينو الحجَّ في نفس السنة، قال في المنتهى وشرحه: (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم (في حج تحلل بعمرة مجاناً) أي: ولم يلزمه به دم؛ لأنه يباح مع غير الحصر، فمعه أولى)، وعبارته في الإقناع وشرحه: (وإن صد) المحرم (عن عرفة دون البيت) أي: الحرم (تحلل بـ) أفعال (عمرة ولا شيء عليه)؛ لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر فمعه أولى)، وذكر نحوه في المغني والشرح الكبير وغيرهما، وكلامهم هذا صريح في إباحة التحلل من الحج بالعمرة، ولم يستثنوا منه شيئاً.
ومما يؤيد عدمَ لزوم الحج: أن حج النافلة لا يلزم إلا بالشروع فيه، وهو لَمَّا فسخ حَجَّه إلى عمرة، لم يشرع في الحج، فكيف نؤثمه على ترك حج لم يشرع فيه؟
أما من أحرم بعمرة ناوياً التمتع بها إلى الحج، ثم لَمَّا تحلل منها عدل عن الحج في تلك السنة، فهذا لا شيء عليه، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأن إحرامه الأول لم يكن بحج بل بعمرة، فهو لم يفسخ حجاً، بخلاف من فسخ حج الإفراد أو القران إلى عمرة، والله أعلم.
(تنبيه) ما تقدم من المسائل مقيدة بما إذا لم يكن الحج الذي تركه - ولم يحرم به - فرضاً، وإلا أثم إن لم يحرم به؛ لوجوبه على الفور، والله أعلم.
ثم رأيت كلام ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن يمنع حتى المتمتع من الرجوع بعد عمرته قال: (لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحد، إنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي ﷺ : (دخلت العمرة في الحج) فهذه المتعة التي فُسِخَ إليها هي جزء من الحج، ليست عمرةً مفردةً وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفعل بعد التحلل التام).
ونحوه الشيخ السعدي حيث قال: (فالارتباط إنما هو في وجوب الإتيان بالحج للمتمتع الذي لم يحج، أو الذي فسخ عمرته إلى الحج .. ) الفتاوى السعدية ص ٢٦٣следующие страницы →