Полный текст (758 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَشُرط لامرأة مَحرَمٌ أيضاً (١) ، فإن أَيِسَت مِنْهُ استنابت (٢) . الحواشي
(١) هذا الشرط يدخل في الاستطاعة، فيشترط أن تجد محرماً، وأن تقدر على أجرته، وعلى الزاد والراحلة لها وله. وهو شرط وجوب، فإن لم تجد لها محرماً لم يجب عليها الحج. والمحرَم هو: زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة.(٢) إن أيست المرأة من المحرم وجب عليها أن تستنيب، وهذه المسألة مشكلة في المذهب؛ لأن الأصل أن وجود المحرم شرط لوجوب الحج والعمرة، فكيف تلزمها الاستنابة إن أيست من وجود محرم الذي هو شرط الوجوب؟ وهذه العبارة توجد في الإقناع والمنتهى والتنقيح. وقد حل البهوتي هذا الإشكال في شرح المنتهى - وأصله الفروع وغيره - فبيّن أن المراد: أنه إن وجدت المحرم وفرطت بالتأخير حتى فُقد المحرم ثم أيست منه، فيجب عليها أن تستنيب. أما إن لم تجد محرماً يذهب معها إلى مكة، فلا يجب عليها أن تستنيب ولو كانت من أغنى الناس؛ لأن الحج لم يجب عليها. (إشكال وحله)
(تتمة) لا يجب على الزوج أن يذهب مع امرأته مَحْرَمَاً إلا إذا كان حاجا في تلك السنة فيلزمه أن يكون معها كما في حاشية العنقري، ولا يلزم الزوج أيضا أن يدفع نفقة حجة امرأته لكن ذلك من المروءة، فالعرف عندنا أن الزوج يحجج امرأته، فإن اشترطت عليه أن يدفع نفقة حجها كلها، أو هذا وأن يذهب معها في الحج صح الشرط ولزمه الوفاء به؛ لأنه شرط ما تنتفع به المرأة وهو صحيح كما سيأتي في الشروط في النكاح إن شاء الله.стр. 247
وإن مَاتَ من لزماه أُخرجا من تركتِه (١) .
وَسُنَّ لمريد إحرامٍ (٢) غُسلٌ (٣) أو تيَمّمٌ لعذرٍ (٤) ، وتنظفٌ (٥) ، وتطيبٌ فِي بدنٍ (٦) وَكُرِه فِي ثوبٍ (٧) ، وإحرامٌ بإزار ورداء الحواشي
(١) فإن مات من لزمه الحج والعمرة - سواءً بأصل الشرع أو بالنذر - أُخرجا وجوباً من جميع تركته لا من الثلث، أوصى بذلك أو لا.(٢) الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم، وشرعاً: نية الدخول في النسك.(٣) لأن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل، كما في حديث زيد بن ثابت، رواه الترمذي.(٤) سواءً فقد الماء أو لم يستطع استعماله.(٥) بإزالة الشعور: من حلق عانة، ونتف إبط، وقص شارب؛ لئلا يحتاج إلى ذلك وهو محرِم.(٦) كما في حديث عائشة ﵂ قالت: طيَّبتُ رسول ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف، متفق عليه.(٧) أي: يكره لمن أراد أن يحرم: أن يتطيب في ثوبه؛ لأن الرسول ﷺ لما تطيب لم يأمر أصحابه ﵃ بذلك. وبعض العلماء يحرمه؛ لكنه في المذهب مكروه. أما لو تطيب في ثوب ثم خلعه، فإنه لا يجوز له أن يعيده إلا بعد إزالة الطيب منه.стр. 248
أبيضين (١) عقب فَرِيضَةٍ أو رَكْعَتَيْنِ فِي غير وَقت نهي (٢) .
وَنِيَّتُه شَرطٌ (٣) ، والاشتراطُ الحواشي
(١) الإزار: ما يلبس أسفل البدن، والرداء: ما يلبس أعلى البدن. ويسن أن يكونا أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين.(٢) فيسن أن يحرم بعد فريضة أو ركعتين؛ لقول جبريل ﵇ للرسول ﷺ : «صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة»، رواه البخاري، والذي أُمر به أن يصليه هو الظهر؛ لأنه خرج إلى ذي الحليفة فصلى فيها الظهر. فالمذهب: أنه إن كان وقت فريضة اكتفى بها، فإن لم يكن عليه فريضة صلى نافلة مقيدة كسنة الفجر مثلاً، وإلا فنافلة مطلقة ما لم يكن وقت نهي، أو يعدم الطهورين، فيحرم عليه أن يصلي نافلة. فإذا صلى سن له أن يحرم عقب صلاته.
(تتمة) قول الماتن: ركعتين: تابع في ذلك المنتهى، لكن السنية تحصل أيضاً بركعة واحدة كصلاة الوتر؛ ولذلك يقول الخلوتي: (لو قال - أي: المنتهى -: أو نفل لكان أحسن؛ لأن هذا لا يتقيد بالركعتين).(٣) يشترط لانعقاد الإحرام في المذهب النية؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، ومحلها: القلب. أما التلفظ بها فهو مستحب - ولعل التلفظ هنا سراً كما في بقية العبادات - وليس شرطاً؛ فلو أتى الميقات ونوى بقلبه عقد الإحرام بدون أن يتلفظ بشيء أجزأه. أما شيخ الإسلام، فيشترط للدخول في الإحرام مع النية وجود قول كالتلبية، أو فعل كأن يسوق الهدي.
(تتمة) لا يشترط أن يعين النسك من عمرة أو حج، بل يكفي أن ينوي الإحرام فقط؛ لكن لا يجوز له أن يشرع في الطواف حتى يعين نسكه عمرة أو حجاً.стр. 249
فِيهِ سُنةٌ (١) .
وأفضلُ الأنساك التَّمَتُّعُ، وَهُوَ أن يحرمَ بِعُمْرَةٍ فِي أشهرِ الحَج ويفرُغَ مِنْهَا ثمَّ بِهِ فِي عَامه (٢) . الحواشي
(١) الاشتراط في ابتداء الإحرام سنة مطلقاً خاف أو لم يخف؛ لحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ المتفق عليه. ولا بد أن يتلفظ بالاشتراط، فلا يكفي أن ينويه، فيقول: «اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». ويستفيد من الاشتراط: أنه إن حصل ما يمنعه من إكمال النسك فله أن يفسخ إحرامه، ولا يصير حلالاً بمجرد حصول السبب، بل يخير بين أن يحل وأن يبقى على إحرامه.(٢) أي: ثم يحرم بالحج في عامه الذي أحرم فيه بالعمرة. فالتمتع أفضل الأنساك عندنا، والرسول ﷺ تأسف على تركه، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأحللت معكم، ولجعلتها عمرة» متفق عليه؛ لأنه حج قارناً. واختلفت أقوال العلماء في ذلك: فمنهم من قال: إنه كان متمتعاً، ومنهم من قال: إنه كان قارناً، ومنهم من قال: إنه كان مفرداً، وقال في الإنصاف: (قال في الفروع: والأظهر قول أحمد: لا شك أنه كان قارناً، والمتعة أحب إلي، قال الشيخ تقي الدين: وعليه متقدمو الصحابة ﵃. وقد نقل القاضي عياض عن الطحاوي أنه كتب أكثر من ألف ورقة في سبب خلاف الصحابة ﵃ في ذلك، ذكره النووي في شرح مسلم.стр. 250
ثمَّ الإفرادُ، وَهُوَ أن يُحرم بِحَجٍّ ثمَّ بِعُمْرَةٍ بعد فَرَاغه مِنْهُ (١) .
وَالقرَانُ أن يُحْرِم بهما مَعًا أو بهَا ثمَّ يدْخلُهُ عَلَيْهَا قبل الشُّرُوعِ فِي طوافِها (٢) . الحواشي
(١) أي: بعد أن ينتهي من الحج يحرم بعمرة، اقتصر على هذا في التنقيح والمنتهى والغاية، وأما الإقناع فقيده بأنه يُحْرِمُ بعمرةٍ: (إن كانت باقية عليه) قال البهوتي: بأن لم يأت بها من قبل.
(تنبيه) الإفراد عندنا أفضل من القران؛ لأن صاحبه أتى بالحج كاملاً ثم أتى بالعمرة كاملة من أدنى الحل، عكس التمتع، لكن من لم يأت بالعمرة بعد الحج في الإفراد لا يكون أفضل من القارن؛ لأن القارن أتى بنسكين وهدي، والله أعلم.(٢) القران له ثلاث صور:
(الصورة الأولى) ما ذكره المصنف في قوله: أن يحرم بهما معاً، فيقول سراً: لبيك حجاً وعمرة، أو: نويت حجاً وعمرة، أو: إني أريد حجاً وعمرة، هذا هو المذهب.
(الصورة الثانية) ما ذكره المصنف في قوله: أو بها، أي: يحرم بالعمرة أوّلاً، فيقول: لبيك عمرة مثلاً، ثم يدخله - أي: الحج - قبل الشروع في طوافها. أما بعد الشروع في طوافها فلا يصح إدخال الحج ما لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيصح أن يدخل الحج عليها ولو بعد السعي، ويصير بهذا قارناً.
(تتمة) قالوا: لا يشترط لصحة إدخال الحج على العمرة أن يكون قد أحرم بالحج في أشهر الحج لصحة الإحرام به قبل أشهر الحج، وهذا بخلاف التمتع فيشترط لكي يكون متمتعاً أن يحرم بالعمرة والحج في أشهر الحج وفي نفس العام. (فرق فقهي)
(الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة، وهذه الصورة لا تصح على المذهب؛ لأنه لا يستفيد منها شيئاً؛ لأننا لو صححنا القران لم تختلف أفعاله عن أفعال المفرد، أما الشيخ ابن عثيمين فيرى صحتها، ويقول: إنه يستفيد نسكاً آخر، أي: العمرة، فيرجع بحج وعمرة بخلاف من أحرم بالحج فقط.
(تتمة) يسن للمفرد والقارن فسخ نيتهما بالحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة - سواء قبل طواف القدوم والسعي أو أثناءهما أو بعدهما -، فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين بشرطين: ١ - ألا يسوقا هدياً، ٢ - ألا يكونا وقفا بعرفة.
لكن هل يجوز أن يفسخ المفرد أو القارن الحج بعمرة ونيته ألا يحج ويذهب عن مكة؟ نقل شمس الدين ابن مفلح في الفروع، وابن النجار في شرحه للمنتهى، والبهوتي في الكشاف الخلاف في ذلك وهو: (فإن قيل: هل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟ قيل: منعه ابن عقيل وغيره، نقل ابنُ منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، ولأنه على الفور فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به. واختلف كلام القاضي: وقدم الصحة؛ لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع، ولأن العمرة لا تصير حجاً، والحج يصير عمرة، كمن حصر عن عرفة، أو فاته الحج).
ونقل ابن جاسر هذا الخلاف ومال إلى كلام ابن عقيل، فلم يسوغ فسخ الحج إلى عمرة بدون حج بعده، وتعقب القاضي حيث قال: (قلت: وفيما قاله القاضي: نظر؛ لأنه إنما يحصل على صفة يصح منه التمتع إذا حج من عامه الذي فسخ فيه، أما إذا لم يحج عام الفسخ فإن الصفة المذكورة منتفية عنه، فالصحيح ما نقله ابن منصور من أنه لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، وإلا ينو إهلالاً بالحج من عامه، فإنه لا يسوغ له فسخ الحج، والله أعلم).
وكلام ابن عقيل وغيره يفهم منه: المنع لمن لم يحج حجة الإسلام؛ لقوله: (ولأنه على الفور، فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به)، أما من حج حجة الإسلام وفسخ حجه إلى عمرة، فكأنه مسكوت عنه في كلام ابن عقيل.
وممن منع أيضاً فسخَ المفرد والقارن إلى عمرة بلا حج شيخُ الإسلام في شرحه للعمدة حيث قال: (وذلك لأنه إذا أهل بالحج أولاً، فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع بها إلى الحج. وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيكون مدخلاً للعمرة في حجه، وفاعلاً للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك).
قلت: إنما يفيد كلامُ شيخ الإسلام، وابن جاسر تحريمَ التحلل لا عدم صحته، فلو تحلل بالعمرة فقد يقال بصحة تحلله مع الإثم؛ لتركه الحج، والله أعلم.
أما على المذهب: فرأيت لهم كلاماً في باب الفوات والإحصار قد يدل على إباحة تحلل المفرد والقارن بعمرة، وإن لم ينو الحجَّ في نفس السنة، قال في المنتهى وشرحه: (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم (في حج تحلل بعمرة مجاناً) أي: ولم يلزمه به دم؛ لأنه يباح مع غير الحصر، فمعه أولى)، وعبارته في الإقناع وشرحه: (وإن صد) المحرم (عن عرفة دون البيت) أي: الحرم (تحلل بـ) أفعال (عمرة ولا شيء عليه)؛ لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر فمعه أولى)، وذكر نحوه في المغني والشرح الكبير وغيرهما، وكلامهم هذا صريح في إباحة التحلل من الحج بالعمرة، ولم يستثنوا منه شيئاً.
ومما يؤيد عدمَ لزوم الحج: أن حج النافلة لا يلزم إلا بالشروع فيه، وهو لَمَّا فسخ حَجَّه إلى عمرة، لم يشرع في الحج، فكيف نؤثمه على ترك حج لم يشرع فيه؟
أما من أحرم بعمرة ناوياً التمتع بها إلى الحج، ثم لَمَّا تحلل منها عدل عن الحج في تلك السنة، فهذا لا شيء عليه، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأن إحرامه الأول لم يكن بحج بل بعمرة، فهو لم يفسخ حجاً، بخلاف من فسخ حج الإفراد أو القران إلى عمرة، والله أعلم.
(تنبيه) ما تقدم من المسائل مقيدة بما إذا لم يكن الحج الذي تركه - ولم يحرم به - فرضاً، وإلا أثم إن لم يحرم به؛ لوجوبه على الفور، والله أعلم.
ثم رأيت كلام ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن يمنع حتى المتمتع من الرجوع بعد عمرته قال: (لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحد، إنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي ﷺ : (دخلت العمرة في الحج) فهذه المتعة التي فُسِخَ إليها هي جزء من الحج، ليست عمرةً مفردةً وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفعل بعد التحلل التام).
ونحوه الشيخ السعدي حيث قال: (فالارتباط إنما هو في وجوب الإتيان بالحج للمتمتع الذي لم يحج، أو الذي فسخ عمرته إلى الحج .. ) الفتاوى السعدية ص ٢٦٣стр. 251
وعَلى كُلٍّ من متمتعٍ وقارنٍ إذا كَانَ أُفُقِيَّاً دمُ نسكٍ بِشَرْطِهِ (١) .
وإن حَاضَت متمتعةٌ فَخَشِيت فَوَاتَ الْحَجِ أحرمت بِهِ وَصَارَت الحواشي
(١) أي: يجب على المتمتع أو القارن إذا كان أفقياً - أي: من غير أهل المسجد الحرام - دم نسك. وإنما يجب على المتمتع بشروط سبعة وهي:
أحدها: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم: أهل الحرم ومن دونه مسافة قصر من الحرم، فلو استوطن مكة أفقي فحاضر. الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج، والاعتبار بالشهر الذي أحرم بها فيه لا بالشهر الذي حل منها فيه، فلو أحرم بالعمرة في رمضان ثم حل في شوال لم يكن متمتعاً. الثالث: أن يحج من عامه. الرابع: ألا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر، فإن فعل فأحرم بالحج، فلا دم عليه نصاً. الخامس: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم به قبل حله منها صار قارناً. السادس: أن يحرم بالعمرة من الميقات أو من مسافة قصر فأكثر من مكة. السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها.стр. 252
الحواشي
(١) أي: أحْرَمتْ بالعمرة ولم تطف، ثم حاضت، أو شرعت في الطواف وحاضت فيه، ولا تنتهي حيضتها إلا بعد طلوع فجر يوم النحر، فإنها حينئذ تخشى فوات الحج؛ فإن فوات الحج يكون لمن لم يقف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، فتُدخل إذن الحج على العمرة، وتصير قارنة؛ لأنها لم تشرع بعد في طواف العمرة.
(تتمة) قوله: أحرمت به: أبهم الماتنُ الحكمَ، وحكم الإحرام بالحج هنا: واجب كما ذكره الشيخ منصور، وليس هذا الحكم متعلقاً بالمتمتعة فحسب؛ بل حتى لو خشي غيرُها فوات الحج كمن أحرم بعمرة ثم منع من دخول المسجد الحرام وخشي فوات الحج، فإنه يجب عليه أن يدخل الحج على العمرة، وتتداخل أعمال الحج والعمرة. وأقوى دليل على التداخل في الشريعة: قول النبي ﷺ لعائشة: «طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزيك لحجك وعمرتك»، متفق عليه.
(مسألة) يجوز للمتمتع على المذهب أن يعتمر عن شخص ويحج عن آخر، وعليه دم بالشروط السبعة المتقدمة؛ فإذا أحرم بالعمرة قال: أحرمت بعمرة عن فلان، ثم إذا أراد أن يحرم بالحج قال: أحرمت حجاً عن فلان. ووجوب الدم هنا متوقف على الإذن، فإن أذِنا له فالدم عليهما، وإن أذن له أحدهما فعليه النصف والباقي على النائب، وإن لم يأذنا له فلا يخلو: إن عاد للميقات فأحرم منه للحج فلا دم عليه، وإن لم يعد فعليه الدم، كذا فصله البهوتي في الكشاف، ونسبه للشرح الكبير (٦/ ١٠٢).
ويجوز أيضاً للقارن - الذي يطوف مرة واحدة، ويسعى مرة واحدة - أن يجعل العمرة عن شخص والحج عن شخص آخر، فيقول: أحرمت بعمرة عن فلان، وحج عن فلان؛ لكن هنا قالوا: بإذنهما، ومفهومه: إن لم يأذنا له فيقع الحج والعمرة للنائب فقط، قاله البهوتي في شرح المنتهى (٢/ ٤٣٠)، والدم يكون عليه، وإن أذن له أحدهما دون الآخر فيصح عن الآذن والنائب فقط، ويكون الدم عليهما، والله أعلم.стр. 253
وَتسن التَّلْبِيَةُ (١) ، وتتأكد إذا عَلا نَشَزَاً (٢) أو هَبَط وَادياً، أو صلى مَكتُوبَةً، أو أَقْبَل ليلٌ أو نَهَارٌ (٣) ، أو التَقتِ الرفاقُ، أو رَكِبَ، أو نَزَلَ، أو سَمِعَ ملبياً، أو رأى البَيْتَ، أو فعل مَحْظُورًا نَاسِياً (٤) .
وَكُره إحرامٌ قبل مِيقَاتٍ (٥) ، وبحجٍ قبل أشهره (٦) . الحواشي
(١) التلبية معروفة؛ ويسن ابتداؤها عقب الإحرام.(٢) بفتح الشين وسكونها: المكان المرتفع كما في المطلع.(٣) أي: إن تغير حاله.(٤) إذا ذكره فإنه يسن له أن يلبي، ولا يسن في المذهب تكرار التلبية وهو في حال واحدة؛ فإذا ركب لبى مرة واحدة، ثم إذا نزل لبى مرة واحدة، وهكذا.(٥) الإحرام بالحج أو العمرة قبل الميقات المكاني يصح مع الكراهة؛ كمن ميقاته قرن المنازل لكن يحرم من الأحساء.(٦) أشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فمن أحرم بالحج في رمضان صح مع الكراهة.
(تتمة) لو أحرم بالعمرة قبل غروب الشمس يوم الثلاثين من رمضان، ثم غربت وأتم أعمالها ليلة العيد، فهي عمرة في رمضان، بخلاف العمرة التي يحرم بها يوم الثلاثين من شعبان ثم يتمها بعد غروب الشمس، فلا تكون عمرة في رمضان؛ لأن العبرة بالزمن الذي حصل فيه الإحرام.стр. 254
فصل (في المواقيت (١) ومحظورات الإحرام)
وميقات أهل المَدِينَة: الحليفة (٢) . وَالشَّامِ ومصرَ وَالمغربِ: الْجُحْفَة (٣) . واليمنِ: يَلَمْلَم (٤) . ونجدٍ: قرن (٥) . والمشرقِ: ذَات عرق (٦) .
وَيحرم مَنْ بِمَكَّة لحجٍ مِنْهَا (٧) ، الحواشي
(١) المواقيت: جمع ميقات. والميقات لغة: الحد، وشرعاً: موضع أو زمن معين لعبادة مخصوصة. والمواقيت قسمان: مكانية وزمانية.(٢) الْحُلَيْفَة: كذا فيما وقفت عليه في نسخ الأخصر والذي في الحديث ومعاجم اللغة والمنتهى والإقناع وغيرهما: ذو الحليفة، وهو موضع معروف يبعد عن مكة ٤٢٠ كم، وهو أبعد المواقيت عن مكة.(٣) وهي قرية كبيرة تبعد عن مكة ١٨٦ كم، وكان الناس فيما قبل يحرمون من رابغ - وهي قبل الجحفة بقليل -، لكن الدولة بنت الآن مسجداً في الجحفة يحرم الناس منه.(٤) تبعد عن مكة ١٢٠ كم.(٥) أي: قرن المنازل أو قرن الثعالب، وهو لأهل نجد والشرقية ومن وراءهم، ويبعد عن مكة ٧٨ كم.(٦) وهي قرية صارت خراباً؛ لكنني سمعت أن الدولة بنت فيها ميقاتاً، والعلم عند الله. فهي ميقات أهل المشرق كالعراق وخراسان وتلك النواحي.(٧) لحديث ابن عباس ﵄: «وكذلك أهل مكة يهلون منها»، متفق عليه.стр. 255
ولعمرةٍ من الحلِّ (١) .
وأشهرُ الحَج: شَوَّال، وَذُو الْقعدَة، وَعشرٌ من ذِي الْحجَّة.
ومحظوراتُ الإحرام (٢) تِسْعَةٌ:
إزالةُ شعرٍ (٣) ، وتقليمُ أظفار (٤) ، وتغطيةُ رأسِ ذكر (٥) ، ولبسه المخيط (٦) إلا سَرَاوِيلَ لعدم إزارٍ، وخفينِ لعدمِ نَعْلَيْنِ (٧) ، الحواشي
(١) لما في الحديث الذي رواه مسلم: أمر النبيُّ ﷺ عبدَ الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة ويحرم بها من التنعيم، وهو أدنى الحل.
(تتمة) هذه المواقيت كلها لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها، وكلها ثبتت بالنص على المذهب. ويحرم على المذهب تجاوز الميقات دون إحرام لمن أراد واحداً مما يلي: ١ - نسكاً، ٢ - أو أراد دخول مكة، ٣ - أو دخول الحرم.(٢) المحظورات: جمع محظور. والمحظور لغة: الممنوع، وشرعاً: ما يحرم على المحرِم فعله بسبب الإحرام.(٣) من جميع البدن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة، ١٩٦]. فالذي ورد فيه النص هو الرأس، وقاس عليه الحنابلة بقية شعور البدن.(٤) من اليد أو الرجل، قياساً على إزالة الشعر بجامع الترفه.(٥) إجماعاً، ولحديث الذي وقصته دابته: «لا تخمروا رأسه»، متفق عليه، ومنه الأذنان فلا يغطيهما.(٦) أي: لبس الذكر المخيط في بدنه أو بعض بدنه، والمخيط: هو اللبس المصنوع على قدر العضو، كما عرفه شيخ الإسلام في شرح العمدة.(٧) فإذا عدم الإزار لبس السراويل، وإذا عدم النعلين لبس الخفين، ولا فدية في ذلك كله. ولا يجب قطع الخفين أسفل من الكعبين؛ لأن النبي ﷺ ذكر الخفين في المدينة وأمر بقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. متفق عليه، ثم أعاد ذكرهما في مكة ولم يذكر القطع.стр. 256
وَالطّيبُ (١) ،
وَقتلُ صيدِ البرِّ (٢) ، وَعقدُ نِكَاحٍ (٣) ، وجماعٌ (٤) ، ومباشرةٌ فِيمَا الحواشي
(١) إجماعاً، فيحرم على المحرم أن يطيب بدنه أو ثوبه أو يأكل شيئاً فيه طيب يظهر فيه طعمه أو ريحه. والمحرَّم: قصد مس الطيب، واستعماله، وشمه إلا من اشترى طيباً لنفسه أو لتجارة، فله شمه بقصد الشراء لا بقصد الترفه، ويحرم عليه مسه، وإلا إذا شم طيباً بلا قصد، وإلا إذا مس ما لا يعلق باليد كقِطَع عنبر وكافور.
(تتمة) يحرم على المحرم استعمال الصابون المطيب قياساً على الدهن المطيَّب الذي نصوا على تحريمه، وإذا كان النبي ﷺ قال: (ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الورس ولا الزعفران)، متفق عليه، فكيف لو مس جسده بصابون أو شامبو معطر؟ فهو أولى بالتحريم من الثياب المطيبة، والله أعلم.(٢) والمراد: الصيد البري الوحشي سواءً كان مأكول اللحم أو متولداً من مأكول وغيره. والمحرَّم: أذية الصيد، واصطياده، وقتله، وذبحه، والدلالة، والإعانة عليه.(٣) فيحرم ولا يصح عقد النكاح من المحرِم سواءً كان عاقداً أو زوجاً أو زوجة أو وكيلاً عن غيره، أما الخطبة فتكره من المحرِم، وأما الرجعة فتباح؛ لأنها ليست نكاحاً، وإنما هي استدامة لنكاح سابق.(٤) أي الجماع الذي يوجب الغسل؛ وهو تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً. وإذا وطئ بحائل: فلا يجب عليه الغسل في المذهب، وذكر النجدي: أنه لا يفسد نسكه به، أما صاحب الغاية فقال: (ويتجه إذا كان بحائل أنه لا يفسد إلا أن ينزل)، فيفهم منه: أنه إن وطئ المحرم قبل التحلل الأول بحائل وأنزل، فإن حجه يفسد وتجب الكفارة، والله أعلم.стр. 257
دون فرجٍ (١) .
فَفِي أقلَّ من ثَلَاثِ شَعَرَات وَثَلَاثَةِ أظفارٍ فِي كل وَاحِدٍ فأقلَّ طَعَامُ مِسكينٍ (٢) ، وَفِي الثَّلَاث فأكثرَ دمٌ (٣) ، وَفِي تَغْطِيَةِ الرأس بلاصقٍ (٤)
وَلُبْس الحواشي
(١) بشرط كونها: بشهوة. والمباشرة لغة: مس البشرة للبشرة، والمراد بها عرفاً: مقدمات الجماع بوطء دون الفرج أو قبلة أو لمس، وكذا نظر لشهوة، قاله في الإقناع.(٢) فإن قص شعرة أو نصفها، أو قص ظفراً أو بعض ظفر، ففيه إطعام مسكين، لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره.(٣) وسيأتي أن هذا الدم: فديةُ أذى، والمراد بفدية الأذى: التخيير بين ذبح شاة، وصوم ثلاثة أيام، وإطعام ستة مساكين.(٤) قوله: (بلاصق ... الفدية): يفهم منه: أنه إذا غطى رأسه بغير لاصق فلا يحرم، ولا فدية عليه، لكن المذهب: أنه متى غطى رأسه بملاصق أو غير ملاصق كالمحمل، والمظلة الشمسية، والسيارات الموجودة في عصرنا لزمته الفدية، بخلاف الذي لا يستدام كالجلوس في الخيمة أو البيت. (مخالفة الماتن).
ويرى الشيخ السعدي في (الأجوبة السعدية ص ١٠٢) أن السيارة بمنزلة البيت والخيمة لا بأس بها للمحرم، لا بمنزلة المحمل الذي اختلف فيه العلماء، قال: (فلهذا لا نتوقف بجواز ركوب السيارة المسقوفة للمحرم).стр. 258
مخيط وتطيبٍ فِي بدنٍ أو ثوبٍ أو شمٍّ أو دَهْنٍ الفِدْيَةُ، وإن قَتَلَ صيداً مَأْكُولاً برياً أصلا فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ (١) .
وَالجِمَاعُ قبل التَّحَلُّلِ الأولِ فِي حَجٍّ وَقبل فرَاغِ سعي فِي عمْرَةٍ مُفسدٌ لنسكهما مُطلقًا (٢) ، وَفِيه لحجٍّ بَدَنَةٌ، ولعمرةٍ شَاةٌ (٣) ،
ويمضيان فِي الحواشي
(١) سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.(٢) أي: سواء كان ساهيا أو جاهلا أو مكرها نصا، أو نائمة كما في كشف المخدرات.(٣) التحلل في الحج والعمرة قسمان: التحلل الأول، والتحلل الثاني. ويحصل التحلل الأول في الحج باثنين من ثلاثة: الطواف، والرمي، والحلق. أما التحلل الثاني فيحصل: بالباقي من الثلاثة مع السعي، فإذا جامع قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وبعده عليه شاة: فدية أذى.
ويحصل التحلل الأول في العمرة: بالفراغ من السعي، ويحصل الثاني بالحلق أو التقصير، هكذا يقرره الشيخ منصور في شرح المنتهى، ولم أره لغيره. والمفهوم من كلامهم: أنه إن وطئ المحرِم قبل تمام السعي فسدت عمرته، وإن وطئ بعد تمام السعي قبل الحلق فلا تفسد، وعليه شاة - والمراد: كفدية أذى - مطلقاً سواء وطئ قبل تمام السعي أو بعده، وتسمية ما قبل تمام السعي تحللاً أولا مشكلٌ؛ لأنه قد يُفهم منه: أنه يجوز لبس الثياب المخيطة، والتطيب، وكل شيء إلا النساء بعد تمام السعي وقبل الحلق كما في الحج، وهذا لا أعلم أحداً قال به، والله أعلم. (تحرير)
(تتمة) إذا جامع قبل التحلل الأول في الحج، أو قبل فراغ السعي في العمرة فسد النسك مطلقاً، أي: سواءً كان جاهلاً أو ساهياً أو مكرهاً.стр. 259
فاسدِه (١) ويقضيانِه مُطلقًا (٢) إن كَانَا مُكلفين فَوْرًا وإلا بعد التَّكْلِيفِ، وَحَجَّةِ الإسلام فَوْرًا (٣) .
وَلَا يفسدُ النّسكُ بِمُبَاشَرَةٍ، وَيجب بهَا بَدَنَة إن أنزَلَ وإلا شَاةٌ (٤) ، وَلَا بِوَطءٍ فِي حجٍّ بعد التَّحَلُّل الأول وَقبل الثَّانِي (٥) ، لَكِن يفسد الإحرامُ فَيحرمُ من الحل ليطوف للزيارة فِي إحرامٍ صَحِيحٍ، وَيسْعَى إن لم يكن سعى (٦) الحواشي
(١) أي: في النسك الذي أفسداه - حجاً أو عمرة - وجوباً.(٢) أي: كبيراً كان أو صغيراً، واطئاً أو موطوءاً، فرضاً أو نفلاً.(٣) فإن لم يكونا مكلفين فيقضيانه فوراً بعد التكليف وبعد حجة الإسلام.
(تتمة) تجب نفقة الموطوءة المطاوعة عليها، والمكرهةِ على مكرهٍ؛ لإفساد نسكها.(٤) لا يفسد النسك بالمباشرة دون الفرج، فإن أنزل فعليه بدنة قياساً على الجماع، لكن يُقيَّد بكونه قبل التحلل الأول، كما قرره الشيخ منصور في الكشاف. أما بعده فعليه شاة فدية أذى، وكذا إن باشر ولم ينزل قبل التحلل الأول، أو بعده ولو أنزل، فعليه شاة كفدية أذى. (تقرير)(٥) أي: لا يفسد النسك بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل الثاني.(٦) الوطء بعد التحلل الأول لا يخلو من أحد حالين:
إن كان تحلل بغير طواف الإفاضة - أي: تحلل بالحلق والرمي -، فإن إحرامه يفسد، ويجب عليه أن يذهب إلى الحل ويحرم؛ ليطوف طواف الزيارة بإحرام صحيح، ولا يفسد نسكه.
قال ابن نصر الله: (وهذا الإحرام الذي يُحْرِمُ به من الحل، هل يحرُمُ به جميع المحظورات، أو لا يحرُمُ به إلا النساء خاصة؛ كإحرامه الذي فسد بالوطء. ظاهر إطلاقهم: الأول، والثاني متجه أيضا) نقله ابن حميد في حاشيته على شرح المنتهى ٢/ ٢٨٤
ب- وأما إذا وطئ بعد التحلل الأول وكان تحلله بطواف الزيارة مع الرمي أو الحلق، فلا يلزمه أن يحرم من الحل؛ لأنه قد طاف الفرض، وهذا هو المذهب المجزوم به، وإن كان النجدي يرى لزومَ الإحرام من الحل احتياطاً. (تحرير)стр. 260
وَعَلِيهِ شَاةٌ (١) .
وإحرامُ امْرَأَةٍ كَرجلٍ إلا فِي لُبس مخيط (٢) ، وتجتنب البرقعَ والقُفَّازَين (٣) ، وتغطية الوَجْه (٤) ، فَإِن غطَّتْه بِلَا عذرٍ فَدَت. الحواشي
(١) فإذا وطئ بعد التحلل الأول، فعليه شاة: فدية أذى.(٢) فيجوز لها لبس المخيط.(٣) وجوباً.(٤) يقول الحنابلة: إحرام المرأة في وجهها، لكن إذا مر بها رجال أجانب فإنها تسدل الخمار على وجهها، ولو مس بشرتها، كما ذكر الشيخ عثمان وغيره، خلافاً للقاضي أبي يعلى. وقد يؤخذ من هذا وجوب تغطية المرأة وجهها عند الرجال؛ لأنه يحرم عليها تغطية الوجه في الإحرام إلا إذا مر بها رجال أجانب، فيزول حينئذ التحريم؛ فيقال: لا يزول هذا التحريم إلا بأمر واجب. لكن البعض ينازع في دلالة هذا الحكم على وجوب تغطية المرأة وجهها، ويقولون: لا يلزم كون التحريم لا يزول إلا بأمر واجب، بدليل جواز كشف العورة لقضاء الحاجة مع كونها غير واجبة، قلت: وفيه نظر. والله أعلم. (تحرير)стр. 261
فصل في الْفِدْيَةِ
يُخَيّر بفدية (١) حلقٍ، وتقليمٍ، وتغطيةِ رَأس رجل ووجه امرأة، وَطيبٍ (٢) بَين صِيَامِ ثَلَاثَة أيام أو إطعامِ سِتَّةِ مَسَاكِين، كلُّ مِسْكينٍ مُدُّ برٍّ أو نصفُ صَاعِ تمرٍ أو زبيبٍ أو شعيرٍ (٣) أو ذبحِ شَاة.
وَفِي جَزَاءِ صيدٍ (٤) بَين مثلِ مثليٍّ (٥) أو تقويمِه بِدَرَاهِم يَشْتَرِي بهَا الحواشي
(١) الفدية: ما يجب بسبب نسك أو حَرَم. وتنقسم الفدية إلى قسمين: (القسم الأول) قسم على التخيير، ويندرج تحته نوعان: أ- فدية الأذى، ب- وجزاء الصيد؛ (القسم الثاني) قسم على الترتيب.(٢) بدأ بقسم التخيير، وذكر منه هنا النوع الأول: فدية الأذى. والمراد بالحلق: أكثر من شعرتين؛ والتقليم: أكثر من ظفرين؛ وتغطية الرأس: من الرجُل. وكذا تغطية وجه المرأة فيه الفدية. والأصل الوارد هو حلق الشعر، وقيس عليه باقي المحظورات بجامع الترفه.(٣) أو أقِط؛ أي: الأصناف الخمسة التي تجب في زكاة الفطر.(٤) هذا النوع الثاني من قسم التخيير: جزاء الصيد.(٥) المراد بالمثليّ: الصيد الذي له مثل، أي: شبيه من النَّعم. فالصيد قسمان: قسم له مثل من بهيمة الإنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم؛ وقسم ليس له مثل منها.стр. 262
طَعَاماً يجزئ فِي فطْرَة، فيطعمُ عَنْ كلِّ مِسْكين مدَّ برِّ أو نصفَ صَاعٍ من غَيرِه، أو يَصُومُ عَن طَعَامِ كل مِسْكين يَوْمًا (١) ، وَبَين إطعامٍ أو صِيَامٍ فِي غيرِ مثليٍّ (٢) .
وإن عَدِمَ متمتعٌ أو قَارنٌ الهَديَ صَامَ ثَلَاثَةَ أيامٍ فِي الْحَج، والأفضلُ جعلُ آخرِها يَوْمَ عَرَفَةَ وَسَبْعَةً إذا رَجَعَ لأهلِه (٣) ،
والمحصرُ إذا لم يجده الحواشي
(١) فإذا قتل نعامة مثلاً، وهي مما له مثل من النعم، فالواجب فيها بدنة: من الإبل أو من البقر. فيخير بين أمور ثلاثة: إما إخراج المثل - أي: البدنة - يذبحها ويوزعها على فقراء الحرم؛ وإما تقويم المثل بدراهم يشتري بها طعاماً من أحد الأصناف الخمسة التي تجزئ في الفطرة، فيطعم كلَّ مسكين من مساكين الحرم مُدَّ برٍّ أو نصف صاع من غيره؛ وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، ويرجع في تقدير ذلك إلى المطولات.(٢) الصيد الذي ليس له مثل من النعم يخير فيه بين أمرين: الإطعام والصيام. والتقويم هنا يكون للصيد، بخلاف الصيد الذي له مثل من النعم، فيكون التقويم فيه للمثل (فرق فقهي). فيشتري بقيمة الصيد طعامًا، ويطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً.(٣) شرع الماتن في قسم الترتيب، وهو أنواع:
(النوع الأول) دم المتعة والقران: فيجب هدي النسك على القارن أو المتمتع؛ فإن لم يجده، أو لم يجد ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج. وأول وقت يجوز الصوم فيه: من إحرام المتمتع بالعمرة وإحرام القارن بالحج والعمرة، وجَعْلُ آخر الثلاثة يومَ عرفة أفضلُ بأن يصوم السابع والثامن والتاسع. ويجوز تأخيرها إلى أيام التشريق. ثم يصوم سبعة إذا رجع إلى أهله، والمراد: أن ينتهي من أعمال الحج، فلو صام في الطريق إلى أهله فلا بأس، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة، ١٩٦].стр. 263
صَامَ عشرَة أيام، ثمَّ حل (١) ، وَتسقط بنسيانٍ فِي لُبْسٍ وَطيبٍ وتغطيةِ رَأس (٢) . الحواشي
(١) (النوع الثاني) دم الإحصار، والمحصر: هو الذي صُد عن دخول الحرم فلم يستطع أن يفعل نسكه؛ فيلزمه - ليجوز له التحلل - هدي ينحره بنية التحلل، فإن لم يجد الهدي صام عشرة أيام بنية التحلل ثم يحلّ، ولا يحل حتى يصوم العشر.
(تتمة) (النوع الثالث) - لم يذكره المؤلف -: فدية الوطء في الحج قبل التحلل الأول: فيجب فيه بدنة؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام قياساً على دم المتعة والقران. ويقاس على بدنة الوطء: البدنةُ التي تجب في المباشرة مع الإنزال قبل التحلل الأول. أما فدية الوطء في العمرة فهي فدية أذى مطلقاً؛ فهي على التخيير لا على الترتيب.
(النوع الرابع) - لم يذكره المؤلف -: دم وجب لفوات الحج، أو لترك واجب كترك المبيت بمزدلفة: فيجب فيه دم، والدم هنا على ظاهره: إما شاة أو سبع بدنة، فإن لم يجد صام عشرة أيام.(٢) تسقط الفدية مع النسيان والجهل والإكراه في: لبس المخيط والتطيب وتغطية الرأس، أما المحظورات الأخرى كالحلق والتقصير، وتقليم الأظافر، وقتل الصيد، والوطء، فلا تسقط الفدية فيها بالنسيان والجهل والإكراه. وضابط ذلك: ما ترتب عليه إتلاف، فلا تسقط فيه الفدية لا بنسيان ولا بجهل بالحكم ولا بإكراه، بخلاف ما لا يترتب عليه إتلاف، فتسقط بجميع ذلك. (فرق فقهي)стр. 264
وكلُّ هَدْيٍ أو طَعَامٍ فلمساكينِ الْحرمِ (١) إلا فديَةَ أذى وَلُبسٍ وَنَحْوِهَما فَحَيْثُ وُجِد سَببُهَا (٢) ، ويجزئ الصَّوْمُ بِكُلِّ مَكَانٍ (٣) ، وَالدَّمُ شَاةٌ أو سبعُ بَدَنَةٍ أو بقرةٍ (٤) . الحواشي
(١) وجوباً، ومساكين الحرم: هم المقيمون بالحرم والمجتازون به من حاج وغيره ممن له أخذ الزكاة لحاجته كالفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لنفسه.(٢) من حِل أو حَرَم؛ فلو أحرم مثلاً من ذي الحليفة، ثم حلق رأسه واختار ذبح شاة مثلاً، فلا يجب عليه أن يوصلها إلى الحرم، بل يذبحها ويوزعها في محله، ولو أرسلها لمساكين الحرم أجزأت. وكذا دم الإحصار يكون حيث وجد سببه، وكذا العاجز عن إيصاله للحرم ينحره حيث قدر ويفرقه بموضع نحره، فهذه ثلاثة استثناءات.(٣) فمن وجب عليه صيام أجزأه فعله بكل مكان، لكن الأيام الثلاثة الواجبة عن دم المتعة والقران إن أخرها وصامها بعد أيام التشريق أجزأته، وعليه دم للتأخير.(٤) أي: الدم إن أُطلق فهو شاة كأضحية، فيجزئ الجذع من الضأن والثني من المعز. ويجزئ عن الشاة سُبع بدنة أو سُبع بقرة ولو وجد الشياه أو عدمها، في جزاء الصيد أو غيره. ولا بد من التفريق بين الشاة التي تكون على ظاهرها، والتي يراد بها فدية الأذى، وقد تقدمت معنا في مواضع كثيرة.стр. 265
وَيُرجع فِي جَزَاءِ صيدٍ إلى مَا قَضَت فِيهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَفِيمَا لم تقضِ فِيهِ إلى قَولِ عَدْلَيْنِ خبيرينِ (١) ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ تجب قِيمَتُه مَكَانَهُ (٢) .
وَحرُم مُطلقًا (٣) صيدُ حرمِ مَكَّة (٤) ، وَقطعُ شَجَرهِ وحشيشِه إلا الإذخرَ (٥) الحواشي
(١) الصيد الذي له مثل من النعم - أي: المقارب والشبيه له من بهيمة الأنعام - نوعان: أحدهما: ما قضى فيه الرسول ﷺ أو قضت فيه الصحابة ﵃، فيجب الرجوع فيه إلى أقضيتهم كالضبع قضى فيه النبي ﷺ بكبش رواه أبو داود من حديث جابر ﵁. والنوع الثاني: ما لم يقض فيه النبي ﷺ ولا قضت فيه الصحابة ﵃، فيرجع في إيجاب شبيه - من حيث الخلقة - للصيد من بهيمة الأنعام إلى قول عدلين خبيرين؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة، ٩٥] حتى لو كان أحدهما القاتل للصيد، وهل يفسق بهذا الفعل؟ فيه خلاف.(٢) أي: يرجع في قيمة الصيد الذي لامثل له إلى قيمته في مكان إتلافه وقتلِه، ويمثلون لذلك بالطيور ما عدا الحمام. أما الحمام فالواجب فيه شاة؛ لأنه يعب الماء عباً، أي: ينزل رأسه ويسحب الماء، ثم يرفع رأسه ويبلع الماء كالشاة.(٣) أي: على مُحِل ومُحرِم ولو كافراً أو صغيراً.(٤) صيد حرم مكة ميتةٌ مثل صيد المحرم.(٥) فيحرم قطع شجر حرم مكة حتى الشوك وما فيه مضرة، ويحرم حشيش الحرم إلا الإذخر، وهو نبات طيب الرائحة. وكذلك يستثنى الكمأة - أي: الفقع -، وما زرعه آدمي، وما انكسر بغير فعل آدمي، فيجوز أخذه.стр. 266
وَفِيه الْجَزَاءُ (١) ، وصيدُ حرمِ المَدِينَة (٢) ، وَقطعُ شَجَرهِ وحشيشِهِ لغير حَاجَةِ عَلَفٍ وقَتَبٍ وَنَحْوهمَا وَلَا جَزَاء (٣) . الحواشي
(١) أما الصيد فجزاؤه كصيد المحرِم، وأما الأشجار إذا قطعت فتضمن الصغيرة عرفاً بشاة، والكبيرة والمتوسطة ببقرة، ويخير: بين ذبحها وتفرقتها، أو إطلاقها لمساكين الحرم ليذبحوه ويأكلوه، وبين تقويمها بدراهم، ويُفعل بها كجزاء الصيد. ويضمن حشيشٌ وورَقٌ بقيمته، وغصن بما نقص، فإن استخلف شيءٌ من الشجر أو من الحشيش سقط ضمانه.(٢) أي: يحرم صيد المدينة، وهل إذا قتل صيدَ المدينة يكون ميتة كصيد مكة؟ فيه تردد، وقد ذكر في الإقناع أنه إن صاده وذبحه فإنه يحل. (تحتاج لتحرير)(٣) وهذا من الفروق بينه وبين صيد مكة. وقوله: (قتب): هو ما يجعل على ظهر البعير، وهو أكبر من الرحل، كما في حاشية ابن بدران. وقول الماتن: (ونحوهما): كالمساند، وآلة الحرث.стр. 267
باب دخول مكة
يُسنُّ نَهَاراً (١) مِنْ أعلاها (٢) ، وَالمَسْجِدُ من بَابِ بني شَيْبَةَ (٣) . الحواشي
(١) أي: يسن دخول مكة نهاراً، فإذا وصلها ليلاً سن أن ينتظر حتى يدخلها نهاراً؛ لأن ابن عمر ﵁ كان لا يدخل مكة حتى يبيت بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ ، كما في الحديث المتفق عليه.(٢) أي: من أعلى مكة؛ لأن الرسول ﷺ كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى. والثنية هي الطريق بين الجبلين، وثنية كَداء - بفتح الكاف والمد -: هي أعلى مكة، فيسن أن يتقصدها حتى لو لم تكن على طريقه. ويقال: إن هذه الثنية أتاها العمران، فلا يمكن الدخول منها الآن.
(تتمة) ويسن الخروج من مكة من أسفلها من ثنية كُدى - بضم الكاف والقصر والتنوين -، وهي من جهة حي الشُّبيكة الموجود الآن، والذي أُدخل في توسعة الحرم الشريف. وكذلك يقال إن هذه الثنية قد أتاها العمران، فلا يمكن الخروج منها، إلا أن يكونوا قد أدخلوا الشبيكة كلها، فيستحب المرور بها.(٣) أي: يسن دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ويقول الشيخ منصور عن هذا الباب: (هو في موضع باب السلام)، وقال في موضع آخر: (بإزاء باب السلام)، وعلق الشيخ ابن جاسر على كلام الشيخ منصور وقال: (اختلف قوله في الباب. انتهى)، وباب السلام موجود الآن في جهة المسعى؛ لكن هل هو الذي يقصده الفقهاء؟ الله أعلم.стр. 268
فَإِذا رأى البَيْتَ رفع يَدَيْهِ وَقَالَ مَا ورد (١) ، ثمَّ طَاف مضطبعاً للْعُمْرَة الْمُعْتَمِرُ، وللقدومِ غَيرُه (٢) ، ويستلمُ الحجرَ الأسودَ (٣)
ويقبلُه، فإن شقّ أشار الحواشي
(١) أي: إذا رأى الكعبة رفع يديه كما في الدعاء، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حَيِّنَا ربَنَا بالسلام. اللهم زد هذا البيت تعظيماً ... » إلى آخره.(٢) وهو المفرد والقارن، والاضطباع: جعل وسط الرداء تحت العاتق الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر. والاضطباع في كل الأشواط مستحب؛ لكنه لا يسن لمن يحمل شخصاً معذوراً.(٣) الاستلام هنا: أن يمسحه بيده اليمنى، كما في الإقناع وغيره.
(تتمة) يشترط أن يبدأ من الحجر الأسود. قالوا: ويجب أن يحاذيه - أي: الحجر الأسود - أو بعضه بكل بدنه، والمحاذاة في اللغة: المقابلة، وفسَّر الحنابلةُ المحاذاةَ هنا بالاستقبال بكل البدن، قال في المنتهى: (فيحاذيه أو بعضه بكل بدنه)، قال البهوتي: (ويستقبله بوجهه ... لأن ما لزم استقباله لزم بجميع البدن كالقبلة)، وأصله في المغني وغيره. ويقولون: (أنه إذا رأى ضلعي البيت فقد استقبل الحجر)، نقله النجدي عن والد صاحب المنتهى من حواشي المحرر، ويحتاج لتأمل؛ لأنه قد يرى ضلعي البيت وهو غير مستقبل له بكل بدنه، فالله أعلم. وذكر شيخ الإسلام عن القاضي طريقة لمحاذاة كل البدن للحجر، فقال: (والسنة أن يبتدئ بالحجر في أول الطواف، وأن يستقبل الركن في أول الطواف سواء استلمه، وقبَّله، أو لم يفعل وهل ذلك واجب؛ لأن النبي ﷺ قال لعمر: «إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر»، رواه أحمد، قال القاضي: من شرط الطواف الاستقبال، فلا يجوز أن يبتدئ الطواف غير مستقبل للركن ... ، قال القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا: وكمال الطواف: أن يبتدئ بالحجر فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر؛ وهو أن يأتي عن يمين الحجر من ناحية الركن اليماني، ثم يجتاز بجميعه على يمين نفسه؛ لأن كل ما قابلك كان يمينُك حذاءَ يساره، ويسارُك حذاء يمينه؛ لأن السنة أن يبتدئ بالطواف بالحجر الأسود، ولا يطوف جميعه بالحجر الأسود إلا بذلك، فإن حاذى بعض الحجر بكل بدنه، وأمكن هذا لكونه دقيقاً: أجزأه؛ لأنه قد ابتدأ بطواف جميعه بالحجر).
والمراد من كلام القاضي: أن يأتي الطائف قَبْلَ الحجر من يمين الحجر- مستقبلاً له -، ويمر عليه كل بدنه حتى يسار الحجر. (بحث وتحرير)
وهل يجب استقبال الحجر بالوجه؟ المذهب: لا، بل هو مستحب، قال في المنتهى - ونحوه في الإقناع -: (واستقبله بوجهه، وقال: بسم الله .. الخ)، ولم يبين حكمه، وقال في الفروع: (وفي استقباله بوجهه وجهان)، قال المرداوي في تصحيحه: (أحدهما: يستحب، وهو الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: هو السنة، وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر ما قطع به الشيخ في المغني والشرح .. والثاني: لا يستحب). (بحث وتحرير)
وهل يجب أن يستقبله ببدنه في كل شوط؟
في الإقناع والمنتهى: (كلما حاذى الحجر الأسود والركن استلمهما، وإن شق أشار إليهما، ويقول كلما حاذى الحجر الأسود: الله أكبر فقط)، والمحاذاة هي الاستقبال كما تقدم، فإن استلم الحجر أو قبله استقبله في الغالب كما أشار إليه شيخ الإسلام في شرح العمدة، لكن إن أشار إليه فهل يستحب أن يستقبله أثناء الإشارة أو يجب؟ لم أر كلاما صريحا في الوجوب إلا في ابتداء الطواف، فتبقى السنية فيما عداه، ومما يؤيد عدم وجوب استقبال الحجر في غير الشوط الأول: ما قاله في المغني: (ويكبر كلما أتى الحجر، أو حاذاه) فالظاهر أن الإتيان هنا: أن يمر عليه بدون استقبال، والمحاذاة هي استقباله. فليحرر. (بحث يحتاج لتحرير)
وهل يستحب أن يستلم الحجر الأسود في آخر شوط؟
لم أقف على صريح في هذا إلا ما ذكره شيخ الإسلام في شرحه للعمدة: (والكمال أن يحاذي في الأخير بكل بدنه جميع الحجر) وقال أيضا: (وجملة ذلك: أن يختم الطواف باستلام الحجر، ثم يستلمه بعد ركعتي الطواف) وهذا صريح في مشروعية استلامه بعد آخر شوط، لكن هل ينتهي الطائف من الشوط قبل الحجر أم معه؟ الظاهر: قبله فلا يشرع استلامه؛ لأنه قد انتهى من طوافه إلا أنهم قالوا: إذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد السعي، سن له عوده إلى الحجر فيستلمه، والله أعلم. (بحث وتحرير)стр. 269
إليه (١) وَيَقُول مَا ورد (٢) . ويَرْمُلُ الأُفُقِي فِي هَذَا الحواشي
(١) التقبيل - كما في الإقناع -: يكون من غير صوت يظهر للقبلة، ومن السنن عندنا أيضاً أن يسجد عليه كما في حديث ابن عباس ﵄ رواه البيهقي، فيضع جبهته وأنفه عليه. فإن شق استلامه وتقبيله بسبب الزحام فلا يزاحم بل يستلمه بيده ويقبلها، فإن شق استلمه بشيء كعصاً ويقبل ما استلمه به، فإن شق أشار إليه بيده أو شيء في يده ولا يقبّل ما أشار به.(٢) السُّنة في المذهب أن يقول في أول شوط: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ، وفي بقية الأشواط: الله أكبر. وكان الرسول ﷺ كلما أتى الركن أشار بيده وكبّر، كما في البخاري.стр. 270
الطّواف (١) ، فَإِذا فرغ صلى رَكْعَتَيْنِ خلفَ الْمقَام (٢) .
ثمَّ يسْتَلمُ الحجرَ الأسودَ (٣)
وَيخرجُ إلى الصَّفَا من بَابِه فيرقاهُ حَتَّى يرى البَيْتَ (٤) ، فيكبرُ ثَلَاثًا وَيَقُول الحواشي
(١) الأفقي: من ليس من حاضري المسجد الحرام. والرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى من غير وثب كما في الإقناع، فيرمل في الثلاثة الأشواط الأُوَل الماشي، لا الراكب، ولا من يحمل شخصاً معذوراً، ولا النساء فهذه ثلاثة استثناءات.(٢) يسن أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي المذهب: تجزئ مكتوبة عنهما، وكذلك السنة الراتبة قاله في الإقناع وغيره.(٣) استحباباً لحديث جابر ﵁.
(تتمة) شروط صحة الطواف أربعة عشر: النية - ويعيِّنه -، والإسلام، والعقل، وستر العورة، والطهارة من الحدث لا لطفل دون التمييز، والطهارة من الخبث، وتكميل السبع، وجعل البيت عن يساره، وكونه ماشياً مع القدرة، والموالاة، والطواف بجميع البيت فلا يطوف على الشاذروان ولا على جدار الحجر، وألا يخرج من المسجد بل يطوف داخله، وأن يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه ببدنه، ودخول وقته إن كان واجباً.(٤) كان في السابق باب في الصحن يؤدي إلى الصفا، ويوجد الآن علامة تدل عليه. فيتوجه إلى جبل الصفا، ويرقاه ندباً حتى يرى البيت إن أمكنه ذلك، ويستقبله، زاد شيخ الإسلام في شرح العمدة: (ويستحب أن يرفع يديه).стр. 271
مَا ورد (١) ،
ثمَّ ينزلُ مَاشِياً إلى العلمِ الأولِ فيسعى شَدِيداً إلى الآخَرِ (٢) ، ثمَّ يمشي ويرقى المرْوَةَ وَيَقُولُ مَا قَالَه على الصَّفَا، ثمَّ ينزل فَيَمْشِي فِي مَوضِعِ الحواشي
(١) يكبر ثلاثاً، ويقول ثلاثاً: «الحمد لله على ما هدانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم يدعو مرة واحدة. ودليل المذهب ما ورد في حديث جابر ﵁ عند أحمد والنسائي: (أن النبي ﷺ كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثاً، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو، ويصنع على المروة مثل ذلك)، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (ومنهم من لم يذكر إلا التكبير والتهليل ثلاثاً، والدعاء مرة، ولم يذكر أنه يكرر ذلك ثلاثاً)، قلت: وهو المذهب، والله أعلم.
(تتمة) وهل يستحب أن يقول الذكر والدعاء بعد آخر شوط؟ لم أقف على كلام لهم في هذا، والظاهر: لا يستحب؛ لانتهائه من السعي قبل المروة، والله أعلم.(٢) هناك إضاءة خضراء في المسعى تدل على موضع العلم الأول. فيستحب أن يسعى سعياً شديداً، قال في الإقناع: (بشرط ألا يُؤذِي، ولا يُؤذَى). وقد خالف الماتنُ المذهبَ في هذه المسألة تبعاً للزاد في كون استحباب السعي الشديد بين العلمين فقط، والمذهب: يستحب أن يسعى شديداً قبل العلم الأول بستة أذرع - ثلاثة أمتار تقريباً - ثم ينتهي إلى العلم الثاني، وإذا كان راكباً سعى بدابته، كالكراسي الموجودة الآن، وهذا السعي الشديد بين العلمين سنة في حق الرجال فقط. (مخالفة الماتن)стр. 272
مَشْيه وَيسْعَى فِي مَوضِعِ سَعْيه إلى الصَّفَا، يَفْعَلُه سبعاً، ويَحْسُبُ ذهابَه ورجوعَه (١) .
ويتحلل متمتعٌ لَا هدي مَعَه بتقصير شعره (٢) ، وَمن مَعَه هدي إذا حج (٣) . الحواشي
(١) يحسب ذهابه سعية ورجوعه سعية، فيبدأ بالصفا وينتهي عند المروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول. ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة، قال في المنتهى وشرحه: ((ويجب استيعاب ما بينهما) أي: الصفا والمروة، (فيلصق عقبه) أي: عقب رجليه (بأصلهما) أي: الصفا والمروة في ابتدائه بكل منهما، ويلصق أيضاً أصابعه بما يصل إليه من كل منهما، والراكب يفعل ذلك بدابته، فمن ترك شيئاً مما بينهما ولو دون ذراع لم يجزئه سعيه)، وعبارة الغاية: (فيلصق عقبه بأصلهما ابتداءً، وأصابع رجليه انتهاءً).
(تتمة) شروط السعي ثمانية: النية - ويعيِّنه -، والإسلام، والعقل، والموالاة، والمشي مع القدرة، وكونه بعد طواف ولو مسنوناً كطواف قدوم، وتكميل السبع، واستيعاب ما بين الصفا والمروة.
أما الموالاة بين الطواف والسعي: فهي سنة.(٢) يتحلل المتمتع أو المعتمر الذي نوى التمتع بتقصير شعره بعد السعي.(٣) تمتع من ساق هدياً: من ساق هدياً فله أن يتمتع، ولكنه يبقى على إحرامه بعد سعي العمرة، ولا يحل إلا يوم النحر إذا ذبح هديه، وهي المسألة الوحيدة التي يتعلق فيها الحل بذبح الهدي، ويستدلون على ذلك بحديث حفصة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر»، متفق عليه. أما الشيخ ابن عثيمين فيرى أنه إذا ساق هدياً فليس له أن يتمتع، خلافاً للمذهب. وهل يكون على المذهب قارناً أو متمتعاً قد ساق هدياً؟ فيه خلاف كبير، وكأنَّ ميل البهوتي - واختاره الغاية اتجاهاً - إلى أنه قارن لا متمتع، وظاهر الإقناع والمنتهى وشرح العمدة لشيخ الإسلام والماتن هنا أنه: متمتع ساق هدياً، وسماه متمتعاً أيضاً ابنُ ذهلان في الفواكه العديدة، وابن جاسر في مفيد الأنام، والله أعلم. (بحث)стр. 273
والمتمتع يقطع التَّلْبِيَة إذا أخذ فِي الطّواف (١) . الحواشي
(١) المتمتع وكذا المعتمر يقطعان التلبية إذا شرعا في الطواف؛ لحديث ابن عباس ﵁: أن الرسول ﷺ كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر، رواه الترمذي وأبو داود.стр. 274
فصل في صفة الحج والعمرة
يسن لمحِلٍّ بِمَكَّةَ (١) الإحرامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرويَةِ (٢) ، وَالمَبِيتُ بمنى (٣) ، فإذا طلعت الشَّمْسُ سَار إلى عَرَفَةَ (٤) وَكلُّهَا موقفٌ إلا بطنَ الحواشي
(١) وكذا مَنْ هو قريب منها دون مسافة القصر، ويدخل في هذا المتمتعُ الذي حلَّ من عمرته، ومَنْ أراد إفراداً من مكة. أما غيرهما كالقارن، فلا يحل من إحرامه إلا يوم النحر.(٢) وهو الثامن من ذي الحجة، ويُحْرِم من مكة، ويسن أن يفعل عند إحرامه هنا ما يفعله عند إحرامه من الميقات من غُسل وغيره، ثم بعد ذلك يطوف أسبوعاً ويصلي ركعتين، ثم يحرم بالحج من المسجد الحرام كما في الإقناع، وفي المنتهى: (وصح إحرامه من خارج الحرم، ولا شيء عليه).(٣) فيسن أن يحرم قبل الظهر، ثم يذهب إلى منى فيبيت بها ليلة التاسع استحباباً.(٤) والمذهب: أن يأتي نمرة استحباباً حيث يوجد المسجد الذي يخطب فيه الآن خطبة عرفة، ثم يبقى فيها إلى الزوال، ويخطب ويصلي الظهر والعصر جمع تقديم إن جاز له الجمع كالمسافر بأذان واحد وإقامتين، ثم يسير إلى عرفة.
(تتمة) نمرة على المذهب: موضع بعرفة، وعلى رأي شيخ الإسلام - ورجحه ابن جاسر -: ليست من عرفة، والله أعلم.стр. 275
عُرَنَةَ (١) وَجمعَ فِيهَا بَين الظّهْرِ وَالعصرِ تَقْدِيمًا (٢) ،
وأكْثَرَ الدُّعَاءَ، ومِمَّا ورد (٣) . الحواشي
(١) وهو وادي في عرفة، وليس منها، ولا يجزئ الوقوف فيه.(٢) استحباباً ممن يجوز له الجمع، ويجمع بينهما بأذان وإقامتين.
(تتمة) الجمع بعرفة: المذهب عدم الجواز إلا لمن له الجمع، وقد استفتيت الشافعية فوافقونا.
والقول الثاني: يجوز الجمع حتى لمن ليس من أهل الجمع، قال في الفروع: (وهو الأشهر عن الإمام أحمد ﵀، واختاره الموفق ﵀ في المغني، وذكر المذهبَ وقال عنه: (ليس بصحيح)، وذكر عن ابن المنذر إجماعَ أهلِ العلم على جوازِ الجمع. وذكر الموفق أيضاً أن النبي ﷺ جمع بعرفة، وجمع معه مَنْ حَضَرَه من المكيِّين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا»، وختم كلامه بذكر الإجماع على ذلك، فقال: (ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من? يرى الجمع في غيره، والحقُّ فيما أجمعوا عليه، فلا يعرج على غيره). وقد وافقه الشارح وابن عثيمين في الجمع فقط، ووافقه شيخُ الإسلام في الجمع، واختار جواز القصر أيضاً، رحمة الله على الجميع.
ومع ذلك، فإن المرداوي ﵀ في الإنصاف أخذ من ظاهر كلام الموفق ﵀ في المقنع عدمَ جواز الجمع والقصر لأهل مكة، ثم ذكر اختياره في جواز الجمع دون القصر. والله أعلم. (بحث)(٣) فيكثر الدعاء والاستغفار في هذا اليوم العظيم، والدعاء الوارد ما أتى في الحديث: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»، رواه مالك والبيهقي.стр. 276
وَوقتُ الوُقُوفِ من فَجْرِ عَرَفَة إلى فجرِ النَّحْرِ (١) . الحواشي
(١) وهذه من المفردات، أي: من المسائل التي انفرد بها الحنابلة عن غيرهم. ودليلهم حديث عروة بن مضرس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد صلاتنا هذه - يعني: بالمزدلفة - فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه»، قال النووي: (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقوله في الحديث: (ليلا أو نهاراً): يشمل كل يوم عرفة من طلوع الفجر الثاني حتى طلوع فجر يوم النحر.
وقال الجمهور: يبدأ الوقوف من الزوال، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وحُكِي هذا القولُ إجماعاً؛ لكن ليس كل إجماع يحكى يكون صحيحاً ومسلماً به. وقد ذكر ابن القيم أن ابن المنذر يحكي الإجماعَ في بعض المسائل إذا رأى أكثرَ العلماء اجتمعوا على رأي واحد؛ فأتى بإجماعات غير صحيحة، وإلا فالحنابلة يخالفون في مسائل كثيرة قد حكي فيها الإجماع. وبعض طلبة العلم إذا رأى إجماعاً يُحْكَى في مسألة وقد خالف فيها الحنابلة - وإن كان لهم فيها دليل كحديث عروة ﵁ هنا - حَكَم على قولهم بالشذوذ، وهذا غريب جداً، فلا يستعجل طالب العلم إذا رأى إجماعاً قد حكي حتى يتأكد من استيفائه الشروط المعتبرة، والله أعلم.
(تتمة) شروط صحة الوقوف بعرفة: ١ - كونه في وقت الوقوف: من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، ٢ - كونه مسلماً، ٣ - كونه محرماً بالحج، ٤ - العقل: بألا يكون سكران، ولا مجنوناً، ولا مغمىً عليه إلا أن يفيقوا وهم بها قبل خروج وقت الوقوف، أو بعد الدفع إن عادوا فوقفوا بها في الوقت.стр. 277
ثمَّ يَدْفعُ بعد الْغُرُوب إلى مُزْدَلِفَةَ بسكينةٍ وَيَجْمعُ فِيهَا بَين العِشائين تَأْخِيراً (١) ويبيتُ بهَا (٢) .
فَإِذا صلى الصُّبْحَ أتى المشعرَ الحرَامَ، فَرَقَاهُ ووقفَ عِنْده (٣) ، وَحمد الله وَكبَّر وقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، وَيَدعُو حَتَّى يسفر (٤) .
ثمَّ يدْفع إلى منى (٥) ، فَإِذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر (٦) ، وأخذ الحواشي
(١) استحباباً: ويقيد بمن يباح لهم الجمع، كما سبق. وقوله: (بسكينة): أي: بطمأنينة.(٢) وجوباً.(٣) فيسن أن يأتيه بعد الصبح، ويرقاه إن أمكن - كما في الإقناع وشرح المنتهى -، وإلا وقف عنده، والمشعر الحرام يطلق على كل مزدلفة، ويطلق أيضاً على موضع معين منها. وقال أحد العلماء: إنه المكان الذي بني فيه المسجد الآن، والله أعلم.(٤) فيدعو حتى يسفر جداً، أي: يظهر النور قبل شروق الشمس.(٥) قبل طلوع الشمس، كما في الإقناع وشرح المنتهى للبهوتي ولمصنِّفه ابن النجار.(٦) أي: قدر رمية حجر، وهذا لمن كان ماشياً، فإن كان على دابة، فيقولون: إنه يحرك دابته. ويقول ابن عثيمين ﵀: (والظاهر أنه لا يمكن الإسراع الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات، فينوي بقلبه أنه لو تيسر له أن يسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا، فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب)، انتهى كلام الشيخ ملخصاً.стр. 278
حَصى الجمار (١) سبعين (٢) أكبر من الحِمِّص وَدون البُنْدُقِ، فَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعقبَةِ وَحدَهَا بِسبعٍ (٣) ،
يرفعُ يُمناه حَتَّى يُرى بَيَاضُ إبِطِه، وَيكبرُ مَعَ كلِّ حَصَاةٍ (٤) .
ثمَّ ينْحَرُ ويحلقُ أو يقصِّرُ من جَمِيع شَعَرِه، والمرأةُ قدرَ أُنْمُلَة (٥) ، ثمَّ الحواشي
(١) قال ابن جاسر في مفيد الأنام بعد بحث طويل ونقولات: (والصحيح من كلامهم أن له أخذ حصى الجمار من مزدلفة، ومن طريقه منها إلى منى، ومن منى، ومن حيث شاء إلا من نفس المسجد الحرام).(٢) سبع حصيات ليوم النحر، وإحدى وعشرين لكل الأيام الثلاثة التي تليه.(٣) وجوباً.
(تتمة) شروط صحة الرمي تسعة: ١ - الحجم: بأن تكون الجمار أكبر من الحمص ودون البندق، وإلا لم تجزئ، ٢ - العدد: سبع لكل جمرة، ٣ - كونها من الحصى لا من غيرها، ٤ - كون الرمي متعاقباً لا دفعة واحدة، ٥ - أن يرمي في الوقت المعتبر شرعاً، وهو لجمرة العقبة من نصف ليلة النحر إلى الغروب، وفي بقية الأيام من الزوال إلى الغروب لكل الجمرات، ٦ - أن يقصد الرمي، ٧ - الترتيب بين الجمرات، ٨ - ألا يكون الحصى قد رُمي به من قبل، ٩ - كونه رمياً لا وضعاً.(٤) استحباباً.(٥) فيقصر الرجل من مجموع شعره لا من كل شعرة بعينها. وليس لتقصيره حد في المذهب، فيقصر قدر أنملة أو أقل أو أكثر، بخلاف المرأة فتقصر قدر أنملة فأقل، قال في المغني والشرح الكبير: (وأي قدر قصر منه أجزأ؛ لأن الأمر مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم)، وقال شيخ الإسلام في الفتاوى: (وإذا قصره جمع الشعر وقص منه بقدر الأنملة أو أقل أو أكثر، والمرأة لا تقص أكثر من ذلك، وأما الرجل فله أن يقصر ما شاء)، والْأُنْملَة: رأس الأصبع من المفصل الأعلى، وقدَّر ذلك الشيخ ابن عثيمين بـ: ٢ سم. فتجمع شعرها وتقصر من رؤوس الظفائر قدر أنملة فأقل. (فرق فقهي)стр. 279
قد حل لَهُ كلُّ شَيْء إلا النِّسَاءَ (١) .
ثمَّ يُفِيضُ إلى مَكَّة فيطوفُ طوافَ الزِّيَارَةِ (٢) الَّذِي هُوَ ركنٌ (٣) ، ثمَّ يسْعَى إن لم يكن سعى، وَقد حل لَهُ كلُّ شَيْء.
وَسُنَّ أنْ يشربَ من زَمْزَم لما أحب (٤) ، الحواشي
(١) فيما يتعلق بالوطء، والمباشرة، والتقبيل، واللمس بشهوة، وعقد النكاح.(٢) خالف الماتن هنا المذهبَ - كزاد المستقنع - في كونه إذا أفاض إلى مكة يطوف للإفاضة مباشرة. والمذهب: أنه قبل أن يطوف للإفاضة، يستحب لمفرد وقارن لم يدخلا مكة قبلُ أن يطوفا للقدوم برمل واضطباع، ثم للإفاضة، ويستحب للمتمتع أن يطوف هنا للقدوم بلا رمل ولا اضطباع ثم للإفاضة. (مخالفة الماتن)
(تتمة) قال في الإقناع بعد أن قدَّم المذهب: (وقيل: لا يطوف للقدوم أحد منهم، اختاره الشيخ الموفق، وردَّ الأول وقال: لا نعلم أحداً وافق أبا عبد الله على ذلك، قال ابن رجب: وهو الأصح).(٣) وأول وقته: من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة، ولا آخر لوقته.(٤) أي: لما أحب أن يعطيه الله - كما قال النجدي -؛ لحديث: «ماء زمزم لما شرب له»، رواه ابن ماجه؛ فينوي إذا شرب منه أنه يريد شيئاً من علم أو رزق ...стр. 280
ويتضلعَ مِنْهُ (١) وَيَدْعُوَ بِمَا ورد.
ثمَّ يرجعُ فيبيتُ بمنى (٢) ثَلَاثَ لَيَال، وَيَرْمِي الْجمارَ فِي كل يَوْم من أيام التَّشْرِيق بعد الزَّوَال وَقبل الصَّلَاةِ (٣) ، وَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ إن لم يخرج قبل الْغُرُوب لزمَه الْمبيتُ وَالرَّمْيُ من الْغَد (٤) .
وَطوافُ الْوَدَاعِ وَاجِب يَفْعَلُه (٥) ، ثمَّ يقفُ فِي الحواشي
(١) أي: يملأ أضلاعه منه - كما قال البهوتي -، فيشرب حتى يحس أنه دخل بين أضلاعه.(٢) وجوباً، ويستثنى من وجوب المبيت بمنى، وكذا مزدلفة على ما في الإقناع: السقاة - وهم سقاة زمزم على ما في المطلع - والرعاة، فإن غربت الشمس والسقاة والرعاة بمنى لزم الرعاة فقط. وعلى الصحيح يستثنى أيضاً: أهل الأعذار كالمريض، ومن له مال يخاف ضياعه، ونحوه، كما جزم به الشيخ البهوتي في شرح المنتهى، والشيخ مرعي في الغاية، والله أعلم.(٣) يرمي بعد الزوال وجوباً - فلا يجزئ قبله -، وقبل الصلاة استحباباً.(٤) للآية.(٥) إذا فرغ من جميع أموره، فيفعله وجوباً ولو لم يكن بمكة، كما ذكر صاحب الفروع، والبهوتي في حاشيته على المنتهى، والنجدي. فإذا كان بمنى مثلاً وجب عليه أن يذهب إلى مكة فيطوف للوداع. ويستثنى من هذا: الحائض والنفساء، فلا وداع عليهما إلا أن تطهرا قبل مفارقة البنيان، فيجب عليهما الرجوع لتطوفا للوداع.стр. 281
الْمُلْتَزمِ (١) دَاعياً بِمَا وَرَد، وَتَدْعُو الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ على بَاب الْمَسْجِد (٢) . الحواشي
(١) وهو ما بين الركن والباب بقدر أربعة أذرع، فيسن - كما في الغاية والشرح الكبير - أن يلصق وجهه وكفيه وصدره وذراعيه وجميع بدنه. وذكر ابن قاسم في ترجمة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: أنه دعا الله في هذا الموطن، فاستجاب الله دعاءه.(٢) ندباً؛ ولا يجوز لهما دخول المسجد.
(تتمة) في مسائل مستفادة من كتاب «دليل الناسك» للشيخ اللبدي، مع التعليق على بعضها، رأيت أن أضعها هنا لكي يستفاد منها؛ لأني لم أجدها في غير كتابه:
المسألة الأولى: قال اللبدي: (ظاهر كلام كثيرين أن أمنَ الطريق، وبلا خفارة، والدليل للجاهل والأعمى شروطُ لزوم لا لوجوب الحج، فلا يصح عدها من الاستطاعة).
قلت: كلها في المذهب شروط وجوب، فإن تخلف واحد منها فليس بمستطيع، ولا يجب عليه الحج.
المسألة الثانية: وافق اللبديُّ الشيخَ منصورا في التسوية بين الحج عن المعضوب نفلاً وبين إهداء ثواب الحج له، وأن كليهما يصح بلا إذن المحجوج عنه.
قلت: ظاهر كلام ا? قناع والمنتهى: التفريق، وأنه يجوز إهداء الثواب بلا إذن الْمُهْدَى له الحي، و? يصح الحج عنه نفلاً بلا إذنه، وهو صريح الغاية حيث قال: (? عن حي بلا إذنه، ويقع عن نفسه ولو نفلاً، فإن جعل ثوابه له حصل لما مر آخر الجنائز).
المسألة الثالثة: تعقب اللبديُّ ﵀ قولَ ا? قناع والمنتهى: (وإن أيست منه استنابت)، وأن هذا يتمشى على القول بأن المحْرَم شرطٌ للزوم السعي? للوجوب، وأنه مخالف لما ذكراه من أنه شرط لوجوب الحج، فتناقض قولهم، ثم ذكر توجيه البهوتي: (والمراد أيست بعد وجود المحرم، وفرّطت بالتأخير حتى فُقد)، قال اللبدي: (ولكن المراد? يدفع الإيراد).
قلت: صدق ﵀.
المسألة الرابعة: هل إذا اشترط في إحرامه بالقول وحصل له عذر يحل بمجرد حصوله أم? يحل إلا إذا أراد ذلك ونواه؟ استظهر اللبدي أنه يحل بمجرد حصول العذر؛ لأن البهوتي قال: ولو قال: فلي أن أحل خُيِّر، قال اللبدي: (وظاهر هذا: أنه في الأُولى يحل بمجرد الحبس، فليتأمل).
قلت: هذا الظاهر غير مراد، وأنه? يحل بمجرد العذر بل بالنية، ويخيَّر أيضاً بدليل: قوله في الإقناع هنا: (ويفيد هذا الاشتراط ... أن له التحلل). وفي الإنصاف: (جاز له التحلل ... وهو المذهب)، ومثله في الشرح الكبير، وكذا قال في المنتهى في آخر الفوات والإحصار: (ومن شَرَط في ابتداء إحرامه ... فله التحلل مجاناً) وهي عبارات تفيد جواز التحلل، لا تحقق وجوده مباشرة.
المسألة الخامسة: قال اللبدي ﵀: (النيابة في النية تصح للضرورة في مواضع كثيرة: كعن الصغير في ا? حرام، وفي طوافه، وفي سعيه، ونحو ذلك مما تشترط له النية، وكالمجنونة التي تغسل من الحيض أو النفاس لحل وطء زوجها لها، ومثلها الممتنعة من غسلها لذلك ولو عاقلة، ولكن لم أر هذا البحث لأحد، فليتأمل، وليحرر).
قلت: أما الممتنعة فصرح في ا? قناع وشرحه: أنه? نية معتبرة هنا؛ للعذر، كالممتنع من زكاة.
المسألة السادسة: قال ﵀: (لو قيل بعدم صحة الطائف حبواً أو زحفاً أو منحنياً كراكع لغير عذر لكان له وجه).
المسألة السابعة: قال ﵀: (فإن مد يده على جدار الحجر، أو على الكعبة في هواء الشاذروان وهو يمشي، أو أهوى برأسه لتقبيل الحجر، ثم مشى ورأسه في هواء الشاذروان صح طوافه؛ لأن معظمه خارج البيت، قاله في الإنصاف. ثم قال: قلت: ويحتمل عدم الصحة. انتهى).
قلت: وما قرره اللبدي من الصحة صريح في الإقناع وغيره.
المسألة الثامنة: قال ﵀: (وليحذر عند الازدحام من أن ينحرف بوجهه أو ظهره لجهة البيت، ثم يمشي ولو خطوة أو بعض خطوة، فإنه? يصح ذلك الشوط إلا أن يرجع إلى محل الانحراف، ثم يجعل البيت عن يساره ويمشي، وهذا يخل به كثير من الناس).
قلت: لعله يريد بـ «بوجهه»: أن يجعل الكعبة أمامه ويمشي خطوة جهة اليمين، وقوله: «أو ظهره»: أن يجعل الكعبة خلفه ويمشي خطوة جهة اليسار، فيكون بذلك أخل بشرط جعل البيت عن يساره. والله أعلم.
المسألة التاسعة: قال ﵀: (فينبغي للمرأة الحرة إذا كانت بالغة أن تحترز من كشف شيء من بدنها ولو من شعرها أو قدميها ونحو ذلك مما جرت العادة بكشفه من بعض النساء، فقد يتساهلن في ذلك، فيكون الطواف غير صحيح، فإن كان طواف الفرض فحجها لم يتم، وتبقى غير محللة للنكاح، وهذا فيه خطر عظيم).
المسألة العاشرة: قال ﵀: (يشترط لصحة الطواف فرضاً أو نفلاً نيةٌ إلا من صغير دون التمييز، فإنه ينوي عنه وليه)، وقال مثله في السعي، أعني: في نية الولي عن غير المميز.
المسألة الإحدى عشر: قال ﵀: (لم أر من ذكر المدة التي تفوت فيها الموالاة بين أشواط الطواف والسعي، ولعله يعتبر العرف).
قلت: هو منصوص البهوتي في شرح المنتهى حيث قيد كلام المنتهى بالعرف، فالذي لا يقطع الموالاة بين أشواط الطواف والسعي على المذهب واحد مما يلي: ١ - الفاصل القليل عرفاً، ٢ - الصلاة المكتوبة، ٣ - صلاة الجنازة.
المسألة الثانية عشر: قال: ظاهر كلامهم أنه? يشرع تقبيل الحجر الأسود إلا عند ابتداء الطواف دون بقيته، وإنما المشروع في كل شوط استلامه إن أمكن، وقوله: اللهم إيماناً بك ... إلخ، وإن لم يستلمه كبر فقط. ثم إني رأيت في ا? نصاف - نقلاً عن المستوعب وغيره - ما يفيد أن استلامه وتقبيله في كل شوط، فراجعه إن شئت.
قلت: ما استظهره هو ظاهر ا? قناع والمنتهى، وصرح به الشيخ سليمان بن علي في منسكه، كما نقله عنه ابن جاسر في مفيد الأنام.
المسألة الثالثة عشر: قال ﵀: (لكن لو طاف للقدوم ولم يسع حتى نزل من عرفة، فهل يصح سعيه قبل طواف الإفاضة؛ ? نه تقدمه طواف القدوم، أو? يصح، أو يُفرَّق بين كونه بعد دخول وقت طواف ا? فاضة وبين كونه قبله، فيصح في الثانية دون ا? ولى؟ لم أر من ذكر ذلك من علمائنا، ولا من أشار إليه لقلة اطلاعي وقصر باعي، فليحرر).
قلت: ظاهر المذهب: الصحة، وذلك لعدم اشتراط الموا? ة بين طواف القدوم والسعي، بل ولا بين طواف العمرة أو الحج وسعيهما. وكونه إذا دخل وقت طواف ا? فاضة فلا يصح تقديم السعي على ا? فاضة هو الأحوط وأبرأ للذمة. والله أعلم.
ثم رأيت في كلام ابن النجار في معونة أولي النهى (٤/ ٢٣١) التصريحَ بوجوب تقديم طواف الزيارة على السعي حيث قال: (فإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وجب عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة).
المسألة الرابعة عشر: حكاية ابن عبد البر الإجماع على أن وقت الوقوف من الزوال، قاله في ا? نصاف. قال اللبدي ﵀: (مع أن أكثر علماء المذهب على أنه من الفجر إلا أن يحمل قول ابن عبد البر إجماعاً على أن دخول وقت الوقوف? يتأخر عن الزوال إجماعاً، وقصده بذلك الرد على من شذ وقال? بد أن يمضي بعد الزوال مقدار مضي خطبتين، والجمع بين الظهرين، وفراغه منهما، ? أنه? يدخل وقت الوقوف قبل الزوال).
المسألة الخامسة عشر: قال ﵀: (وليحترز عند الحلق من حلق الشعر النازل عن حد الرأس كالعنق والعارض قبل إكمال الرأس، فإنه? يجوز، وقَلَّ مَنْ يتنبه له من الحلاقين وغيرهم؛ نعم إذا كان الحلق بعد الرمي والطواف جاز؛ لأنه حصل التحلل بهما).
المسألة السادسة عشر: استظهر اللبدي ﵀ جوازَ البداءةِ بالحلق أو التقصير قبل الرمي والطواف كليهما).
قلت: وهذا صحيح، لكن يكره للعالم دون الجاهل، كما في ا? قناع. ولا يعني ذلك جواز فعل المحظورات من لبس الثياب والتطيب حتى يضم مع الحلقِ الرميَ أو الطوافَ.
المسألة السابعة عشر: قال ﵀: (وأما المحرم بعمرة، فظاهر كلامهم أنه ليس له إلا تحلل واحد، أي: بإتمامها بالحلق أو التقصير، وأنه قبل ذلك? يجوز فعل شيء من المحظورات ولو بعد السعي).
قلت: لم أر أحداً نص على أن المعتمر له تحلل أول - وأنه يكون بتمام السعي، وقبله? يكون متحللاً - إلا الشيخ منصور في شرح المنتهى. وا? قرب ما ذكره اللبدي؛ ? نه لو قيل بالتحلل ا? ول لجاز له بعد السعي وقبل الحلق المحظورات غير النساء، ولم ينص أحد على ذلك، بل صرح اللبدي بمنع ذلك حتى يحلق أو يقصر.
المسألة الثامنة عشر: ذكر اللبدي: (أنه لو وطئ في العمرة بعد السعي? يفسدها ولا دم عليه في ظاهر كلامهم، فليحرر).
قلت: كون الدم - الذي هو فدية أذى - للوطء في العمرة يكون? فسادها قبل تمام السعي، وبعده? يفسدها و? دم عليه هو مفهوم كلام الغاية، قال: وعليه? فساد العمرة شاة. انتهى. ومثله في دليل الطالب، والمعونة لابن النجار، والشرح الكبير. لكن صرح البهوتي في شرح المنتهى: بأن الشاة واجبة للوطء في العمرة سواء وطئ قبل تمام السعي أو بعده وقبل الحلق، وكذا في التنقيح، ومفهوم ا? قناع، وظاهر المنتهى، ويؤيده كلامهم في الفدية بذكر وجوب الشاة بالوطء في العمرة بدون تفصيل. والله أعلم.
المسألة التاسعة عشر: قال ﵀: (وانظر لو لم يرم الجمار كلها حتى جمرة العقبة يوم النحر وبعده إلى أن انقضت أيام التشريق، فهل يبقى غير متحلل التحلل الثاني بعد أن طاف وسعى وحلق؟ )
(تتمة) هل تضعيف الصلاة في مكة والمدينة خاص بالمسجد أم يشمل كل الحرم؟ في بداية أمري لم أر لهم كلاماً صريحاً في ذلك، ثم وقفت على كلام الإقناع في كتاب الحج، وهو قوله فيه مع شرحه: ((وحسنات الحرم) في المضاعفة (كصلاته) لما تقدم عن ابن عباس))، فهذا فيه تقرير بأن حسنات الحرم مضاعفة قياساً على الصلاة فيه، فيفهم منه أن الصلاة في الحرم مضاعفة، وليس التضعيف خاصاً بالمسجد فحسب.
وفي الغاية مع شرحه في كتاب الحج: ((وبقية حسنات الحرم) المكي (كصلاة فيه، فكل عمل بر) من صدقة وذكر وكلمة طيبة، ونحو ذلك من القربات التي تقع (فيه)، أي: الحرم: (بمائة ألف) في غيره).
ثم وقفت على كلام اللبدي في دليل الناسك، وهو: (وهل المضاعفة في نفس المسجد أو في جميع الحرم؟ خلاف، والأول أقوى دليلاً)، لكني قدمتُ عليه مفهومَ الإقناع.
ثم وقفت على كلام الغاية، وهو قوله - وهو كلام الفروع - مع المطالب: ((وظاهر كلامهم) أيضاً: (أن المسجد الحرام نفس المسجد)، ومع ما يزيد فيه كما تقدم، (وقيل: الحرم كله مسجد)، فتحصل فيه المضاعفة المذكورة، وهو ضعيف)، وهو بعد قوله: (وبقية حسنات الحرم ... إلخ) الذي نقلته سابقاً، فاختلف مفهومُ كلامِهِ مع منطوقه!
فترددت كثيراً؛ لكونه يؤيد ما قواه اللبدي، ثم وجدت كلاماً في الإقناع في كتاب الصلاة يؤيد ما استظهره صاحب الغاية وقواه اللبدي وهو: (ولا تسقط الفائتة بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة)، أي: من عليه فوائت كثيرة، فلا تسقط بصلاته في مسجد تضاعف فيه الصلاة كالمساجد الثلاثة. ويفهم منه: أن التضعيف خاص بالمسجد فقط، فاختلف المفهوم من قولي الإقناع، وكذا مفهوم الغاية مع منطوقه. ومما يدل أيضاً على أن التضعيف خاص بالمسجد قولهم في آخر كتاب الاعتكاف: وما زيد في المسجد فمنه حتى مسجد النبي ﷺ ، خلافاً لمن خصه بالمسجد الذي في زمنه ﷺ استدلالاً بالإشارة في حديث: «صلاة في مسجدي هذا بألف ... ». قلت: فلو كان التضعيف عاماً لكل الحرم لما اختلف أصحابنا فيما زيد في مسجد النبي ﷺ .
والذي أميل إليه الآن أن التضعيف خاص بالمسجد؛ لكثرة مرجحاته، لكن مع شيء من التردد، والله أعلم. (بحث)стр. 282
وَسن زِيَارَةُ قبر النَّبِي ﷺ وقَبْرَي صَاحِبيهِ (١) . الحواشي
(١) يؤخذ من سنية الزيارة استحباب شد الرحال لها، كذا ذكره ابن نصر الله، ونقله الشيخ منصور في الكشاف؛ لكن لم أر لهم ذكر استحباب زيارة قبره ﷺ في غير هذا الموطن، وهو بعد الفراغ من الحج، أي: فلا يسن في غير هذا الزمن، والله أعلم. وهذا خلافاً لما ذهب إليه شيخ الإسلام، والجائز بإجماع - كما قال شيخ الإسلام - أن ينوي المسلم زيارة المسجد النبوي، فإذا أتاه نوى زيارة قبر الرسول ﷺ . وإنما يحصل الإشكال لو نوى من بلده السفر لزيارة القبر. ويكره في المذهب قصد القبور للدعاء عندها، فمن سافر لذلك لا يترخص برخص السفر.
(تتمة) صفة الزيارة: أن يأتي قبر النبي ﷺ مستقبلاً له، ويتقدم، ويقول: السلام عليك يا رسول الله، وكان ابن عمر ﵄ لا يزيد على ذلك، رواه مالك وغيره، وصححه ابن حجر في المطالب العالية، قال في الإقناع: (إن زاد على ذلك فحسن). ولا يرفع صوته، ولا يتمسح، ولا يمس القبر، ولا حائطه، ولا يقبله، وكل ذلك مكروه؛ لما فيه من إساءة الأدب والابتداع. ثم يتقدم عن يمينه نحو ذراع ويسلم على أبي بكررضي الله عنه فيقول: (السلام عليك يا أبا بكر الصديق)، ثم يتقدم عن يمينه نحو ذراع أيضاً ويسلم على عمر ﵃ فيقول: (السلام عليك يا عمر الفاروق) كذا في الكشاف، وبعد ذلك يتقدم قليلاً ويقف ويدعو ويستقبل القبلة، ولا يجعل القبور خلفه.стр. 283
وَصفَةُ الْعمرَة أن يُحرم بهَا من بِالْحرم من أدنى الْحل (١) ، وَغَيرُه من دويرةِ أهلِه إن كَانَ دونَ مِيقَاتٍ (٢) وإلا فَمِنْهُ (٣) ، ثمَّ يطوفُ وَيسْعَى وَيقصِّرُ. الحواشي
(١) أي: من أقرب الحل؛ وهو ميقاته، فإذا أحرم من الحرم فعليه دم.(٢) من كان بين الميقات والحرم أحرم من مكانه، والمراد: كل بلده ميقات له، كما قرره الخلوتي وغيره، فإن تجاوزه بلا إحرام فعليه دم.(٣) أي: من كان قبل الميقات أحرم منه.стр. 284
فصل (في أركان وواجبات الحج والعمرة)
أركانُ الحَجِ أربعةٌ: إحرامٌ (١) ، ووقوفٌ (٢) ، وَطوافٌ (٣) ، وسعيٌ (٤) .
وواجباتُه سَبْعَةٌ: إحرامُ مارٍّ على مِيقَاتِ مِنْهُ، ووقوفٌ إلى اللَّيْلِ إن وقف نَهَاراً، ومبيتٌ بِمُزْدَلِفَة إلى بعد نصفِهِ إن وافاها قبلَه (٥) ، وبمنى لياليَها (٦) ، الحواشي
(١) وهو نية الدخول في النسك.(٢) أي: بعرفة؛ لقول النبي ﷺ : «الحج عرفة»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي.(٣) أي: طواف الزيارة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج، ٢٩].(٤) أي: السعي بين الصفا والمروة، فهو ركن على المذهب، ومشى الموفق في العمدة على أنه واجب لا ركن.(٥) المبيت بمزدلفة واجب على الرجال والنساء، لكن يجوز الدفع بعد نصف الليل. فإن أتى مزدلفة قبل نصف الليل لزمه المبيت بها إلى بعد نصف الليل، وإن أتاها بعد نصف الليل كفاه المرور، وإن أتاها بعد الفجر فعليه دم.(٦) أي: ليالي التشريق، وليس في المذهب قول مقطوع به في القدر الواجب منه، وجملة ما يقال هنا أن لمتأخري الأصحاب في تقرير ذلك ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: ما مال إليه الشيخ مرعي، حيث جعل الشيخ مرعي الواجب معظم الليل «اتجاهًا»، وهو ما ذكره ابن تيمية في شرح العمدة حيث قال: «المبيت بمنى لما كان واجبًا لم يجز أن يبيت بها لحظة من آخر الليل حتى يبيت بها معظم الليل».
المسلك الثاني: وهو للشيخ منصور البهوتي في كشاف القناع، حيث قرر أن من ترك مبيت أكثر الليل فلا شيء عليه، وعن ذلك قال: (وعلم منه أنه لو ترك دون ليلة فلا شيء عليه، وظاهره: ولو أكثرها).
المسلك الثالث: وهو أيضًا للشيخ منصور البهوتي، ولكنه متأخرٌ عن الأول، حيث مال في شرح المنتهى - وهو متأخر عن الكشاف - إلى جعل حكمِه حكمَ المبيت بمزدلفة، فقال ﵀: (ولعل المراد: لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت، بل كمزدلفة على ما سبق).
وعلى هذا المسلك الثالث: ...
فمن أتى منى قبل منتصف الليل وجب عليه البقاء إلى منتصف الليل، ومن أتاها بعده كفاه المرور بها، ومن أتاها بعد الفجر فعليه دم. ومن انصرف قبل منتصف الليل ثم عاد قبل الفجر فليس عليه دم، أما من خرج ولم يعد إلا بعد الفجر فعليه دم، كما نصوا عليه في مسألة المبيت بمزدلفة.
قلت: الذي انتهيت إليه هو ترجيح المسلك الأول، فالقدر الواجب من المبيت في منى هو: (معظم الليل) أخذًا من قولهم في الأيمان: لو حلف أن يبيت ليلة عند فلان، قالوا: يبر بمعظم الليل، وإلا حنث.
واعتُرِض على هذا التقرير بأمرين:
١. أن ما ذكروه في الأيمان بحثٌ في الحقيقة اللغوية لمفهوم الليل، والبحث هنا في المفهوم الشرعي للبيات الواجب، فالقياس على المبيت بمزدلفة أقرب من الأخذ بعموم ما هنالك.
٢. أنه يشكل عليه جانب النفي فيما إذا حلف أن لا يبيت.
ويجاب عن الاعتراض الأول: بأنه يصح أن يقال: البحث هنا في الحقيقة الشرعية، لكنها غير موجودة، فيصار للحقيقة اللغوية.
وأما الاعتراض الثاني: فيقال: بأنه لا دخل له في مسألتنا، وأيضاً لو حلف لا يبيت عند فلان، فإنه يحنث بمعظم الليل لا دونه، ما لم تكن له نية سوى ذلك.
فالصحيح: أن القدر الذي يجب أن يبيته الحاج في منى: معظم الليل، ولو اقتصر على بعضها الذي هو دون معظم الليل فهل عليه دم؟ على ما قررته من كون الواجب معظم الليل فعليه دم، وعلى ما قرره الشيخ منصور فالأمر واضح، فليحرر، والله أعلم. (بحث وتحرير)
(تتمة) لو لم يبت بمنى ليلة أو أكثر فعليه دم واحد فقط، وكذلك إن ترك في الرمي جمرة واحدة أو رمي يوم كامل، أو كل الرمي فعليه دم واحد. (تحرير)стр. 285
وَالرَّمْيُ مُرَتباً (١) ، وَحلقٌ أو تَقْصِيرٌ، وَطوافُ وداعٍ (٢) . الحواشي
(١) وإلا لم يصح.(٢) وهو خاص بالحج، خلافاً لما قرره الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه لزاد المستقنع من أن طواف الوداع واجب على الحاج والمعتمر - وأنه المذهب! - تبعاً لما ذهب إليه الشيخ تقي الدين وابن عثيمين، وهو: أنه واجب على كل من خرج من مكة، حاجاً كان أو معتمراً.
وفي تقرير كون وجوب طواف الوداع على الحاج والمعتمر هو المذهب نظرٌ؛ بل هو واجب على الحاج فقط بعد الفراغ من جميع أموره لا على المعتمر، بدليل: ١ - ذكر طواف الوداع في واجبات الحج، ولم يذكر في واجبات العمرة، ٢ - وأيضا لِمَا ذكروه في أول صفة الحج من أنه إذا أحرم بالحج اليوم الثامن من مكة وأراد الذهاب لمنى قالوا: (ولا يطوف بعده لوداع البيت؛ لعدم دخول وقته)؛ فلو كان طواف الوداع واجباً على كل خارج من مكة مطلقاً لأوجبوه هنا؛ لأنه خرج من مكة إلى منى، فدل هذا على أنه واجب على كل خارج من مكة بعد فراغه من الحج خاصة، وأما قول الإقناع: (وهو على كل خارج من مكة): فمحمول على من أراد الخروج من مكة بعد فراغه من الحج، والله أعلم. (بحث وتحرير)
(تتمة) ثمرة تقسيم هذه الأفعال - التي في الحج والعمرة - إلى أركان وواجبات وسنن: أنه لو ترك سنة فلا شيء عليه، وإن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، وإن ترك ركناً غيره لم يتم نسكه إلا بالإتيان به، وإن ترك واجباً فعليه دم. والدم هنا على ظاهره، فإن لم يجد صام عشرة أيام.следующие страницы →