Полный текст (758 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الْمُلْتَزمِ (١) دَاعياً بِمَا وَرَد، وَتَدْعُو الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ على بَاب الْمَسْجِد (٢) . الحواشي
(١) وهو ما بين الركن والباب بقدر أربعة أذرع، فيسن - كما في الغاية والشرح الكبير - أن يلصق وجهه وكفيه وصدره وذراعيه وجميع بدنه. وذكر ابن قاسم في ترجمة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: أنه دعا الله في هذا الموطن، فاستجاب الله دعاءه.(٢) ندباً؛ ولا يجوز لهما دخول المسجد.
(تتمة) في مسائل مستفادة من كتاب «دليل الناسك» للشيخ اللبدي، مع التعليق على بعضها، رأيت أن أضعها هنا لكي يستفاد منها؛ لأني لم أجدها في غير كتابه:
المسألة الأولى: قال اللبدي: (ظاهر كلام كثيرين أن أمنَ الطريق، وبلا خفارة، والدليل للجاهل والأعمى شروطُ لزوم لا لوجوب الحج، فلا يصح عدها من الاستطاعة).
قلت: كلها في المذهب شروط وجوب، فإن تخلف واحد منها فليس بمستطيع، ولا يجب عليه الحج.
المسألة الثانية: وافق اللبديُّ الشيخَ منصورا في التسوية بين الحج عن المعضوب نفلاً وبين إهداء ثواب الحج له، وأن كليهما يصح بلا إذن المحجوج عنه.
قلت: ظاهر كلام ا? قناع والمنتهى: التفريق، وأنه يجوز إهداء الثواب بلا إذن الْمُهْدَى له الحي، و? يصح الحج عنه نفلاً بلا إذنه، وهو صريح الغاية حيث قال: (? عن حي بلا إذنه، ويقع عن نفسه ولو نفلاً، فإن جعل ثوابه له حصل لما مر آخر الجنائز).
المسألة الثالثة: تعقب اللبديُّ ﵀ قولَ ا? قناع والمنتهى: (وإن أيست منه استنابت)، وأن هذا يتمشى على القول بأن المحْرَم شرطٌ للزوم السعي? للوجوب، وأنه مخالف لما ذكراه من أنه شرط لوجوب الحج، فتناقض قولهم، ثم ذكر توجيه البهوتي: (والمراد أيست بعد وجود المحرم، وفرّطت بالتأخير حتى فُقد)، قال اللبدي: (ولكن المراد? يدفع الإيراد).
قلت: صدق ﵀.
المسألة الرابعة: هل إذا اشترط في إحرامه بالقول وحصل له عذر يحل بمجرد حصوله أم? يحل إلا إذا أراد ذلك ونواه؟ استظهر اللبدي أنه يحل بمجرد حصول العذر؛ لأن البهوتي قال: ولو قال: فلي أن أحل خُيِّر، قال اللبدي: (وظاهر هذا: أنه في الأُولى يحل بمجرد الحبس، فليتأمل).
قلت: هذا الظاهر غير مراد، وأنه? يحل بمجرد العذر بل بالنية، ويخيَّر أيضاً بدليل: قوله في الإقناع هنا: (ويفيد هذا الاشتراط ... أن له التحلل). وفي الإنصاف: (جاز له التحلل ... وهو المذهب)، ومثله في الشرح الكبير، وكذا قال في المنتهى في آخر الفوات والإحصار: (ومن شَرَط في ابتداء إحرامه ... فله التحلل مجاناً) وهي عبارات تفيد جواز التحلل، لا تحقق وجوده مباشرة.
المسألة الخامسة: قال اللبدي ﵀: (النيابة في النية تصح للضرورة في مواضع كثيرة: كعن الصغير في ا? حرام، وفي طوافه، وفي سعيه، ونحو ذلك مما تشترط له النية، وكالمجنونة التي تغسل من الحيض أو النفاس لحل وطء زوجها لها، ومثلها الممتنعة من غسلها لذلك ولو عاقلة، ولكن لم أر هذا البحث لأحد، فليتأمل، وليحرر).
قلت: أما الممتنعة فصرح في ا? قناع وشرحه: أنه? نية معتبرة هنا؛ للعذر، كالممتنع من زكاة.
المسألة السادسة: قال ﵀: (لو قيل بعدم صحة الطائف حبواً أو زحفاً أو منحنياً كراكع لغير عذر لكان له وجه).
المسألة السابعة: قال ﵀: (فإن مد يده على جدار الحجر، أو على الكعبة في هواء الشاذروان وهو يمشي، أو أهوى برأسه لتقبيل الحجر، ثم مشى ورأسه في هواء الشاذروان صح طوافه؛ لأن معظمه خارج البيت، قاله في الإنصاف. ثم قال: قلت: ويحتمل عدم الصحة. انتهى).
قلت: وما قرره اللبدي من الصحة صريح في الإقناع وغيره.
المسألة الثامنة: قال ﵀: (وليحذر عند الازدحام من أن ينحرف بوجهه أو ظهره لجهة البيت، ثم يمشي ولو خطوة أو بعض خطوة، فإنه? يصح ذلك الشوط إلا أن يرجع إلى محل الانحراف، ثم يجعل البيت عن يساره ويمشي، وهذا يخل به كثير من الناس).
قلت: لعله يريد بـ «بوجهه»: أن يجعل الكعبة أمامه ويمشي خطوة جهة اليمين، وقوله: «أو ظهره»: أن يجعل الكعبة خلفه ويمشي خطوة جهة اليسار، فيكون بذلك أخل بشرط جعل البيت عن يساره. والله أعلم.
المسألة التاسعة: قال ﵀: (فينبغي للمرأة الحرة إذا كانت بالغة أن تحترز من كشف شيء من بدنها ولو من شعرها أو قدميها ونحو ذلك مما جرت العادة بكشفه من بعض النساء، فقد يتساهلن في ذلك، فيكون الطواف غير صحيح، فإن كان طواف الفرض فحجها لم يتم، وتبقى غير محللة للنكاح، وهذا فيه خطر عظيم).
المسألة العاشرة: قال ﵀: (يشترط لصحة الطواف فرضاً أو نفلاً نيةٌ إلا من صغير دون التمييز، فإنه ينوي عنه وليه)، وقال مثله في السعي، أعني: في نية الولي عن غير المميز.
المسألة الإحدى عشر: قال ﵀: (لم أر من ذكر المدة التي تفوت فيها الموالاة بين أشواط الطواف والسعي، ولعله يعتبر العرف).
قلت: هو منصوص البهوتي في شرح المنتهى حيث قيد كلام المنتهى بالعرف، فالذي لا يقطع الموالاة بين أشواط الطواف والسعي على المذهب واحد مما يلي: ١ - الفاصل القليل عرفاً، ٢ - الصلاة المكتوبة، ٣ - صلاة الجنازة.
المسألة الثانية عشر: قال: ظاهر كلامهم أنه? يشرع تقبيل الحجر الأسود إلا عند ابتداء الطواف دون بقيته، وإنما المشروع في كل شوط استلامه إن أمكن، وقوله: اللهم إيماناً بك ... إلخ، وإن لم يستلمه كبر فقط. ثم إني رأيت في ا? نصاف - نقلاً عن المستوعب وغيره - ما يفيد أن استلامه وتقبيله في كل شوط، فراجعه إن شئت.
قلت: ما استظهره هو ظاهر ا? قناع والمنتهى، وصرح به الشيخ سليمان بن علي في منسكه، كما نقله عنه ابن جاسر في مفيد الأنام.
المسألة الثالثة عشر: قال ﵀: (لكن لو طاف للقدوم ولم يسع حتى نزل من عرفة، فهل يصح سعيه قبل طواف الإفاضة؛ ? نه تقدمه طواف القدوم، أو? يصح، أو يُفرَّق بين كونه بعد دخول وقت طواف ا? فاضة وبين كونه قبله، فيصح في الثانية دون ا? ولى؟ لم أر من ذكر ذلك من علمائنا، ولا من أشار إليه لقلة اطلاعي وقصر باعي، فليحرر).
قلت: ظاهر المذهب: الصحة، وذلك لعدم اشتراط الموا? ة بين طواف القدوم والسعي، بل ولا بين طواف العمرة أو الحج وسعيهما. وكونه إذا دخل وقت طواف ا? فاضة فلا يصح تقديم السعي على ا? فاضة هو الأحوط وأبرأ للذمة. والله أعلم.
ثم رأيت في كلام ابن النجار في معونة أولي النهى (٤/ ٢٣١) التصريحَ بوجوب تقديم طواف الزيارة على السعي حيث قال: (فإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وجب عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة).
المسألة الرابعة عشر: حكاية ابن عبد البر الإجماع على أن وقت الوقوف من الزوال، قاله في ا? نصاف. قال اللبدي ﵀: (مع أن أكثر علماء المذهب على أنه من الفجر إلا أن يحمل قول ابن عبد البر إجماعاً على أن دخول وقت الوقوف? يتأخر عن الزوال إجماعاً، وقصده بذلك الرد على من شذ وقال? بد أن يمضي بعد الزوال مقدار مضي خطبتين، والجمع بين الظهرين، وفراغه منهما، ? أنه? يدخل وقت الوقوف قبل الزوال).
المسألة الخامسة عشر: قال ﵀: (وليحترز عند الحلق من حلق الشعر النازل عن حد الرأس كالعنق والعارض قبل إكمال الرأس، فإنه? يجوز، وقَلَّ مَنْ يتنبه له من الحلاقين وغيرهم؛ نعم إذا كان الحلق بعد الرمي والطواف جاز؛ لأنه حصل التحلل بهما).
المسألة السادسة عشر: استظهر اللبدي ﵀ جوازَ البداءةِ بالحلق أو التقصير قبل الرمي والطواف كليهما).
قلت: وهذا صحيح، لكن يكره للعالم دون الجاهل، كما في ا? قناع. ولا يعني ذلك جواز فعل المحظورات من لبس الثياب والتطيب حتى يضم مع الحلقِ الرميَ أو الطوافَ.
المسألة السابعة عشر: قال ﵀: (وأما المحرم بعمرة، فظاهر كلامهم أنه ليس له إلا تحلل واحد، أي: بإتمامها بالحلق أو التقصير، وأنه قبل ذلك? يجوز فعل شيء من المحظورات ولو بعد السعي).
قلت: لم أر أحداً نص على أن المعتمر له تحلل أول - وأنه يكون بتمام السعي، وقبله? يكون متحللاً - إلا الشيخ منصور في شرح المنتهى. وا? قرب ما ذكره اللبدي؛ ? نه لو قيل بالتحلل ا? ول لجاز له بعد السعي وقبل الحلق المحظورات غير النساء، ولم ينص أحد على ذلك، بل صرح اللبدي بمنع ذلك حتى يحلق أو يقصر.
المسألة الثامنة عشر: ذكر اللبدي: (أنه لو وطئ في العمرة بعد السعي? يفسدها ولا دم عليه في ظاهر كلامهم، فليحرر).
قلت: كون الدم - الذي هو فدية أذى - للوطء في العمرة يكون? فسادها قبل تمام السعي، وبعده? يفسدها و? دم عليه هو مفهوم كلام الغاية، قال: وعليه? فساد العمرة شاة. انتهى. ومثله في دليل الطالب، والمعونة لابن النجار، والشرح الكبير. لكن صرح البهوتي في شرح المنتهى: بأن الشاة واجبة للوطء في العمرة سواء وطئ قبل تمام السعي أو بعده وقبل الحلق، وكذا في التنقيح، ومفهوم ا? قناع، وظاهر المنتهى، ويؤيده كلامهم في الفدية بذكر وجوب الشاة بالوطء في العمرة بدون تفصيل. والله أعلم.
المسألة التاسعة عشر: قال ﵀: (وانظر لو لم يرم الجمار كلها حتى جمرة العقبة يوم النحر وبعده إلى أن انقضت أيام التشريق، فهل يبقى غير متحلل التحلل الثاني بعد أن طاف وسعى وحلق؟ )
(تتمة) هل تضعيف الصلاة في مكة والمدينة خاص بالمسجد أم يشمل كل الحرم؟ في بداية أمري لم أر لهم كلاماً صريحاً في ذلك، ثم وقفت على كلام الإقناع في كتاب الحج، وهو قوله فيه مع شرحه: ((وحسنات الحرم) في المضاعفة (كصلاته) لما تقدم عن ابن عباس))، فهذا فيه تقرير بأن حسنات الحرم مضاعفة قياساً على الصلاة فيه، فيفهم منه أن الصلاة في الحرم مضاعفة، وليس التضعيف خاصاً بالمسجد فحسب.
وفي الغاية مع شرحه في كتاب الحج: ((وبقية حسنات الحرم) المكي (كصلاة فيه، فكل عمل بر) من صدقة وذكر وكلمة طيبة، ونحو ذلك من القربات التي تقع (فيه)، أي: الحرم: (بمائة ألف) في غيره).
ثم وقفت على كلام اللبدي في دليل الناسك، وهو: (وهل المضاعفة في نفس المسجد أو في جميع الحرم؟ خلاف، والأول أقوى دليلاً)، لكني قدمتُ عليه مفهومَ الإقناع.
ثم وقفت على كلام الغاية، وهو قوله - وهو كلام الفروع - مع المطالب: ((وظاهر كلامهم) أيضاً: (أن المسجد الحرام نفس المسجد)، ومع ما يزيد فيه كما تقدم، (وقيل: الحرم كله مسجد)، فتحصل فيه المضاعفة المذكورة، وهو ضعيف)، وهو بعد قوله: (وبقية حسنات الحرم ... إلخ) الذي نقلته سابقاً، فاختلف مفهومُ كلامِهِ مع منطوقه!
فترددت كثيراً؛ لكونه يؤيد ما قواه اللبدي، ثم وجدت كلاماً في الإقناع في كتاب الصلاة يؤيد ما استظهره صاحب الغاية وقواه اللبدي وهو: (ولا تسقط الفائتة بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة)، أي: من عليه فوائت كثيرة، فلا تسقط بصلاته في مسجد تضاعف فيه الصلاة كالمساجد الثلاثة. ويفهم منه: أن التضعيف خاص بالمسجد فقط، فاختلف المفهوم من قولي الإقناع، وكذا مفهوم الغاية مع منطوقه. ومما يدل أيضاً على أن التضعيف خاص بالمسجد قولهم في آخر كتاب الاعتكاف: وما زيد في المسجد فمنه حتى مسجد النبي ﷺ ، خلافاً لمن خصه بالمسجد الذي في زمنه ﷺ استدلالاً بالإشارة في حديث: «صلاة في مسجدي هذا بألف ... ». قلت: فلو كان التضعيف عاماً لكل الحرم لما اختلف أصحابنا فيما زيد في مسجد النبي ﷺ .
والذي أميل إليه الآن أن التضعيف خاص بالمسجد؛ لكثرة مرجحاته، لكن مع شيء من التردد، والله أعلم. (بحث)стр. 282
وَسن زِيَارَةُ قبر النَّبِي ﷺ وقَبْرَي صَاحِبيهِ (١) . الحواشي
(١) يؤخذ من سنية الزيارة استحباب شد الرحال لها، كذا ذكره ابن نصر الله، ونقله الشيخ منصور في الكشاف؛ لكن لم أر لهم ذكر استحباب زيارة قبره ﷺ في غير هذا الموطن، وهو بعد الفراغ من الحج، أي: فلا يسن في غير هذا الزمن، والله أعلم. وهذا خلافاً لما ذهب إليه شيخ الإسلام، والجائز بإجماع - كما قال شيخ الإسلام - أن ينوي المسلم زيارة المسجد النبوي، فإذا أتاه نوى زيارة قبر الرسول ﷺ . وإنما يحصل الإشكال لو نوى من بلده السفر لزيارة القبر. ويكره في المذهب قصد القبور للدعاء عندها، فمن سافر لذلك لا يترخص برخص السفر.
(تتمة) صفة الزيارة: أن يأتي قبر النبي ﷺ مستقبلاً له، ويتقدم، ويقول: السلام عليك يا رسول الله، وكان ابن عمر ﵄ لا يزيد على ذلك، رواه مالك وغيره، وصححه ابن حجر في المطالب العالية، قال في الإقناع: (إن زاد على ذلك فحسن). ولا يرفع صوته، ولا يتمسح، ولا يمس القبر، ولا حائطه، ولا يقبله، وكل ذلك مكروه؛ لما فيه من إساءة الأدب والابتداع. ثم يتقدم عن يمينه نحو ذراع ويسلم على أبي بكررضي الله عنه فيقول: (السلام عليك يا أبا بكر الصديق)، ثم يتقدم عن يمينه نحو ذراع أيضاً ويسلم على عمر ﵃ فيقول: (السلام عليك يا عمر الفاروق) كذا في الكشاف، وبعد ذلك يتقدم قليلاً ويقف ويدعو ويستقبل القبلة، ولا يجعل القبور خلفه.стр. 283
وَصفَةُ الْعمرَة أن يُحرم بهَا من بِالْحرم من أدنى الْحل (١) ، وَغَيرُه من دويرةِ أهلِه إن كَانَ دونَ مِيقَاتٍ (٢) وإلا فَمِنْهُ (٣) ، ثمَّ يطوفُ وَيسْعَى وَيقصِّرُ. الحواشي
(١) أي: من أقرب الحل؛ وهو ميقاته، فإذا أحرم من الحرم فعليه دم.(٢) من كان بين الميقات والحرم أحرم من مكانه، والمراد: كل بلده ميقات له، كما قرره الخلوتي وغيره، فإن تجاوزه بلا إحرام فعليه دم.(٣) أي: من كان قبل الميقات أحرم منه.стр. 284
فصل (في أركان وواجبات الحج والعمرة)
أركانُ الحَجِ أربعةٌ: إحرامٌ (١) ، ووقوفٌ (٢) ، وَطوافٌ (٣) ، وسعيٌ (٤) .
وواجباتُه سَبْعَةٌ: إحرامُ مارٍّ على مِيقَاتِ مِنْهُ، ووقوفٌ إلى اللَّيْلِ إن وقف نَهَاراً، ومبيتٌ بِمُزْدَلِفَة إلى بعد نصفِهِ إن وافاها قبلَه (٥) ، وبمنى لياليَها (٦) ، الحواشي
(١) وهو نية الدخول في النسك.(٢) أي: بعرفة؛ لقول النبي ﷺ : «الحج عرفة»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي.(٣) أي: طواف الزيارة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج، ٢٩].(٤) أي: السعي بين الصفا والمروة، فهو ركن على المذهب، ومشى الموفق في العمدة على أنه واجب لا ركن.(٥) المبيت بمزدلفة واجب على الرجال والنساء، لكن يجوز الدفع بعد نصف الليل. فإن أتى مزدلفة قبل نصف الليل لزمه المبيت بها إلى بعد نصف الليل، وإن أتاها بعد نصف الليل كفاه المرور، وإن أتاها بعد الفجر فعليه دم.(٦) أي: ليالي التشريق، وليس في المذهب قول مقطوع به في القدر الواجب منه، وجملة ما يقال هنا أن لمتأخري الأصحاب في تقرير ذلك ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: ما مال إليه الشيخ مرعي، حيث جعل الشيخ مرعي الواجب معظم الليل «اتجاهًا»، وهو ما ذكره ابن تيمية في شرح العمدة حيث قال: «المبيت بمنى لما كان واجبًا لم يجز أن يبيت بها لحظة من آخر الليل حتى يبيت بها معظم الليل».
المسلك الثاني: وهو للشيخ منصور البهوتي في كشاف القناع، حيث قرر أن من ترك مبيت أكثر الليل فلا شيء عليه، وعن ذلك قال: (وعلم منه أنه لو ترك دون ليلة فلا شيء عليه، وظاهره: ولو أكثرها).
المسلك الثالث: وهو أيضًا للشيخ منصور البهوتي، ولكنه متأخرٌ عن الأول، حيث مال في شرح المنتهى - وهو متأخر عن الكشاف - إلى جعل حكمِه حكمَ المبيت بمزدلفة، فقال ﵀: (ولعل المراد: لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت، بل كمزدلفة على ما سبق).
وعلى هذا المسلك الثالث: ...
فمن أتى منى قبل منتصف الليل وجب عليه البقاء إلى منتصف الليل، ومن أتاها بعده كفاه المرور بها، ومن أتاها بعد الفجر فعليه دم. ومن انصرف قبل منتصف الليل ثم عاد قبل الفجر فليس عليه دم، أما من خرج ولم يعد إلا بعد الفجر فعليه دم، كما نصوا عليه في مسألة المبيت بمزدلفة.
قلت: الذي انتهيت إليه هو ترجيح المسلك الأول، فالقدر الواجب من المبيت في منى هو: (معظم الليل) أخذًا من قولهم في الأيمان: لو حلف أن يبيت ليلة عند فلان، قالوا: يبر بمعظم الليل، وإلا حنث.
واعتُرِض على هذا التقرير بأمرين:
١. أن ما ذكروه في الأيمان بحثٌ في الحقيقة اللغوية لمفهوم الليل، والبحث هنا في المفهوم الشرعي للبيات الواجب، فالقياس على المبيت بمزدلفة أقرب من الأخذ بعموم ما هنالك.
٢. أنه يشكل عليه جانب النفي فيما إذا حلف أن لا يبيت.
ويجاب عن الاعتراض الأول: بأنه يصح أن يقال: البحث هنا في الحقيقة الشرعية، لكنها غير موجودة، فيصار للحقيقة اللغوية.
وأما الاعتراض الثاني: فيقال: بأنه لا دخل له في مسألتنا، وأيضاً لو حلف لا يبيت عند فلان، فإنه يحنث بمعظم الليل لا دونه، ما لم تكن له نية سوى ذلك.
فالصحيح: أن القدر الذي يجب أن يبيته الحاج في منى: معظم الليل، ولو اقتصر على بعضها الذي هو دون معظم الليل فهل عليه دم؟ على ما قررته من كون الواجب معظم الليل فعليه دم، وعلى ما قرره الشيخ منصور فالأمر واضح، فليحرر، والله أعلم. (بحث وتحرير)
(تتمة) لو لم يبت بمنى ليلة أو أكثر فعليه دم واحد فقط، وكذلك إن ترك في الرمي جمرة واحدة أو رمي يوم كامل، أو كل الرمي فعليه دم واحد. (تحرير)стр. 285
وَالرَّمْيُ مُرَتباً (١) ، وَحلقٌ أو تَقْصِيرٌ، وَطوافُ وداعٍ (٢) . الحواشي
(١) وإلا لم يصح.(٢) وهو خاص بالحج، خلافاً لما قرره الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه لزاد المستقنع من أن طواف الوداع واجب على الحاج والمعتمر - وأنه المذهب! - تبعاً لما ذهب إليه الشيخ تقي الدين وابن عثيمين، وهو: أنه واجب على كل من خرج من مكة، حاجاً كان أو معتمراً.
وفي تقرير كون وجوب طواف الوداع على الحاج والمعتمر هو المذهب نظرٌ؛ بل هو واجب على الحاج فقط بعد الفراغ من جميع أموره لا على المعتمر، بدليل: ١ - ذكر طواف الوداع في واجبات الحج، ولم يذكر في واجبات العمرة، ٢ - وأيضا لِمَا ذكروه في أول صفة الحج من أنه إذا أحرم بالحج اليوم الثامن من مكة وأراد الذهاب لمنى قالوا: (ولا يطوف بعده لوداع البيت؛ لعدم دخول وقته)؛ فلو كان طواف الوداع واجباً على كل خارج من مكة مطلقاً لأوجبوه هنا؛ لأنه خرج من مكة إلى منى، فدل هذا على أنه واجب على كل خارج من مكة بعد فراغه من الحج خاصة، وأما قول الإقناع: (وهو على كل خارج من مكة): فمحمول على من أراد الخروج من مكة بعد فراغه من الحج، والله أعلم. (بحث وتحرير)
(تتمة) ثمرة تقسيم هذه الأفعال - التي في الحج والعمرة - إلى أركان وواجبات وسنن: أنه لو ترك سنة فلا شيء عليه، وإن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، وإن ترك ركناً غيره لم يتم نسكه إلا بالإتيان به، وإن ترك واجباً فعليه دم. والدم هنا على ظاهره، فإن لم يجد صام عشرة أيام.стр. 286
وأركانُ الْعمرَة ثَلَاثَةٌ: إحرامٌ، وَطوافٌ، وسعيٌ.
وواجبُها اثْنَان: الإحرامُ من الحِل، وَالْحلقُ أو التَّقْصِيرُ.
وَمن فَاتَهُ الوُقُوفُ (١) فَاتَهُ الْحَجُّ وتحلل بِعُمْرَةٍ وَهَدَي إن لم يكن اشْترط (٢) . الحواشي
(١) فوات الوقوف: أن يطلع على الحاج فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة مطلقاً، سواء لعذر حصر أو غيره، أو لغير عذر.(٢) يترتب على فوات الحج أربعة أمور: ١ - الحكم على المحرِم بأنه قد فاته الحج؛ ليأخذ أحكامه، ٢ - وجوب التحلل بعمرة، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، وسواء كان قارناً أو غيره، ولا تسقط عنه ولو اشترط خلافاً لجمع، ٣ - لزوم الهدي، ويؤخره إلى القضاء، فلا يذبحه في السنة التي فاته فيها الحج، فإن عدمه زمن الوجوب - وهو طلوع فجر يوم النحر في السنة التي فات فيها الحج -، صام عشرة أيام ثم حل، ٤ - لزوم قضاء النسك الذي فاته، ولو كان نفلاً. فإن اشترط تحلل مجاناً، ولا شيء عليه سوى التحلل بعمرة، فتجب عليه ليتحلل من إحرامه الذي لم يوجد ما يمنعه من التحلل منه، وهذه فائدة استحباب الاشتراط مطلقاً عند الحنابلة.стр. 287
وَمن مُنِعَ البَيْتُ أهدى ثمَّ حل (١) ، فَإِن فَقَده صَامَ عشرَةَ أيامٍ، وَمن صُد عَن عَرَفَة تحلل بِعُمْرَةٍ وَلَا دمَ (٢) . الحواشي
(١) أي: مُنع من الدخول في الحرم، وسواء كان المنع له في بلده، أو في طريقه لمكة ولم يمكنه الوصول للبيت ولو من طريق بعيد، ولو كان ذلك أيضاً بعد الوقوف، أو في إحرام العمرة؛ فإنه يجب عليه أن يذبح هدياً بنية التحلل ثم يحلّ، فإن لم يكن عنده هدي صام وجوباً عشرة أيام ثم تحلل.(٢) أي: لا دم عليه، فيعتمر عمرة مستأنفة، ولو كان أحرم مفرداً أو قارناً وطاف للقدوم وسعى سعي الحج، فلا ينوي ذلك عمرة ويتحلل، بل لابد أن يأتي بعمرة جديدة حتى يتحلل، قال في الكشاف: (فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض، أو فاته الحج تحلل بطواف وسعي آخرين؛ لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة ولا سعيها، وليس عليه أن يجدد إحراماً في الأصح، قاله في شرح المنتهى)، ومثله في شرح المنتهى لابن النجار، والبهوتي، لكن قولهما: (أو فاته الحج) ذكرها في المغني والشرح بهذه الصيغة: (فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض حتى فاته الحج).
(تنبيه) المحصر في المذهب هو من حصره عدو فقط، أما من لم يستطع أن يكمل نسكه لمرض أو لضياع نفقته فلا يأخذ حكم المحصر، ويبقى محرماً إلى أن يتمكن من أداء النسك.
(تتمة) ومن شرط في ابتداء إحرامه أن «محلِّي حيث حبستني»، فله التحلل مجاناً في الجميع سواء كان من فوات أو إحصار أو مرض أو نحوه، ولا دم عليه، ولا قضاء، ولا صوم، ولا غيره، وتقدم أول الإحرام.стр. 288
فصل في (الهدي والأضحية)
والأضحيةُ (١)
سُنةٌ يكره تَركُهَا الحواشي
(١) وهي: ما يذبح من الإبل والبقر والغنم أيام النحر بسبب العيد تقرباً إلى الله تعالى.
(تتمة) هل يقترض ليضحي؟ لم أر لهم نصاً في ذلك، لكنهم نصوا على استحباب القرض للعقيقة، قال الإمام أحمد ﵁: (إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض، رجوت أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سنة)، وإذا كان الشأن كذلك في العقيقة التي يكون لها وقتٌ للقضاء - وهو ما بعد السابع، والرابع عشر، والواحد والعشرين، وهي في هذه الثلاثة أيام أداء -، فالأضحية التي ليس لها قضاء - ما عدا الواجب منها - أولى أن يُستحب أن يَقترض العادم لثمنها ليضحي. والله أعلم.
ثم وقفت على كلام الشيخ منصور في الكشاف بشأن الاقتراض للأضحية حيث قال: (ومن عدم ما يضحي به اقترض وضحى مع القدرة على الوفاء، ذكره في الاختيارات، وهو قياس ما يأتي في العقيقة). (بحث)стр. 289
لقادرٍ (١) .
وَوقتُ الذّبْح بعد صَلَاة الْعِيد أو قدرِهَا (٢) إلى آخرِ ثَانِي التَّشْرِيق (٣) . الحواشي
(١) الأضحية ليست واجبة؛ للحديث: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي»، رواه مسلم، فقوله ﷺ «أراد» يدل على التخيير، لكن يكره تركها لقادر؛ للنصوص الواردة.
(تتمة) تتعين الأضحية بقوله - بعد أن يتملك شاة ونحوها -: هذه أضحية، أو: لله، ونحوه من ألفاظ النذر كقوله: هذه صدقة. ومما يترتب على هذا التعيين: أنه لا يجوز بيع ما عيَّنه، إلا أن يبدله بخير منه ولو ببيعه وشراء خير منه، ومنها: له جز صوفها والتصدق به، ومنها: لو بانت مستحَقَّة لزمه بدلها.
أما مجرد نية التضحية فقط - أي: بدون أن يقول: هذه أضحية، ونحو ذلك - مع الشراء، فلا تتعين به الأضحية.(٢) يبدأ وقت الذبح - لأضحية وهدي تمتع وقران - لمن في البلد: بعد أسبق صلاة عيد في البلد. أما من هو خارج البلد أو كان في بلد لا تصلى فيه صلاة العيد: فبعد مرور قدر صلاة العيد، ولا تحسب الخطبة في ذلك؛ لكن بعدها أفضل.(٣) أيام الذبح في المذهب ثلاثة فقط: يوم النحر - وهو أفضلها، فما يليه - ويومان بعده، قال الإمام أحمد ﵀: (عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ ، أي: يقول بذلك خمسة منهم، أما الشيخ ابن عثيمين فيقول في الشرح الممتع: (يوم النحر، وثلاثة أيام بعده)، وهو القول الثاني في المذهب، واختاره شيخ الإسلام. فإن فاتت الصلاة بالزوال: ذبح بعده في اليوم الأول قاله المنتهى، ويجوز الذبح نهاراً، وكذا ليلاً؛ لكن قيَّده في الإقناع - وتابعه الغاية - بالكراهة ليلاً للخروج من الخلاف، وظاهر المنتهى - كالتنقيح - لا كراهة، قاله البهوتي في الكشاف. ولعل المذهب الكراهة، فليحرر؛ وذلك لكونها مصرحاً بها في الإقناع، فتُقدم على مفهوم المنتهى، ويؤيده كلام المرداوي في الإنصاف: (قلت: الأَولى الكراهة ليلاً مطلقاً)، والله أعلم. (مخالفة)
(تتمة) إذا فات وقت الذبح قضى الواجبَ كالأضحية المعينة ودم المتعة والقران، وسقط التطوع كما لو اشترى شاة ناوياً التضحية بها ولم يعيِّنها حتى فات وقت الذبح.стр. 290
وَلَا يُعْطى جازرٌ أجرتَه مِنْهَا (١) ، وَلَا يُبَاعُ جلدُهَا وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا بل يُنْتَفعُ بِهِ (٢) .
وأفضلُ هدي وأضحيةٍ إبلٌ، ثمَّ بقرٌ، ثمَّ غنمٌ (٣) . الحواشي
(١) أبهم الماتن الحكم هنا، وهو التحريم، وذلك أن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، متفق عليه، ولأنها جُعلت لله ، فلا تجوز المعاوضة فيها.(٢) الحكم مبهم هنا أيضاً، وفي المنتهى: يحرم.(٣) فالإبل والبقر إن أُخرجت كاملة أفضل من الشاة، والشاة أفضل من سُبع بدنة.стр. 291
وَلَا يجزئ إلا جذعُ ضأنٍ أو ثَنِيُّ غَيرِه (١) ،
فَثَنِيُّ إبلٍ مَا لَهُ خمسُ سِنِين، وبقرٍ سنتَانِ (٢) ، وتجزئ الشَّاةُ عَن وَاحِد (٣) ، والبدنةُ وَالبَقَرَةُ عَن سَبْعَة (٤) ، وَلَا تجزئ هزيلةٌ، وَبَيِّنَةُ عوَرٍ أو عرجٍ، وَلَا ذَاهِبَةُ الثنايا أو أكثرِ أُذُنِها أو قرنِها (٥) ، وَالسّنةُ نحرُ إبلٍ قَائِمَةً معقولةً يَدُهَا الحواشي
(١) أي: غير الضأن. وجذع الضأن: ما تم له ستة أشهر، فيجزئ؛ للحديث: «يجزئ الجذع من الضأن أضحية»، رواه الإمام أحمد وابن ماجه، ووافق الشافعيةُ الحنابلةَ في إجزاء جذع الضأن لا في سِنِّه، فقالوا: هو ما له سنة.
(تتمة) ذكر الخرقي أنه إذا نامت الصوف على ظهر الضأن فقد أجذع.(٢) يشترط في بدنة الإبل أن يكون لها خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة كاملة.(٣) وعن أهل بيته وعياله.(٤) قال ابن النجار في شرحه للمنتهى: (ومحل ذلك: إذا أرادوا كلهم القربة، وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم جاز، نص عليه)؛ فيشترط على ما في المنتهى ذبح البدنة والبقرة عنهم: أي بالنية عنهم، وكل واحد منهم أوجب سُبعاً عن نفسه، لكن لو اشترك فيها ثلاثة وأوجبوها كلها عن أنفسهم، لم يجز لهم أن يشركوا أحداً، والله أعلم.(٥) ذكر بعض العيوب التي تمنع الإجزاء: ١ - كونها هزيلة: وهي التي لا مخ فيها، أي: في عظامها، ٢ - كونها عوراء بيِّنة العور: وهي التي انخسفت عينها، والعمياء من باب أولى، ٣ - كونها عرجاء بيِّنة العرج: وهي التي لا تطيق مشياً مع صحيحة، ٤ - كونها ذهبت ثناياها، ٥ - كونها ذهب أكثر أذنها أو أكثر قرنها، أي: ذهب أكثر من نصف الأذن أو أكثر من نصف القرن، وتسمى العضباء، فإن كان الذاهب النصف فأقل فإنها تجزئ مع الكراهة.стр. 292
الْيُسْرَى (١) وَذبحُ غَيرِهَا (٢) ،
وَيَقُولُ: بِسم الله (٣) اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك (٤) .
وَسُن أن يأكلَ وَيُهْدِيَ وَيتَصَدَّقَ أثلاثاً مُطلقًا (٥) وَالْحلقُ بعْدهَا (٦) ، وإن أكلها إلا أوقيةً جَازَ (٧) ، وَحرم على مريدِها أخذُ شَيْءٍ من شعره وظُفُره الحواشي
(١) أي: أن تكون واقفة ومربوطة يدها اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج، ٣٦]، فيطعنها بنحو حربة في الوهدة: التي بين أصل العنق والصدر، قال البهوتي في حاشيته على المنتهى: (يعني: إن لم يخش أن تنفر فيذبحها).(٢) أي: البقر والغنم، فتذبح على جنبها الأيسر ..(٣) وجوباً بعد توجيهها للقبلة على جنبها الأيسر حين يحرك يده بالفعل، ويستحب أن يزيد: «الله أكبر».(٤) استحباباً.(٥) أي: سواءً كانت الأضحية واجبة أو لا.
(تتمة) تجوز الأضحية عن اليتيم من ماله، لكن يقولون: لا يجوز التصدق منها، بل توفر له؛ لأنه محجور عليه ولا يُتصرف في ماله إلا بالأحظ له، قال في الإنصاف: (لأن الصدقة لا تحل بشيء من ماله تطوعاً، جزم به المصنف، والشارح، وصاحب الفروع وغيرهم، قلت: لو قيل بجواز الصدقة والهدية منها باليسير عرفاً: لكان متجهاً).(٦) أي: يسن الحلق بعد الأضحية.(٧) أي: يجوز أكل الأضحية كلها إلا أوقية. والأوقية: أربعون درهماً، وهي تقريباً: (١١٩ جم). وحرم أن يأكلها كلها، فإن فعل اشترى من السوق (١١٩ جم) من اللحم وتصدق به، فيجب أن يتصدق منها أو من غيرها.стр. 293
وبشرتِه فِي الْعشْر (١) .
وَتسن الْعَقِيقَةُ (٢) ، وَهِي عَن الْغُلَام شَاتَان (٣) ، وَعَن الْجَارِيَة شَاةٌ تُذبحُ يَوْم السَّابِع (٤) ، فَإِن فَاتَ فَفِي أربعةَ عشر، فَإِن فَاتَ فَفِي أحْدٍ وَعشْرين، ثمَّ لَا تعْتَبر الأسابيع (٥) . الحواشي
(١) أي: يحرم على مريد الأضحية، ويستمر هذا التحريم إلى الذبح؛ للحديث المشهور، ولو ضحى بأكثر فإن التحريم يزول بذبح واحدة. والتحريم هنا من مفردات الحنابلة، وقال غيرهم بالكراهة.(٢) العقيقة: هي ما يذبح عن المولود، وهي في المذهب سنة في حق الأب، فلا يفعلها غيره، حتى الابن لو كبر لا يُسَنُّ له أن يعق عن نفسه، ولا تأخذ حكم العقيقة، كما نص عليه صاحب الكشاف، خلافاً لما ذهب إليه ابن القيم ﵀.(٣) متقاربتان في السن والشبه، وهل يجزئ التفريق كما لو ذبح شاة في اليوم السابع، والثانية مثلاً بعد شهر أو أكثر أو أقل؟ الظاهر: الإجزاء فليحرر، ونصوا: على أنه إن عجز عن اثنتين أجزأت واحدة. (تحرير)(٤) من ولادته.(٥) تسن العقيقة في اليوم السابع من الولادة، فإن فات فتسن في الرابع عشر، فإن فات فتسن في الحادي والعشرين. أما الأيام التي بين الولادة والسابع، وما بين السابع والرابع عشر، وما بين الرابع عشر والحادي والعشرين فالعقيقة فيها جائزة، وما بعد اليوم الحادي والعشرين تكون العقيقة قضاءً.стр. 294
الحواشي
(١) فيما يجزئ وما لا يجزئ، وما يستحب فيها ويكره في أكلٍ وهديةٍ وصدقةٍ؛ إلا أن هناك فروقاً بين الأضحية والعقيقة، ومنها: ١ - أنه لا يجزئ فيها شرك في دم، أي: لا يجزئ فيها سُبع بدنة ولا سُبع بقرة، لكن تجزئان كاملتين، ٢ - ومنها: أنه لا يشترط فيها التمليك، فيجوز أن يدعو الناس فيأكلوا منها مطبوخة، بخلاف الأضحية، فيجب أن يملك الفقير فيعطيه لحماً نيئاً ولا يطعمه مطبوخاً، ٣ - ومنها: أنه يستحب أن ينزع أعضاءها نزعاً ولا يكسر عظمها، فتؤخذ اليد مثلاً من المفصل، وهكذا.
(تتمة) إذا اتفق وقت عقيقة وأضحية أجزأت شاة عنهما إن نواهما، سواء كانت العقيقة أداءً - كما لو وافق السابعُ، أو الرابعُ عشر، أو الحادي والعشرين من الولادة يومَ العيد أو اليومين بعده -، أو كانت العقيقة قضاءً - كما لو وافق اليومُ الثلاثين من الولادة يومَ الأضحى - فذبح شاة عنهما أجزأه، كما قرره اللبدي في حاشيته على نيل المآرب. وتجزئ أيضاً شاةٌ واحدة عن أضحية وهدي كما ذكر ابن القيم ﵀ في «تحفة المودود»، وأخذ الحنابلة هذا الحكم عنه، والله أعلم.стр. 295
كتاب الجهاد (١)
هُوَ فرضُ كِفَايَة (٢) ، إلا إذا حَضَرَهُ، أو حَصَرَه، أو بَلَدَه عَدوٌّ، أو كَانَ النفيرُ عَاماً فَفرضُ عينٍ (٣) ،
وَلَا يتَطَوَّع بِهِ مَنْ أحدُ أبويه حُرٌّ مُسلمٌ الحواشي
(١) الجهاد لغة: بذل الطاقة والوسع، وشرعاً: قتال الكفار خاصة.(٢) للجهاد ثلاثة أحكام: (الحكم الأول) فرض الكفاية، فإن قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي. ويشمل ثلاثة أمور- كما قرره ابنُ النَّجار في شرحه للمنتهى، وتابعه البهوتي في شرحيه -:
١ - أن ينهض إليه قوم يكفون في جهادهم سواءً متبرعين أو برواتب، أي: مستعدين بحيث تحصل المنعة بهم إن قصدهم العدو.
٢ - أن يكون في الثغور - وهي أطراف البلاد - من هو مستعِد لدفع العدو.
٣ - أن يبعث الإمام في كل سنة جيشاً يغزو العدو في بلادهم.(٣) (الحكم الثاني) فرض العين، ويشمل ما ذكره المصنف:
١ - إذا حضره، يعني: إذا حضر الرجلُ صفَّ القتال تعين عليه.
٢ - إذا حصره، أي: إذا حصر المسلمَ عدوٌّ تعيّن عليه أن يدافع عن نفسه.
٣ - إذا حصر بلدَه عدوٌّ.
٤ - إذا كان النفير عاماً، أي: إذا استنفر الإمامُ الناسَ، ودعاهم إلى الجهاد. قال في الإقناع وشرحه: (أو استنفره مَنْ له استنفاره ولا عذر، تعين عليه ... ولم يجز لأحد أن يتخلف عن النفير ... إلا لحاجة لمن يحتاج إليه) لحفظ أهل أو مال أو مكان، (ومن منعه الإمام من الخروج) ذكره في البلغة).
وشروط من يجب عليه: ١ - أن يكون ذكراً، ٢ - مكلفاً، ٣ - مسلماً، ٤ - حراً، ٥ - صحيحاً، ٦ - أن يجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله في غيبته، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دَينه، وأجرة مسكنه، وحوائجه الأصلية، ٧ - أن يجد ما يحمله مع مسافة قصر.
(تتمة) (الحكم الثالث) السنية - ولم يذكره المؤلف -: فيسن الجهاد بتأكد مع قيام من يكفي به.стр. 296
إلا بِإِذنِهِ (١) .
وَسُنَّ رِبَاطٌ وأقلُه سَاعَةٌ، وَتَمَامه أربعون يَوْمًا (٢) .
وعَلى الإمامِ منعُ مُخَذِّلٍ ومُرْجِفٍ (٣) ، وعَلى الْجَيْشِ طَاعَتُه وَالصَّبْرُ الحواشي
(١) أبهم الماتنُ الحكمَ، والصحيح أنه محرم؛ فمن أراد جهاداً مسنوناً أو فرض كفاية، وجب عليه استئذان أبويه الحرين المسلمين، لا الجد ولا الجدة ولا غير الأبوين. ويستثنى أيضاً: مَدين آدميٍّ - لا لله تعالى فقط - لا وفاء له إلا بإذن الغريم أو رهنٍ أو كفيلٍ مليء. فإن كان الجهاد متعيناً سقط إذْنُ الوالدين والغريم.(٢) الرباط لغة: الحبس، وشرعاً: لزوم ثغر للجهاد، أي المكث في الثغور لحماية بلاد المسلمين. وأقله ساعةٌ كالاعتكاف، وتمامه: - أي: أفضله - أربعون يوماً، وإن زاد فله أجره.(٣) أي: يجب على الإمام - لأن «على» تفيد الوجوب - إذا سار إلى الجهاد أن يتعاهد الرجال والخيل، وأن يمنع ما لا يصلح لحرب من الرجال والخيل. ويجب أن يمنع أيضاً المخذل والمرجف، والمخذل: الذي يُفَنِّد غيره عن الغزو وينفِّر عنه. والمرجف: الذي يحدث بقوة العدو وضعف المسلمين.стр. 297
مَعَه (١) .
وتملك الْغَنِيمَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَار حَرْبٍ (٢) ، فَيجْعَلُ خُمُسُهَا خَمسَةَ أسهمٍ (٣) : سهمٌ لله وَلِرَسُولِهِ (٤) ، وَسَهْمٌ لِذَوي الْقُرْبَى وهم بَنو هَاشم وَالْمطلب (٥) ، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الْفُقَرَاء (٦) ، وَسَهْمٌ الحواشي
(١) أي: يجب على الجيش طاعة الإمام، والصبر معه في اللقاء وأرض المعركة.(٢) الغنيمة لغة: من الغُنم، وهو الربح، واصطلاحاً: ما أُخِذَ من مال حربي قهراً بقتال. وتملك في المذهب بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ولا يشترط لتملك الغنيمة أن تنقل إلى بلاد المسلمين.(٣) تُقْسم الغنيمة خمسة أقسام، منها أربعة لمن حضر القتال، والخُمس الباقي يقسم خمسة أسهم، سهم لله تعالى ولرسوله ﷺ .. الخ كلام الماتن.(٤) ومصرفه: كالفيء، فيصرف في مصالح المسلمين، أي: في بناء المساجد والطرق ونحو ذلك.(٥) أي: لذوي القربى من النبي ﷺ ، ولو كانوا أغنياء. وذوو القربى هم: بنو هاشم وبنو المطلب - ابني عبد مناف - دون غيرهم من بني عبد مناف، ويفرق بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين غنيهم وفقيرهم، ويجب تعميمهم حسب الإمكان، كما في الإقناع. وهنا يشارك بنو المطلب بني هاشم في الأخذ من الخُمس بخلاف ما تقدم في الزكاة، فإن بني هاشم يمنعون منها دون بني المطلب. (فرق فقهي)(٦) اليتيم: هو من لا أب له ولم يبلغ.стр. 298
للْمَسَاكِين (١) ، وَسَهْمٌ لأبناء السَّبِيل (٢) . وَشُرط فِيمَن يُسهم لَهُ إسلامٌ (٣) .
ثمَّ يُقْسمُ البَاقِي (٤) بَين من شهِد الوَقْعَةَ (٥) : للراجل سهمٌ، وللفارس على فرسٍ عَرَبِيّ ثَلَاثَةٌ، وعَلى غَيرِه اثْنَان (٦) . وَيُقْسم لحر مُسلم مكلف (٧) ، الحواشي
(١) وتقدم تعريفهم في الزكاة، ويدخل الفقراء من باب أولى.(٢) ويعطون كما يعطون في الزكاة.(٣) أي: يشترط فيمن تقدم أن يكون مسلماً، فلا يعطى من الخمس للكافر.(٤) لكن قبل أن يقسم الباقي يُخرج الرضخ، وهو: العطاء من الغنيمة أقل من السهم، والمرجع في قدره لاجتهاد الإمام، ويكون لمن لا يُسهم له من النساء والصبيان المميزين وغيرهم، وسيذكره الماتن.(٥) بقصد الحرب سواءً قاتل أو لم يقاتل.(٦) الرَّاجِل: الذي يمشي على رجليه وليس له مركوب، فله سهم واحد فقط. والفارس الذي يركب فرساً عربياً له ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. والراكب على فرس غير عربي له سهمان: سهم له، وسهم لفرسه.
(تتمة) غير الفرس كالإبل والفِيَلة وغيرها من الحيوانات لا يسهم لها؛ لعدم الدليل.(٧) خالف الماتن هنا - وفي كافي المبتدي - المذهبَ باشتراطه الإسلام لمن يسهم له؛ فظاهره: لا يسهم للكافر بل يرضخ له، وهو رواية في المذهب كما في الإنصاف. والمذهب: يسهم للكافر إذا أذن له الإمام بالقتال، فإن قاتل مع المسلمين بلا إذن الإمام فلا يقسم له ولا يرضخ له، كما في المنتهى. (مخالفة الماتن)، ثم رأيت في نسخة مضبوطة بخط المصنف إسقاط كلمة: (مسلم) ومع إسقاطها لا مخالفة والله أعلم.
(تتمة) حكم الاستعانة بالكفار في القتال على المذهب: محرَّم إلا لضرورة، قاله في الإقناع والمنتهى والغاية في باب ما يَلزم الإمامَ والجيش.стр. 299
ويُرضخ لغَيرهم (١) .
وإذا فتحُوا أرضاً بِالسَّيْفِ (٢) خُير الإمامُ (٣) بَين قَسْمهَا ووقفِها على الْمُسلمين، ضَارِبًا عَلَيْهَا خراجاً مستمراً يُؤْخَذ مِمَّنْ هِي فِي يَده (٤) .
وَمَا أخذ من مَال مُشْرك بِلَا قتال كجزية وخراج وَعشرٍ فَيْءٌ لمصَالح الْمُسلمين (٥) ، وَكَذَا خمسُ خمسِ الحواشي
(١) أي: يرضخ لمن لا يسهم له، وتقدم معنى الرضخ.(٢) أي: فتحوا أرضاً من بلاد الكفار بقتال وغلبة وقهر لا صلحاً.(٣) تخيير مصلحة لا تشهٍ.(٤) فيخير بين قسمها بين الغانمين، ووقفها على المسلمين. والنبي ﷺ جعل خيبر قسمين: قسماً أوقفه، وقسماً قسمه. والخراج: هو الأجرة التي تؤخذ مقابل المقام على هذه الأرض الزراعية أو القابلة للزراعة دون غيرها، وسواء كان المقيم عليها مسلماً أو كافراً، فإن وقفها على المسلمين ضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي بيده كل عام، ويرجع في تقدير الخراج إلى الإمام بحسب المصلحة.
(تتمة) أراضي الشام ومصر والعراق كلها وقف - على المذهب -، وقد أوقفها عمر ﵁ بعد فتحها حتى لا ينفرد الفاتحون بملكها دون من بعدهم من المسلمين.(٥) يؤخذ عُشر تجارة الحربي إذا تاجر عندنا، أما الذمي فيؤخذ منه نصف العشر. وهذا الفيء كالحق الراجع إلى المسلمين، فيصرف في مصالحهم، ويُبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور، وكفاية أهلها، وعمارة الجسور، وإصلاح الطرق، والمساجد، ورواتب القضاة والفقهاء والأئمة والمؤذنين، وغير ذلك.стр. 300
الحواشي
(١) وهو السهم الذي لله تعالى، ولرسوله ﷺ ، فهذا فيء يُصرف في مصالح المسلمين.стр. 301
فصل (في عقد الذمة)
وَيجوز عقدُ الذِّمَّة (١) لمن لَهُ كتابٌ أو شبهتُه (٢) ، وَيُقَاتلُ هَؤُلَاءِ حَتَّى يسلمُوا أو يُعْطوا الْجِزْيَة، وَغَيرهم حَتَّى يسلمُوا أو يُقتلُوا (٣) ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُم مُمْتَهَنين مُصَغَّرين (٤) ، وَلَا تُؤْخَذ من صبي وَعبد وامرأة وفقير عَاجزٍ عَنْهَا الحواشي
(١) الذمة لغة: العهدة والضمان والأمان، واصطلاحاً: إقرارُ بعضِ الكفار على كفرهم بأن يستوطنوا بلاد المسلمين بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة. والجزية: هي مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلاً عن قتلهم وإقامتهم بدارنا. فأهل الذمة يعيشون بين المسلمين، لكن يدفعون الجزية، ويلتزمون بأحكام الإسلام.(٢) قوله: لمن له كتاب: أي: اليهود والنصارى. وقوله: (أو شبهته): أي له شبهة كتاب، وهم المجوس؛ لأن الرسول ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر. فلا يجوز عقد الذمة إلا لتلك الأصناف الثلاثة فقط.(٣) أي: يقاتل هؤلاء الثلاثة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، أما غير هؤلاء فيقاتلون حتى يسلموا أو يُقتلوا، ولا يجوز أن يعقد لهم عقد الذمة.(٤) أي: تؤخذ الجزية من الأصناف الثلاثة حال كونهم ممتهنين مُصغّرين، بأن يُطال قيامهم وتجر أيديهم وجوباً، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(٢٩) ﴾ [التوبة، ٢٩].стр. 302
وَنَحْوِهم (١) .
وَيلْزمُ أخذُهُم بِحكم الإسلامِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَه من نفسٍ وَعِرْضٍ وَمَالٍ وَغَيرِهَا (٢) .
ويلزمهم التميُّزُ عَن الْمُسلمين (٣) ، وَلَهُم ركُوبُ غيرِ خيل بِغَيْر الحواشي
(١) كالأعمى والمجنون والزّمن.
(تتمة) لو حال الحول على من وجبت عليه الجزية ثم أسلم، فلا تؤخذ منه الجزية ترغيباً له في الإسلام، أما من حال عليه حول الزكاة ثم كفر، فإنه تؤخذ منه الزكاة؛ لأنها وجبت عليه حال كونه مسلماً. (فرق فقهي)(٢) أي: يجب على الإمام أن يقيم عليهم أحكام الإسلام، والمراد: إن حُكِمَ بها عليهم بعد أن يترافعوا إلينا، ولا يلزمهم العمل بشريعتنا، فإن لم يتحاكموا إلينا فليس للحاكم أن يتبع شيئاً من أمورهم، ولا يدعوهم إلى حكمنا نصاً، قاله في الإقناع. ويكون إلزامهم بحكم الإسلام فيما يعتقدون تحريمه من نفس - أي: من قتل نفس -، وعرض - أي: الكلام فيه كالقذف - وأخذ مال وغيرها؛ بخلاف ما يعتقدون حله كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وكذا نكاح المحارم عند المجوس، فلا يحكم فيهم بحكم الإسلام.(٣) أي: يلزم أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في ظاهرهم، والتميز في المذهب يكون بأمور كثيرة منها: ١ - القبور، بأن تبعد قبورهم عن قبور المسلمين وجوباً، كما في الإقناع، ٢ - ويؤمر النصارى بشد الزنار، وهو: خيط غليظ على أوساطهم خارج الثياب، ويكون للمرأة تحت ثيابها، كما في الإقناع.стр. 303
سرْج (١) .
وَحرُم تعظيمُهم (٢) ، وبَداءتُهم بِالسَّلَامِ (٣) .
وإن تعدى الذِّمِّيُّ على مُسلمٍ (٤) أو ذَكَر اللهَ أو كِتَابَه أو رَسُولَه بِسوءٍ انتقض عَهدُه (٥) ، فَيُخَيرُ الإمامُ فِيهِ كأسيرٍ حَرْبِيّ (٦) . الحواشي
(١) وهذا من التميز: ٣ - فيمنعون من ركوب الخيل، ٤ - ويمنعون من وضع السرج على غير الخيل. كذلك، لا يركب أحدهم كالمسلم، بل يركب عرضاً بأن تكون رجلاه إلى جانب وظهره إلى الجانب الآخر، كما في الإقناع.(٢) كالقيام لهم، وتصديرهم في المجالس، وتوقيرهم. وكذا يحرم تعظيم المبتدع الذي يجب هجره كالرافضي، أما من يُسن هجره كأهل المعاصي، فيكره تعظيمهم والقيام لهم، قاله البهوتي في الكشاف.(٣) فتحرم؛ لحديث: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام». فإن سلم على من يعتقده مسلماً فبان ذمياً، سن للمُسَلِّم المسلم قول: رد علي سلامي، فيقول الذمي: رددت عليك سلامك.
(تتمة) تحرم تعزية أهل الذمة، وشهود أعيادهم، وتهنئتهم بها. وتكره مصافحتهم، وتشميتهم.(٤) بقتلٍ مطلقاً، عمداً كان أو شبه عمد أو خطأً، كما هو في اطلاق المنتهى - كالتنقيح -، وتابعه الغاية، أما الإقناع فقيده بالعمد. (مخالفة الماتن)(٥) دون عهد نسائه وأولاده، ولا يقف انتقاض العهد على حكم الإمام، أي: لا يلزم أن يحكم الإمام بانتقاض عهده.(٦) أي: يخير بين أربعة أمور: أن يقتله، أو يسترقه، أو يمُن عليه مجاناً، أو يفديه بمال أو بأسير مسلم.
(تتمة) العقود التي تفيد الأمن للكفار ثلاثة:
١ - عقد الذمة، وتقدم.
٢ - الأمان: وهو إعطاء عهد لمحارب بعدم الاعتداء على نفسه، وعرضه، ودينه، وماله. ويصح الأمان من الإمام الأعظم لجميع المشركين سواءً كانوا يهوداً، أو نصارى، أو مجوساً، أو وثنيّين. ويصح الأمان من آحاد المسلمين لواحد ولقافلة وحصن صغيرَين عرفاً كمئة فأقل، وكذا الشركات الآن لها أن تؤمن على بعض الكفار ليعملوا في بلاد المسلمين، ويسري الأمان إلى ما معه من أهل ومال إلا أن يقول مؤمنه: أمَّنتك وحدك، قاله في الإقناع.
وصيغته: يصح بكل ما يدل عليه من قول، وإشارة مفهومة، ورسالة، وكتاب، قاله في الإقناع.
وشروط عهد الأمان: ١ - أن يكون العاقد له مسلماً عاقلاً ولو مميزاً أو أنثى، ٢ - وأن يكون مختاراً، ٣ - وأن لا يسبب تأمينه ضرراً على المسلمين، ٤ - وأن لا تزيد المدة على عشر سنين.
وينتقض الأمان بالخيانة.
والأصل في الكفار الموجودين الآن: أنهم كالمستأمنين. فإذا كان كذلك، حرم على المسلم قتلهم، واسترقاقهم، وأسرهم، والتعرض لهم، وإخافتهم.
وهناك أحوال يجب فيها تأخير الجهاد كالتي نحن فيها الآن؛ لأن المسلمين ليس عندهم قدرة على الجهاد. ولا يعني ذلك تسليم الأمر للكفار، بل يجب إعداد العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال، ٦٠]. وهذه أمور معقدة وخطيرة جداً، فلا يُستعجل في تنزيل كلام الفقهاء على الواقع.
٣ - الهدنة: وهي العقد على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، ولو بعوض مِنَّا أو منهم. فلا بأس بإعطاء عوض لبلاد كافرة - ولو من الزكاة -؛ لكف شرها عن بلاد المسلمين.
وشروط الهدنة: ١ - أن تكون في حال يجوز فيها تأخير الجهاد، ٢ - وأن تكون صادرة من الإمام أو نائبه فقط، ٣ - وأن تكون لمدة معلومة وإن طالت، فلا تكون مطلَقَة. أما شيخ الإسلام فاختار صحة الهدنة غير المقيدة بزمن، لكنها تكون جائزة لا لازمة.
وإن حصلت حرب بين إحدى الدول الإسلامية ودولة كافرة، فإنّ بقية الدول الإسلامية لا تصبح في حرب مع تلك الدولة الكافرة بمجرد ذلك إذا كان بينهما عقد، وذلك أن كل بلد الآن له حكم بنفسه بحيث يأخذ والي البلد أحكام الولاية العامة. ومن الأدلة على ذلك ما وقع في صلح الحديبية حيث طلب المشركون أن يُرد إليهم أبو بصير، فرده الرسول ﷺ ، ثم انعزل أبو بصير ومن كان معه كما يروى في السيرة، فلم يُعنه الرسول ﷺ مع أنه كان ضعيفاً. فإن كان هناك عهد بين دولة مسلمة ودولة الكافرة، ثم اعتدت الكافرة على بلاد مسلمة أخرى، فلا يجوز للدولة المسلمة التي عاهدت الدولة الكافرة أن تعتدي - بمجرد ذلك - على الدولة الكافرة؛ للعهد الذي بينهما. انظر ما يؤيد هذا: كشاف القناع (٧/ ٢١٧)، والله أعلم.стр. 304
كتاب البيع (١) وسائر المعاملات
ينْعَقدُ: بمعاطاةٍ (٢) ،
وبإيجابٍ الحواشي
(١) البيع لغة: دفع عوض وأخذ معوض، مأخوذ من الباع؛ لأن كلاً من المتبايعين يمد يده عند البيع. وهو اصطلاحاً: مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما - أي: المال أو المنفعة - على التأبيد غير ربا وقرض، وهو التعريف الذي ذكره الحجاوي في الزاد والإقناع. وقوله: على التأبيد: أخرج به الإجارةَ.
والبيعُ جائز بالقرآن والسنة والإجماع، فقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة، ٢٧٥]، وفي الحديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، متفق عليه.
(تتمة) أركان البيع ثلاثة: العاقدان، والمعقود عليه، والصيغة المعقود بها.(٢) ينعقد البيع بأحد أمرين: (الصيغة الفعلية) المعاطاة، والمراد بها: المناولة - كما في المطلع -، سواء كانت المعاطاة من البائع والمشتري، أو من أحدهما، أي: والكلام من الآخر. ومثال المعاطاة من الطرفين: أن يدخل شخص محلاً فيأخذ خبزاً، ويضع ريالاً عند البائع، ثم ينصرف.
(تنبيه) ذكر في الإقناع لصحة المعاطاة: الفورية بين القبض والإقباض، فقال: (ويعتبر في المعاطاة معاقبة القبض أو الإقباض للطلب)، قال البهوتي: (وظاهره أن التأخير في المعاطاة مبطل ولو كان بالمجلس، لم يتشاغلا بما يقطعه؛ لضعفها عن الصيغة القولية)، بخلاف الصيغة القولية، فيجوز التراخي حتى يتفرقا من المجلس أو يتشاغلا بما يقطعه كما سيأتي. (فرق فقهي)стр. 305
وَقبُولٍ (١) ، بسبعةِ شُرُوطٍ: الحواشي
(١) الأمر الثاني الذي ينعقد به البيع هو: (الصيغة القولية) الإيجاب والقبول. والإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع كقوله: بعتك ونحوه، والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري، كقوله: قبلت ونحوه. وإن تقدم القبول على الإيجاب صح بشرط: أن يكون القبول بلفظ الأمر كأن يقول المشتري: بعني؛ فيقول البائع: بعتكه، أو بلفظ الماضي المجرد عن الاستفهام كأن يقول المشتري: اشتريت منك؛ فيقول البائع: بعتك؛ فيصح فيهما.
(تتمة) يشترط لصحة الصيغة القولية (الإيجاب والقبول):
١ - أن يكون القبول على وفق الإيجاب في النقد، والقدر، والحلول، والتأجيل؛ فلو قال البائع: بعتك بمئة، فقال المشتري: قبلت بخمسين، لم يصح.
٢ - أن لا يتشاغل العاقدان بما يقطع البيع عرفاً، ككلامهما بين الإيجاب والقبول بما لا يتعلق بالعقد.
٣ - اتصال القبول بالإيجاب ولو مع التراخي ما داما في المجلس، فإن تفرقا قبل إتمامه بطل.
ويصح البيع بالهاتف، كما يستفاد من كلام الإقناع؛ لإنه صحح العقد بالكتابة فبالهاتف أولى بشرط التحقق من الأصوات. أما البيع بالكتابة، فقد نص صاحب الإقناع - وتابعه الغاية - على جوازه وصحته - قلت: ولعله فيما يصح السلم فيه، وإلا فلا يصح -، ومثاله: أن يكتب البائع في بلد ما: بعتك سيارة كذا بثمن كذا، فإذا وصلت الرسالة إلى المشتري يقول: قبلت؛ لكن البهوتي اعترض على الإقناع في الكشاف: (بأن ظاهر كلام الأصحاب خلافه؛ لأن الاتصال شرط، وهو ينتهي بالتفرق قبل القبول، وبالمراسلة ينقطع القبول عن الإيجاب، وظاهر المنتهى عدم صحته)، وقال ابن عبدالهادي في زينة العرائس ١/ ٣٥٠: (البيع لا يصح بالكتابة بلا خلاف فيه، والله أعلم). (مخالفة)стр. 306
الرِّضَا مِنْهُمَا (١) ، وَكَونُ عَاقدٍ جَائِزَ التَّصَرُّف (٢) ، وَكَونُ مَبِيعٍ مَالاً وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ (٣) ،
وَكَونُه مَمْلُوكاً لبَائِعِه أو مأذوناً لَهُ الحواشي
(١) شروط صحة البيع سبعة: (الشرط الأول) الرضا منهما، أي: من المتعاقدين؛ للحديث: «إنما البيع عن تراض»، رواه ابن ماجه وابن حبان. ويستثنى: ما لو أُكره على البيع بحقٍّ كمن أكرهه حاكم على بيع ماله لوفاء دينه، فيصح.(٢) (الشرط الثاني) كون العاقد جائز التصرف، وهو: الحر المكلف الرشيد. أما السفيه والصغير - ولو غير مميز - فلا يصح البيع منهما إلا في حالتين: (الحالة الأولى) إذا كان في شيء يسير كرغيف ونحوه ولو من غير مميز، ولو لم يأذن له وليه، أو (الحالة الثانية) إذا أذن له وليه في المال، فيصح بيعه في القليل والكثير؛ لكن قالوا: ويحرم على وليه إذنه للمميز بلا مصلحة. فإن أذن بلا مصلحة فتَصَّرَفَ الصبي، فهل يصح؟ في الغاية: يصح ويضمن الولي، ووافقاه، وقال النجدي: يحرم ولا يصح. (مخالفة)(٣) (الشرط الثالث) كون المبيع مالاً، والمال في المذهب: ما يباح نفعه مطلقاً من غير حاجة ولا ضرورة، وهو إما عين كسيارة، أو منفعة كممر في دار.
أما العين، فيشترط فيها شرطان: ١ - أن يكون فيها منفعة، فأخرج ذلك ما لا منفعة فيه كالحشرات، ٢ - وأن تكون المنفعة مباحة مطلقاً، أي في جميع الأحوال من غير حاجة ولا ضرورة، فلا تباح في حال دون حال. أما الكلب فلا يسمى مالاً؛ لأنه لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة صيد، وماشية، وزرع فقط. وكذا جلد الميتة على المذهب لا يباح استعماله إلا في اليابسات بعد دبغه، فليس مالاً ولا يجوز بيعه.
وأما المنفعة، فيشترط: كونها مباحة، ويمثِّلون لها ببيع منفعة الممر في الدار، ومنفعة ممر الماء على سطح البيت، فيجوز بيع ذلك، ومثله لو اشترى منفعة مرور أسلاك كهربائية مثلاً في أرضه، ونحو ذلك.стр. 307
فِيهِ (١) ،
وَكَونُه مَقْدُورًا على الحواشي
(١) أي: وقت العقد؛ فيشترط أن يكون مالكاً للمبيع وقت العقد، وهذا (الشرط الرابع). وإنما قُيد بوقت العقد؛ لإخراج بيع الفضولي، وهو الذي يبيع ملك غيره بلا إذنه، فلا يصح بيعه، حتى لو أذن له صاحبه فيما بعد؛ لأنه ليس مالكاً للمال وقت العقد ولا مأذوناً له فيه، وفي الحديث: «لا تبع ما ليس عندك»، رواه الأربعة. أما قوله: مأذوناً له: أي: يشترط لصحة البيع - إذا لم يكن مالكاً للمبيع وقت العقد - أن يكون مأذوناً له، ومثاله إِذْنُ المالك للوكيل، وإذن الشارع لولي الصغير، وناظر الوقف.
(تتمة) هناك أشياء لا تُملك، ولا يصح بيعها على المذهب:
١ - الأراضي التي فتحت عنوة كمصر والشام والعراق، فهي موقوفة وتصح إجارتها، لكنها لا تُملك ولا يصح بيعها إلا إذا رأى الإمام مصلحة في بيع شيء منها.
٢ - رِباع مكة، وهي: المنازل، ودور الإقامة، وكل الحرم، وبقاع المناسك كمنى وعرفات ومزدلفة. فهذه لا تملك، ولا يصح بيعها، ولا إجارتها؛ لأنها موقوفة على جميع المسلمين. ومن أَجبر غيرَه على الإجارة، فالإثم عليه.
٣ - الأوقاف التي لا يزال نفعها باق، فلا يصح نقل الملك فيها، وتصح إجارتها.
٤ - الماء العِدّ الذي له مادة لا تنقطع، فلا يملك حتى مِن مالك الأرض. والناس شركاء فيه قبل حيازته، أي: ما دام في البئر أو العين أو الأرض، لكن لا يجوز لهم دخول الأرض بغير إذن مالكها. أما من حاز هذا الماء في خزان مثلاً، فإنه يملكه.
٥ - المعادن الجارية كالنفط والبترول، فلا تُملك بملك الأرض؛ لكنها تُملك بالحيازة.стр. 308
تَسْلِيمِه (١) ، وَكَونُه مَعْلُوماً لَهما بِرُؤْيَةٍ أو صفةٍ تَكْفِي فِي السَّلمِ (٢) ، وَكَونُ ثمنٍ مَعْلُوماً (٣) ، فَلَا يَصح بِمَا يَنْقَطِع بِهِ الحواشي
(١) (الشرط الخامس) كون المبيع مقدوراً على تسليمه. ويستثنى منه: المغصوب، فيجوز بيعه لغاصبه، أو لقادر على تخليصه من الغاصب.(٢) (الشرط السادس) كون المبيع معلوماً للمتعاقدين، وذلك بأحد أمرين: ١ - إما برؤية تحصل بها معرفة المبيع مقارِنَة للعقد - بأن لا تتأخر عنه إما لجميعه كوجهيْ ثوب منقوش أو لبعض مبيع يدل على بقيته كأحد وجهيْ ثوب غير منقوش -، أو قبله بيسير بحيث لا يتغير.
٢ - وإما بالصفة، لكن لا يصح البيع بالصفة إلا فيما يصح فيه السلم؛ ليمكن ضبط صفاته.
(تتمة) إن وجد المشتري ما وُصف له أو تقدمت رؤيته متغيراً، فله الفسخ.(٣) حال العقد، وهذا (الشرط السابع): والعلم بالثمن يكون بالرؤية أو الصفة على ما سبق تفصيله في الشرط السادس.
(تتمة) يصح البيع بالمشاهدة على المذهب - ولو لم يُعلم القدر - سواء كان ذلك في الثَّمن أو المثمن، ومثاله: أن يُخرج المشتري ريالات من جيبه ويقول للبائع: أشتري هذه السيارة بهذه الريالات التي تراها ولا يعلم عددها، ويرضى البائع، فيصح العقد. ويُرجع مع تعذر معرفة قدر الثمن في فسخٍ بقيمة مبيعٍ إذن؛ لأن الغالب أن الشيء يباع بقيمته. وكذا يصح لو قال البائع: بعتك هذا القطيع من الغنم، والمشتري لا يعلم عدد الغنم الذي فيه ويشتري كل القطيع، فيصح.стр. 309
السّعرُ (١) .
وإن بَاعَ مشَاعاً بَينه وَبَين غَيره، أو عَبدَه وَعبدَ غَيره بِغَيْر إذن، أو عبداً وحراً، أو خَلًّا وخمراً صَفْقَة وَاحِدَة، صَحَّ فِي نصِيبه وَعَبده والخل الحواشي
(١) ولهذا اشترطت معرفة الثمن وقت العقد، فلا يصح بما ينقطع به السعر، ومثاله: أن يتبايعا على سلعة، ويتم العقد، ويتفقا على أن الثمن هو أعلى ما تصل إليه بعد عرضها للسوم، فلا يصح هذا العقد عند الحنابلة؛ لأن الثمن مجهول حين العقد.
(تتمة) يصح بيع المزايدة - والمعروف عندنا بالبيع بالحراج -، وهو أن يعرض مالك السلعة سلعته في السوق، فيقول الأول: أشتريها بمئة، ثم يقول الثاني: أشتريها بمئة وخمسين ونحو ذلك، حتى إذا سيمت بسعر يرتضيه مالكها باعها بذلك السعر. وهذا سوم جائز؛ لأن العقد وُجد بعد رضا البائع والمشتري بأعلى سعر وصل إليه السوم، بخلاف البيع بما ينقطع به السعر، فيكون العقد قد تم قبل أن يعرض المبيع ويعلم ثمنه. (فرق فقهي)стр. 310
بِقسْطِهِ (١) ، ولمشترٍ الْخِيَار (٢) . الحواشي
(١) هذه المسائل مشهورة في المذهب بمسائل تفريق الصفقة. وتفريق الصفقة اصطلاحاً: أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه صفقة واحدة، أي: في عقد واحد، بثمن واحد.
ومسائل تفريق الصفقة لها ثلاث صور، ذكر الماتن منها صورتين:
(الأولى) أن يبيع مشاعاً بينه وبين غيره كدار بخمسين مثلاً، ولم يميز - من هذه الخمسين - قدر الثمن الذي يقابل النصيبَ الذي يملكه من هذا المشاع.
(والثانية) أن يبيع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، أو خلًا وخمراً، بخمسين مثلاً، ولم يميز - من هذه الخمسين - قدر الثمن الذي يقابل عبده، أو العبد، أو الخل.
ويمكن أن يعبَّر عنهما: ببيع جميع ما يملك بعضَه: فالصورة الأولى: أن يكون المبيع مشاعاً. والمشاع: هو معلوم القدر مجهول العين؛ فلو اشترك اثنان في أرض مثلاً، كلُّ واحد منهما يملك نصفاً غير محدد منها، فباع أحدُهما جميعَ الأرض بلا إذن الآخر بأربعين ألف ريال مثلاً، فيصح في نصيب البائع بقسطه، أي: عشرين ألف ريال. أما الصورة الثانية: فهي أن يبيع جميع ما يملك بعضه، لكنه غير مشاع، فمن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً في عقد واحد صح البيع في عبده بقسطه من الثمن.
والقسط: النصيب والحصة، كما في المطلع. وسنبيِّن كيفية استخراج القسط في خيار العيب إن شاء الله.(٢) أي: إذا علم المشتري أن الأرض مشاعة بين البائع وغيره، أو أن العبد ليس ملكاً للبائع، فله الخيار بين الإمساك والرد؛ بشرط أن يجهل الحال وقت العقد، كما في الإقناع، وإلا فلا خيار له؛ لدخوله فيه على بصيرة.стр. 311
وَلَا يَصح (١) بِلَا حَاجَة بيعٌ وَلَا شِرَاءٌ مِمَّن تلْزمهُ الْجُمُعَةُ بعد ندائِها الثَّانِي (٢)
وَتَصِح سَائِرُ الْعُقُود (٣) ،
وَلَا بيعُ عصيرٍ أو عِنَب لمتخذه خمراً (٤) ، الحواشي
(١) سيذكر الماتن البيوع المنهي عنها، وكل هذه المسائل مبنية على قاعدة: (النهي يقتضي فساد المنهي عنه)، وهي قاعدة أصولية توسع فيها الحنابلة.(٢) هذا لفظ المنتهى، لكن لفظ الإقناع أَولى حيث قال: (بعد الشروع في ندائها)، فالتحريم يبدأ من وقت الشروع في الأذان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة، ٩]، والنهي يقتضي الفساد. والمقصود بالنداء الثاني: الذي تعقبه الخطبة؛ فيحرم البيع والشراء ممن تلزمه الجمعة - بنفسه أو بغيره - بعد نداء الجمعة الثاني - وكذا قبل النداء لمن منزله بعيد بحيث يدركها إذا سعى لها -: إذا كان البائع والمشتري، أو أحدهما - أي: تلزم أحدهما والآخر لا تلزمه - ممن يريد الصلاةَ مع إمام ذلك المسجد. ويستمر التحريم إلى انقضاء الصلاة. ويستثنى: إذا كان ثَم حاجة، أو ضرورة للبيع والشراء، فيجوز ويصح؛ كما لو احتاج عريان لسترة، أو اضطر إلى طعام أو شراب.(٣) خص الحنابلة النهي بالبيع لكثرته، وتصح عندهم سائر العقود؛ لندرة وقوعها في ذلك الوقت، هذا الحكم الوضعي. أما الحكم التكليفي فمختلف فيه: فيرى البهوتي جوازَ هذه العقود كالإجارة والنكاح، بخلاف الكرمي - ووافقه الرحيباني، وخالفه الشطي - فيرى حرمتها اتجاهاً، مع اتفاقهما في الصحة. (خلاف المتأخرين)
(تتمة) تحرم المساومة والمناداة بعد النداء الثاني، وتحرم الصناعات كلها.(٤) حتى لو كان المشتري ذمياً يعتقد حله، فيحرم ولا يصح بشرط أن يعلم أن الذي يشتريه سيتخذه خمراً. ولا يجوز أن يُؤتى بالأطعمة في نهار رمضان للعمال حتى لو اعتقدوا حل ذلك؛ لأن فيه إعانة على المعصية؛ لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
(تتمة) ذكر الإقناع ضابطاً هو أَولى من هذه الأمثلة، فقال: (ولا يصح بيع ما قُصد به الحرام، فيدخل فيه بيع العصير لمتخذه خمراً .. ).стр. 312
وَلَا سلَاحٍ فِي فتْنَة (١) ، وَلَا عبدِ مُسلم لكَافِرٍ لَا يعْتق عَلَيْهِ (٢) .
وَحرُم وَلم يَصح بَيْعه على بيع أخيه (٣) ، وشراؤُه على شِرَائِهِ (٤) ، الحواشي
(١) أي: لا يجوز ولا يصح بيع السلاح في الفتنة التي تحصل بين المسلمين، بشرط أن يعلم - ولو بقرائن - أن الذي يشتريه سيستخدمه في الفتنة، وهذا المذهب، وفي الإنصاف: (وقيل: أو ظنه، اختاره الشيخ تقي الدين .. قلت: وهو الصواب).(٢) أي: لا يجوز، ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر لا يعتق على المشتري الكافر. وضابط من يعتق عليه: كل امرأة لا يجوز أن يتزوجها من النسب - كأمه وأخته -، وكلُّ ذكرٍ لو قُدِّر أنه أنثى لا يجوز أن يتزوجها بسبب النسب؛ كالأخ يُقَدَّر أختاً، فلو اشتراه عتق عليه بمجرد الشراء.(٣) للحديث: «لا يَبِع الرجل على بيع أخيه»، متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد. والتحريم مقيد - على المذهب - بزمن الخيارين: خيار المجلس وخيار الشرط، فلا يحرم بعدهما؛ لعدم قدرة العاقد على الفسخ، ومثل البيع: الإجارة.(٤) فيحرم ولا يصح، ومثال ذلك: أن يرى شخصاً يشتري سلعة بثمن معين، فيأتي البائع فيقول له: اشتري منك تلك السلعة بأكثر مما أعطاك فيها.стр. 313
الحواشي
(١) فهو محرم في البيع والإجارة؛ للنهي الوارد في الحديث: «لا يسم المسلم على سوم أخيه»، رواه مسلم. ويشترط في التحريم: أن يكون بعد الرضا الملفوظ الصريح من البائع أو المشتري لا بعد رد. ومثاله: أن يسوم شخص سلعة، فيقول للبائع: هل تبيع هذه السلعة بمئة؟ فيقول: نعم؛ ثم قبل أن يُتما البيع يقول شخص آخر للبائع: هل تبيعها لي بمئة وعشرين؟ ليعقد معه، فيحرم، وهذا الحكم التكليفي. أما الحكم الوضعي: فالبيع صحيح؛ لأن النهي في السوم لم يرد على العقد، بل على أمر خارج عنه، بخلاف النهي في البيع على بيع الغير؛ فإن العقد محرم لورود النهي عليه. (فرق فقهي) وفي نسخة مضبوطة بخط الماتن: (وحرم سومه على سومه) وهي تفيد تحريم السوم على سوم المسلم فقط.
ويستثنى من تحريم السوم على سوم المسلم: حال المناداة - والمعروف عندنا ببيع الحراج -؛ قال في الإقناع وشرحه: ((وهو، أي: السوم الذي يحرم معه السوم من الثاني (أن يتساوما في غير) حال (المناداة) حتى يحصل الرضا من البائع (فأما المزايدة في المناداة فجائزة) إجماعاً؛ فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة).стр. 314
فصل (في الشروط في البيع) (١)
والشروطُ فِي البيعِ ضَرْبَان:
صَحِيحٌ (٢) : كَشَرط رهنٍ وضامنٍ وتأجيلِ الحواشي
(١) الشروط في البيع تكون من المتعاقدين، بخلاف شروط البيع المتقدمة، فإنها من وضع الشارع. (فرق فقهي)
والشروط في البيع في المذهب تنقسم إلى قسمين: شروط صحيحة وشروط فاسدة. ويعتبر - على المذهب - كون الشرط مع العقد أو بعده في زمن الخيارين: خيار المجلس وخيار الشرط، فلا يصح قبل العقد، فلو اشترط المشتري على البائع سيارة بصفة معينة ثم اشتراها منه بعد يومين، فلا يُلزم البائع بالشرط ما لم تُذكر في خيار المجلس - وهو مجلس العقد كما سيأتي - أو خيار الشرط، أما النكاح فبخلاف ذلك، فإن الشروط التي يُتفق عليها قبل عقد التزويج مُلزِمة كتبت أو لم تكتب. (فرق فقهي)(٢) الشروط الصحيحة ثلاثة أنواع: (النوع الأول) شرطُ ما يقتضيه البيع وهو- كما قاله البهوتي -: (ما يطلبه البيع بحكم الشرع)، أي: ما وضعه الشارع في عقد البيع وطلبه. ومثاله: أن يشترط المشتري على البائع أن يتصرف في المبيع -بعد قبضه - كما شاء، فذلك من مقتضيات البيع، ولهذا لم يذكر كثيرٌ من العلماء هذا النوع في مؤلفاتهم، ومنهم الماتن هنا.стр. 315
ثمنٍ (١) ، وكشرطِ بَائِع نفعاً مَعْلُوماً فِي مَبِيعٍ كسكنى الدَّارِ شهراً ومُشْتَرٍ نفعَ بَائِعٍ كحملِ حطبٍ أو تكسيرِه (٢) ، وإن جمع بَين شرطين بَطلَ البيعُ (٣) .
وفاسدٌ (٤) : يُبطلهُ، كَشَرطِ عقدٍ آخر من قرضٍ وَغَيرِهِ (٥) ، أو مَا يُعلِّق الحواشي
(١) (النوع الثاني) ما كان من مصلحة العاقد، وهو قسمان، اقتصر المؤلف على أوَّلهما:
١ - اشتراط صفة في الثمن: كأن يشترط البائع على المشتري رهناً معيناً إذا كان الثمن مؤجلاً، أو يشترط عليه ضامناً معيناً.
٢ - اشتراط صفة في المبيع: كأن يشترط المشتري كونَ العبد كاتباً أو صانعاً.(٢) (النوع الثالث) أن يشترط البائع نفعاً معلوماً في المبيع: كأن يشترط البائعُ أن يسكن البيتَ المبيعَ شهراً، أو يشترط المشتري نفعَ بائعٍ في المبيع، بشرط كون النفع المشترط معلوماً، كحمل الحطب ونحوه. فإن شرط أحدهما نفعاً في غير المبيع لم يصح - كما صرح به البهوتي في شرح المنتهى -، كما لو قال للبائع: أشتري منك هذا الحطب بشرط أن توصل ابني إلى البيت، فلا يصح.(٣) المراد: يبطل البيع إن جمع بين شرطين من النوع الثالث فقط، كأن يشتري الحطب ويشترط تكسيره وحمله، أو يشتري الثوب ويشترط خياطته وتفصيله، والدليل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ مرفوعا: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع»، رواه أبو داود والترمذي. أما النوع الأول والثاني، فيصح العقد حتى لو اشترط منهما مئة شرط.(٤) قال في الإقناع: (فاسد يحرم اشتراطه)، وهو ثلاثة أنواع أيضاً: نوعان يعودان على أصل العقد بالإبطال، ونوع فاسد في نفسه لكنه لا يفسد البيع.(٥) هذا (النوع الأول) من الشروط الفاسدة التي تكون فاسدة في نفسها، وتفسد العقد. ومثاله: أن يقول للمشتري: أبيعك بشرط أن تقرضني خمسين ألفاً، أو يقول له: بعتك هذه العمارة على أن تؤجرني أرضك، فلا يصح العقد. أما الجمع بين عقدين بدون شرط كقوله: بعتك وأجرتك بخمسين ريالاً، فيصح. فالحنابلة يحملون النهي في الحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة» الذي رواه الترمذي والنسائي، على اشتراط عقد في عقد آخر، بخلاف ابن القيم ﵀، فإنه يحمله على بيع العينة.стр. 316
البيعَ كبعتُك إنْ جئتني بِكَذَا أو رَضِي زيدٌ (١) .
وفاسدٌ لَا يُبطلهُ (٢) ، كَشَرطِ أن لَا خسارةَ (٣) ، أو مَتى نَفَقَ وإلا الحواشي
(١) (النوع الثاني) تعليق البيع على شرط مستقبل: فلا يصح العقد، كأن يقول البائع أو المشتري: بعتك إذا جاء رمضان أو قبِلتُ إذا جاء رمضان؛ لأن الأصل في العقود التنجيز، أي: الفورية. ويستثني الحنابلة في التعليق مسألتين: (المسألة الأولى) التعليق على المشيئة، فيقول البائع: بعتك إن شاء الله، أو يقول المشتري: قبلتُ إن شاء الله؛ فيصح البيع. (المسألة الثانية) بيع العَرَبُون - بفتح العين والراء -، فيصح على المذهب بأن يقول المشتري أو المستأجر- بعد أن يعقد معه عقد البيع أو الإجارة ويدفع الثمن أو الأجرة -: إن أخذتُه، أو جئتك بالباقي، وإلا فما دفعته يكون لك، والصواب: أن بيع العربون ليس مستثنى من التعليق؛ لأنه تعليق فسخ لا عقد، وتعليق الفسخ جائز في كل العقود إلا الخلع. والله أعلم.(٢) (النوع الثالث) وهو الشرط الذي ينافي مقتضى البيع، فيَفسُد الشرط، لكن البيع صحيح.(٣) أي: يقول المشتري للبائع: أشتري منك هذه السلعة بشرط ألا أخسر فيها إن بعتها.стр. 317
رَدَّه (١) وَنَحْوِ ذَلِك (٢) . الحواشي
(١) أي: متى راج واشتراه الناس وإلا رددتُه عليك.(٢) كشرط أن لا يقِفه، أو لا يبيعه، أو لا يهبه.
(تتمة) هل يجوز الإقدام على العقد بمثل هذه الشروط الفاسدة؟ فهل يجوز مثلاً أن يشتري شاة من شخص اشترط عليه أن لا يذبحها، فيجيبه إلى شرطه، ثم إذا تم العقد ذبحها؟ هذا جائز عند الحنابلة؛ للدليل الصريح الصحيح، وهو ما جاء في قصة بريرة ﵂ لما اشترط أهلها أن يبيعوها بشرط فاسد، وهو أن يكون الولاء لهم، فقال النبي ﷺ لعائشة ﵂: «اشتريها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق»، ثم قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط»، متفق عليه.
ومن أمثلة ذلك: من يبيع كتاباً أو برنامجاً ويشترط عدم نسخه، فللمشتري النسخ ولو وافق على الشرط عند العقد. وقد يناقِشُ في هذا مَنْ جعل نشرَ الحقوق الفكرية ملكاً خاصاً بصاحبها فقط، والحنابلة - مع قولهم بفساد الشرط في هذا النوع - يقولون: من فات غرضه بفساد الشرط ولو كان عالماً بفساده فله أن يفسخ. ويُشكل عليه أن هذه الشروط فاسدة، فكيف يرتبون عليها أحكاماً؟ ويرى شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين أن الشرط إن كان فيه غرض صحيح للمشترط، فهو صحيح ملزم.
ومما له علاقة بهذه الشروط الإيجار المنتهي بالتمليك: فالحنابلة - وهو قول الجمهور - يجعلون العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر لا يضمنها إلا إن تعدى أو فرّط. أما أصحاب الإيجار المنتهي بالتمليك فيشترطون كونَ التأمين - أي: الضمان - على المستأجر، فيأخذون منه مبلغاً مقابل هذا التأمين، وهنا يظهر الإشكال في هذا العقد، وهذا الشرط ملزم لا يمكن التخلص منه، فلو حصل حادث للسيارة فعلى المستأجر بالتأمين الذي دفعه سابقاً. فهل يجوز الإقدام على هذا العقد أو لا؟ يحتاج إلى تأمل.стр. 318
وإن شَرط الْبَرَاءَةَ من كل عيبٍ مَجْهُولٍ لم يبرأ (١) . الحواشي
(١) والمراد: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذه السلعة واشترط عليك أن تبرئني من كل عيب أجهله، فالمذهب: أنه لا يبرأ إن وجد المشتري بالسلعة عيبا، ولو كان حصول العيب بعد العقد وقبل التسليم، وحينها يكون للمشتري الفسخ بالعيب سواء كان العيب ظاهراً - ولم يعلمه المشتري - أو باطناً. وإن سمى البائعُ العيبَ للمشتري، أو أبرأه المشتري بعد العقد من العيب، أو من كل عيب، فإنه يبرأ ولو لم يوقفه على هذا العيب على ظاهر التنقيح والمنتهى والغاية، خلافاً للإقناع الذي اشترط - حتى يَبْرَأَ البائعُ من العيب - أن يوقف المشتريَ على العيب. (مخالفة)стр. 319
فصل (في الخيار) (١)
وَالْخيَار سَبْعَة أقسام:
خِيَارُ مجْلِسٍ (٢) ،
فالمتبايعان بِالْخِيَارِ الحواشي
(١) الخيار: اسم مصدر اختار يختار اختياراً، والمراد به في بيع وغيره: طلب خير الأمرين الفسخ أو الإمضاء. وقوله: سبعة أقسام: تابع فيه الإقناع، أما المنتهى فجعلها ثمانية، وذكر الماتنُ القسم الثامن آخر الفصل - وهو: خيار الخلف في الصفة - ولم يجعله قسماً مستقلاً، وأما صاحب الغاية فعَدَّ الأقسام تسعة.(٢) بكسر اللام، والمراد به: المكان الذي حصل فيه العقد. والأصل في هذا الخيار حديث ابن عمر ﵄: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً»، رواه الشيخان. فكلٌّ من المتبايعين له الخيار بين إمضاء العقد وفسخه. ويستثنى: ١ - ما لو تبايعا على ألا خيار، فلا يثبت لهما، ٢ - وكذا لو أسقطاه بعد البيع وقبل التفرق.
(تتمة) العقود التي يثبت فيها خيارُ المجلِس: يثبت في الإجارة، والبيع، وما في معنى البيع كالصلح والهبة على عوض، وكذا ما قبضُهُ شرطٌ لصحته كصرف وسَلَم وربوي بجنسه. ويستثنى: ما تولى فيه الإنسانُ طرفي العقد كأن يكون البائع هو المشتري - كما ذكره ابن النجار في المنتهى -، فلا يثبت له خيار المجلِس.стр. 320
مَا لم يَتَفَرَّقَا (١) بأبدانهما عرفاً (٢) .
وَخيَارُ شَرطٍ (٣) ، وَهُوَ أن يشترطاه أو أحدُهما مُدَّةً مَعْلُومَةً.
وَحَرُم حِيلَةً وَلم يَصح البيع (٤) ،
وينتقلُ الْمِلك فيهمَا الحواشي
(١) بشرط أن يتفرقا اختياراً لا كرهاً، فإن تفرقا كرهاً - لهما أو لأحدهما - أو خوفاً من سيل أو سبُع فهما على خيارهما حتى يتفرقا من مجلس زال فيه الإكراه والإلجاء.(٢) فيختلف التفرق في المذهب باختلاف موضع البيع، ومرجعه: العرف. فإذا كانوا في صحراء، فالتفرق بأن يمشي أحدهما مستدبراً لصاحبه خطوات، وإذا كانا في بيت حصل التفرق بانتقال أحدهما إلى غرفة غير التي وقع فيها العقد. ولا يشترط انصراف كلا العاقدين من مجلس العقد، فيكفي أن ينصرف أحدهما. ولا يجوز على المذهب أن ينصرف أحدهما خوفاً من أن يفسخ صاحبه؛ للحديث: «ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله»، رواه النسائي والترمذي وحسنه، إلا إنه إن فعل صار البيع لازماً. وأما فعل ابن عمر ﵄، فلعله لم يبلغه الحديث.(٣) خيار الشرط عبارة عن تمديد لمدة خيار المجلس الذي ينقطع بالتفرق من المجلس، فيمتد إلى ما يتفقان عليه. والأصل في هذا الخيار حديث: «المسلمون على شروطهم» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وليس له دليل خاص فيما أعلم، والله أعلم.(٤) وفي نسخة زيادة: (ليربح في قرض) فيشترط لصحة خيار الشرط أمران:
١ - أن تكون له مدة معلومة، وإن طالت.
٢ - ألا يكون حيلة ليربح في قرض، وإلا حرم ولم يصح العقد، وصورته: أن يبيعه بيتاً مثلاً بمئة ألف ويشترطا الخيار شهراً، ثم بعد الشهر يفسخان، فيعيد البائع - الذي هو مقترض في الحقيقة - الثمن للمشتري - وهو مقرض في الحقيقة -، ويعيد المشتري البيت - الذي كان سكنه مدة الخيار -، ويكون حينئذ قرضاً جر منفعة، فيحرم؛ فهذا بيعٌ في الصورة، وقرضٌ جر نفعاً في الحقيقة.следующие страницы →