Полный текст (758 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فَلَا، ويشتركان فِيهَا (١) .
وحصادٌ ولَقَاطٌ وجدادٌ على مُشْتَر (٢) ، وعَلى بَائِع سقيٌ وَلَو تضرر أصل (٣) . وَمَا تلِف سوى يسيرٍ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ الحواشي
(١) أي: في الزيادة. فالخشب مستثنى من بطلان البيع بالزيادة غير اليسيرة، وذلك إذا بيع بشرط القطع وتُرك حتى زاد فلا يبطل البيع بذلك، ويشتركان في الزيادة نصاً؛ فَيُقَوَّم الخشب يوم العقد ويوم القطع، ويشتركان في الزيادة التي بين القيمتين.(٢) ما لم يشترط المشتري ذلك على البائع. والحصاد: للزرع، واللَّقَاط: لما يلقط، والجداد والجذاذ: قطع الثمار.(٣) أي: لو اشترى ما بدا صلاحه لزم البائع - لأن «على» للوجوب - سقيُ الأشجارِ والنخيلِ - ولو لم تحتج إليه - حتى يأتي أوانُ أخذ الثمر ولو تضرر الشجر بذلك، قال البهوتي: (بخلاف شجر بيع وعليه ثمر لبائع، فلا يلزم مشترياً سقيه؛ لأن البائع لم يملكه من جهته، وإنما بقي ملكه عليه). (فرق فقهي)стр. 352
فعلى بَائِعٍ (١)
مَا لم يُبع مَعَ أصلٍ أو يُؤَخَّر أخذٌ عَن عَادَتِه (٢) . الحواشي
(١) هذه مسألة مشهورة، وهي: وضع الجوائح، والجائحة: آفة سماوية - من عند الله تعالى - تُتْلِفُ الثمارَ أو بعضها كالأمطار الشديدة والغبار. فالثمار التالفة بسبب الجوائح تكون من ضمان البائع - وهذا معنى وضع الجوائح - وإن كان المشتري قد قبضها بالتخلية وقبل الجداد؛ لأنه قبضٌ غير تام. والتخلية: أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، فلا يمنعه شيء من الوصول إليها وأخذها، والدليل على ذلك قوله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من ماله شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق»، رواه مسلم. وقوله: سوى يسير: أي: لا يبطل البيع بتلف يسير من الثمار بآفة سماوية، أما لو أخذ المشتري الثمرةَ ووضعها في الجرين ثم أصابتها جائحة، فالضمان عليه.
ولها ثلاث أحوال: الأولى: أن تتلف الثمار قبل القبض، فمن ضمان البائع، الثانية: أن تتلف بعد القبض - ويكون بالتخلية - وقبل الجداد، فمن ضمان البائع أيضاً، الثالثة: أن تتلف بعد القبض والجداد، فمن ضمان المشتري.(٢) هذه حالات يكون فيها الضمان على المشتري: ١ - أن تباع الثمار مع أصلها كأن يبيع الثمر مع الشجر، ٢ - أو يؤخر المشتري أخذ هذه الثمار عن عادته فتتلف بجائحة، ٣ - ذكر صاحب كشاف القناع حالة ثالثة - وقال: ولم أره منقولاً -: أن يباع الثمر الذي بدا صلاحه لمالك الأصل، فإن تلف بجائحة بعد ذلك فمن ضمان المشتري؛ لحصول التسليم التام.
(تتمة) وضع الجوائح في المذهب خاص بالثمار التي من الزروع أو من النخيل والأشجار فقط. أما الزروعُ التي تحصد كالبر، أو تجز كالبرسيم والنعناع، فهي من ضمان المشتري إذا تلفت بالجائحة على ما ذكر الشيخ منصور، وقد خالفه صاحب غاية المنتهى فجعلها من ضمان البائع كالثمار- وهو اختيار الشيخ السعدي كما في الفتاوى السعدية -، لكن الرحيباني تعقبه، وذكر أنه قول مرجوح. (خلاف المتأخرين)
(تتمة) إن تلف الثمر أو غيرُه بصنع آدمي خُيِّر مشتر بين فسخ أو إمضاء ومطالبة المتلِف بالبدل.стр. 353
وَصَلَاحُ بعضِ ثَمَرَةِ شَجَرَة صَلَاحٌ لجَمِيع نوعها الَّذِي فِي الْبُسْتَان (١) ،
فصلاحُ ثَمَرِ نخل أن يحمرَّ أو يصفرَّ (٢) ، وعنبٍ أن يتموه بِالْمَاءِ الحُلو (٣) ، الحواشي
(١) أي: لو صلُح بعض ثمر شجرة حُكم بصلاح كل الثمر الذي على الشجرة، وكذا جميع شجر البستان الذي من نوعها فقط، فيجوز إذن بيع النوع كله ولو لم يبد الصلاح في بعضه. أما لو باع شجرة بمفردها، فإنها تعتبر بنفسها، فإن بدا الصلاح فيها أو في بعضها جاز بيعها وإلا فلا. فإذا كان للبائع أنواع من التمر مثلاً كالخلاص والشيشي، فبدو الصلاح في بعض الخلاص يكون صلاحاً لنخل الخلاص فقط، لا غيره. (فرقان فقهيان فتأمل فيهما)
(تتمة) لو اشتد بعضُ حب، فالحكم فيه كالحكم في الثمار.(٢) كما ورد عن النبي ﷺ ، فإذا أصابته الحمرة أو الصفرة فهو صالح، ويجوز بيعه إذن.(٣) والمراد: أن يصفو لونه، ويظهر ماؤه، وتذهب مرارته.стр. 354
وَبَقِيَّةِ ثَمَرٍ بُدُوُّ نُضجٍ وَطيبُ أكل (١) .
ويَشْمَلُ بيعُ دَابَّةٍ عذارَها (٢) ومِقودَها (٣) ونَعْلَها (٤) ، وقنٍّ لِبَاسَه لغير جمال (٥) . الحواشي
(١) في بقية الثمار غير النخيل والعنب كالبرتقال، فإذا ظهر نضجها وطاب أكلها فقد بدا صلاحها وجاز بيعها.
(تنبيه) ما ذكره الماتن في صلاح الثمار هو الذي ذهب إليه صاحب الإقناع، وتابعه الغاية، ومشى عليه في الزاد والدليل. ومشى في المنتهى - تبعاً للتنقيح - على التقسيم التالي: ١ - إن كان الثمر يخرج دفعة واحدة، فالصلاح فيه طيب أكله وظهور نضجه سواء كان رُطباً أو عنباً أو غيرهما، ٢ - وإن كان يخرج دفعة بعد دفعة كقثاء، فصلاحه أن يصل لحد يؤكل فيه عادة، وهو المذهب، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
(تتمة) بدو الصلاح في الحب: أن يشتد أو يبيض. والمراد بالشدة: أن يصير صلباً بحيث لا ينضغط لو ضغط، أي: لا ينكسر.(٢) أي: اللجام، وهذا للفرس.(٣) وهو ما تقاد به الدابة غير الفرس.(٤) أي: الحذاء الذي يكون في قدميها ورجليها.(٥) أي: إذا بيع قن شمل البيعُ لباسَه الذي لغير جمال، أما ثياب الجمال فلا تدخل في البيع، والله أعلم.стр. 355
فصل (في السلم) (١)
وَيصِح السَّلَمُ بسبعة شُرُوط (٢) :
أن يكون فِيمَا يُمكن ضبطُ صِفَاتِه (٣) كمكيلٍ (٤) وَنَحْوِه (٥) . وَذكرُ الحواشي
(١) السَّلَم - بفتح السين واللام -: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد. والذمة: وصف يصير به المكلف أهلاً للإلزام والالتزام، قاله ابن النجار في شرح المنتهى. وصورة السلم: أن يعطي زيد لعمرو ألف ريال مثلاً على أن يسلم عمرو لزيد عشرة آصع من البر بعد سنة، وفي الحديث المتفق عليه: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جواز السلم.(٢) زائدة على شروط البيع.(٣) هذا (الشرط الأول) أن يكون المسلَم فيه مما يمكن ضبط صفاته.(٤) أي: ومن الأشياء التي يمكن ضبط صفاتها: المكيلات كالحبوب، والأدهان، والألبان.(٥) كالموزونات كالحديد والنحاس، والمذروع من ثياب وخيوط، والمعدود المتفق كالأواني المصنعة بالآلات في وقتنا الحاضر. وأما المعدود المختلف فلا يصح السلم فيه إلا في الحيوان منه خاصة؛ لأنه الذي يتأتى ضبطه، قاله في الإقناع وشرحه.стр. 356
جنسٍ وَنَوعٍ وكلِّ وصفٍ يخْتَلف بِهِ الثّمنُ غَالِباً، وحداثةٍ وَقِدَمٍ (١) . وَذكرُ قدره، وَلَا يَصح فِي مَكِيل وزناً وَعَكسُه (٢) . وَذكرُ أجلٍ مَعْلُومٍ كشهرٍ (٣) . وأن يُوجد غَالِباً فِي مَحِلِّه (٤) ،
فإن تعذر أو بعضُه صَبر، أو أخذ رأسَ مَاله (٥) . وَقبضُ الثّمن قبل الحواشي
(١) وهذا (الشرط الثاني)، فيذكر الأوصاف التي يختلف الثمن بوجودها وعدمها اختلافاً بيناً، فيذكر جنس المسلَم فيه كالتمر، ونوعه كالسكري، وهل هو قديم أو حديث.(٢) (الشرط الثالث) ذكر قَدر المسلَم فيه بمعياره الشرعي كـ: أسلمتُ لك ألف ريال في مائة صاع من الشعير، فإذا أسلم في مكيل لم يقدِّره إلا بالكيل، وكذا الموزون لا يقدره إلا بالوزن، وإلا لم يصح سلماً، وقد يصح غير سلم.(٣) (الشرط الرابع) ذكر أجلٍ معلومٍ له وقعٌ في الثمن - أي: تأثير في الثمن - عادةً كشهر أو نصفه، فلا يصح السلم إذا كان الأجل يوماً أو يومين إلا ما يستثنى من خبز ولحم يأخذ منه كل يوم جزءاً معلوماً، فيصح للحاجة.(٤) (الشرط الخامس) أن يوجد المسْلَمُ فيه غالباً في مَحِلِّه، أي: وقت حلوله وتسليمه. فيصح أن يُسلم في تمر شتاء يوفيه إياه في الصيف، ولا يصح في الشتاء، وسواء كان المسْلَمُ فيه موجوداً حال العقد أو معدوماً ..(٥) أي: إن لم يستطع المسلَم إليه الإتيانَ بالمسلم فيه أو بعضِه خُيِّر المسلِم - أي: المشتري - بين الفسخ وأخذ رأس ماله سواء فيما تعذر أو الكل، أو يصبر إلى أن يوجد المسلَم فيه.стр. 357
التَّفَرُّق (١) . وأن يُسلم فِي الذِّمَّة (٢) فَلَا يَصح في عينٍ (٣) وَلَا ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعينَةٍ (٤) .
وَيجب الْوَفَاءُ مَوضِعَ العقد (٥) إن لم يُشرط الحواشي
(١) (الشرط السادس) قبض كل الثمن المعلومِ الصفة والقَدر قبل التفرق؛ لئلا يكون بيع دين بدين.
(تتمة) يشترط في رأس مال السلم أن يكون معلوم القدر، بخلاف الثمن في البيع، فتكفي مشاهدته. (فرق فقهي)(٢) (الشرط السابع) أن يسلم في الذمة، والمراد: أن يكون المسلمُ فيه شيئاً غير معين كمائة صاع من بر غير حاضرة عندهما أثناء العقد ولا يشاهدانها ويعينانها، أو رطلين من حديد غير مُعَيَّنين، ونحو ذلك، فلا يصح أن يسلم في سلعة معينة كأن يسلم في بُرٍّ يشاهدانه على أن يعطيه إياه بعد سنة، قال في الكشاف: (فإن أسلم في عين كدار وشجرة نابتة لم يصح السلم؛ لأنه ربما تلف) أي: المعين (قبل أوان تسليمه) ولأن المعين يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه)، انتهى. فالسلم في الحقيقة بيعُ معدومٍ؛ لأنه غير موجود وقت العقد، ولذلك قال بعض الحنابلة: إنه على خلاف القياس، خلافاً لشيخ الإسلام وابن القيم.(٣) أي: في شيء معين حاضر، كما مثّلنا في البر.(٤) فلا يصح؛ لأنها قد لا تثمر.(٥) الأصل عدم وجوب ذكر مكان الوفاء إذا كان محل العقد محلَّ إقامة، ويكون التسليم في المكان الذي حصل فيه العقد. ويستثنى من ذلك: إذا تعذر التسليمُ مكانَ العقد، كأن يعقدا في طائرة أو صحراء أو بحر، فيشترط حينئذ ذكر مكان الوفاء.стр. 358
فِي غَيره (١) .
وَلَا يَصح بيعُ مُسلَمٍ فِيهِ قبل قَبضه (٢) وَلَا الْحوَالَةُ بِهِ (٣) وَلَا عَلَيْهِ (٤) ، وَلَا أخذُ رهنٍ وكفيلٍ بِهِ (٥) ، وَلَا أخذُ غَيره عَنهُ (٦) . الحواشي
(١) فإذا شرط الوفاء في غير مجلس العقد لزم المسلَمَ إليه تسليمُ السلعة فيه.(٢) أي: لا يصح من المسلِم - أي: المشتري - أن يبيع المسلمَ فيه قبل قبضه.(٣) أي: لو كان للمسلَم إليه دينٌ على أحد، فلا يصح أن يُحيل المسلِمَ على المدينِ ليأخذ حقه منه.(٤) أي: لو كان على المسلِم دينٌ من جنس المسلَم فيه لم يصح أن يحيل الدائن على المسلَم إليه ليأخذ منه المسلمَ فيه ويستوفي حقه منه.(٥) أي: لا يصح أخذ رهن بالمسلَم فيه، ولا أن يطلب المسلِم من المسلَم إليه كفيلاً، وتعليل هذه الأحكام كلها: منع صرف المسلم فيه إلى غيره، كأن يتصالحا عن التمر الذي أسلم فيه ببر أو نقد أو غير ذلك، وذلك للحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، رواه أبو داود وابن ماجه، وهو ضعيف.(٦) أي: لا يصح عند الحنابلة أخذ غير المسلم فيه عوضاً عنه.стр. 359
فصل في (القرض)
وكل مَا صَحَّ بَيْعه صَحَّ قرضُه (١) الحواشي
(١) فكل ما صح أن يجري فيه البيع يصح أن يُقرض. والقرض لغة - بفتح القاف، وحُكي كسرها -: القطع، وشرعاً: دفع مال إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد بدله. ويصح بلفظ: القرض، والسلف، وكل ما أدى معناهما. ولابد في انعقاده: من قبول المقترض، ولا يتم عقد القرض إلا بالقبول. وحكمه: مندوب في حق المقرِض، ومباح في حق المقترض، وأحياناً يستحب الاقتراض كما في الأضحية والعقيقة. وليس القرض من المسألة المكروهة، وقد مات الرسول ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي، رواه البخاري، فدل على أنه ﷺ كان يقترض.
ومتى يلزم القرض؟ لا يلزم القرض إلا بالقبض، فلا يكون لازماً في حق المقرض بمجرد القول.
(تتمة) قرض المنافع: كلام المصنف يشمل صحةَ قرضِ المنافع؛ لأنه قال: (كل ما صح بيعه صح قرضه)، فدخل فيه المنافع، وهو ما اختاره شيخ الإسلام، وقد أشار له الإقناع والغاية هنا، ومثاله: أن يعمل شخص عند آخر في مزرعته يوماً، ثم يعمل الثاني في مزرعة الأول في يوم آخر. والمذهب اشتراط كون الشيء المقترض عيناً، فلا يصح قرض المنافع، ففي عبارة المؤلف قصور إن لم تكن مخالفة للمذهب، وأصح منها عبارة المنتهى والإقناع: (ويصح في كل عين إلا بني آدم)، وصرح الإقناع - وتبعه الغاية - فقال: ولا يصح قرض المنافع. (مخالفة الماتن).стр. 360
الحواشي
(١) أي: الرقيق، فلا يصح قرضه مع أنه يصح بيعه.
(تتمة) شروط صحة القرض ستة: ١ - أن يكون المقرَض عيناً، ٢ - أن يصح بيعه، ٣ - أن يُعلم قَدره، بخلاف المبيع، (فرق فقهي) ٤ - أن يُعلم وصفه، ٥ - أن يكون المقرِض ممن يصح تبرعه، ٦ - أن يكون للمقترض ذمة تتحمل الديون، فلا يصح قرض الجهات كبيت المال والمدارس والمساجد؛ فلو أقرض مسجداً مبلغاً لبنائه مثلاً على أن يستوفي حقه من التبرعات المستقبلة لم يصح؛ لأنه لا تمكن مطالبته عند عدم الوفاء. والقول الثاني في المذهب: صحة قرض الجهات التي ليست لها ذمة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، وأمره أن يبتاع ظهراً إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق، رواه أبو داود، أي: أخذ البعير من المقرِض على أن يرد له بعيرين إذا أتت إبل الزكاة، ذكر ذلك الشيخ منصور في شرحه، وكأنه مال إليه.
(تتمة) تأجيل القرض: تأجيل القروض ليس بلازم على المذهب، بل يحرم تأجيله، والمراد يحرم الإلزام بتأجيله؛ لأنه إلزام بما لا يلزم قاله في الإقناع، ويثبت بدل القرض في ذمة المقترض حالاً ولو اتفقا على تأجيله؛ فلو قال المقرض للمدين: أقرضك هذا المال على أن تعطيني بدله بعد سنة، فله أن يطالبه به قبل ذلك؛ لأنه محسن، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة، ٩١]، والإلزام بالتأجيل مشقة وعنت عليه. وأما الدَّين غير القرض فيصح تأجيله، والدَّين يشمل القرض، وقيمة المتلف، وثمن المبيع وغير ذلك، فهو أعم من القرض، فمن اشترى سيارة على أن يدفع ثمنها بعد شهر لم يكن للبائع أن يطالبه به قبل ذلك.стр. 361
وَيجب ردُّ (١) مثلِ فلوسٍ (٢) ومكيلٍ وموزونٍ، فإن فُقِد فَقيمتُه يَوْمَ فَقدِه (٣) وَقِيمَةُ غَيرهَا يَوْمَ قَبضه (٤) . الحواشي
(١) يُملك الشيء المقرض بقبضه، فلا يلزم المقترض أن يرد عينه بل يثبت بدله في ذمته. وللمقرض مطالبة المقترض ببدله في الحال، لكن إن رد المقترض عينه فلا يخلو: ١ - إن كان القرض مثلياً، فيلزم المقرض قبوله - ولو تغير سعره كما في الإقناع - ما لم يتعيب، ٢ - وإن كان قيمياً، فلا يلزم المقرض قبوله، وله المطالبة بقيمة ما أقرضه، ولو رضي المقترض بالقيمي.(٢) الفلوس: كل معدن استخدم للبيع والشراء سوى النقدين، وفيها تفصيل: إن كان السلطان لم يحرم المعاملة بها فيجب رد مثلها غلت أو رخصت أو كسدت، وإن حرمها السلطان فيجب رد قيمتها. ووجوب رد مثلها إذا لم يحرم السلطان المعاملة بها من المسائل المشكلة في المذهب حيث حُكم هنا برد المثل في الفلوس. و (المثليّ) في المذهب هو: كل مكيل وموزون لا صناعة فيه مباحة ويجوز فيه السلم، والقيمي: هو ما عدا المثلي: فكل ما ليس مكيلاً ولا موزوناً فهو قيمي. والفلوس معدن موزون خرج بالصناعة من الوزن إلى العد، وقد تقدم في باب الربا أن الفلوس ليست ربوية؛ لأن الصناعة أخرجتها من الموزونات إلى المعدودات، فيختلف حكم الفلوس باختلاف الباب، وهذا إشكال في المذهب. وقوله: (رد مثل): فلا يجب رد عين المقرض، وإنما يثبت بدله في ذمة المقترض.(٣) وفي الإقناع: (وسواء زادت قيمة المثل عن وقت القرض أو نقصت)؛ فمن اقترض صاعاً من البر مثلاً وجب عليه رد مثله، فإن فُقد هذا المثل وجبت عليه قيمته يوم فقده.(٤) أي: غير الفلوس، وغير المكيلات والموزونات تُرد قيمتها يوم قبضها؛ فلو اقترض سيارة مثلاً لم يلزمه رد السيارة، بل قيمتها .. وقد تبع المؤلف هنا الإقناع، وتابعه صاحب الغاية - وقال: (خلافاً للمنتهى) -: في أنه لو كان القرض قيمياً، فالواجب رد قيمته يوم قبضه مطلقاً سواء كان جواهر أو غيرها. أما المنتهى فقد فصل في هذه المسألة: ١ - إن كان القرض مما يصح السلم فيه وينضبط بالصفة كالمعدود والمذروع، فترد قيمته يوم القرض، ٢ - وإن كان مما لا يصح السلم فيه لكونه لا ينضبط بالصفة كالجواهر ونحوها مما تختلف قيمته كثيراً في الزمن اليسير، فالواجب رد قيمته يوم قبضه.
وما ذهب إليه المنتهى هو المذهب؛ لأنه هو ما مشى عليه في التنقيح والإنصاف، وقال: (جزم به في المغني والشرح والكافي والفروع وغيرهم)، وقد صرف البهوتي كلام الإقناع إلى ما في المنتهى والتنقيح. (مخالفة الماتن)стр. 362
وَيحرم كلُّ شَرطٍ يجر نفعاً (١) ، وإن وَفَّاه أجودَ أو أهدى إليه هَدِيَّةً بعد وَفَاءٍ بِلَا شَرطٍ فَلَا بأس (٢) . الحواشي
(١) أي: كل شرط في القرض جر نفعاً فهو حرام ولا يصح، كأن يشترط المقرضُ على المقترض أن يسكنه داره مجاناً، أو بأرخص من العادة.(٢) فإذا رد أجود مما اقترض، أو أهدى إلى المقرض هدية بعد الوفاء جاز بشرطين: ١ - ألا يكون بشرط سابق من أحدهما بذلك ٢ - وبشرط ألا يكون هناك مواطأة؛ ومما يدل على الجواز قول النبي ﷺ : «خيار الناس أحسنهم قضاءً» رواه مسلم.
(تتمة) يجوز أن يدفع شخص جُعلاً لمن اقترض له بجاهه، قال في الإقناع وشرحه: ((ولو جعل) إنسان (له) أي: لآخر (جُعلاً على اقتراضه له بجاهه جاز)؛ لأنه في مقابلة ما يبذله من جاهه فقط).
وهل يجوز أن يؤدي عن غيره ديناً بجُعل؟
لا يخلو: أ- إن أعطاه مالاً ليؤديه عن دين عليه بمقابل، فهي وكالة، وتصح بجُعل، قال في الإقناع في الوكالة: (ويجوز التوكيل بجعل معلوم، وبغير جعل).
ب- وإن قال له: أدِّ عني ديني، فقال المقول له: لا إلا بزيادة، فالظاهر: التحريم؛ لأنه في الحقيقة قرض، فالمقول له أقرض القائلَ، ثم رد القائلُ هذا القرض بزيادة، فيكون قرضاً جرَّ منفعة، قال البهوتي في الكشاف: (إذا أخذ عوضاً في القرض، صار القرض جارًّا للمنفعة، فلم يجز). والضابط: من أدى عن غيره - بإذنه - ديناً بنية الرجوع فهو إقراض له، فلا يجوز أن يرجع بأكثر مما أدى. والله أعلم.стр. 363
فصل (في الرهن) (١)
وكل مَا جَازَ بَيْعه جَازَ رَهنه (٢) ، وَكَذَا ثَمَر وَزرع لم يبد الحواشي
(١) شرع المؤلف في عقود التوثيقات، وهي: الرهن والضمان والكفالة. والرهن لغة: الثبوت والدوام، وشرعاً: توثقة دين بعين يمكن أخذه أو بعضه منها أو من ثمنها إن تعذر الوفاء من غيرها، والرهن جائز بالإجماع.(٢) أي: كل ما جاز بيعه من الأعيان جاز رهنه، واستثنى بعضهم من ذلك: المصحف فلا يجوز رهنه، لكن لا حاجة إلى استثنائه؛ لأنه لا يجوز بيعه ولو لمسلِم.стр. 364
صلاحهما (١) وقن دون وَلَده وَنَحْوِهِ (٢) .
وَيلزم فِي حق رَاهن بِقَبضٍ (٣) . الحواشي
(١) فيجوز رهنهما - ولو بلا شرط قطع - مع أنه لا يجوز بيعهما، وهذا الاستثناء الأول. ولو رهن ثمراً مثلاً قبل بدو صلاحه ثم تعذر الوفاء ولم يبد صلاح الثمر بعد، فلا يجوز بيعه إلا في الصور الثلاث المتقدمة في باب بيع الأصول والثمار فقط، وإلا فحتى يبدو صلاحه.(٢) هذا الاستثناء الثاني، والقن: العبد الخالص العبودية، فلا يملك من نفسه شيئاً؛ فيصح رهن القن دون ولده، لكن لا يجوز بيع القن دون ولده أو الأخ دون أخيه.
(تتمة) شروط صحة الرهن: ١ - تنجيزه، فلا يصح معلقاً، ٢ - كونه مع الحق - أي: مع عقد البيع أو القرض ... - أو بعده، لا قبله، ٣ - كون الراهن ممن يصح بيعه وتبرعه، أي: جائز التصرف، ٤ - ملك الراهن للرهن ولو لمنافعه بإجارة أو إعارة بإذن مؤجر ومعير، ٥ - كون الرهن معلوماً جنسه وقدره وصفته، ٦ - كونه بدَين واجب أو بشيء مآله إلى الدين الواجب. والدين الواجب: هو الدين الذي يثبت في ذمة المدين بوجود سببه، ولا يسقط إلا بالإبراء أو القضاء كثمن المبيع، والقرض، وقيمة المتلفات.(٣) فعقد الرهن لازم في حق الراهن، وجائز في حق المرتهن، ولا يلزم بمجرد العقد بل بالقبض، أما قبله فهو صحيح لكنه غير لازم. ويحصل القبض في الرهن على ما تقدم في البيع، فإن كان مكيلاً فبكيله، وإن كان موزوناً فبوزنه، وهكذا.стр. 365
وَتصرفُ كلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ (١) بِغَيْر إذن الآخر (٢) بَاطِلٌ إلا عتقَ رَاهن (٣) وَتُؤْخَذ قِيمَتُه مِنْهُ رهناً (٤) .
وَهُوَ أمانةٌ فِي يَدِ مُرْتَهنٍ (٥) .
وإن رهن عِنْد اثْنَيْنِ فوفى أحدَهما (٦) ، أو رهناه فاستوفى من أحدِهما انْفَكَّ فِي نصِيبه (٧) .
وإذا حل الدّينُ وَامتنعْ (٨) من وَفَائِه فإن كَانَ أذن لمرتهنٍ (٩) فِي بَيْعه الحواشي
(١) أي: في العين المرهونة، وأما المنافع فتبقى معطلة، ولا يجوز الانتفاع بها ما لم يتفقا على شيء، كما في الروض المربع.(٢) فإن أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع فلا يخلو: ١ - إن كان بعوض فهو إجارة، ٢ - وإن كان بلا عوض فهو إعارة، ولا تكون العين فيهما رهناً.(٣) فيصح عتقه للعبد المرهون، لكنه يأثم.(٤) أي: تؤخذ قيمة العبد من الراهن، وتجعل رهناً مكانه.(٥) فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وسيأتي إن شاء الله ضابط الأمانة.(٦) أي: رهن رهناً واحداً عند اثنين، كما لو اقترض قرضين من شخصين ورهن عندهما سيارة واحدة للقرضين، فإن وفَّى لأحدهما انفك في نصيب من وُفي، فيكون نصف السيارة مرهوناً والنصف الآخر غير مرهون.(٧) أي: رهن اثنان شيئاً واحداً عند شخص، فإن استوفى المرتهن من أحدهما انفك في نصيبه.(٨) أي: المدين.(٩) أو لغيره.стр. 366
بَاعه وإلا (١) أُجبر على الْوَفَاءِ أو بَيْعِ الرَّهن (٢) ، فإن أبى حُبس أو عُزِّر (٣) ، فَإِن أصرَّ بَاعه حَاكمٌ ووفَى دينَه (٤) ، وغائبٌ كممتنعٍ (٥) .
وإن شَرط أَلَّا يُبَاع إذا حَلَّ الدّينُ أو إن جَاءَهُ بِحقِّهِ فِي وَقت كَذَا وإلا فالرهنُ لَهُ بِالدّينِ لم يَصح الشَّرْط (٦) . الحواشي
(١) أي: وإن لم يأذن في بيع الرهن، أو أذن ثم رجع.(٢) أي: يجبر القاضي المدينَ على وفاء دينه أو بيع الرهن ليقضي دينه من ثمنه.(٣) أي: فإن أبى الوفاء والبيع حُبس أو عزر، ولا يزاد في تعزيره على عشر جلدات في اليوم الواحد.(٤) ولا يخلو: ١ - فإن كان ثمن الرهن بقدر الدين أخذه الدائن كله، ٢ - وإن كان أقل منه بقي الناقص في ذمة المدين، ٣ - وإن كان أكثر أخذ المرتهن قدر دينه، ورد الباقي للراهن.(٥) أي: أن الغائب عن البلد الذي لا يستطيع الدائن أن يستوفي حقه منه حكمه حكم الممتنع، فيبيع الحاكم رهنه ويوفي دينه.(٦) تناول المؤلف هنا الشروط في الرهن: وقد ذكر شرطين لا يصحان - مع صحة عقد الرهن -: (الشرط الأول): إذا اشترط الراهنُ عدمَ بيعِ الرهن إذا حل الدين؛ فهذا شرط ينافي مقتضى الرهن، فلا يصح الشرط، والعقد صحيح، (الشرط الثاني): لو شرط أنه إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فيصير الرهن ملكاً للمرتهن، فلا يصح الشرط، والعقد صحيح؛ لأنه تعليق بيع على شرط مستقبل كقوله: بعتك إياه في المستقبل.стр. 367
ولمرتهنٍ أن يَركبَ مَا يُركب ويحلِبَ مَا يُحلب بِقدرِ نَفَقَتِه بِلَا إذنٍ (١) ،
وإن أنفق عَلَيْهِ بِلَا إذن رَاهن مَعَ إمكانه لم يرجع، وَإلا رجع بالأقل مِمَّا أنفقه وَنَفَقَةِ مثلِه إن نَوَاه (٢) .
ومُعارٌ ومُؤجَّرٌ ومودَعٌ كرهنٍ (٣) . الحواشي
(١) ويتحرى العدل في ذلك، والدليل حديث: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»، رواه البخاري. ومثال المركوب: الخيل، ومثال المحلوب: البقرة.
(تنبيه) إن كان سببُ الدين قرضاً، فلا يحل للمرتهن أن يركب أو يحلب مقابل نفقته؛ لأنه يكون قرضاً جر نفعاً، كما في حاشية النجدي على المنتهى أخذاً من عبارة المنتهى، قلت: وفيه نظر. الله أعلم.
(تتمة) السيارة لا تلحق بالمركوب ولو مع وضع الزيت والبنزين؛ لأنها لا تحتاج إلى نفقة، بخلاف الحيوان. (فرق فقهي)(٢) أي: إن أنفق المرتهن على الرهن بلا إذن الراهن وهو يقدر على استئذانه لم يرجع بما أنفق. وإن لم يقدر على استئذانه لغيبته أو نحو ذلك رجع بالأقل مما أنفقه ونفقة مثله، فإن كان الذي أنفقه على الرهن أقل من نفقة مثل الرهن رجع بما أنفقه، وإن كانت نفقة مثله أقل مما أنفقه رجع بنفقة مثله فقط. ويشترط للرجوع أيضاً: أن ينوي الرجوع، وإلا لم يكن له ذلك، فمن أراد أن يرجع على غيره بحق أداه عنه، فلا بد أن ينوي الرجوع.(٣) أي: الحيوان المعار والمؤجر والمودع كالرهن فيما تقدم، فإذا أنفق عليه المستعير أو المستأجر أو المودع فله أن يرجع على المعير، والمؤجر، والمودِع إن نوى الرجوع.стр. 368
وَلَو خَرِب فعَمَرَه رَجَعَ بآلته فَقَط (١) . الحواشي
(١) فلو رهنه داراً مثلاً فانهدمت وعمَّرَها - أي: أعاد بناءها - رجع بآلتها فقط. والآلة - كما في المطلع -: الأنقاض، ففي السابق كانوا إذا انهدم البيت استعملوا حجارته في بناء بيت آخر، أما الآن فلا يمكن إعادة استعمال مواد البناء، فإذا بنى المرتهن الدار بآلة من عنده بلا إذن صاحب الدار رجع بالآلة فقط، وإن بناه بآلة البيت القديمة لم يرجع بشيء.стр. 369
فصل (في الضمان (١) والكفالة والحوالة) الحواشي
(١) الضمان لغة: مشتق من الضم أو من التضمن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. وشرعاً: التزام من يصح تبرعه برضاه ما وجب على آخر مع بقائه - يعني: على المضمون عنه - أو ما سيجب. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(٧٢) ﴾ [يوسف، ٧٢]، يعني: ضمين، وفي الحديث: «الزعيم غارم»، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وحكى ابن المنذر وابن حزم الإجماعَ على جوازه. وصورته: أن يقول الضامن للدائن ونحوه: أضمن ما على فلان - وهذا فيما وجب في الماضي -، أو ما سيقترضه منك فلان - وهذا فيما سيجب في المستقبل -. ويصح بلفظ: ضمين وكفيل وقبيل ونحوها من كل ما يؤدي معنى التزامه ما على غيره.
(تتمة) شروط صحة الضمان: ١ - كون الضامن جائز التصرف، ٢ - كونه راضياً، ٣ - كون العين مضمونة على صاحب اليد، ٤ - ألا يشترط الضامن الخيار.
وهل يجوز الضمان بجُعل؟ المذهب: لا يجوز، قال في الإقناع وشرحه في باب القرض - وذكره البهوتي في شرح المنتهى في باب القرض أيضاً -: ((لا إن جعل له جُعلا على ضمانه له) فلا يجوز نص عليهما؛ لأنه ضامن، فيلزمه الدين، وإن أداه وجب له على المضمون عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضاً صار القرض جاراً للمنفعة، فلم يجز). وهل يعود هذا الشرط على عقد الضمان بالفساد، أم يُقال: يصح عقد الضمان دون الشرط؟ يحتاج لتحرير، والله أعلم.стр. 370
وَيصِح ضَمَانُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (١) مَا وَجب أو سيجب على غَيره، لَا الأماناتِ (٢)
بل التَّعَدِّي فِيهَا (٣) ، الحواشي
(١) هكذا عبر الماتن، وعبارة المنتهى والإقناع والغاية: (التزام من يصح تبرعه) قال البهوتي في شرح المنتهى: (وهو جائز التصرف فلا يصح من صغير ولا مجنون ولا سفيه ; لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح منهم كالشراء).(٢) كالوديعة والشركة والعين المؤجرة، فلا يصح ضمانها؛ لأن الذي قبضها لا يضمنها أصلاً، وهذا المستثنى الأول مما يصح ضمانه، وهو الأمانات.
(تتمة) معنى الأمين: يتكرر ذكر الأمين في كتاب البيع، فيحسن ذكر الضابط الذي أورده الموفق وصاحب الشرح الكبير وابن النجار والبهوتي في كشاف القناع وشرح المنتهى، وضابط الأمين: كل من قبض عيناً بإذن ربها ولا يختص بنفعها، والعين التي لا يختص الإنسان بنفعها قسمان: ١ - ما يختص المالك بنفعها كالوديعة، ٢ - ما ينتفع بها المالك والقابض، كالعين المستأجرة ينتفع المستأجر باستعمالها والمؤجر بأجرتها. ومفهوم هذا الضابط: أن من قبض عيناً واختص بنفعها، فإنه يكون ضامناً لها مطلقاً فرط أو لم يفرط كالعارية، خلافاً لما ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين ﵀ من أن العارية غير مضمونة ما لم يفرط المستعير أو يتعد.(٣) الأصل أن الأمانات لا تضمن؛ لأنها غير مضمونة على من هي بيده، فضامنه من باب أولى؛ لكن يصح أن يُضمن الأمينُ في حال تعديه أو تفريطه، فلا يصح الضمان إن توجه إلى نفس الأمانة، لكن يصح أن يتوجه إلى التعدي أو التفريط فيها.стр. 371
وَلَا جِزْيَةٍ (١) ، وَشُرط رِضَى ضَامِنٍ فَقَط (٢) ، ولربِّ حقٍّ مُطَالبَةُ من شَاءَ مِنْهُمَا (٣) .
وَتَصِح الكفَالَةُ (٤) ببدن مَن عَلَيْهِ حقٌّ مَالِيٌّ، وَبِكُل عين يَصح ضَمَانُهَا (٥) . الحواشي
(١) هذا المستثنى الثاني مما يصح ضمانه وهو الجزية، فلا يصح ضمانها عن أهل الكتاب؛ لتفويت المقصود من الصغار والذلة، فلا بد أن يؤديها من هي عليه بنفسه.(٢) وقد تقدم، ولا يشترط رضا المضمون عنه ولا المضمون له، وللضامن أن يرجع على المضمون عنه بما دفعه إن نوى الرجوع.(٣) أي: الضامن أو المضمون عنه، وله مطالبتهما معاً ولو كان المضمون باذلاً، وسواء كان ذلك في الحياة أو الموت، قال في الغاية: (وتؤخذ من تركته). أما ابن القيم ﵀ فيرى أنه لا يطالب الضامن إلا عند عدم وفاء المضمون عنه.(٤) من عارية أو دين أو غيرهما. والكفالة: مصدر كفل بمعنى: التزم، وهي شرعاً: أن يلتزم رشيد بإحضار بدن من عليه حق مالي؛ فالضمان يتوجه إلى الدين، أما الكفالة فهي الالتزام بإحضار بدن الشخص المكفول إلى مجلس الحكم.(٥) أي: الأعيان التي تكون تحت مَنْ يدُهُ يدُ ضمانٍ كالعارية والمغصوب. واختلف الحنابلة هل الكفالة تتوجه إلى بدن من عنده العين أو إلى نفس العين؟ أي: هل الكفيل مأمور بإحضار بدن من عنده العين - وهو قول المنتهى، ومثله الغاية -، أو إحضار نفس العين - وهو قول الإقناع والتنقيح -؟ وعبارة الماتن هنا هي عبارة الإقناع والتنقيح، فليحرر المذهب في هذه المسألة. (مخالفة الماتن)стр. 372
وَشُرط رِضَى كَفِيلٍ فَقَط (١) ، فَإِن مَاتَ أو تلفت العين بِفعل الله تَعَالَى قبل طلبٍ برئ (٢) .
وَتجوز الحوَالَةُ (٣) على دينٍ مُسْتَقرٍّ (٤) إن اتّفق الدينان جِنْسًا ووقتًا الحواشي
(١) أي: من شروط صحتها: رضا الكفيل.(٢) يبرأ الكفيلُ في حالات: ١ - إذا مات المكفول، ٢ - وإذا تلفت العين المضمونة بفعل الله تعالى قبل الطلب لا بعده.٣ - تسليم المكفول.
(تتمة) إذا تعذر على الكفيل إحضار المكفول الذي عليه حق مالي، فإنه يجب عليه أن يوفي الدين عنه إلا إذا اشترط الكفيل خلاف ذلك في أول الكفالة، فلا يضمن ما على المكفول.(٣) الحوالة: مشتقة من التحول، وهي شرعاً: انتقال حق من ذمة إلى ذمة أخرى. والأصل فيها حديث: «وإذا أتبع أحدكم على مليٍّ فَلْيتَّبِع»، متفق عليه. وصورتها: أن يكون لزيد دين على محمد ويكون على زيد دين لعمر، فيُحيل زيدٌ عمرَ على محمد ليأخذ منه قدر دينه، وتصح الحوالة: ((بلفظها) أي الحوالة، كأحلتك بدينك، (أو بمعناها الخاص) بها، كأتبعتك بدينك على زيد، ونحوه) انتهى من المنتهى وشرحه.(٤) شروط صحة الحوالة خمسة: (الشرط الأول) أن يكون الدين المحال عليه مستقرًّا. والدين المستقر - وهو الدين الواجب -: هو الدين الذي يثبت في الذمة بمجرد وجود سببه، ولا يسقط إلا بالإبراء أو الأداء كثمن المبيع وقيمة المتلف. أما الديون غير المستقرة كالمسلَم فيه، والأجرةِ قبل مضي مدة الإجارة، والصداق قبل الدخول - لأن نصفه عرضة للسقوط بالطلاق - فلا تصح الحوالة عليها. ولا يشترط استقرار الدين المحال به، فتصح الحوالة بدين غير مستقر على دين مستقر.стр. 373
ووصفًا وَقدرًا (١) ، وَتَصِح بِخَمْسَةٍ على خَمْسَةٍ من عشرَةٍ (٢) وَعَكسُه (٣) .
وَيعْتَبرُ رِضَا محيلٍ ومحتال على غيرِ مَلِيءٍ (٤) . الحواشي
(١) (الشرط الثاني) اتفاق الدينين جنسًا - كالدنانير مع الدنانير -، ووقتاً - أي: إلى أجل واحد -، ووصفاً، وقدراً - كألف مع ألف -.(٢) كأن يكون على شخص خمسة ريالات، ويكون له عشرة ريالات عند شخص آخر، فيصح أن يحيل بهذه الخمسة على الذي عنده عشرة فيأخذ منها ما يقابل دينه، وهو خمسة ريالات.(٣) أي: يحيل بخمسة من عشرة على خمسة.(٤) وهذا (الشرط الثالث): فيشترط رضا المحيل مطلقاً، ويشترط رضا المحتال أيضاً إذا أحيل على غير مليء، أما إن أحيل على مليء فلا يشترط رضاه؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع»، متفق عليه، فيجب عليه أن يتحول. والمليء: هو القادر بماله وقوله وبدنه، أما القدرة بالمال: فبأن يكون له القدرة على الوفاء، وأما بالقول: فبأن لا يكون مماطلاً، وأما بالبدن: فبأن يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم، فلا يحال شخص على والده؛ لأنه لا يجوز للولد أن يحضر أباه إلى مجلس القضاء لمطالبته بالدين.
(تتمة) إن أُحيل على مَنْ ظنه مليئاً أو جهله فبان مفلساً، فلا يخلو: ١ - إن كان اشترط الملاءة في المحال عليه صح شرطه ويرجع على المحيل، ٢ - وإن لم يشترط الملاءة لكنه لم يرض بالحوالة ابتداءً فله الرجوع أيضاً، ٣ - فإن لم يشترط الملاءة ورضي بالحوالة ابتداء على من ظنه مليئاً، أو جهله فبان مفلساً، فليس له الرجوع.
(تتمة) (الشرط الرابع) علم قدر كل من الدَّينَين: المحال به والمحال عليه. و (الشرط الخامس) كون الدين المحال عليه يصح السلم فيه من مثليٍّ وغيره كمكيل ومعدود بشرط كونهما ينضبطان بالصفة.
ومتى توفرت الشروط انتقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.стр. 374
فصل (في الصلح) (١)
وَالصُّلْحُ فِي الأموال قِسْمَانِ:
أحدُهُما: على الإقرار (٢) . الحواشي
(١) الصلح لغة: التوفيق والسِّلم، وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين. والصلح جائز بالكتاب والسنة والإجماع، فالدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء، ١٢٨]، ومن السنة، قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً»، رواه أبو داود والترمذي، وحكي الإجماع على جواز الصلح. وأنواع الصلح كثيرة، لكن المؤلف اقتصر على الصلح في الأموال، وهو المقصود بباب الصلح في كتب الفقه.(٢) وصورته: أن يدعي شخص على آخر ديناً أو عيناً في يده كقطعة أرض، فيقر المدعى عليه، ثم يتصالحان على جزء من الدين، أو جزء من العين لأحدهما والباقي للآخر.стр. 375
وَهُوَ نَوْعَانِ: الصُّلْحُ على جنس الحقِّ (١) مثلُ أن يُقِر لَهُ بدين (٢) أو عين فَيَضَعَ (٣) أو يهبَ لَهُ البَعْض (٤) وَيَأْخُذَ الْبَاقِي (٥) ، فَيصحُ مِمَّن يَصح تبرعُه (٦) بِغَيْر لفظ صلحٍ (٧) الحواشي
(١) كأن يدعي عليه ألف ريال، فيصالحه على ثمان مئة ريال مثلاً يدفعها المدعى عليه للمدعي، أو يدعي عليه أرضاً مساحتها ألف متر مربع، فيصالحه على ثمان مئة متر مربع مثلاً.(٢) أي: بدين معلوم كألف ريال.(٣) أي: أو يضع المقَرُّ له عن المقِّرِّ بعضَ الدين، فلا يطالبه إلا ببعض الدين الذي أقر له به.(٤) أي: أو يهب المقرُّ له للمقِرِّ بعضَ العين، فلا يطالبه إلا بنصف الأرض التي أقر بها مثلاً.(٥) استعمل الماتن أسلوب اللف والنشر، وتقدير كلامه: أن يقر المدعى عليه للمدعي بدين أو عين، فيضع المُقَرُّ له بعضَ الدين، أو يهب المُقَرُّ له للمُقِرِّ بعضَ العين المقر بها، ويأخذ المُقَرُّ له الباقي؛ فيكون الوضع للدَّين، والهبة للعين.(٦) شروط هذا النوع من الصلح على الإقرار ثلاثة: (الشرط الأول) أن يكون الصلح ممن يصح تبرعه، وهو: العاقل البالغ الحر الرشيد المالك لما يصالح به أو عنه، وهو شرط في المقِر والمقَر له.(٧) (الشرط الثاني) أن لا يكون بلفظ الصلح، بل يقول له مثلاً: وهبتك بعض العين، ويعلل الحنابلة هذا: بأنه لا يجوز أن يصالح الإنسان نفسه، أي: بما هو حق له.стр. 376
بِلَا شَرط (١) .
الثَّانِي: على غير جنسه (٢) فإن كَانَ بأثمانٍ عَن أثمانٍ فصرفٌ (٣) ، وبعرْض عَن نقد (٤) ، وَعَكسُه فَبيعٌ (٥) . الحواشي
(١) (الشرط الثالث) أن يكون الصلح بلا شرط من المُقَرِّ له المدعي، فلا يصح أن يقول له: تقر لي بديني وأعطيك مئة ريال مثلاً؛ لأنها هبة معلقة على شرط مستقبل فلم تصح كالبيع .. ويشترط أيضاً: ألا يكون بشرط من المقِر المدعى عليه بأن يقول للمدعِي: لا أقر لك بحقك إلا إذا أعفيتني منه قدر النصف؛ لأنه حينئذ من أكل أموال الناس بالباطل.(٢) أي: على غير جنس المدعى به، كأن يدعي على شخص ألف ريال فيقر، ويعرض المدعى عليه على المدعي أن يعطيه بدل ذلك سيارة أو منفعة داره سنة، ومثله لو أقر له بسيارة ثم صالحه عنها بأرض مثلاً.(٣) أي: إن كان الصلح بين المدعي والمدعى عليه بأثمان عن أثمان مدعى بها فهو صرف، كأن يدعي زيد على عمرو عشرة دنانير، فيقر بها عمرو، ثم يصالحه على أن يعطيه بدلها مئة درهم، فهو صرف، تترتب عليه أحكامه.(٤) كأن يدعي عليه مئة ألف ريال، فيقر ثم يصالحه عنها بعَرض كسيارة، فيصح، وهو بيع، فيعتبر له ما يعتبر للبيع.(٥) كأن يدعي عليه عرضاً ككتاب، فيقر، ثم يصالحه عنه بثلاثين ريالاً، فيصح وهو بيع كالسابق.
(تتمة) بقي ما لو كان الصلح بمنفعة عن نقد، فهو إجارة.стр. 377
القسم الثَّانِي: على الإنكار (١) ، بِأَن يَدعِيَ عَلَيْهِ فينكرَ أو يسكتَ (٢) ثمَّ يصالحُه (٣) فَيصحُّ، وَيكونُ إبراءً فِي حَقه (٤) ، وبيعاً فِي حق مُدَّع (٥) .
وَمن علِم كذِبَ نَفسِه فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقه (٦) . الحواشي
(١) الصلحُ على الإنكارِ يشبه الصلحَ على الإقرارِ إلا أن المدعَى عليه يُنْكِر ما يدعيه خصمُه أو يسكت، لكنه يصالحه إبراءً لذمته، وتنزهاً عن مجالس القضاء.(٢) فلا يتلفظ بإقرار ولا إنكار حال كونه يجهل ما ادُّعي به عليه.(٣) بجنس ما يدعيه أو غير جنسه.(٤) أي: المدعى عليه؛ لكونه دفع العوضَ لدفع الخصومةِ عن نفسِهِ، لا في مقابلةِ حق ثبت عليه.(٥) ويترتب على ذلك مسائل كثيرة نكتفي منها بواحدة، وهي: الرد بالعيب، ومثال ذلك: أن يدعي زيدٌ على عمرو سيارةً، فينكر عمرو أن السيارة لزيد، أو يسكت، ثم يصالحه على أن يعطيه خمسين ألف ريال مثلاً، فإذا وجد عمرو بعد ذلك عيباً في السيارة لم يكن له أن يردها به؛ لأن الصلح في حقه إبراء لا بيع، ولو وجد زيدٌ المالَ الذي أخذه معيباً فله رده؛ لأن الصلح في حقه بيع.(٦) والمراد: عند الله ، لكنه صحيح في الظاهر؛ فيشترط لصحة الصلح على الإنكار أن يعتقد كل من المدعي والمدعى عليه صدق نفسه.
(تتمة) الصلح عن دين مجهول بشيء معلوم: يصح - في المذهب - الصلح عن دين مجهول بمعلوم نقدا أو نسيئة، كمن بينهما معاملة أو حساب، ومضى عليه زمن طويل، ولا علم لكل منهما بما عليه لصاحبه، أو كان الجهلُ ممن هو عليه فقط، وسواء تعذر علمُ المجهول - وهذا بالاتفاق بين المنتهى والإقناع - أو لم يتعذر علم المجهول على ما في المنتهى والغاية كالتنقيح، وخالف في هذا الإقناع، فلم يصحح الصلح على الدين المجهول الذي لا يتعذر علمه؛ لعدم الحاجة. (مخالفة)
(تتمة): ما يصح الصلح فيه وما لا يصح: وَضَعَ الإقناعُ ضابطاً لذلك فقال: (ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا)، ومما يجوز أخذ العوض فيه القود ولو بأكثر من الدية، وسكنى دار، وعيب مبيع. وأما ما لا يجوز أخذ العوض عنه فلا يصح الصلح فيه: كالصلح عن خيار أو شفعة أو حد قذف، وتسقط جميعها بالصلح.стр. 378
فصل (في أحكام الجوار) (١)
وإذا حصل فِي أرضه أو جِدَاره أو هوائه غُصْنُ شَجَرَةِ غَيرِه (٢) أو الحواشي
(١) سيذكر المؤلف هنا أحكامَ الجوار، وهي مناسِبةٌ لباب الصلح؛ لأن النزاع قد يحصل بين الجيران، فيلجؤون إلى الصلح. وجيران الشخص على المذهب أربعون داراً من كل جهة نصا، وهذا قد يكون مشكلاً في عصرنا، وتظهر فائدة هذا الضابط فيما لو أوصى لجيرانه بشيء، أو أوقف عليهم شيئاً.(٢) أي: حصل غصن شجرة الجار في أرض جاره أو جداره أو هوائه.стр. 379
غرفتُهُ (١) لزم إزالتُه (٢) ، وَضمن مَا تلف بِهِ بعد طلبٍ (٣) ، فَإِن أبى لم يُجْبر فِي الغُصْن ولواه (٤) ،
فَإِن لم يُمكن فَلهُ قطعه الحواشي
(١) أي: بنى الجارُ غرفةً تدخل في هواء جاره، فتقدير الكلام: أو حصلت غرفتُه في أرضه أو ... بعطف الغرفة على الغصن، وعلى هذا مشى صاحب كشف المخدرات حيث قال: ((أو غرفته) أي: غرفة غيره)، والمراد: إذا حصلت غرفة شخص في أرض غيره أو هوائه.
(تنبيه) حكم الغرفة في هذا الموضع غير مذكور في الإقناع والمنتهى والغاية، ولا في الشروح، ولم أره إلا عند الماتن هنا في أخصر المختصرات وأصلِه: (كافي المبتدي). قال شارحه: (والغرفة: العُلِّية)، وهي بضم العين وتشديد اللام المكسورة، والحنابلة يذكرون عادة الغصن والعروق، لكن الحكم المذكور صحيح، فمن بنى غرفة في هواء غيره لزمه إزالتها.(٢) أي: لزم رب الغصن أو الغرفة إزالتهما، وذلك أن من ملك أرضاً ملك ما تحتها إلى الأرض السابعة، وملك أيضاً ما فوقها من هواء إلى السماء الدنيا.(٣) فيضمن رب الغصن أو الغرفة ما تلف بسبب ذلك، وإنما يضمن إذا طلب جارُهُ منه إزالته، لا قبل طلبه.(٤) الظاهر أن الذي يلويه هو مالك الهواء، كما هو في الروض المربع وكذا الإقناع، وإن كان صاحب كشف المخدرات: ذكر أن الذي يلويه هو ربُّ الغصن، ومثل الغصن هنا: العروق.
(تنبيه) يظهر نوع تعارض بين إلزام صاحب الغصن بإزالته وعدم إجباره على ذلك، وذكر البعض أن صاحب الغصن لا يجبر على إزالته؛ لأنه حصل بغير فعله، بخلاف صاحب الغرفة، فإنه يجبر على إزالتها؛ لحصولها بفعله.стр. 380
بِلَا حكم (١) .
وَيجوز فتحُ بَابٍ لاستطراقٍ (٢) فِي دربٍ نَافِذٍ (٣) ، لَا إخراجُ جنَاحٍ (٤) وساباطٍ (٥) وميزاب (٦)
إلا بِإِذن إمامٍ مَعَ أمن الضَّرَر (٧) ، وَفعلُ ذَلِك فِي ملكِ الحواشي
(١) أي: فإن لم يمكنه أن يلويه بأن كان الغصن كبيراً مثلاً، فلرب الهواء قطعه - وكذا حكم العروق -، ولا يشترط لذلك أن يلجأ إلى الحاكم، ولا ضمان عليه.(٢) أي: يجوز أن يفتح فتحة في الدار من أي جهة شاء لتتخذ طريقاً للدخول والخروج.(٣) الدرب نوعان: ١ - الدرب النافذ - ويسمى شارعاً - هو الدرب المفتوح من جميع الجهات بحيث يدخل الشخص من جهة ويخرج من أخرى، ويسلكه كل الناس. ٢ - والدرب غير النافذ هو درب مفتوح من جهة ومغلق من جهة أخرى، فيسمى درباً لا شارعاً، ولا يسلكه إلا أصحاب البيوت الذين في هذا الدرب؛ لكونه لا يوصل إلا لها.(٤) أي: رَوْشن، وهو عبارة عن أطراف الأخشاب الممتدة خارج جدار البيت وأصولها في جدار البيت يُستظل بها كالعتبة على الباب، ومثل الجناح في الحُكمِ المظلاتُ التي يضعها بعض الناس ليحصل الظل لسياراتهم.(٥) وهو السقف بين حائطين أو بيتين، فيمشي المار في سكة مغطاة من فوق.(٦) وهو الذي تصرف من خلاله مياه الأمطار، وهو حالياً ممنوع، فلا بد من تصريف المياه إلى المجاري مباشرة ..(٧) فلا يجوز إخراج جناح ولا ميزاب ولا ساباط إلا بشرطين: ١ - إذْن الإمام أو نائبه، ٢ - وأمن الضرر، قال في الإقناع وشرحه: ((وانتفاء الضرر في الساباط) والجناح والميزاب (بحيث يمكن عبور محمل ونحوه تحته) أي: الساباط (قال الشيخ: والساباط الذي يضر بالمارة مثل أن يحتاج الراكب أن يحني رأسه إذا مر هناك) أي: تحته (وإن غفل) الراكب (عن نفسه رمى) الساباط (عمامته أو شج) الساباط (رأسه، ولا يمكن أن يمر هناك) أي: تحته (جمل عال إلا كسر) الساباط (قتبه، والجمل المحمل لا يمر هناك) أي: تحته (فمثل هذا الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين، بل يجب على صاحبه) أي: الساباط (إزالته، فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته، حتى يزول الضرر .. الخ كلامه). فمن وضع مظلة عند بيته وضيَّق على السيارات لم يجز له ذلك ولو أذن له الإمام أو نائبه - أي: الأمانة، أو البلدية الآن -؛ لحصول الضرر على المارة.стр. 381
جَار ودربٍ مُشْتَركٍ حرام بِلَا إذنِ مُسْتَحقٍّ (١) ،
وَكَذَا وضعُ خشب (٢) إلا ألا يُمكن تسقيف إلا بِهِ (٣) ، الحواشي
(١) أي: إخراج الجناح والساباط والميزاب في ملك الجار محرَّم إلا إن أذن له الجار، وكذا يجب أن يستأذن من يريد إخراج تلك الأشياء في الدرب المشترك أهلَ ذلك الدرب، وإلا حرم.(٢) أي: يحرم وضع الخشب على جدار مشترك أو جدار الجار، والمراد: الوضع الدائم بأن لا يرفعه أبداً بحيث يضعه ويضع عليه الخرسانة.(٣) فيرتفع التحريم بشرطين: (الشرط الأول) ألا يمكنه أن يجعل سقفاً على بيته إلا بوضع الخشب على الجدار المشترك أو جدار الجار، وهذا في السابق طبعاً، فيحرم على الشريك والجار أن يمنعه؛ لنهيه ﷺ أن يمنع الجار جاره من أن يغرز خشبة في جداره متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 382
وَلَا ضَرَرَ (١) ، فَيجْبرُ (٢) .
وَمَسْجِدٌ كدارٍ (٣) .
وإن طلب شريكٌ فِي حَائِط (٤) أو سقفٍ انْهَدمَ (٥) شَرِيكَه للْبِنَاء مَعَه أجبر (٦) كنقضٍ خوفَ سُقُوطٍ (٧) ، وإن بناه بنيةِ الرُّجُوعِ رَجَعَ (٨) .
وَكَذَا نهرٌ وَنَحْوُه (٩) . الحواشي
(١) (الشرط الثاني) أن لا يحصل بذلك ضرر على الجدار المشترك أو جدار الجار، وإلا حرم.(٢) أي: رب الجدار.(٣) أي: يجوز وضع الخشب على جدار المسجد بالشرطين السابقين.(٤) كأن يكون هناك جدار يفصل بين مزرعتين اشترك فيه صاحبا المزرعتين، فينهدم ذلك الجدار.(٥) كأن يسكن شخص في دار ويسكن آخر فوقه، فينهدم السقف الذي بينهما، فيشتركان في إصلاحه.(٦) أي: أجبر الآخر على ذلك.(٧) أي: كذلك لو لم ينهدم الجدار أو السقف، لكن خشي سقوطه فطلب أحد الشريكين أن يصلحه شريكه معه، فإنه يجبر على ذلك.(٨) أي: إن بنى الأول الجدار المنهدم أو الذي يوشك على السقوط بنية الرجوع على شريكه، فله الرجوع عليه بما أنفقه.(٩) فلو احتاج النهر إلى تنظيف، وجب على كل من يستفيد منه المشاركة في تنظيفه. وكذا لو اشترك اثنان في عين واحتيج إلى آلات لإخراج الماء من باطن الأرض، فإنه يجب عليهما الاشتراك في شرائها وإصلاح ما انكسر منها. وأيضاً لو ورث أشخاص عمارة أو بيتاً ثم احتاج إلى عمارة، وجب على كل واحد منهم المشاركة بقدر ميراثه، وهذه قاعدة مهمة جداً ينبغي ضبطها.стр. 383
الحواشي
(١) الحَجْرُ لغة: التضييق والمنع، وشرعاً: منعُ المالك من التصرف في ماله، أو في ماله وذمته. والحجر قسمان: ١ - الحجر لحظ الغير، وهو المراد بالمنع من التصرف في المال - في التعريف السابق - كالحجر على المفلس، ٢ - والحجر لحظ النفس، وهو الحجر على الصغير والمجنون والسفيه، وهو المراد بالمنع من التصرف في المال والذمة. والأصل في الحجر قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء، ٥]، والمقصود: أموالهم، وإنما أضيف إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مديرون لها، ومن السنة حديث كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ بن جبل ﵁ مالَه، وباعه في دين كان عليه، رواه الدارقطني والحاكم وصححه الذهبي، ورواه أبو داود مرسلاً.
(تتمة) متى يجب على المدين أن يؤدي دينه؟ لا يجب على المدين أن يؤدي الدين الذي عليه إلا بطلب الدائن، فلا يترخص من سافر قبل الوفاء وبعد الطلب، وهذا باتفاق بين التنقيح والمنتهى والإقناع والغاية، وفي الحديث: «مطل الغني ظلم»، متفق عليه، وإنما يكون مطلاً بعد المطالبة. وزاد الإقناعُ حالةً أخرى يجب فيها الأداء، وهي: إن حَلَّ الدينُ المؤجل ولو لم يطالب به الدائن، وظاهر المنتهى والتنقيح خلافه - وهو المذهب -، وإن كان الحجاوي تعقب المنقح في اقتصاره على الحالة الأولى والتي هي الطلب فقط، وصرح الغاية بالمخالفة فقال: (بطلب ربه، فلا يجب بدونه ولو عُيِّن وقت وفاء، خلافاً له). (مخالفة)
(تتمة) المدِينون ثلاثة: ١ - الغني: وهو من ماله بقدر دينه أو أكثر منه، ٢ - والمفلس - وهو المراد غالباً في باب الحجر -: وهو مَنْ دينُهُ أكثرُ من ماله، وله أحكام أربعة سيأتي ذكرها، ٣ - والمعسر: وهو من لا مال له، فتحرم مطالبته لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة، ٢٨٠]، ويحرم أيضاً حبسه، والحجر عليه.
(تتمة) أجرة المحامي: لو تحمل الدائن تكلفة لأخذ ماله من المدين - كأن يوكل محامياً -، فإن التكلفة تكون على المدين، هذا هو المذهب والمعمول به الآن نظاماً.стр. 384
وَمن مَالُه لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ حَالًّا وَجب الحجرُ عَلَيْهِ بِطَلَبِ بعضِ غُرَمَائِه (١) .
وَسنَّ إظهارُه (٢) ، وَلَا ينفذ تصرفُه فِي مَالِه بعد الحجرِ (٣) وَلَا إقرارُه الحواشي
(١) فالمفلس الذي لا يفي مالُه بالديون الحالة التي عليه يحجر عليه الحاكم بطلب غرمائه أو بعضهم ويمنعه من التصرف في ماله. أما ديونه المؤجلة فلا يطالب بها.(٢) أي: الحجر على المفلس، وذلك ليحذر الناس من التعامل معه.(٣) المفلس له أربعة أحكام: (الحكم الأول) تعلق حق الغرماء بماله، أي: ارتباط حق الغرماء بالأموال الموجودة عنده والحادثة بنحو إرث، فلا ينفذ ولا يصح تصرفه في ماله ببيع أو شراء بعد الحجر. ويستثنى لو تصرف بوصية، فتصح؛ لأنه لا تأثير لذلك إلا بعد الموت وخروجها من الثُّلث. ومفهوم ذلك - وهو المذهب -: صحة تصرفه قبل أن يُصدر القاضي حكماً بالحجر عليه، أما شيخ الإسلام فيرى عدم جواز وعدم نفوذ تصرفه في ماله ولو لم يحجر عليه.
(تنبيه) المراد بالتصرف الذي لا ينفذ: التصرف المستأنف كالبيع والهبة والإصداق، أما التصرف غير المستأنف كالفسخ لعيب فيما اشتراه قبل الحجر أو الإمضاء، أو الفسخ فيما اشتراه قبله بشرط الخيار فيصح.стр. 385
عَلَيْهِ (١) ، بل فِي ذمَّتِه فَيُطَالَبُ بعد فكِّ حجرٍ (٢) .
وَمن سَلَّمَهُ عينَ مَالٍ جَاهِلَ الحجرِ أخذَهَا (٣) إن كَانَت الحواشي
(١) فلو أقر مثلاً بعين عنده لآخر لم يُقبل.(٢) فيقبل تصرفه - كأن يشتري مثلاً بثمن في ذمته فيصح -، وإقراره في ذمته - كأن يقر أن لفلان عليه ألف ريال في ذمته فيصح -، ويطالب به بعد فك الحجر عنه.
(تتمة) المحجور عليه لحظ الغير لا ينفك حجره إلا بحاكم، بخلاف المحجور عليه لحظ نفسه. (فرق فقهي)(٣) (الحكم الثاني) من أدرك عين ماله عند المفلس فهو أحق بها. وقوله: سلمه عين مال: كأن باعه أو أقرضه ذلك، ودليل الحكم الثاني حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : «من أدرك متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به»، متفق عليه. وإنما يكون أحق بمتاعه بسبعة شروط وهي: [الشرط الأول] أن يكون جاهلاً بالحجر، وإلا لم يطالبه بها حتى ينفك حجره.стр. 386
بِحَالِهَا (١) ، وعِوضُها كُلُّه بَاقٍ (٢) وَلم يتَعَلَّق بهَا حقٌّ للغَيْر (٣) ، وَيبِيع حَاكمٌ مَالَه ويقسمُه على غُرَمَائِه (٤) .
وَمن لم يقدرْ على وَفَاءِ شَيْءٍ من دينِه، أو هُوَ الحواشي
(١) [الشرط الثاني] أن تكون العين بحالها، بأن لا تنقص صفاتها وماليتها.(٢) [الشرط الثالث] أن يكون العوض كله باقيا في ذمة المفلس، كما ورد عن النبي ﷺ في رواية أبي داود: («أيما رجل باع متاعه فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به)؛ فلو قبض البائع بعضَ قيمة العين لم يكن له الرجوع فيها.(٣) [الشرط الرابع] ألا يتعلق بالعين حق للغير، فلو اشترى المفلس العين ورهنها، فليس لصاحبها الرجوع فيها، ويكون أسوة الغرماء.
[الشرط الخامس] ألا تزيد العين زيادة متصلة كسِمَن، [الشرط السادس] كون المفلس حياً إلى أَخذِها، [الشرط السابع] كون كل السلعة في ملك المفلس لم يزُل ملكه عن بعضها بتلف ولا غيره كبيع أو هبة، [الشرط الثامن] زاده الإقناع: أن يكون البائع حياً إلى حين الرجوع، وتعقبه البهوتي بما يفيد عدمَ اشتراطه، ولورثة البائع أخذ السلعة.(٤) (الحكم الثالث) أن يبيع الحاكمُ مالَه ويقسمه على الغرماء، والحكم مبهم هنا، والمذهب: وجوبُ بيع الحاكم مالَه، كما صرح به في الإقناع والمنتهى، وتجب عليه أيضاً قسمة المال على الغرماء الذين حل دينهم، ولا يُوقَف شيء لمن ديونهم مؤجلة.
وكيفية قسمة دين المفلس كما يلي:
١ - إما على طريقة النسبة: فلو أن مفلساً له ٥٠٠ ريال، وعليه ١٠٠٠ ريال ديناً: ٥٠٠ من محمد و ٥٠٠ من صالح، فيكون لمحمد نصف المال، أي: ٢٥٠ ريالاً، ومثل ذلك لصالح.
٢ - أما الطريقة الحسابية فهي كما يلي: ١ - نجمع الديون التي على المفلس، ٢ - ثم نقسم المال الذي عنده على مجموع ديون الغرماء، ٣ - ثم نضرب الناتج في مقدار دين كل غريم لنحصل على مقدار ما يأخذه من المال.
فلو أن مفلساً له ٢٠٠٠ ريال، وعليه ديون: ٢٥٠٠ ريال من علي و ١٠٠٠ ريال من أحمد و ٥٠٠ ريال من سفيان، فطريقة العمل كما يلي:
١ - نجمع الديون فنجد: ٤٠٠٠ ريال.
٢ - نقسم ماله على مجموع الديون فنجد: ٠، ٥.
٣ - نصيب كل غريم هو الناتج مضروباً في مقدار دينه، فنصيب علي: ٠، ٥ × ٢٥٠٠ = ١٢٥٠ ريالاً، ونصيب أحمد: ٠، ٥ × ١٠٠٠ = ٥٠٠ ريال، ونصيب سفيان: ٠، ٥ × ٥٠٠ = ٢٥٠ ريالاً. وهذه طريقة مطَّردة، ولله الحمد.
وهل تبرأ ذمة المفلس بعد سداد بعض دينه بقسمة الحاكم؟
الظاهر: لا؛ لأنهم قالوا: يلزمه التكسب حتى يوفي ما بقي عليه.
(تتمة) (الحكم الرابع) انقطاع الطلب عنه - ولم يذكره المؤلف -، فمن أقرضه أو باعه شيئاً حال كونه محجوراً عليه لم يملك المطالبة به - قال الخلوتي: أي بثمنه أو بدله - حتى ينفك الحجر سواء كان المعامِلُ له جاهلاً أو عالماً. وأما مَن وجد عين ماله الذي أقرضه للمفلس أو الذي باعه للمفلس، فله الرجوع إن جهل حجره، وإلا فلا. فتنبه لهذا فإنه مهم، نبه عليه البهوتي في حاشيتَيْه على المنتهى والإقناع، وكذا الخلوتي في حاشية المنتهى. (فرق فقهي)
متى ينفك الحجر عن المفلس؟
إما بالحاكم فيرفع عنه الحجر، وهذا إن بقي عليه شيء، وإما بالوفاء بحيث لا يبقى عليه شيء، ولو بلا حكم حاكم.стр. 387
مُؤَجلٌ تحرم مُطَالبَتُه وحبسُه، وَكَذَا ملازمتُه (١) .
وَلَا يحل مُؤَجلٌ بفلسٍ (٢) وَلَا بِمَوْتٍ إن وَثَّق الْوَرَثَةُ برهنٍ مُحرَزٍ أو كَفِيلٍ مَلِيءٍ (٣) ، وإن ظهر غَرِيمٌ بعد القِسْمَة الحواشي
(١) فمن ليس عنده ما يؤدي به دينه - وهو المعسر -، أو كان دينُهُ مؤجلاً ولم يحلَّ بعدُ حرم مطالبته، وقد تقدم ذلك، وكذلك يحرم حبسه، وتحرم ملازمة الدائن له.(٢) أي: لا يحل دينٌ مؤجل بفلس المدين، وثمرة ذلك: أن مال المفلس لا يُقسم إلا على الغرماء ذوي الديون الحالة دون مَنْ ديونهم مؤجلة، ولا يُبَقَّى لهم شيء من مال المحجور عليه ليأخذوه عند حلول الأجل.(٣) أي: من مات وعليه ديون مؤجلة، فإنها تحل بمجرد موته إلا إذا وثق الورثة الدين المؤجل بواحد من أمرين: ١ - إما برهنٍ محرز، أي: يمكن استيفاء جميع الدين من الرهن، ٢ - وإما أن يأتي الورثة بكفيل مليء، أي: قادر على السداد.
(تنبيه) ظاهر كلام المؤلف أن التوثقة تكون بكل الدين، وعبارة الإقناع والمنتهى مقيدة بكون التوثقة بالأقل من التركة أو الدين، فإن كانت التركة أقل من الدين فيلزم الورثة أن يوثقوا برهن أو كفيل مليء بالقدر الذي يقابل التركة لا الدين، وإن كان الدين أقل من التركة وجبت التوثقة بالقدر الذي يقابل الدين لا التركة. فإن لم يوثق الورثة الدين المؤجل على مورثهم ولا غيرُهم، أو لم يكن للميت وارث: حل الدين المؤجل، وكل هذا إذا لم يكن الدين موثقا من قبل المورث قبل موته، فإن كان كذلك فلا حاجة للتوثقة بعد الموت ولا يحل، أشار إليه الشيخ عثمان النجدي. (تحرير مهم)стр. 388
رَجَعَ على الْغُرَمَاء بِقسْطِهِ (١) . الحواشي
(١) أي: لو قسم الحاكمُ مالَ المفلس على الغرماء، ثم ظهر غريم له دين حالّ على المفلس، فإنه يأخذ نصيبه بأن يرجع على الغرماء بقسطه. ولذلك طريقة حسابية.стр. 389
فصل (في المحجور عليه لحظه)
ويُحجرُ على الصَّغِيرِ وَالمجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لحظِّهم (١) .
وَمنْ دَفَعَ إليهم مَالَه بِعقدٍ أَوْ لَا (٢) رَجَعَ بِمَا بَقِي لَا مَا تَلِف (٣) ، ويضمنون جِنَايَةً، وإتلافَ مَا لم يُدفع إليهم (٤) .
وَمنْ بلغ رشيداً (٥) أو مَجْنُوناً ثمَّ عَقَل ورَشَدَ (٦) ، انْفَكَّ الحجرُ عَنهُ بِلَا الحواشي
(١) ذكر المصنف في هذا الفصل الحجر لحظ النفس، ويكون في حق الصغير والمجنون والسفيه، فيمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم.(٢) أي: سواء دفع إليهم المال بعقد كإجارة أو بيع، أو بغير عقد كإعطائهم إياه على وجه اللعب.(٣) فلا يضمنون ما أتلفوه من ذلك، قال في شرح المنتهى: (لأن الحجر عليهم في مظنة الشهرة).(٤) كأن يقتل الصغير أو المجنون إنساناً أو يتلف شيئاً لم يُدفع إليه كسيارة، فإنه يضمن.
(تتمة) لو أتلف التلميذ شيئاً في المدرسة، أو مالاً لجاره فإنه يضمن من ماله إذا قُدر على مال له، وإلا بقي في ذمته إلى حين بلوغه، ولا يطالب أبوه بذلك.(٥) وسيأتي بيان الرشد إن شاء الله.(٦) أي: بلغ حال كونه مجنوناً، ثم عقل ورشد.стр. 390
حكمٍ (١) ، وأُعطي مَاله (٢) ، لَا قبل ذَلِك بِحَالٍ (٣) .
وبلوغُ ذكرٍ بإمناء (٤) ، أو تمَامِ خمسَ عشرَة سنة (٥) ، أو بنباتِ شعَرٍ خشنٍ حولَ قُبُلِه (٦) ، وأنثى بذلك وبحيضٍ (٧) ، وَحملُهَا دَلِيلُ إمناءٍ (٨) . الحواشي
(١) أي: بلا حكم حاكم؛ لأنه محجور عليه من قبل الشارع لا الحاكم، فينفك إذَن حجره بزوال سببه.(٢) وجوباً.(٣) وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء، ٦]، فلا يجوز أن يعطى ماله إن لم يكن عاقلاً رشيداً ولو صار شيخاً.(٤) فيحصل بلوغ الذكر بأحد ثلاثة: (الأمر الأول) الإمناء: فإذا خرج منه المني سواء باحتلام أو جماع أو باستمناء بيده حُكم ببلوغه.(٥) (الأمر الثاني) تمام خمس عشرة سنة: لحديث ابن عمر ﵄: عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، متفق عليه، ويشكل عليه أن بين أحد والخندق أكثر من سنتين، لكن كلامه قد يوجه بأنه تجاوز خمس عشرة سنة يوم الخندق.(٦) (الأمر الثالث) أن ينبت حول قبله شعر خشن - أي: قوي -: والدليل حديث عطية القرظي ﵁: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أَنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، متفق عليه.(٧) فتبلغ الأنثى بأحد الثلاثة الماضية، وكذا بالحيض.(٨) فإذا حملت حكم ببلوغها، والإمناء السابق للحمل هو دليل بلوغها لا نفس الحمل، ويحكم ببلوغها منذ حملت، ويقدّر ذلك بستة أشهر قبل وضعها.
(تنبيه) لا عبرة بأي شيء آخر غير علامات البلوغ الثلاث المتقدمة، قال في الإقناع وشرحه: (ولا اعتبار) في البلوغ (بغلظ الصوت، و) لا (فرق الأنف، و) لا (نهود الثدي، و) لا (شعر الإبط، ونحو ذلك) لعدم اطراده).следующие страницы →