Полный текст (758 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بِحَالِهَا (١) ، وعِوضُها كُلُّه بَاقٍ (٢) وَلم يتَعَلَّق بهَا حقٌّ للغَيْر (٣) ، وَيبِيع حَاكمٌ مَالَه ويقسمُه على غُرَمَائِه (٤) .
وَمن لم يقدرْ على وَفَاءِ شَيْءٍ من دينِه، أو هُوَ الحواشي
(١) [الشرط الثاني] أن تكون العين بحالها، بأن لا تنقص صفاتها وماليتها.(٢) [الشرط الثالث] أن يكون العوض كله باقيا في ذمة المفلس، كما ورد عن النبي ﷺ في رواية أبي داود: («أيما رجل باع متاعه فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به)؛ فلو قبض البائع بعضَ قيمة العين لم يكن له الرجوع فيها.(٣) [الشرط الرابع] ألا يتعلق بالعين حق للغير، فلو اشترى المفلس العين ورهنها، فليس لصاحبها الرجوع فيها، ويكون أسوة الغرماء.
[الشرط الخامس] ألا تزيد العين زيادة متصلة كسِمَن، [الشرط السادس] كون المفلس حياً إلى أَخذِها، [الشرط السابع] كون كل السلعة في ملك المفلس لم يزُل ملكه عن بعضها بتلف ولا غيره كبيع أو هبة، [الشرط الثامن] زاده الإقناع: أن يكون البائع حياً إلى حين الرجوع، وتعقبه البهوتي بما يفيد عدمَ اشتراطه، ولورثة البائع أخذ السلعة.(٤) (الحكم الثالث) أن يبيع الحاكمُ مالَه ويقسمه على الغرماء، والحكم مبهم هنا، والمذهب: وجوبُ بيع الحاكم مالَه، كما صرح به في الإقناع والمنتهى، وتجب عليه أيضاً قسمة المال على الغرماء الذين حل دينهم، ولا يُوقَف شيء لمن ديونهم مؤجلة.
وكيفية قسمة دين المفلس كما يلي:
١ - إما على طريقة النسبة: فلو أن مفلساً له ٥٠٠ ريال، وعليه ١٠٠٠ ريال ديناً: ٥٠٠ من محمد و ٥٠٠ من صالح، فيكون لمحمد نصف المال، أي: ٢٥٠ ريالاً، ومثل ذلك لصالح.
٢ - أما الطريقة الحسابية فهي كما يلي: ١ - نجمع الديون التي على المفلس، ٢ - ثم نقسم المال الذي عنده على مجموع ديون الغرماء، ٣ - ثم نضرب الناتج في مقدار دين كل غريم لنحصل على مقدار ما يأخذه من المال.
فلو أن مفلساً له ٢٠٠٠ ريال، وعليه ديون: ٢٥٠٠ ريال من علي و ١٠٠٠ ريال من أحمد و ٥٠٠ ريال من سفيان، فطريقة العمل كما يلي:
١ - نجمع الديون فنجد: ٤٠٠٠ ريال.
٢ - نقسم ماله على مجموع الديون فنجد: ٠، ٥.
٣ - نصيب كل غريم هو الناتج مضروباً في مقدار دينه، فنصيب علي: ٠، ٥ × ٢٥٠٠ = ١٢٥٠ ريالاً، ونصيب أحمد: ٠، ٥ × ١٠٠٠ = ٥٠٠ ريال، ونصيب سفيان: ٠، ٥ × ٥٠٠ = ٢٥٠ ريالاً. وهذه طريقة مطَّردة، ولله الحمد.
وهل تبرأ ذمة المفلس بعد سداد بعض دينه بقسمة الحاكم؟
الظاهر: لا؛ لأنهم قالوا: يلزمه التكسب حتى يوفي ما بقي عليه.
(تتمة) (الحكم الرابع) انقطاع الطلب عنه - ولم يذكره المؤلف -، فمن أقرضه أو باعه شيئاً حال كونه محجوراً عليه لم يملك المطالبة به - قال الخلوتي: أي بثمنه أو بدله - حتى ينفك الحجر سواء كان المعامِلُ له جاهلاً أو عالماً. وأما مَن وجد عين ماله الذي أقرضه للمفلس أو الذي باعه للمفلس، فله الرجوع إن جهل حجره، وإلا فلا. فتنبه لهذا فإنه مهم، نبه عليه البهوتي في حاشيتَيْه على المنتهى والإقناع، وكذا الخلوتي في حاشية المنتهى. (فرق فقهي)
متى ينفك الحجر عن المفلس؟
إما بالحاكم فيرفع عنه الحجر، وهذا إن بقي عليه شيء، وإما بالوفاء بحيث لا يبقى عليه شيء، ولو بلا حكم حاكم.стр. 387
مُؤَجلٌ تحرم مُطَالبَتُه وحبسُه، وَكَذَا ملازمتُه (١) .
وَلَا يحل مُؤَجلٌ بفلسٍ (٢) وَلَا بِمَوْتٍ إن وَثَّق الْوَرَثَةُ برهنٍ مُحرَزٍ أو كَفِيلٍ مَلِيءٍ (٣) ، وإن ظهر غَرِيمٌ بعد القِسْمَة الحواشي
(١) فمن ليس عنده ما يؤدي به دينه - وهو المعسر -، أو كان دينُهُ مؤجلاً ولم يحلَّ بعدُ حرم مطالبته، وقد تقدم ذلك، وكذلك يحرم حبسه، وتحرم ملازمة الدائن له.(٢) أي: لا يحل دينٌ مؤجل بفلس المدين، وثمرة ذلك: أن مال المفلس لا يُقسم إلا على الغرماء ذوي الديون الحالة دون مَنْ ديونهم مؤجلة، ولا يُبَقَّى لهم شيء من مال المحجور عليه ليأخذوه عند حلول الأجل.(٣) أي: من مات وعليه ديون مؤجلة، فإنها تحل بمجرد موته إلا إذا وثق الورثة الدين المؤجل بواحد من أمرين: ١ - إما برهنٍ محرز، أي: يمكن استيفاء جميع الدين من الرهن، ٢ - وإما أن يأتي الورثة بكفيل مليء، أي: قادر على السداد.
(تنبيه) ظاهر كلام المؤلف أن التوثقة تكون بكل الدين، وعبارة الإقناع والمنتهى مقيدة بكون التوثقة بالأقل من التركة أو الدين، فإن كانت التركة أقل من الدين فيلزم الورثة أن يوثقوا برهن أو كفيل مليء بالقدر الذي يقابل التركة لا الدين، وإن كان الدين أقل من التركة وجبت التوثقة بالقدر الذي يقابل الدين لا التركة. فإن لم يوثق الورثة الدين المؤجل على مورثهم ولا غيرُهم، أو لم يكن للميت وارث: حل الدين المؤجل، وكل هذا إذا لم يكن الدين موثقا من قبل المورث قبل موته، فإن كان كذلك فلا حاجة للتوثقة بعد الموت ولا يحل، أشار إليه الشيخ عثمان النجدي. (تحرير مهم)стр. 388
رَجَعَ على الْغُرَمَاء بِقسْطِهِ (١) . الحواشي
(١) أي: لو قسم الحاكمُ مالَ المفلس على الغرماء، ثم ظهر غريم له دين حالّ على المفلس، فإنه يأخذ نصيبه بأن يرجع على الغرماء بقسطه. ولذلك طريقة حسابية.стр. 389
فصل (في المحجور عليه لحظه)
ويُحجرُ على الصَّغِيرِ وَالمجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لحظِّهم (١) .
وَمنْ دَفَعَ إليهم مَالَه بِعقدٍ أَوْ لَا (٢) رَجَعَ بِمَا بَقِي لَا مَا تَلِف (٣) ، ويضمنون جِنَايَةً، وإتلافَ مَا لم يُدفع إليهم (٤) .
وَمنْ بلغ رشيداً (٥) أو مَجْنُوناً ثمَّ عَقَل ورَشَدَ (٦) ، انْفَكَّ الحجرُ عَنهُ بِلَا الحواشي
(١) ذكر المصنف في هذا الفصل الحجر لحظ النفس، ويكون في حق الصغير والمجنون والسفيه، فيمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم.(٢) أي: سواء دفع إليهم المال بعقد كإجارة أو بيع، أو بغير عقد كإعطائهم إياه على وجه اللعب.(٣) فلا يضمنون ما أتلفوه من ذلك، قال في شرح المنتهى: (لأن الحجر عليهم في مظنة الشهرة).(٤) كأن يقتل الصغير أو المجنون إنساناً أو يتلف شيئاً لم يُدفع إليه كسيارة، فإنه يضمن.
(تتمة) لو أتلف التلميذ شيئاً في المدرسة، أو مالاً لجاره فإنه يضمن من ماله إذا قُدر على مال له، وإلا بقي في ذمته إلى حين بلوغه، ولا يطالب أبوه بذلك.(٥) وسيأتي بيان الرشد إن شاء الله.(٦) أي: بلغ حال كونه مجنوناً، ثم عقل ورشد.стр. 390
حكمٍ (١) ، وأُعطي مَاله (٢) ، لَا قبل ذَلِك بِحَالٍ (٣) .
وبلوغُ ذكرٍ بإمناء (٤) ، أو تمَامِ خمسَ عشرَة سنة (٥) ، أو بنباتِ شعَرٍ خشنٍ حولَ قُبُلِه (٦) ، وأنثى بذلك وبحيضٍ (٧) ، وَحملُهَا دَلِيلُ إمناءٍ (٨) . الحواشي
(١) أي: بلا حكم حاكم؛ لأنه محجور عليه من قبل الشارع لا الحاكم، فينفك إذَن حجره بزوال سببه.(٢) وجوباً.(٣) وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء، ٦]، فلا يجوز أن يعطى ماله إن لم يكن عاقلاً رشيداً ولو صار شيخاً.(٤) فيحصل بلوغ الذكر بأحد ثلاثة: (الأمر الأول) الإمناء: فإذا خرج منه المني سواء باحتلام أو جماع أو باستمناء بيده حُكم ببلوغه.(٥) (الأمر الثاني) تمام خمس عشرة سنة: لحديث ابن عمر ﵄: عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، متفق عليه، ويشكل عليه أن بين أحد والخندق أكثر من سنتين، لكن كلامه قد يوجه بأنه تجاوز خمس عشرة سنة يوم الخندق.(٦) (الأمر الثالث) أن ينبت حول قبله شعر خشن - أي: قوي -: والدليل حديث عطية القرظي ﵁: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أَنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، متفق عليه.(٧) فتبلغ الأنثى بأحد الثلاثة الماضية، وكذا بالحيض.(٨) فإذا حملت حكم ببلوغها، والإمناء السابق للحمل هو دليل بلوغها لا نفس الحمل، ويحكم ببلوغها منذ حملت، ويقدّر ذلك بستة أشهر قبل وضعها.
(تنبيه) لا عبرة بأي شيء آخر غير علامات البلوغ الثلاث المتقدمة، قال في الإقناع وشرحه: (ولا اعتبار) في البلوغ (بغلظ الصوت، و) لا (فرق الأنف، و) لا (نهود الثدي، و) لا (شعر الإبط، ونحو ذلك) لعدم اطراده).стр. 391
وَلَا يُدْفع إليه مَالُه حَتَّى يُختبر (١)
بِمَا يَلِيق بِهِ (٢) ، وَيُؤْنسَ رشدُهُ (٣) ، وَمحلُّه قبل بُلُوغٍ (٤) ، والرشدُ هُنَا إصلاحُ المال (٥) بأن يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ (٦) فَلَا الحواشي
(١) أي: لا يدفع إلى من بلغ رشيداً ماله حتى يختبر بما قالوا. ولم أجد بياناً لحكم هذا الاختبار الذي قبل الدفع، والذي يظهر لي من خلال تعليلاتهم وجوب هذا الاختبار، والله أعلم، ثم وجدته - ولله الحمد والمنة - من كلام الشيخ منصور حيث قال في الكشاف: (لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] الآية، أي: فاختبروهم، فعلّق الدفع على الاختبار والبلوغ وإيناس الرشد، فوجب اختباره بتفويض التصرف إليه). (تحرير)
(تنبيه) تصرفه حال الاختبار صحيح، وإن كان الحجر لم ينفك عنه بعد.(٢) فإن كان ابن تاجر مثلاً، فإنه يختبر بأن يشتري ويبيع مع التجار وينظر كيف يتعامل بالمال، وإن كانت أنثى اختبرت في الغزل بأجرة المثل وتوكيلها، وينظر في تصرفها في المال المتعلق به. أما الشيخ ابن عثيمين فلا يرى لزوم اختبار ابن الرجل في صنعة أبيه؛ لأنه قد يختار صنعة أخرى.(٣) أي: يُعلم أنه قد رشد.(٤) أي: زمن المراهقة، قبل البلوغ بيسير.(٥) وتصرفه فيه تصرفاً صحيحاً، أما الشافعية فيشترطون للرشد صلاح الدين.(٦) ويتكرر ذلك منه - كما في المنتهى والإقناع -، ونبه الخلوتي إلى أن المراد بالتكرر: أنه يقع ذلك منه مرات كثيرة، ولا يَصدُق بمرتين، وأن ذلك غير مراد.стр. 392
يُغبنُ غَالِباً (١) ، وَلَا يَبْذُلُ مَالَه فِي حرَامٍ (٢) وَغيرِ فَائِدَة (٣) .
ووليُّهم حَالَ الحجر الأب (٤) ، ثمَّ وَصِيُّه (٥) ، ثمَّ الحَاكِمُ (٦) ، وَلَا يتَصَرَّف لَهم إلا بالأحظِّ (٧) ، وَيُقبل قَوْلُه بعد الحواشي
(١) أي: فلا يغبن غبناً فاحشاً - كما في المنتهى والإقناع - في أكثر عقوده، فلا يضر لو غبن في عقد أو عقدين مثلاً.(٢) كالقمار.(٣) أي: ولا يبذل ماله في غير فائدة وإن لم يكن محرماً - كما قال النجدي -، ويمثلون لذلك بشراء النفط ليحرقه ويستمتع برؤيته، ومما يشبه ذلك في وقتنا المفرقعات، لكن هل كل من يشتريها يعتبر سفيهاً؟
(تتمة) فالصلاح في المال يشمل أمرين: ١ - أن يتصرف مراراً فلا يغبن غبناً فاحشاً في الغالب، ٢ - وأن لا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة.(٤) ويشترط فيه خمسة شروط: البلوغ، والرشد، والعقل، والحرية، والعدالة ولو ظاهراً.(٥) أي: وصي الأب - إن وُجد -.(٦) أي: القاضي، فإن عُدم الحاكم فأمين يقوم مقامه من أم وغيرها - كما قال الشيخ عثمان - وفي الإنصاف: (وقيل: لسائر العصبة ولاية أيضا بشرط العدالة. اختاره الشيخ تقي الدين ﵀) وهذا له وجهة نظر، لكن الأقرب هو المذهب؛ لكثرة من فُتن بالمال ممن انتقلت إليهم الولاية، فأخذوه ظلماً أو بَذَّرُوه مع أن ظاهر بعضهم الصلاح.(٧) الحكم مبهم هنا، وقد بين المنتهى أنه حرام، وعبارة الإقناع: (ولا يجوز .. الخ)، فيحرم على الولي أن يتصرف في مال المحجور عليهم إلا بما هو أنفع لهم وبما فيه مصلحة.стр. 393
فك حجرٍ (١) فِي مَنْفَعَةٍ (٢)
وضرورةٍ (٣) وَتلَفٍ (٤) لَا فِي دفعِ مَالٍ بعد رُشدٍ إلا الحواشي
(١) أي: يُقبل قول الولي إن اختلف مع موليه بعد فك الحجر في المنفعة.(٢) كأن يقول الولي: بعت المال لمنفعة، فينكر موليه ذلك، فيُقبل قول الولي. والمراد من قول الماتن: (المنفعة) - كما في الروض الندي شرح كافي المبتدي -: المصلحة، وهو اللفظ الذي استعمله الإقناع - كالتنقيح - حيث قال: (ويقبل قول ولي في وجود ضرورة وغبطة ومصلحة)، وعبارة المنتهى - ونحوه الغاية -: (أو ادعى الولي وجود ضرورة أو غبطة)، وفسر النجدي الغبطة: (بالمصلحة). ومثال بيع مال الصبي للضرورة: أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو خراب ونحوه، وبيعه للغبطة: هي أن يبذل فيه زيادة كثيرة على ثمنِ مثلِه كما في الإقناع، ومثال بيعه للمصلحة: أن يبيع عقاراً له لاحتياج الصغير والمجنون إلى نفقة، أو قضاء دين، أو لكونه في مكان لا غلة فيه، أو فيه غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري له عقاراً في مكان يكثر نفعه، والتعبير بالمصلحة يستلزم الغبطة، والله أعلم. (بحث)
(تتمة) قال البهوتي: لا يشترط ثبوت ذلك - أي: وجود مصلحة لبيع عقار الولي - عند الحاكم؛ لكنه أحوط دفعاً للتهمة.(٣) أي: يدعي الولي وجودَ ضرورة لبيع عقار المحجور، إذا لم يبعه فإنه يتلف.(٤) أي: لو ادَّعى الوليُّ تلفَ مالِ المحجور عليه أو بعضَه؛ لأنه أمين، وإنما يقبل قول الولي بيمينه ما لم يكن حاكماً فلا يحلف، هكذا اقتصرا عليه في الإقناع والمنتهى، وزاد في الغاية: (ويتجه، وأب. انتهى)، أي: لو كان الولي أبا، فيقبل قوله بلا يمين، ووافقه شارح الغاية.
(تنبيه) يستثنى مما تقدم في قبول قول الولي: إذا خالف قولَه عادةٌ أو عرفٌ، فلا يقبل قوله؛ لمخالفته الظاهر، وزاد الإقناع: (ما لم يعلم كذبه)، قال البهوتي: (بأن كَذَّبَ الحِسُ دعواه).стр. 394
من مُتَبَرّعٍ (١) .
وَيتَعَلَّق دينُ مَأْذُون لَهُ بِذِمَّةِ سيدٍ (٢) ، وَدينُ غَيرِهِ وأرشُ جِنَايَةِ قِنٍّ وقيمُ متلفاته بِرَقَبَتِهِ (٣) . الحواشي
(١) فإذا كان الولي يأخذ أجرة مقابل رعايته لموليه، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. والقاعدة: أن من قبض عيناً لغيره متبرعاً قُبِل قوله في ردها بيمينه، ولا يقبل قوله إن كان بجُعل أو أجرة إلا ببينة؛ للحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ررواه الخمسة وصححه الحاكم.(٢) وهذا الحكم متعلق بالعبيد، فلو أمر السيد قنه - وهو العبد الخالص العبودية - أن يستدين، فإن الدين يتعلق بذمة السيد.(٣) فدين العبد غير المأذون له، وجنايته، وقيمة ما أتلفه يتعلق برقبته. ويُخير السيد إذَن بين ثلاثة أمور: ١ - أن يدفعه إلى صاحب الدين، أو ولي الجناية، أو صاحب المتلف، ٢ - أو يفديه بالأقل من قيمة العبد أو قيمة ما عليه، ٣ - أو يبيعه ويدفع من ثمنه بقدر ما عليه.стр. 395
فصل (في الوكالة) (١)
وَتَصِح الْوكَالَةُ بِكُلِّ قَولٍ يدل على إذنٍ، وقبولُها بِكُل قَولٍ أو فعلٍ دَالٍ عَلَيْهِ (٢) . الحواشي
(١) الوكالة لغة: التفويض، وهي شرعاً: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، وزاد بعضهم: في الحياة؛ لإخراج الوصية، والأصل فيها من الكتاب قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ الآية [الكهف، ١٩]، أما من السنة فحديث عروة البارقي ﵁ في الصحيح: (أن النبي ﷺ وكَّله في شراء شاة أو أضحية بدينار، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء النبي ﷺ بشاة ودينار، فدعا له بالبركة، فكان لو باع تراباً لربح فيه)، وحكى ابن حزم وابن القطان الإجماعَ على جواز الوكالة.(٢) يشترط لصحة الوكالة ما يلي: (الشرط الأول) كون الإيجاب بقول يدل على الإذن والإنابة، كقوله: «وكلتك»، أما القبول فيصح بالقول كقوله: «قبلت وكالتك»، وبالفعل بأن يعمل ما وُكل فيه، فليس للوكالة صيغ معينة.
(تتمة) هذا الذي قررته وأن الإيجاب يكون بالقول فقط هو المذهب، ، واختار الشيخ ابن عثيمين صحةَ الإيجاب بالفعل كالقبول، وهو الذي مشى عليه الشيخ مرعي الكرمي في دليل الطالب وغاية المنتهى، ونقل البهوتي في شرح المنتهى عن الفروع قوله: (قال في الفروع: ودل كلام القاضي على انعقادها بفعل دال كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر كالقبول). ومثاله: أن يكون هناك دكان اعتاد الناس أن يأتوه بسلعهم فيبيعها لهم، فلو أتى شخص بسلعته إلى الدكان فوضعها بلا قول وانصرف وباعها صاحب الدكان له، فهذا توكيل بالفعل. (تحرير)стр. 396
وَشُرط كَونُهمَا جائزي التَّصَرُّفِ (١) ، وَمن لَهُ تصرفٌ فِي شَيْءٍ فَلهُ توكُّلٌ وتوكيلٌ فِيهِ (٢) .
وَتَصِح فِي كلِّ حقِ آدميٍّ، لا ظهارٍ ولعانٍ وأيمانٍ وَفِي كل حقٍّ لله الحواشي
(١) (الشرط الثاني) كون كلٍّ من الوكيل والموكِّل جائزي التصرف، أي: حراًّ مكلفاً رشيداً.(٢) هذا (الشرط الثالث) هو: ألا يوكل الموكِّل إلا فيما يصح أن يتصرف فيه لنفسه، وألا يتوكل الوكيل إلا فيما يصح تصرفه فيه لنفسه: فمن صح تصرفه في شيء فله أن يتوكل فيه عن غيره، وأن يوكل غيرَه فيه، ومن لا فلا، فمن صح منه البيع مثلاً صح أن يوكل غيره في البيع وأن يتوكل عن غيره فيه. ويستثنى من قولهم: ألا يوكل إلا فيما يصح تصرفه فيه بنفسه: أعمى رشيد يريد أن يشتري شيئاً يحتاج لرؤية كعقار وجوهر؛ فيصح أن يوكل من يشتريه له وإن لم يصح من الأعمى مباشرة ذلك الشراء. ويستثنى من قولهم: ألا يتوكل في شيء إلا فيما صح منه لنفسه: إذا وكل أجنبي أخ الزوجة في القبول، فالأخ لا يصح أن يقبل الزواج لنفسه من أخته بينما يصح أن يقبله لغيره، وهناك مستثنيات أخرى يُرجع لها في الشروح الطويلة.стр. 397
الحواشي
(١) (الشرط الرابع) أن تكون الوكالة في الأشياء التي يصح فيها التوكيل: فيجوز التوكيل في كل حق آدمي كالعقود والفسوخ وتملك المباحات، ويصح أيضاً التوكيل في كل حق لله تدخله النيابة كإثبات الحدود واستيفائها، وكذا العبادات المركبة كالحج، دون العبادات المحضة كالصلاة والصوم فلا تصح الوكالة فيها، ولا تصح الوكالة فيما حكمه متعلق باللافظ ولا يصح من غيره عنه: كأن يوكل غيرَه في أن يلاعن زوجته، أو يظاهر منها، أو يحلف عنه يميناً، ويستثنى من هذا: النكاح الطلاق فيصح التوكيل فيهما.
(تتمة) (الشرط الخامس) ألا تكون الوكالة في خصومة يعلم الوكيل أو يظن أن موكِّله ظالم فيها وإلا لم تصح، ذكره ابن عقيل في الفنون، وجزم به صاحب الإقناع.
(تتمة مهمة) حقوق العقد متعلقة بالموكِّل لا بالوكيل سواء كان العقد مما تجوز إضافته إلى الوكيل كالبيع والإجارة أو لا كالنكاح، ويترتب على هذه القاعدة أمور منها: ١ - أن الملك ينتقل من البائع للموكل لا للوكيل، فلا يعتق قريبُ وكيلٍ عليه، ٢ - لو أبرأ البائعُ من الثمن فإنه يكون للموكل لا للوكيل، ٣ - ومثله لو وكله في شراء شيء ووَجد الوكيلُ على السلعة تخفيضاً أو أُعطي هدية بسبب الشراء، فهي لموكله لا للوكيل، ٤ - لو حلف الموكل أنه لا يبيع حنث ببيع وكيله له.
(تنبيه) مسألتان مهمتان: المسألة الأولى: مَنْ وُكِّلَّ في شراء شيء، فليس له أن يشتريه بثمن أكثر مما يبلِّغه لموكله، فإذا اشتراه بخمسين فلا يأخذ من موكله أكثر منها، بخلاف من أخبر شخصاً أن يأتيه بسلعة بخمسين على أنه بائع لا على أنه وكيل، فيجوز أن يشتريها بأربعين ويبيعها على الآخر بخمسين، لا سيما إذا كان معروفاً أنه لا يأتي بشيء إلا بعوض، فإن اختلفا فقال طالب السلعة: وكلتك، وقال الآخر: بل بعتك، فمن يقبل قوله؟ تحتاج لتحرير.
المسألة الثانية: نص في الإقناع على أنه لو قال له: (بع ثوبي بعشرة فما زاد فلَكَ، صح)، فهذا مخرج لأصحاب المكاتب العقارية أن يربحوا في مال الغير بإذنه، لكن لو أمرهم ببيعها بدون الإذن المتقدم كأن يأتيه البائع ويقول لصاحب المكتب: بع أرضي بالسعر الذي تصل إليه وأخبرني عنه، فلا يجوز لصاحب المكتب أن يبيعها بخمسين مثلاً متواطئًا مع المشتري، ومظهراً للمالك أنها بأربعين؛ لأن صاحب المكتب في الحقيقة وكيل للمالك مجاناً، وبأجرة يأخذها من المشتري على ما هو العادة، والله أعلم.стр. 398
وَهِي وَشرِكَةٌ ومضاربةٌ ومساقاةٌ ومزارعةٌ ووديعةٌ وجُعالةٌ عُقُودٌ جَائِزَةٌ لكلٍّ فَسخُهَا (١) .
وَلَا يَصح بِلَا إذنٍ بيعُ وَكيلٍ لنَفسِهِ (٢) وَلَا شِرَاؤُهُ مِنْهَا لموكِّلِه (٣) ، الحواشي
(١) والعقود من حيث لزومُها وجوازها ثلاثة أقسام: ١ - عقود جائزة من الطرفين - وهي التي ذكرها المؤلف هنا - فلكل من المتعاقدين فسخها، ٢ - وعقود لازمة من الطرفين كالبيع والإجارة، ٣ - وعقود جائزة من طرف ولازمة من آخر كالرهن. وقوله: وهي: أي الوكالة.(٢) فلو وكل زيدٌ عمراً في بيع سيارة مثلاً لم يصح لعمرو أن يبيعها لنفسه إلا بإذن موكِّلِه.(٣) أي: لو وُكل في شراء شيء لم يصح أن يشتريه من نفسه لموكِّله بلا إذنه؛ لأنه خلاف العرف، وتلحقه بذلك التهمة في السعر، وإن أذن له صح، فيتولى الوكيل حينئذ طرفي العقد. أما الشيخ ابن عثيمين فيرى أن الرجل إن كان صالحاً ومبرزاً في العدالة ومشهوراً بالصلاح والأمانة فإنه يصح أن يبيع من نفسه بلا إذن الموكل، لكن الأقرب عدم الصحة؛ فإن الناس لا يوكَلُون في الأموال إلى ديانتهم وذممهم.стр. 399
وَولدُه ووالدُه ومكاتَبُه كنفسه (١) .
وإن بَاعَ بِدُونِ ثمنِ مثلٍ (٢) أو اشْترى بأكثرَ مِنْهُ (٣) صَحَّ وَضمن زِيَادَةً أو نقصاً (٤) .
ووكيلُ مبيعٍ يُسلِّمهُ وَلَا يقبضُ ثمنَه الحواشي
(١) فلو وكل في بيع عقارٍ مثلاً لم يجز أن يبيعها لوالده أو ولده أو مكاتبه؛ لأنه متهم في حقهم.(٢) ويرجع إلى العرف في معرفة هل باع بدون ثمن المثل أم لا، ويمثِّل الفقهاء فيما هو أقل من ثمن المثل بعشرين من مئة.(٣) أي: من ثمن المثل كأن يُباع بمائة في العادة، فيشتريه بمئة وعشرين وأزيد.(٤) أي: صح العقد، لكنه لو باع بأقل من ثمن المثل ضمن النقص، فيدفعه من عنده، ولو اشترى بأكثر من ثمن المثل ضمن الزيادة ويدفع تلك الزيادة من عنده. وإنما يضمن ما لا يتغابن الناس بمثله عادة، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (كعشرين من مائة، بخلاف ما يتغابن به كالدرهم من عشرة؛ لعسر التحرز منه. انتهى)، فهنا يقدرون الذي لا يتغابن الناس فيه بعشرين بالمائة، فلو باع بأقل من ثمن المثل بأقل من عشرين بالمائة صح وضمن النقص، وإن اشترى بأكثر من ثمن المثل بزيادة عشرين بالمائة صح وضمن الزيادة.
(تنبيه) تقدم في خيار الغبن بأن المرجع في معرفة قدر الغبن العرفُ، وحملنا كلامهم الذي يمثلون فيه بالعشرين بالمائة على أنه هو العرف عندهم، فتنبه له. (تحرير)
(تتمة) مثل ما تقدم في ضمان الوكيل النقص والزيادة: فيما لو باع بأقل من الثمن الذي قدره له موكله صح وضمن النقص، وكذا لو اشترى بأكثر من الثمن الذي قدره له صح وضمن الزيادة.стр. 400
إلا بِقَرِينَةٍ (١) ، وَيسلِّمُ وَكيلُ الشِّرَاء الثّمنَ (٢) ، ووكيلُ خُصُومَةٍ لَا يقبضُ (٣) ، الحواشي
(١) أي: من وُكل في بيع سلعة فإنه يسلمها، ولا يجوز له أن يقبض ثمنها إلا بقرينة كبُعد الموكل عن السوق، وتابع الماتنُ في هذا الإقناعَ، ومثله في الغاية، وأن الوكيل في بيع سلعة له أن يقبض الثمن إذا دلت قرينة كأن يبيع في مكان، والموكل غائب، أو يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له. والمذهب: لا يقبض وإن دلت قرينة على جواز القبض؛ لأنه قد يوكل في البيع مَنْ لا يأمنه على قبض الثمن، وهو ما مشى عليه في المنتهى - وقد صرح به الشيخ منصور في الكشاف - وهو: أن الوكيل لا يملك قبض الثمن مطلقاً ما لم يأذن له الموكل، وإن وجدت قرينة، فإن تعذر لم يلزمه قبضه. وذكر صاحب المنتهى استثناءً من كلام المنقح وهو: ما لو أفضى عدم قبض الوكيل للثمن إلى ربا النسيئة ولم يحضر موكله، فيملك الوكيل قبضه، كأن يبيع صاعاً من البر بصاع من الشعير والموكل غائب، فلا بأس أن يقبض الوكيل صاع الشعير إذَن. (مخالفة الماتن، واستثناء)(٢) أي: من وُكل في شراء سلعة فإنه يسلم ثمنها.(٣) فمن وُكل في المخاصمة عن شخص لاستخراج حقه - كالمحامي -، ثم ثبت ذلك الحق للموكِّل، فليس للوكيل أن يقبضه.стр. 401
وَقبضٍ يُخَاصم (١) .
وَالْوَكِيلُ أمينٌ لَا يضمن (٢) إلا بتعدٍ أو تَفْرِيطٍ، وَيقبل قَوْلُه فِي نفيهما (٣) ، وهلاكٍ بِيَمِينِهِ (٤) ، كدعوى مُتَبَرّعٍ ردَّ العين أو ثمنِهَا لموكِّل (٥) لَا لوَرثَتِه إلا بِبَيِّنَة (٦) . الحواشي
(١) أي: من وُكل في قبض حق من شخص فأبى الوفاءَ، فللوكيل أن يخاصمه ويرافعه إلى المحكمة لاستخراج الحق منه.(٢) سواء كان متبرعاً أو بجُعل؛ لأنه قبض عيناً لا يختص بمنفعتها.(٣) أي: يقبل قول الوكيل في نفي تعديه وتفريطه.(٤) أي: ويقبل قوله في هلاك العين التي تحت يده بشرط أن يحلف على ذلك.(٥) وقد تقدم، أما غير المتبرع فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.(٦) فإذا ادعى الوكيل الرد للورثة لم يقبل قوله في الرد مطلقاً، سواء كان متبرعاً أو بجعل، إلا ببينة؛ لأن الذي ائتمنه هو الموكِّل الذي مات، لا ورثته.
(تتمة) ينعزل الوكيل بمجرد عزل الموكِّل له، عَلِم الوكيل بذلك أو لم يعلم، فلو باع شيئاً من مال موكِّله بعد عزله ضمنه، ويستثنى من ذلك:
١ - التوكيل في القصاص، فلو وكل من يقتص ثم عفى الموكل ولم يعلم الوكيلُ حتى اقتص، فلا يضمن.
٢ - الإمام الحاكم لا ينعزل بعزله من الرعية ويحرم ذلك لما فيه من شق عصا المسلمين. شرح المنتهى (٦/ ٢٧٦)
٣ - القاضي لا ينعزل قبل علمه؛ لتعلق قضايا الناس وأحكامهم به فيشق قال البهوتي: (بخلاف الوكيل فإنه يتصرف في أمر خاص). شرح المنتهى (٦/ ٤٧٥). (فرق فقهي)стр. 402
فصل (في الشَّرِكَة) (١)
وَالشَّرِكَة خَمْسَةُ أضربٍ:
شركَةُ عِنانٍ (٢) وَهِي أن يُحضِرَ (٣) كلٌّ من عددٍ (٤) جَائِزِ التَّصَرُّف (٥) من مَالِه (٦) نَقْداً (٧) الحواشي
(١) وهي هنا: اجتماع في تصرف.(٢) بكسر العين، وصورتها: أن يحضر كل من شريكين - أو أكثر - مالاً ويعملان فيه، وأجمع العلماء على جوازها.(٣) فيشترط لصحة شركة العِنان: (الشرط الأول) حضور المال، فلا يصح كونه في الذمة.(٤) أي: كل واحد من عدد، اثنين فأكثر.(٥) (الشرط الثاني) كون كل شريك جائز التصرف.(٦) (الشرط الثالث) كون المال الذي يحضره كل شريك مملوكاً له حقيقة أو حكماً.(٧) (الشرط الرابع) كون المال نقداً مضروباً، أي: ذهباً أو فضة، لا عروضاً ولا فلوساً ولو نافقة كما في الإقناع، أي: ولو كانت رائجة مستعملة عند الناس؛ لأنها عروض على المذهب، وقالوا في التعليل: لأن قيمتها تزيد وتنقص.
(تتمة) هل تصح بالأوراق النقدية على المذهب؟ إن قلنا بإلحاقها بالفلوس فلا تصح، وإن لم نلحقها بالفلوس بل بالنقدين فتصح، والله أعلم.стр. 403
مَعْلُوماً (١) ليعْمَل فِيهِ كُلٌّ على أن لَهُ من الرِّبْحِ جُزْءاً مشَاعاً مَعْلُوماً (٢) .
الثَّانِي: المضَاربَةُ (٣) ، وَهِي دفعُ مَالٍ (٤) معينٍ (٥) مَعْلُومٍ لمن يَتَّجِرَ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مشَاعٍ من ربحه (٦) .
وإن ضَارب لآخر فأضر الأولَ حرُم، وردَّ حِصَّتَه فِي الشّركَةِ (٧) .
وإن تلِف رَأسُ المال أو بعضُه بعد تصرفٍ أو خَسِرَ، جُبِر من ربحٍ قبل الحواشي
(١) (الشرط الخامس) كون النقد معلوماً قدره.(٢) (الشرط السادس) أن يبين الشركاء قدر ما يكون لكل واحد منهم من الربح، ويشترط كون ذلك القدر: ١ - جزءاً كنصف أو ثلث، لا مبلغاً محدداً، ٢ - ومشاعاً غير معين، ٣ - ومعلوماً، فلا يصح قوله: «ولك جزء» فقط.(٣) وصورتها: أن يكون المال من شخص والعمل من آخر، كأن يعطي زيد لعمرو خمسين ألف ريال ليتجر فيها على أن يكون لعمرو ثلث الربح، والباقي لزيد، وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها.(٤) ويشترط لصحتها: (الشرط الأول) أن يكون نقداً مضروباً.(٥) هذا (الشرط الثاني) أن يكون رأس المال معيناً حاضراً لا مبهماً أو في الذمة.(٦) هذا (الشرط الثالث) أن يُشترط جزءٌ مشاع معلوم كنصف وثلث، وسواء كان هذا الجزء للعامل والباقي لرب المال أو العكس.(٧) فلو ضارب لشخص ثم دخل في مضاربة أخرى، فيحرم إن أضر بالمضاربة الأولى كأن تقِل أرباحها، ويرد - وجوباً - حصتَه من الشركة الثانية في الأولى.стр. 404
قسْمَةٍ (١) .
الثَّالِث: شركَةُ الْوُجُوه (٢) ،
وَهِي أن يشتركا فِي ربحِ مَا يشتريان فِي ذممِهِما بجاهَيْهِمَا (٣) ، وكلٌّ وَكيلُ الآخر وكفيلُه بِالثّمن (٤) .
الرَّابِع: شركَةُ الأبدان، وَهِي أن يشتركا فِيمَا يتملكان بأبدانِهما من الحواشي
(١) أي: قسمة الربح، ولا تقسم الأرباح في المضاربة حتى يخرج رأس المال، فلو ضارب سَنة لكنه كلما ربح شيئاً خسر مثله ولم يبق بعد السنة إلا رأس المال، فهو لربه ولا شيء للمضارب.(٢) من الجاه، يقال فلان وجيه: أي صاحب منزلة، ففي شركة الوجوه لايدخل الشركاء بأموالهم، وإنما يشترون السلع في ذممهم بثمن مؤجل بحسب جاههم وثقة الناس بهم، ثم يحددون كم لكل واحد من رأس المال - وهي السلع التي اشتروها -، ثلثها أو نصفها ...
(تتمة) لا بد في جميع الشركات من تعيين رأس المال؛ لأن الخسارة تكون بقدره؛ ففي شركة الوجوه لو اشترى زيد وعمرو سلعاً بعشرين ألف ريال وكان لزيد ربعها ولعمرو الباقي، فلو حصلت خسارة ولم يبق إلا عشرة آلاف، فيكون على زيد ربع ما نقص، وهو ٢٥٠٠ ريال، وعلى عمرو الباقي، وهو ٧٥٠٠ ريال.(٣) عند الناس، ولابد من تعيين الملك والربح ولو لم يكن بقدر رأس المال.(٤) أي: كل شريك في شركة الوجوه وكيلُ الآخر في البيع والشراء. أيضاً، كل واحد منهما يكفل الآخر بالثمن؛ لأنهما يشتريان في الذمة، وكلاهما يُطالب بالثمن.стр. 405
مُبَاحٍ كاصطيادٍ وَنَحْوِه (١) ، أو يتقبلان فِي ذممِهِمَا من عملٍ كخياطة (٢) .
فَمَا تقبله أحدُهما لزمَهما عملُه وطولِبَا بِهِ (٣) ، وإن ترك أحدُهما العَمَلَ لعذرٍ أو لَا فالكسبُ بَينهمَا (٤) ، وَيلزم من عُذِرَ أو لم يعرفِ العَمَلَ أن يُقيمَ مقَامَه بِطَلَب شريكٍ (٥) .
الْخَامِس: شركَةُ الْمُفَاوضَة، وَهِي أن يُفَوِّض كلٌّ إلى صَاحبِه كلَّ تصرفٍ مَالِيٍّ (٦) ويشتركا فِي كل مَا يثبتُ لَهما وَعَلَيْهِمَا، فَتَصِحُّ إن لم يُدخلا الحواشي
(١) شركة الأبدان نوعان: (النوع الأول) اشتراك في تملك المباحات كاحتشاش واحتطاب، فيقتسمان ما يُحَّصِلَانِ من ذلك أو المال الناتج عن بيعه على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل.(٢) (النوع الثاني) أن يشتركا في تقبل الأعمال - أي: يأخذان أعمالاً من الناس كصناعة أبواب، أو غسل ثياب ونحو ذلك - في الذمة ولو اختلفت صنائعهما كخياط ونجار، فلا يشترط اتفاق الصنعة بل ولا معرفتهما، ولو قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بيننا صح، وتقسم أجرة عمل تقبَّلاه أو أحدهما على ما اتفقا عليه من تساوٍ أو تفاضل.(٣) فلو تقبل أحد الشركين في ذمته عملاً، لزمهما فعله، ويطالبان به جميعاً.(٤) على ما شرطاه.(٥) أي: يلزم من حصل له عذر يمنعه من العمل كمرض، أو كان لا يعرف الصنعة أن يقيم مقامَه مَن يعرف الصنعة إن طلب شريكه ذلك، وإلا لم يلزمه؛ لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع أو لم يمتنع، كما في الإقناع وشرح المنتهى.(٦) شركة المفاوضة، وهي قسمان: (القسم الأول) صحيح، وهو نوعان: [النوع الأول]: (أن يشتركا في كل أنواع الشركة السابقة): العِنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان، وذكره الماتن بقوله: أن يفوض كلٌّ إلى صاحبه كل تصرف ماليّ، أي: في البيع والشراء وغير ذلك، فيصح؛ لأن هذه الشركات صحيحة بانفرادها فصحت مجتمعة.стр. 406
الحواشي
(١) [النوع الثاني]: أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما، ولا يُدخلا فيها كسباً نادراً كميراث ووجدان لقطة وركاز، ولا يُدخلا فيها أيضاً غرامة كضمان غصب، وقيمة متلف، وأروش جنايات كضمان حوادث السيارات.
(القسم الثاني): كالنوع الثاني؛ لكن يدخلان فيها كسباً نادراً لهما أو لأحدهما كما لو ورث أحدهما شيئاً شاركه الشريك الآخر، وكذا لو أدخلا فيها غرامة عليهما أو على أحدهما كما لو غصب أحدهما شيئاً ضمنه معه شريكه؛ فتفسد؛ لأنه عقد لم يأت الشرع بمثله، ولما فيه من الغرر، ولأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك على القيام به.
(تتمة) وحيث فسدت فلكل منهما ربح ماله وأجرة عمله، وما يستفيده له، لا يشاركه فيه غيره؛ لفساد الشركة، ويختص بضمان ما غصبه أو جناه إن ضمنه عن الغير.
(تتمة: حكم التأمين) يتخرج على القسم الثاني الفاسد تحريم التأمين على حوادث السيارات ونحوها، وله ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون الشركة منعقدة فقط لتأخذ أموالاً من الناس لتضمن حوادثهم فقط بدون نشاط آخر، فهذه محرمة؛ لأنها مبنية على دفع أرش الجناية بالسيارات - وهي حوادث السيارات - وهذا غرامة، فالشركة هنا وسيط بين الصادم المخطئ والمصدوم، وهذا فيه غرر عظيم على الشركة؛ لأنها قد تتحمل أروشاً لحوادث تعجز عنها، وفيها غرر على العميل الذي يدفع قسطاً سنوياً، وقد تمر عليه سنة كاملة ولا يحصل له حادث.
الصورة الثانية: أن تنعقد الشركة على تجارة فعلية، ولها أرباح توزع على الشركاء، ويُدخلون فيها ما يحصل لأحد الشركاء من غرامات بسبب حادث سيارته، فهذه شركة محرمة أيضاً، وهي داخلة تحت القسم الثاني الفاسد.
الصورة الثالثة: أن يتفق مجموعة على دفع مال شهري أو سنوي يجتمع منه رأس مال، ويجعلونه صندوقاً تؤدى منه غرامات الحوادث، فالذي يظهر: جواز ذلك، والعقد فيها غير لازم، فيجوز لأحد الشركاء أن يخرج منها في أي وقت، وتجب على كل شريك زكاة ماله فقط، ولا أثر للخلطة هنا، ثم لا يخلو الحال:
١ - إن قرروا الرجوع بما فوق نصيب الشريك في الصندوق، فهي ضمان، وقد قال في الإقناع وشرحه في باب الضمان: ((ويصح ضمان أرش الجناية، نقوداً كانت) الأروش (كقيم المتلفات، أو حيواناً كالديات)؛ لأنها واجبة أو تؤول إلى الوجوب) انتهى. والضمان يكون لشيء وجب أو سيجب على الغير، والحادث يترتب عليه أرش عيب ألحقه الصادم بالمصدوم.
٢ - وإن لم يقرروا الرجوع فهي صدقة لا تلزم إلا بالقبض، والله أعلم. (بحث يحتاج لتحرير)стр. 407
وَكُلُّهَا جَائِزَة وَلَا ضَمَان فِيهَا إلا بتعدٍّ أو تَفْرِيط (١) . الحواشي
(١) فالشركات الخمس كلها جائزة شرعاً، وهي أيضاً عقود جائزة غير لازمة فلكل فسخها، ولا يضمن أحد الشركاء ما تلف عنده إلا إذا تعدى أو فرط.
(تتمة) مبطلات الشركة: قال في الإقناع وشرحه: ((والشركة) بسائر أنواعها (عقد جائز) من الطرفين؛ لأن مبناها على الوكالة والأمانة (تبطل بموت أحد الشريكين، و) بـ (ـجنونه) المطبق، (و) بـ (ـالحجر عليه لسفه) أو فلس أو فيما حجر عليه فيه، (وبالفسخ من أحدهما)، وسائر ما يبطل الوكالة).стр. 408
فصل (في المساقاة (١) والمزارعة)
وَتَصِح المسَاقَاةُ على شجرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَل (٢) ، وَثَمَرَةٍ مَوجُودَةٍ بِجُزْءٍ مِنْهَا (٣) ، وعَلى شجرٍ يغرِسُه ويعملُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثمرَ بِجُزْءٍ من الثَّمَرَةِ أو الشّجرِ أو مِنْهُمَا (٤) ،
فَإِن فسخ مَالكٌ قبل ظُهُور ثَمَرَةٍ فلعاملٍ الحواشي
(١) المساقاة لغة: مفاعلة من السقي، أي: سقي الماء، أما شرعاً فلها ثلاث صور ستأتي، وكلها جائزة. والأصل فيها حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، متفق عليه.(٢) (الصورة الأولى) أن يدفع المالك للعامل أرضاً وشجراً له ثمر يؤكل لكنه لم يظهر بعد، فيعمل عليه حتى يُثمر بجزء مشاع من الثمر لا من الشجر.(٣) (الصورة الثانية) أن يدفع المالك للعامل أرضه وشجره، وأن يكون للشجر ثمر ظاهر موجود، فيعمل عليه العامل حتى يكتمل نماؤه بجزء مشاع من الثمرة لا من الشجر.(٤) (الصورة الثالثة) المغارسة أو المناصبة: وهي دفع شجر غير مغروس لمن يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء مشاع معلوم من الثمر، أو من الشجر، أو منهما معاً كأن يشرط له ثلث الشجر وثلث الثمر.
(تتمة) يشترط لصحة المساقاة خمسة شروط: ١ - أن يكون الشجر معلوماً للمالك والعامل، ٢ - أن يكون للشجر ثمر يؤكل، فلا تصح على شجر لا ثمرة له أو له ثمرة لا تؤكل، ٣ - أن يكون كل من العامل وصاحب النخل جائز التصرف، ٤ - أن يكون الشجر من رب الأرض، فلا تصح على شجر من العامل، ٥ - أن يُشرط للعامل جزءٌ مشاع معلوم من الثمر، وهذا في المساقاة، أما في المناصبة فيصح كون المشروط جزءاً مشاعاً من الثمر أو من الشجر أو منهما، كما تقدم.стр. 409
أجرتُهُ (١) ، أو عَاملٌ فَلَا شَيء لَهُ (٢) .
وتُملك الثَّمَرَةُ بظهورها (٣) ، فعلى عَاملٍ تَمامُ عملٍ إذا فُسخت بعده (٤) ، وعَلى عَاملٍ كُلُّ مَا فِيهِ نموٌّ أو إصلاحٌ وحصادٌ وَنَحْوُه (٥) ، وعَلى الحواشي
(١) أي: إذا شرع العامل في عمله ثم فسخ المالك قبل ظهور الثمرة، فإن المساقاة تتحول إلى إجارة، فتقدر له أجرة ما عمل قبل الفسخ. أما شيخ الإسلام فيرى أنه يأخذ ما يقابل عمله مما جعل له من الثمر بالقسط، فإن عمل ربع العمل فله الربع مما قدر له من الجزء المشروط.(٢) أي: إذا فسخ العامل قبل ظهور الثمرة فلا شيء له، وقد تقدم في باب الوكالة أن المساقاة عقدٌ جائزٌ لكلٍّ من المتعاقدين فسخها.
(تتمة) وإن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة فلم تحمل الأشجار تلك السنة، فلا شيء للعامل.(٣) أي: يملك كلٌّ من العامل والمالك نصيبه من الثمرة بمجرد ظهورها.(٤) فإذا فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة وجب على العامل إتمام عمله حتى ينضج الثمر.(٥) فيجب على العامل في المساقاة والمغارسة والمزارعة: كلُّ ما فيه نمو أو إصلاح للثمر من الحرث، وإصلاح الطرق، والسقي، وكذا بَقَرُ الحرث فإنها عليه.стр. 410
ربِّ أصلٍ حفظٌ وَنَحْوُه (١) ، وَعَلَيْهِمَا بِقدر حِصَتَيْهِمَا جدَادٌ (٢) .
وَتَصِح المُزَارعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يخرج من الأرض (٣) بِشَرْطِ عِلمِ بذرٍ (٤) وَقدرِه (٥) وَكَونِهِ من ربِّ الأرض (٦) . الحواشي
(١) أي: يجب على رب الأصل - أي: رب الأرض -: حفظ الأصل، وإجراء الأنهار، وحفر الآبار، والإتيان بالماء إلى المزرعة.
(تتمة) إن شرط أحدهما على الآخر ما يلزمه هو، كأن شرط العاملُ أن يكون الحرثُ على المالك، أو شرط المالكُ على العامل أن يحفر الآبار والعيون لم يصح الشرط، والعقد باطل؛ لمخالفة الشرط مقتضى العقد، إلا إذا شرط المالك الجذاذ على العامل، فيصح.(٢) أي: قطع الثمر، فلو كان للعامل ثلث الثمرة فعليه قطع الثلث، والباقي على المالك.(٣) المزارعة: دفعُ أرضٍ وحبٍ لمن يزرعه ويقومُ عليه، أو دفعُ مزروعٍ لمن يعمل عليه بجزء مشاعٍ مما يتحصل منه، قال النجدي: (لا منه ومن الأرض).(٤) يشترط لصحة المزارعة: (الشرط الأول) علم جنس البذر - كما هو نص الإقناع -، هل هو قمح أو شعير أو غير ذلك، وإنما يكون ذلك برؤية أو صفة كشجر في مساقاة، كما في شرح المنتهى.(٥) (الشرط الثاني) علم قدر البذر الذي سيبذره العامل، وزاد في الإقناع: (وفي المغني: أو تقدير المكان)، يعني: معرفة مساحة المكان الذي سيبذر فيه العامل البذر، وإن لم يعلم قدره.(٦) (الشرط الثالث) كون البذر من رب الأرض أو مالك نفع الأرض كالمستأجر والموقوف عليه، فلا يصح كونه من العامل، وفي زاد المستقنع: (لا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض، وعليه عمل الناس)، وهو أقوى دليلاً، قاله في الإنصاف؛ لأنه لم يرد أن النبي ﷺ دفع البذر إلى أهل خيبر لما عاملهم، متفق عليه، وذكره في الإقناع رواية بعد تقديم المذهب، وذكر مَن اختاره.
(تتمة) (الشرط الرابع) أن يُشترط للعامل جزء مشاع معلوم مما يحصل من الغلة، والله أعلم.стр. 411
فصل (في الإجارة) (١)
وَتَصِح الإجارةُ بِثَلَاثَة شُرُوط:
معرفَةُ مَنْفَعَةٍ (٢) ، الحواشي
(١) الإجارة لغة: المجازاة، يقال: آجره الله على عمله، إذا جازاه عليه. وهي شرعاً: عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين أو عمل. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق، ٦]، وحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح: «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة» الحديث، وفيه: «ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره». وحكى ابن المنذر الإجماع على جواز الإجارة، والحاجةُ تدعو إليها.(٢) يشترط لصحة الإجارة: (الشرط الأول) معرفة المنفعة المعقود عليها. ويحصل ذلك بأحد أمرين: ١ - بالوصف، كأن يستأجره لبناء حائط ويصفه له، ٢ - أو بالعرف - قال البهوتي في شرح المنتهى: (أي: ما يتعارفه الناس بينهم) -كأن يستأجر داراً للسكنى، فكيفية السكنى معلومة بالعرف.стр. 412
وإباحتُها (١) ، وَمَعْرِفَةُ أجرةٍ إلا أجيراً وظئراً بطعامِهما وكِسوتِهِما (٢) .
وإن دخل حَمَّاماً، أو سفينةً، أو أعطى ثَوْبَه خياطاً وَنَحْوَه، صَحَّ وَله أجرةُ مثلٍ (٣) . الحواشي
(١) (الشرط الثاني) كون المنفعة المعقود عليها مباحة مطلقاً: ويشترط في النفع سبعة شروط - كما عدها النجدي -: ١ - كونه مباحاً، كما ذكر المصنف، ٢ - وكون الإباحة مطلقة، أي: بلا ضرورة، بخلاف جلد الميتة فلا تصح إجارته؛ لأنه يباح في حال دون حال، ٣ - وكون النفع مقصوداً عادة، ٤ - وكونه متقوماً، أي: له قيمة، فلا تصح إجارة تفاحة لشمها، ٥ - وكونه يستوفى دون استهلاك أجزاء العين، ٦ - والقدرة على تسليمه، ٧ - وكونه ملكاً للمؤجر.(٢) (الشرط الثالث) معرفة الأجرة: فيبين مقدارها عند العقد، ويستثنى من ذلك: الأجير والظئر - أي: المرضعة -، فلو استؤجر أحدُهما مقابل إطعامه أو كسوته صح، وفي شرح المنتهى: وإن لم يوصفا، انتهى، فالأجرة هنا غير معلومة، ويرجع في تقديرها إلى العرف.
(تتمة) في المنتهى وشرحه: ((وهما) أي: الأجير والمرضعة (في تنازع) مع مستأجرهما في صفة طعام أو كسوة أو قدرهما (كزوجة، فلهما نفقة وكسوة) مثلهما).(٣) أي: يكون لمن أركب الشخصَ السفينةَ وللخياط أجرةُ المثل، فيُرجع إلى العرف في تقدير الأجرة؛ لأنها لم تُعين، ومثل ما ذكر: حلَّاق ودلَّال. ولكنْ قيد البهوتي في شرحه للمنتهى والإقناع استحقاقَ أجرة المثل في هذه المسألة: بما إذا كان منتصباً لمثل هذا العمل، وإلا فلا شيء له إلا بعقد أو شرط، وتابعه الخلوتي والنجدي، وذكره الغاية اتجاهاً، ووافقه شارحها والشطي. (قيد مهم)
(تتمة) فائدة قد تنفع فيما يسمى بالبوفيه المفتوح: قال البهوتي في الكشاف: (ولا ينبغي لمن دخل الحمام أن يستعمل فوق المعتاد؛ لأنه غير مأذون فيه لفظاً ولا عرفاً، بل يحرم عليه كاستعماله من الموقوف فوق القدر المشروع، أخذاً من قولهم: يجب صرف الوقف للجهة التي عينها الواقف).
والبوفيه المفتوح فيه شَبَه بمسألة المرضعة من جهتين: الأولى: أن الأصح على المذهب: أن المعقود عليه هو اللبن، وقدره مجهول، كما أن المبيع - أي: الأكل - في البوفيه المفتوح مجهول القدر، والثانية: أن الأجرة هي: إطعام المرضعة، وقدر هذا الإطعام مجهول أيضاً، والإطعام هنا وإن كان أجرة لكن معرفتها شرط كقدر المبيع. ومثلُ الإرضاع الأمثلةُ الأخرى التي بعده، فينبغي لمن اشترى طعاماً بطريقة البوفيه المفتوح ألا يأكل فوق المعتاد؛ لأنه غير مأذون فيه لفظاً ولا عرفاً، ومن باب أولى ألا يحمل من الطعام معه ما لم يكن من القدر المعتاد الذي يريد أن يأكله فيما بعد، فليحرر. والله أعلم. (بحث)стр. 413
وَهِي ضَرْبَان:
إجارةُ عينٍ (١) ، الحواشي
(١) فالإجارة ضربان: (الضرب الأول) إجارة عين: ويشترط لصحتها خمسة شروط:стр. 414
وَشُرِط مَعْرفَتُهَا (١) ، وقدرةٌ على تَسْلِيمهَا (٢) ، وَعقدٌ فِي غير ظئرٍ على نَفعِهَا دون أجزائِها (٣) ، واشتمالُها على النَّفْعِ (٤) ، وَكَونثهَا لمؤجرٍ أو مَأْذُوناً لَهُ فِيهَا (٥) . الحواشي
(١) [الشرط الأول]: معرفة العين للعاقدين بـ أ- رؤية، ب - أو صفة تكفي في السلم يحصل بها معرفة العين المؤجرة كمبيع. فمن استأجر سيارة موصوفة اشترط أن يعرفها المستأجر برؤية أو بوصف، فإن لم تحصل المعرفة بالصفة، أو لا تتأتى الصفة في العين المؤجرة كالدار والعقار من بساتين ونخيل، فلا تكفي الصفة في تأجيره، بل لابد من مشاهدته وتحديده.(٢) [الشرط الثاني]: أن يقدِر المؤجر على تسليم العين للمستأجر.(٣) [الشرط الثالث]: أن يعقد على نفع العين لا على أجزائها، فيشترط ألا تستهلك أجزاء العين المستأجرة، فلا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله. ويستثنى من ذلك: الظئر، فإنها تُستأجر للإرضاع مع كون الحليب جزءاً من أجزائها.(٤) [الشرط الرابع]: اشتمالُ العين على النفع الذي استؤجرت من أجله، فلا يصح أن يستأجر أرضاً للزرع حال كونها لا تصلح له.(٥) [الشرط الخامس]: كون منفعة العين ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له فيها بطريق الولاية كالحاكم وولي السفيه.
(تنبيه) قول صاحب كشف المخدرات هنا: (يشترط كون العين ملكاً للمؤجر)، فيه نظر، بل يكفي كونه مالكاً لنفعها، ولهذا صح أن يستأجر شخص عيناً ثم يؤجرها لغيره مع أنه لا يملك إلا نفعها.
(تتمة) تابع الماتن الإقناع في شروط صحة تأجير العين، وهي الخمسة المتقدمة. أما صاحب المنتهى - ومثله الغاية - فذكر الشرط الأول: صحة بيعها سوى وقفٍ، وأم ولد، وحر، وحرة، ويصرف بصره عن المرأة الأجنبية التي أجرها، ولا تجوز الخلوة بها أيضاً. أما شرط: أن يعقد على نفعها دون أجزائها، فذكره المنتهى في شرط كون النفع مباحاً، والله أعلم.стр. 415
وإجارةُ العين قِسْمَانِ:
إلى أمدٍ مَعْلُومٍ يغلبُ على الظَّن بَقَاؤُهَا فِيهِ (١) .
الثَّانِي: لعملٍ مَعْلُومٍ، كإجارةِ دَابَّةٍ لركوبٍ أو حملٍ إلى مَوضِعٍ مُعَيَّن (٢) .
الضَّرْبُ الثَّانِي: عقدٌ على مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّة (٣) فِي شَيْءٍ الحواشي
(١) فإجارة العين قسمان بالنسبة لتقدير الانتفاع بها: [القسم الأول]: تقدير النفع بالزمن، كأن يؤجر سيارة لمدة شهر، ويشترط لصحته شرطان: ١ - كون الأمد معلوماً كشهر، ٢ - وأن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة خلال زمن الإجارة.(٢) [القسم الثاني]: تقدير النفع بالعمل، كأن يستأجر سيارة ليذهب بها إلى مكة ثم يعود، ويشترط لصحته شرطان: ١ - كون العمل معلوماً كركوب وحمل، ٢ - وضبط صفات العمل بما لا يختلف فيه العاقدان.(٣) تقدم أن الإجارة ضربان: أولهما: إجارة عين، وتقدمت، و (الضرب الثاني) إجارة منفعة في الذمة، أي: على عمل مستقبل.
(تتمة) من مميزات هذا الضرب: عدم تعين الأجير، فلِمَنْ استُؤجر لعملٍ ما أن يستأجر غيره لفعله بمبلغ أقل وهكذا، كفعل المقاولين وموظفي نظافة المساجد وغيرهم، فيصح؛ لأن المقصود حصول العمل المطلوب بغض النظر عن فاعله، لكن يشترط أن يأتي المقاول الثاني بالعمل المطلوب وفق المواصفات التي عقد عليها الأول.стр. 416
معيَّنٍ (١) أو مَوْصُوفٍ (٢) ،
فَيشْتَرط تقديرُها بِعَمَلٍ أو مُدَّةٍ كبناءِ دَارٍ وخياطةٍ (٣) ،
وَشُرط معرفَةُ ذَلِك الحواشي
(١) كأن يستأجر شخصاً لحمل ثلاجة يشاهدانها إلى مكان معين.(٢) كأن يستأجر شخصاً لحمل ثلاجة يصفها له.
(تنبيه) قول الماتن: (في شيء معين أو موصوف): من الإقناع لا المنتهى، لكن ذكرها ابن النجار في شرحه، وكذا البهوتي في شرح المنتهى.(٣) يشترط للإجارة على منفعة في الذمة أربعة شروط: [الشرط الأول]: تقدير المنفعة بعمل أو مدة، فإما أن يستأجره لبناء حائطٍ ويصفه، أو يستأجره للبناء خلال يومين، ولا يصح على المذهب في الإجارة الجمعُ بين التقديرين كبناء حائط صفته كذا في يومين. وهناك قول في المذهب بجواز الجمع بينهما، وعليه عمل المقاولين الآن. وكلا القولين مشكل، فعلى عدم جواز الجمع بين التقديرين: لو استأجره على مدة معينة ربما أكمل العمل قبل نهايتها، ولو استأجره على عمل معين فربما أبطأ فيه، فيفعل العمل اليسير في وقت طويل، وعلى القول الآخر: لو انتهى العامل مما طلب منه قبل نهاية المدة ربما حصل النزاع على باقيها، فهو مشكل أيضاً، لكن إشكاله أقل من القول الأول. والله أعلم. (بحث)
(تتمة) يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل جعالة: قال البهوتي في شرح الإقناع: ((ويصح) الجمع بين تقدير المدة والعمل (جعالة)؛ لأنه يغتفر فيها ما لا يغتفر في الإجارة، فإذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها، كقضاء الدين قبل أجله. وإن مضت المدة قبل العمل، فإن اختار إمضاء العقد طالبه بالعمل فقط، كالمسلم إذا صبر عند التعذر، وإن فسخ قبل العمل سقط الأجر والعمل، وإن كان بعد عَمَلِ بعضِه فإن كان الفسخ من الجاعل فللعامل أجر مثله، وإن كان من العامل فلا شيء له، هذا مقتضى كلامهم، لكن لم أره صريحاً).стр. 417
وَضَبطُه (١) ، وَكَونُ أجِيرٍ فِيهَا آدمياً جَائِزَ التَّصَرُّف (٢) ، وَكَونُ عملٍ لَا يخْتَص فَاعلُه أن يكونَ من أهل القربَة (٣) . الحواشي
(١) [الشرط الثاني]: معرفة العمل وضبطه بأوصاف لا يقع الخلاف فيها، فلو استأجره لبناء حائط اشترط ذكر صفته بذكر طوله وعرضه ونحو ذلك.(٢) [الشرط الثالث]: كون الأجير آدمياً جائز التصرف - أي: حراً مكلفاً رشيداً -، فلا يصح كونه سيارة أو دابة. والأجير هنا يسمى أجيراً مشتركاً، وهو من يُقدَّر نفعه بالعمل كالخياطين، ومن يعمل في المغاسل، فيتقبلون أعمالاً من جميع الناس في وقت واحد. أما الأجير الخاص فيُقدَّر نفعه بالزمن كمن يستأجر شخصاً يخيط عنده من الفجر إلى العصر مثلاً، فلا يعمل لغيره في تلك المدة.(٣) [الشرط الرابع] كون العمل المعقود عليه لا يشترط لصحته أن يكون فاعله من أهل القُربة - أي: من المسلمين -، فلا تصح الإجارة على الأذان، والإقامة، والإمامة، والقضاء، ويحرم أخذ الأجرة عليها. أما العمل الذي يصح من المسلم والكافر فتجوز الإجارة عليه كتنظيف المسجد مع كون إدخال الكافر المسجد حراماً على المذهب، ويصح الأخذ بلا شرط.
(تتمة) ما لا يصح عقد الإجارة عليه يصح عقد الجعالة عليه بشرط كون النفع فيها متعدياً: لا يصح عقد إجارة على تعليم القرآن، والإمامة، والقضاء، وتعليم العلوم الدينية كالفقه والحديث، والنيابة في الحج، لكن يجوز أخذ الرزق من ولي الأمر عليها، وكذلك يصح عقد الجعالة عليها. لكن يشترط تعدي نفع هذه الأعمال إلى الغير، فلو قال شخص لآخر: إن صليت خمسة فروض في المسجد، أو حججت عن نفسك فلك كذا، فلا يصح ذلك إجارة، ولا جعالة، ولا من باب الرزق من بيت المال، لكن يصح بذل مال إن كان من باب الوعد بالهدية، كما لو قال أب لأولاده: من صلى في المسجد، أو من حفظ جزءًا من القرآن الكريم فله كذا، جاز بذله وأخذه. ومثله: ما تفعله الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بإعطائها الحافظَ للقرآن الكريم، أو بعضَه مبلغاً من المال، وكذا في حفظ الحديث النبوي والفقه وغير ذلك، فهذا كله يدخل في باب الهدايا المباحة بل المستحبة؛ لما فيها من الإعانة على حفظ الدين والصلاح للناس، قال شيخ الإسلام - كما في مجموع الفتاوى-: (فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن؛ مثل أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح: من مال أو ثناء أو غيره).
وقال في الإقناع في باب الهبة والعطية: (فإن قصد بإعطائه ثواب الآخرة فقط فصدقة، وإن قصد إكراماً وتودداً ومكافأة - البهوتي: والواو بمعنى أو كما في المنتهى - فهدية). فقوله: (ومكافأة): فيه جواز الهدية مكافأة على أي عمل يقوم به المكافأ. فليحرر. والله أعلم.
قال في الإقناع وشرحه: ((ويصح أخذ جعالة على ذلك كـ) ـما يجوز (أخذه) عليه (بلا شرط، وكذا) حكم (رُقية) .. (وله أخذ رزق على ما يتعدى نفعه) كالقضاء، والفتيا، والأذان، والإمامة، وتعليم القرآن، والفقه، والحديث، ونحوها (كـ) ـما يجوز أخذ (الوقف على من يقوم بهذه المصالح) المتعدي نفعها؛ لأنه ليس بعوض، بل القصد به الإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنه لو قدح ما استحقت الغنائم (بخلاف الأجر) فيمتنع أخذه على ذلك لما تقدم. (وليس له أخذ رزق، و) لا (جعل، و) لا (أجر على ما لا يتعدى) نفعه (كصوم وصلاة خلفه) بأن أعطى لمن يصلي مأموماً معه جعلاً أو أجرة أو رزقاً، (وصلاته لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، ونحوه) كاعتكافه، وطوافه عن نفسه؛ لأن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها).
والفرق بين الرزق والجعالة: أن الرزق يكون من بيت المال، أو من الوقف، كما في شرح المنتهى (٤/ ٤٣)، قال في المطلع: (رَزَقَ الإمام من بيت المال: أي: أعطى من غير إجارة، قال الجوهري: وابن فارس: الرزق: العطاء). أيضاً، الرزق ليس بعوض، بل هو للإعانة على الطاعة، بخلاف الجعالة فهي من مال شخص معين أو أشخاص، وهي معاوضة. ويتفقان: في كون الرزق والجعل إنما رُتِّب مقابل عمل، ومثلهما الأجرة في عقد الإجارة، وهي معاوضة أيضاً.
والحاصل: أن الإجارة والجعالة والرزق يتفقون في كون الأجرة والجعل والرزق مرتباً كلُّ واحد منهم على عمل قبل أن يعمله العامل، ولا يستحقه العامل إلا بعد العمل، بخلاف الهدية، فإنها هبة يصح الوعد - وهو غير ملزم - بها قبل العمل، ويصح ويجوز أن تُبذل بعد العمل، وبلا عمل البتة. والله أعلم. (بحث)стр. 418
وعَلى مؤْجِرٍ كُلُّ مَا جرت بِهِ عَادَةٌ وَعرفٌ كزمامِ مركوبٍ وَشدٍّ، وَرفعٍ وَحطٍّ (١) ، وعَلى مُكترٍ نَحْوُ مَحْمِل (٢) ومِظلَّةٍ (٣) وتعزيلُ نَحْوِ بالُوعة إن تسلمها فارغة (٤) ، وعَلى مُكْرٍ تَسْلِيمُهَا كَذَلِك (٥) . الحواشي
(١) وهذا في المركوب الذي كالإبل، فعليه الزمام وشد الأحمال عليه، ورفعها وحطها عنه، ومثله السيارة، فذلك واجب على المؤجر.
(تتمة) وإن كانت العين المستأجرة داراً لزم المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة كإيصال الماء والكهرباء للدار، وإصلاح المنكسر، ونحو ذلك. أما الأشياء الاستهلاكية كاللمبات، وخلاطات الماء، والأفياش، والسخانات فتلزم المؤجر أول مرة؛ لأن المستأجر لا يمكنه الانتفاع بالدار إلا بها، ثم بعد ذلك على ما يتفقان عليه، والله أعلم.
وأما تزويق الدار بالجبس ونحو ذلك، فلا يلزم أحدهما، كما في الإقناع وشرح المنتهى.(٢) أي: على المستأجر نحو محمِل- على وزن مجْلِس - وهو: شيء مربع يوضع على سنام البعير يكون فيه الراكب.(٣) التي تحمي من الشمس.(٤) وهي: مكان يجتمع فيه البول والغائط في البيوت سابقاً. والتعزيل: التفريغ - كما في المنتهى -، فيجب على المستأجر أن يسلم البالوعة فارغة إن تسلمها فارغة.(٥) فيجب عليه أن يسلمها فارغة.стр. 419
فصل (في لزوم الإجارة وما يوجب الفسخ)
وَهِي عقدٌ لَازمٌ (١) ، فَإِن تحول مُسْتَأجرٌ فِي أثناءِ المدَّةِ بِلَا عذرٍ فَعَلَيهِ كلُّ الأجرةِ (٢) ، وإن حوَّله مَالكٌ فَلَا شَيْء لَهُ (٣) .
وتنفسخُ بِتَلفِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ (٤) ، وَمَوْتِ مرتضِع (٥) ، وانقلاعِ ضرسٍ أو بُرئه (٦)
وَنَحْوِهِ. الحواشي
(١) من الطرفين، فلا يجوز لأحدهما أن يفسخها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة، وظاهر كلامهم لزوم عقد الإجارة في الضربين: إجارة العين، وعلى منفعة في الذمة.(٢) أي: بلا عذر يمنعه من الانتفاع من العين المستأجرة، ومن ذلك: أن يستأجر شَقة في مدينة أتاها لقضاء حاجة يظنها تستغرق شهراً فقضاها في أسبوع، فليس له فسخ الإجارة فيما بقي، ويلزمه دفع جميع الأجرة، ولا يجوز للمؤجر أن يؤجر شَقته قبل نهاية العقد بلا رضاه؛ لأن منافعها ملك له، وإلا لزمته أجرة المثل يدفعها له.(٣) ويحرم عليه أن يحوله.(٤) كأن يستأجر سيارة فتتلف قبل نهاية المدة، فإن الإجارة تنفسخ.(٥) أي: لو استأجر امرأة لترضع طفلاً فمات الطفل انفسخت الإجارة.(٦) أي: لو استأجر طبيباً ليقلع ضرساً أو يعالج مريضاً، فانقلع الضرس، أو برئ المريض قبل عمل الطبيب انفسخ عقد الإجارة.
(تتمة) ضابط الأمور التي تنفسخ بها الإجارة: تعذر استيفاء المنفعة المعقود عليها في العين، وهو منطبق على الأمثلة الثلاثة السابقة.
(تتمة) لو ظهر أو حدث عيب في العين المستأجرة: قال في المنتهى وشرحه: ((وإن ظهر) بمؤجرة عيب بأن كان بها حين العقد ولم يعلم به مستأجر .. (أو حدث) بمؤجر، عيب كجنون أجير، أو مرضه ونحوه (وهو) أي: العيب (ما يظهر به تفاوت الأجرة) بأن تكون الأجرة معه دونها مع عدمه (فلمستأجر الفسخ)؛ لأنه عيب في المعقود عليه أشبه العيب في بيوع الأعيان. والمنافع لا يحصل قبضها إلا شيئاً فشيئاً، فإذا حدث العيب، فقد وُجد قبل قبض الباقي من المعقود عليه، فأثبت الفسخ فيما بقي منها (إن لم يزل) العيب (بلا ضرر يلحقه) أي: المستأجر ... ولمستأجر أيضاً الإمضاء مجاناً بلا أرش).стр. 420
وَلَا يضمن أجيرٌ خَاصٌّ مَا جنت يَده خطأً (١) ، وَلَا نَحْوُ حجّامٍ، الحواشي
(١) أي: ما اعتدت يده خطأً، فلا يضمن ما لم يتعد أو يفرط، والأجير الخاص: هو من قُدر نفعه بالزمن.
(تتمة) ما يستثنى من زمن الإجارة الخاصة: قال في الإقناع وشرحه: ((يستحق المستأجر نفعه في جميع المدة المقدر نفعه بها) لا يشركه فيها أحد، فإن لم يستحق نفعه في جميع الزمن فمشترك كما يأتي (سوى) زمن (فعل الصلوات الخمس في أوقاتها بسننها) أي: المؤكدات، قاله في المستوعب، (و) سوى (صلاة جمعة وعيد) فإن أزمنة ذلك لا تدخل في العقد، بل هي مستثناة شرعاً، قال المجد في شرحه: ظاهر النص: يمنع من شهود الجماعة إلا بشرط أو إذن (سواء سلم نفسه للمستأجر) بأن كان يعمل عند المستأجر (أو لا) بأن كان يعمل في بيت نفسه).стр. 421
وطبيبٍ، وبيطارٍ، عُرف حِذْقُهم إن أَذِن فِيهِ مُكَلّفٌ أو وليُّ غَيره وَلم تَجْنِ أيديهم (١) ، وَلَا رَاعٍ مَا لم يَتَعَدَّ أو يفرِّط (٢) .
وَيضمنُ مُشْتَركٌ مَا تَلِف بِفِعْلِهِ (٣) لَا من حرزِه (٤) وَلَا أجرةَ لَهُ (٥) . الحواشي
(١) فلا يضمن أحدهم - وكذا ختان - سواء كان أجيراً خاصًّا أو مشتركاً إن توفرت ثلاثة شروط: ١ - أن يُعرف حذقه، بأن يكون له بصارة ومعرفة بصنعته - كما قال النجدي -، ٢ - وأن يأذن فيه مكلف، أو ولي غير مكلف، أي: في فعل الحجامة ونحوها، ٣ - وألا تجني يده، أي: ألا يتجاوز بفعله ما لا ينبغي تجاوزه، كأن يقطع من الجلد أكثر مما يحتاج إليه، فيضمن ما تلف ولو لم يتعمد. والبيطار: البزاغ، الذي يبزغ الجسم أو الجلد فيخرج منه الدم.(٢) فلا يضمن الراعي - الذي يرعى الغنم ونحوها - ما تلف إلا إذا تعدى أو فرط، وقد تقدم أن التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: هو ترك ما يجب فعله.(٣) فالأجير المشترك - وهو من قدر نفعه بالعمل - يضمن ما تلف بجناية يده، ولو لم يتعمد كأن يخطئ في تفصيل ثوب، أو يَسقط منه شيء فينكسر، خلافاً للشيخ ابن عثيمين فإنه لا يضمنه.(٤) كأن يضع الثوب والسلعة في مكان فيحترق، فلا يضمن إن لم يفرط؛ لأنه بغير فعله.(٥) فإذا تلف شيء في حرزه فلا أجرة له على ما عمله في ذلك التالف.стр. 422
وَالخَاصُّ (١) من قُدِّرَ نَفعُه بالزمن والمشتركُ بِالعَمَلِ.
وَتجب الأجرةُ بِالعقدِ مَا لم تؤجَّل (٢) .
وَلَا ضَمَانَ على مُسْتَأجرٍ إلا بتعدٍّ أو تَفْرِيط (٣) ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نفيهما (٤) . الحواشي
(١) أي: الأجير الخاص.(٢) أي: يملك المؤجر الأجرةَ - في إجارة العين أو الإجارة في الذمة - بمجرد العقد، شَرَط الحلول فيها أو أطلق، فإن أُجلت لم تجب إلا بحلوله. ويتعلق بالأجرة: وجوب ثم استحقاق ثم استقرار، واقتصر المؤلف على أوَّلها.(٣) أي: لا يضمن مستأجرُ عينٍ كسيارة تلفت إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ لأنه قبض العين ولا يختص بنفعها، وإنما ينتفع بها هو وصاحبها، فيده يد أمانة. والله أعلم.(٤) أي: التعدي والتفريط؛ لأنه أمين.
(تتمة) الإيجار المنتهي بالتمليك ومحاولة تخريجه على المذهب:
من إشكاليات هذا العقد جعل الضمان على المستأجر مطلقاً سواء تعدى أو فرط أو لا. ويقرر الحنابلة في باب «الشروط في البيع»: أن الشرط الذي ينافي مقتضى البيع فاسد كشرط ألا يبيعه ولا يهبه؛ لكنه? يُفسد العقد. وظاهر كلامهم جواز الإقدام على عقد فيه شرط فاسد؛ لحديث بريرة ﵂: «خذيها واشترطي لهم الولاء»، متفق عليه؛ لكنهم جعلوا لمن فات غرضُه بفساد الشرط الفسخَ أو أرش ما نقص بسبب الشرط.
ونظير ذلك لو شرط المؤجر على المستأجر ما ينافي مقتضى العقد كضمان العين، فالشرط باطل - كما نص عليه صاحب الإقناع -؛ لأن مقتضى عقد الإجارة كون يد المستأجر يد أمانة، فلا يضمن العين إلا بالتعدي أو التفريط.
فالظاهر جواز الإقدام على عقد الإيجار المنتهي بالتمليك مع وجود شرط الضمان - أي: التأمين - على المستأجر مطلقاً، وله بعد ذلك الامتناع من الضمان - الذي يكون بسبب تلف، أو عيب بغير تعد منه ولا تفريط - عن طريق المحكمة. والظاهر حرمة تضمين المستأجر، لكن لو حصل ذلك فإن العقد لا يزال صحيحاً، وقد حلت مؤسسة الراجحي الإشكال بأن جعلوا التأمين والضمان عليهم لا على المستأجر. (بحث)стр. 423
الحواشي
(١) المسابقة: من السبْق، بسكون الباء. وهي اصطلاحاً: المجاراة بين حيوان ونحوه كالسفن. والسبَق - بفتح الباء -: الجُعل الذي يسابق عليه. والأصل في المسابقة: الجواز، وقد سابق النبي ﷺ عائشة ﵂ فسبقته ثم سبقها، رواه الإمام أحمد وغيره، وفي حديث ابن عمر ﵄: سابق النبي ﷺ بالخيل المضمرة من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق، متفق عليه. والخيل المضمرة هي: المعلوفة القوت بعد السمن قاله في القاموس.
والمسابقة: جعالة؛ فلكل فسخها ما لم يظهر الفضل لصاحبه فيمتنع الفسخ على المفضول فقط، ومن كشاف القناع للبهوتي يؤخذ عدم جواز الفسخ للمفضول حيث قال: (فإن ظهر) له عليه فضل (فله) أي الفاضل (الفسخ) لأن الحق له (دون صاحبه) المفضول لأنه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة فلا يحصل المقصود). فقوله: لأنه لو جاز .. إلخ يفهم منه عدم الجواز والله أعلم. (بحث)стр. 424
وَتجوز المسَابقَةُ على أقدامٍ، وسهامٍ (١) ، وسُفُنٍ، ومزاريقَ (٢) ، وَسَائِرِ حَيَوَانٍ (٣) أو بعوضٍ، إلا على إِبل وخيل وسهام (٤) . الحواشي
(١) زاد الإقناع هنا: (للرجال) قال البهوتي: (أخرج النساء؛ لأنهن لسن مأمورات بالجهاد).(٢) هي: الرماح القصيرة.(٣) كالإبل والخيل.(٤) الصواب: لا بعوض إلا ... ، كما في المنتهى والإقناع وفي نسخة من نسخ الأخصر، وكافي المبتدي - الذي هو أصل هذا المتن -، ومعناه: لا تجوز المسابقة بعوض فيما تقدم إلا في ثلاثة: الإبل والخيل والسهام. (تنبيه على عبارة الماتن)
(تتمة) المسابقات ثلاثة أنواع:
(النوع الأول) المسابقات المباحة: وضابطها: كل مسابقة فيها منفعة وليس فيها مضرة راجحة، كالمسابقة بين الطيور والحيوان. ويرى الشيخ ابن عثيمين جواز المسابقة على كرة القدم وجواز مشاهدتها ما لم يفض ذلك إلى رؤية محرم كالأفخاذ.
واختلف العلماء في حكم أخذ العوض على هذا النوع من المسابقات، والمذهب تحريمه، وهو قول المذاهب الأربعة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فيحرم كل عوض من ميداليات وكؤوس وغير ذلك. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، رواه الخمسة وصححه الألباني في الإرواء، والمراد بالنصل: السهام، وبالخف: الإبل، وبالحافر: الفرس. وحكى ابن عبد البر في التمهيد الإجماع على تحريم الرهان - أي: السبَق - في غير هذه الثلاثة، وذكر ابن القيم في كتابه «الفروسية»: (أنّ تجويز بذل العوض في هذا النوع من المسابقات فيه ذريعة لاشتغال النفوس به واتخاذه مكسباً)، وهو الحاصل الآن، والله المستعان.
والقول الثاني: للمالكية جواز أخذ العوض إن كان من أجنبي، أي: من غير المتسابقين. وهو رأي شيخنا خالد المشيقح، وقالت به اللجنة الدائمة في إحدى فتاويها. لكن الشيخ خالد المصلح ذكر في كتابه «الحوافز التسويقية» أنه لم يجد دليلاً يعضد القول بالجواز؛ فالصحيح عدم جواز أخذ العوض على هذه المسابقات؛ لصراحة الحديث الوارد.
(النوع الثاني) المسابقات المحرمة: وضابطها: كل مسابقة نهى الشارع عنها أو تضمنت محذوراً شرعياً كالملاكمة والنرد ومناطحة الديوك؛ فهذه المسابقات محرمة بلا عوض، ومع العوض تكون أشد تحريماً.
(النوع الثالث) المسابقات الشرعية: وضابطها: كل مسابقة يستعان بها على الجهاد والتّقوّي على إظهار الدين وتحصيل النكاية بالأعداء، وهي مسابقات الإبل والخيل والسهام. وقد أذن الشارع بالعوض في هذه المسابقات دون غيرها.
وهل تلحق بها المسابقات الدينية في القرآن الكريم والفقه والحديث ونحو ذلك؟ المذهب عند الحنابلة لا يلحقونها بها، فلا يجوز العوض إلا في الثلاثة الواردة في الحديث.
ويرى شيخ الإسلام أن يُلحق بها كل ما فيه إعزاز للدين وتعليم الناس دينَهم، ومن ذلك المسابقات في الفقه والحديث ونحوها. أما غير ذلك من المسابقات، فتجوز لكن بدون عوض. وهو القول الثاني في المذهب. قال في الفروع: (فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينفع في الدين، كما في مراهنة أبي بكر ﵁، اختار ذلك شيخنا، وقال: إنه أحد الوجهين، معتمداً على ما ذكره ابن البناء، وظاهره جواز الرهان في العلم، وفاقاً للحنفية؛ لقيام الدين بالجهاد والعلم)، قال في الإنصاف - بعد أن نقل كلام الفروع السابق -: (وهذا ظاهر اختيار صاحب الفروع، وهو حسن).
قلت: وهو أحسن ما يقال به، خاصة أن المسابقة على الثلاثة التي حددها العلماء تكاد تكون معدومة، وإن وجدت المسابقة في بعضها فليس المقصود منها الإعانة على الجهاد، وفي تجويز المسابقات بعوض في العلم الشرعي مصلحة دينية عظيمة، والله أعلم. (بحث)
(تتمة) لو عملت مسابقة على أشياء علمية شرعية بهدايا فكيف تجوز على المذهب؟ يقام أحدهم ويُسْئل السؤال، فإن أجاب أُعطي هدية، ولا يجوز أن يقال: (سنسأل الجميع ومن أجاب أعطيناه هدية)؛ لأن هذا مسابقة. والله اعلم.стр. 425
وَشُرط تعيينُ مركوبينِ (١) الحواشي
(١) يشترط في مسابقة الإبل والخيل والسهام خمسة شروط: (الشرط الأول) تعيين المركوبين - لا الراكبين - برؤية، كما في المنتهى، وهذا في الإبل والخيل، وتعيين الراميين برؤية في مسابقة السهام، وذكره الماتن بقوله: (وتعيين الرماة).следующие страницы →