Полный текст (758 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وطبيبٍ، وبيطارٍ، عُرف حِذْقُهم إن أَذِن فِيهِ مُكَلّفٌ أو وليُّ غَيره وَلم تَجْنِ أيديهم (١) ، وَلَا رَاعٍ مَا لم يَتَعَدَّ أو يفرِّط (٢) .
وَيضمنُ مُشْتَركٌ مَا تَلِف بِفِعْلِهِ (٣) لَا من حرزِه (٤) وَلَا أجرةَ لَهُ (٥) . الحواشي
(١) فلا يضمن أحدهم - وكذا ختان - سواء كان أجيراً خاصًّا أو مشتركاً إن توفرت ثلاثة شروط: ١ - أن يُعرف حذقه، بأن يكون له بصارة ومعرفة بصنعته - كما قال النجدي -، ٢ - وأن يأذن فيه مكلف، أو ولي غير مكلف، أي: في فعل الحجامة ونحوها، ٣ - وألا تجني يده، أي: ألا يتجاوز بفعله ما لا ينبغي تجاوزه، كأن يقطع من الجلد أكثر مما يحتاج إليه، فيضمن ما تلف ولو لم يتعمد. والبيطار: البزاغ، الذي يبزغ الجسم أو الجلد فيخرج منه الدم.(٢) فلا يضمن الراعي - الذي يرعى الغنم ونحوها - ما تلف إلا إذا تعدى أو فرط، وقد تقدم أن التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: هو ترك ما يجب فعله.(٣) فالأجير المشترك - وهو من قدر نفعه بالعمل - يضمن ما تلف بجناية يده، ولو لم يتعمد كأن يخطئ في تفصيل ثوب، أو يَسقط منه شيء فينكسر، خلافاً للشيخ ابن عثيمين فإنه لا يضمنه.(٤) كأن يضع الثوب والسلعة في مكان فيحترق، فلا يضمن إن لم يفرط؛ لأنه بغير فعله.(٥) فإذا تلف شيء في حرزه فلا أجرة له على ما عمله في ذلك التالف.стр. 422
وَالخَاصُّ (١) من قُدِّرَ نَفعُه بالزمن والمشتركُ بِالعَمَلِ.
وَتجب الأجرةُ بِالعقدِ مَا لم تؤجَّل (٢) .
وَلَا ضَمَانَ على مُسْتَأجرٍ إلا بتعدٍّ أو تَفْرِيط (٣) ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نفيهما (٤) . الحواشي
(١) أي: الأجير الخاص.(٢) أي: يملك المؤجر الأجرةَ - في إجارة العين أو الإجارة في الذمة - بمجرد العقد، شَرَط الحلول فيها أو أطلق، فإن أُجلت لم تجب إلا بحلوله. ويتعلق بالأجرة: وجوب ثم استحقاق ثم استقرار، واقتصر المؤلف على أوَّلها.(٣) أي: لا يضمن مستأجرُ عينٍ كسيارة تلفت إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ لأنه قبض العين ولا يختص بنفعها، وإنما ينتفع بها هو وصاحبها، فيده يد أمانة. والله أعلم.(٤) أي: التعدي والتفريط؛ لأنه أمين.
(تتمة) الإيجار المنتهي بالتمليك ومحاولة تخريجه على المذهب:
من إشكاليات هذا العقد جعل الضمان على المستأجر مطلقاً سواء تعدى أو فرط أو لا. ويقرر الحنابلة في باب «الشروط في البيع»: أن الشرط الذي ينافي مقتضى البيع فاسد كشرط ألا يبيعه ولا يهبه؛ لكنه? يُفسد العقد. وظاهر كلامهم جواز الإقدام على عقد فيه شرط فاسد؛ لحديث بريرة ﵂: «خذيها واشترطي لهم الولاء»، متفق عليه؛ لكنهم جعلوا لمن فات غرضُه بفساد الشرط الفسخَ أو أرش ما نقص بسبب الشرط.
ونظير ذلك لو شرط المؤجر على المستأجر ما ينافي مقتضى العقد كضمان العين، فالشرط باطل - كما نص عليه صاحب الإقناع -؛ لأن مقتضى عقد الإجارة كون يد المستأجر يد أمانة، فلا يضمن العين إلا بالتعدي أو التفريط.
فالظاهر جواز الإقدام على عقد الإيجار المنتهي بالتمليك مع وجود شرط الضمان - أي: التأمين - على المستأجر مطلقاً، وله بعد ذلك الامتناع من الضمان - الذي يكون بسبب تلف، أو عيب بغير تعد منه ولا تفريط - عن طريق المحكمة. والظاهر حرمة تضمين المستأجر، لكن لو حصل ذلك فإن العقد لا يزال صحيحاً، وقد حلت مؤسسة الراجحي الإشكال بأن جعلوا التأمين والضمان عليهم لا على المستأجر. (بحث)стр. 423
الحواشي
(١) المسابقة: من السبْق، بسكون الباء. وهي اصطلاحاً: المجاراة بين حيوان ونحوه كالسفن. والسبَق - بفتح الباء -: الجُعل الذي يسابق عليه. والأصل في المسابقة: الجواز، وقد سابق النبي ﷺ عائشة ﵂ فسبقته ثم سبقها، رواه الإمام أحمد وغيره، وفي حديث ابن عمر ﵄: سابق النبي ﷺ بالخيل المضمرة من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق، متفق عليه. والخيل المضمرة هي: المعلوفة القوت بعد السمن قاله في القاموس.
والمسابقة: جعالة؛ فلكل فسخها ما لم يظهر الفضل لصاحبه فيمتنع الفسخ على المفضول فقط، ومن كشاف القناع للبهوتي يؤخذ عدم جواز الفسخ للمفضول حيث قال: (فإن ظهر) له عليه فضل (فله) أي الفاضل (الفسخ) لأن الحق له (دون صاحبه) المفضول لأنه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة فلا يحصل المقصود). فقوله: لأنه لو جاز .. إلخ يفهم منه عدم الجواز والله أعلم. (بحث)стр. 424
وَتجوز المسَابقَةُ على أقدامٍ، وسهامٍ (١) ، وسُفُنٍ، ومزاريقَ (٢) ، وَسَائِرِ حَيَوَانٍ (٣) أو بعوضٍ، إلا على إِبل وخيل وسهام (٤) . الحواشي
(١) زاد الإقناع هنا: (للرجال) قال البهوتي: (أخرج النساء؛ لأنهن لسن مأمورات بالجهاد).(٢) هي: الرماح القصيرة.(٣) كالإبل والخيل.(٤) الصواب: لا بعوض إلا ... ، كما في المنتهى والإقناع وفي نسخة من نسخ الأخصر، وكافي المبتدي - الذي هو أصل هذا المتن -، ومعناه: لا تجوز المسابقة بعوض فيما تقدم إلا في ثلاثة: الإبل والخيل والسهام. (تنبيه على عبارة الماتن)
(تتمة) المسابقات ثلاثة أنواع:
(النوع الأول) المسابقات المباحة: وضابطها: كل مسابقة فيها منفعة وليس فيها مضرة راجحة، كالمسابقة بين الطيور والحيوان. ويرى الشيخ ابن عثيمين جواز المسابقة على كرة القدم وجواز مشاهدتها ما لم يفض ذلك إلى رؤية محرم كالأفخاذ.
واختلف العلماء في حكم أخذ العوض على هذا النوع من المسابقات، والمذهب تحريمه، وهو قول المذاهب الأربعة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فيحرم كل عوض من ميداليات وكؤوس وغير ذلك. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، رواه الخمسة وصححه الألباني في الإرواء، والمراد بالنصل: السهام، وبالخف: الإبل، وبالحافر: الفرس. وحكى ابن عبد البر في التمهيد الإجماع على تحريم الرهان - أي: السبَق - في غير هذه الثلاثة، وذكر ابن القيم في كتابه «الفروسية»: (أنّ تجويز بذل العوض في هذا النوع من المسابقات فيه ذريعة لاشتغال النفوس به واتخاذه مكسباً)، وهو الحاصل الآن، والله المستعان.
والقول الثاني: للمالكية جواز أخذ العوض إن كان من أجنبي، أي: من غير المتسابقين. وهو رأي شيخنا خالد المشيقح، وقالت به اللجنة الدائمة في إحدى فتاويها. لكن الشيخ خالد المصلح ذكر في كتابه «الحوافز التسويقية» أنه لم يجد دليلاً يعضد القول بالجواز؛ فالصحيح عدم جواز أخذ العوض على هذه المسابقات؛ لصراحة الحديث الوارد.
(النوع الثاني) المسابقات المحرمة: وضابطها: كل مسابقة نهى الشارع عنها أو تضمنت محذوراً شرعياً كالملاكمة والنرد ومناطحة الديوك؛ فهذه المسابقات محرمة بلا عوض، ومع العوض تكون أشد تحريماً.
(النوع الثالث) المسابقات الشرعية: وضابطها: كل مسابقة يستعان بها على الجهاد والتّقوّي على إظهار الدين وتحصيل النكاية بالأعداء، وهي مسابقات الإبل والخيل والسهام. وقد أذن الشارع بالعوض في هذه المسابقات دون غيرها.
وهل تلحق بها المسابقات الدينية في القرآن الكريم والفقه والحديث ونحو ذلك؟ المذهب عند الحنابلة لا يلحقونها بها، فلا يجوز العوض إلا في الثلاثة الواردة في الحديث.
ويرى شيخ الإسلام أن يُلحق بها كل ما فيه إعزاز للدين وتعليم الناس دينَهم، ومن ذلك المسابقات في الفقه والحديث ونحوها. أما غير ذلك من المسابقات، فتجوز لكن بدون عوض. وهو القول الثاني في المذهب. قال في الفروع: (فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينفع في الدين، كما في مراهنة أبي بكر ﵁، اختار ذلك شيخنا، وقال: إنه أحد الوجهين، معتمداً على ما ذكره ابن البناء، وظاهره جواز الرهان في العلم، وفاقاً للحنفية؛ لقيام الدين بالجهاد والعلم)، قال في الإنصاف - بعد أن نقل كلام الفروع السابق -: (وهذا ظاهر اختيار صاحب الفروع، وهو حسن).
قلت: وهو أحسن ما يقال به، خاصة أن المسابقة على الثلاثة التي حددها العلماء تكاد تكون معدومة، وإن وجدت المسابقة في بعضها فليس المقصود منها الإعانة على الجهاد، وفي تجويز المسابقات بعوض في العلم الشرعي مصلحة دينية عظيمة، والله أعلم. (بحث)
(تتمة) لو عملت مسابقة على أشياء علمية شرعية بهدايا فكيف تجوز على المذهب؟ يقام أحدهم ويُسْئل السؤال، فإن أجاب أُعطي هدية، ولا يجوز أن يقال: (سنسأل الجميع ومن أجاب أعطيناه هدية)؛ لأن هذا مسابقة. والله اعلم.стр. 425
وَشُرط تعيينُ مركوبينِ (١) الحواشي
(١) يشترط في مسابقة الإبل والخيل والسهام خمسة شروط: (الشرط الأول) تعيين المركوبين - لا الراكبين - برؤية، كما في المنتهى، وهذا في الإبل والخيل، وتعيين الراميين برؤية في مسابقة السهام، وذكره الماتن بقوله: (وتعيين الرماة).стр. 426
واتحادُهما (١) ، وَتَعْيِينُ رُمَاةٍ (٢) وتحديدُ مَسَافَةٍ (٣) ، وَعلمُ عوضٍ، وإباحتُهُ (٤) ، وَخُرُوجٌ عَنِ شِبْهِ قِمَار (٥) ،
وَالله أعْلَم. الحواشي
(١) (الشرط الثاني) اتحاد المركوبين بالنوع كالإبل والخيل فلا يصح أن يسابق الفرس العربي إلا مع العربي، ويشترط أيضاً اتحاد القوسين بالنوع، فلا تصح المناضلة بين قوس عربية وقوس فارسية، وإن لم يذكرا أنواع الأقواس في الابتداء لم يصح.(٢) أي: رماة السهام في المناضلة، وقد تقدم في الشرط الأول.(٣) (الشرط الثالث) تعيين المسافة ابتداءً وانتهاءً بحيث لا يختلفان فيهما، وهذا في المسابقة على الإبل والخيل، ولا يصح أن يتسابقا بلا غاية ليُنظر أيهما يقف أولاً، كما في شرح المنتهى. وأما في الرمي، فيكون تحديد مدى الرمي بما جرت به العادة، ويعرف ذلك: إما بالمشاهدة نحو: من هنا إلى هناك، وإما بالذراع نحو مائة ذراع ونحوها، ويشترط: ألا تزيد على ثلاث مئة ذراع؛ لأنه تتعذر الإصابة فيه غالباً، ولا يصح الرمي على أن السبق لأبعدهما رمياً؛ لعدم تحديد الغاية، كما في الإقناع.(٤) (الشرط الرابع) علم العوض: بالمشاهدة أو الوصف، وكونه مباحاً.(٥) (الشرط الخامس) الخروج عن شِبه القمار، يقال قامره: إذا راهنه فغلبه، وإنما يدخل المتسابقان في شبه القمار إن أخرجا معاً؛ لأن الواحد منهما دخل في المسابقة لا يعلم هل هو غانم فيها أو خاسر .. فالجائز هو: أن يُخرج أحدهما، أو يخرج أجنبي، أو الحاكم، فإن أخرجا معاً لم يخرجا من شبه القمار إلا بإدخال شخص لا يدفع شيئاً - ويسمى محلِّلا -؛ فلا يجيزون هذا إلا بمحلل، ويشترطون فيه: ١ - ألا يُخرج شيئاً، ٢ - وأن يكون واحداً لا أكثر، ٣ - وأن يكافئ مركوبه مركوبيهما.
والقول الثاني في المذهب: لا يشترط المحلِّل، قال في الإنصاف - بعد أن قدَّم المذهب -: (وقال الشيخ تقي الدين ﵀: يجوز من غير محلل، قال: وعدم المحلل أولى وأقرب إلى العدل من كون السبق من أحدهما، وأبلغ في تحصيل مقصود كل منهما، وهو بيان عجز الآخر، وأن الميسر والقمار منه لم يحرم لمجرد المخاطرة، بل لأنه أكلٌ للمال بالباطل، أو للمخاطرة المتضمنة له. انتهى. واختاره صاحب الفائق).
وتابع شيخَ الإسلام ابنُ القيم في كتابه «الفروسية».стр. 427
الحواشي
(١) العارية - بتخفيف الياء وتشديدها -: من عار الشيء إذا ذهب وجاء، وهي اصطلاحاً: العين المأخوذة للانتفاع بها بلا عوض، والإعارة: إباحة نفع عين - تبقى بعد استيفاء النفع - بلا عوض من المستعير وغيره.
والأصل فيها: القرآن الكريم: لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة، ٢]، وفي حديث أنس ﵁: (كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرساً من أبي طلحة فركبه)، رواه البخاري، وحكى النووي وغيره من أهل العلم الإجماعَ على جوازها.
حكم الإعارة: الإعارة في أكثر صورها مسنونة، وتكون واجبة في إعارة المصحف لمحتاج قراءتَه، وليس عنده مصحف، وتنعقد بكل قول وفعل يدل عليها.
(تتمة) تفارق الإعارةُ الإجارة في أمور، منها: ١ - أن الإجارة تكون بعوض، بخلاف الإعارة، ٢ - وأن الإجارة تمليك لنفع العين، فللمستأجر أن يتصرف فيه، بخلاف الإعارة فهي إباحة نفع العين، فلا يملك المستعير أن يتصرف في العارية بأن يعيرها أو يؤجرها، إلا بإذن معير ومؤجر.стр. 428
وَالعَارِيَةُ سُنةٌ.
وكلُّ مَا يَنْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينِه (١) نفعاً مُبَاحاً تصح إعارتُه (٢) إلا البُضْعَ (٣) ، وعبداً مُسلماً لكَافِرٍ (٤) ، وصيداً وَنَحْوَه لمحرِمٍ (٥) ، وأمةً وأمردَ الحواشي
(١) شروط صحة العارية أربعة: (الشرط الأول) كون العين يُنتفع بها مع بقائها، فلا تستهلك أجزاؤها كالسيارة والحيوان.(٢) (الشرط الثاني) كون النفع مباحاً، ولو لم يصح الاعتياض عنه، ومما لا يصح الاعتياض عنه: الكلب، فلا تصح إجارته ولا بيعه، لكن تصح إعارته.(٣) هذا (المستثنى الأول) مما يصح إعارته: فلا يصح أن يعير أمة ليستمتع بها المستعير ثم يردها.(٤) هذا: (المستثنى الثاني) وذلك للخدمة خاصة - كما في الإقناع -، فإن أعاره لغير خدمة كعمل في الذمة صحت.(٥) هذا: (المستثنى الثالث) لأن المُحْرِم مأمور بترك الصيد، وقوله: ونحوه: أي كآلة صيد.стр. 429
لغيرِ مأمونٍ (١) .
وتُضمنُ مُطلقًا (٢) بِمثلِ مثليٍّ (٣) وَقِيمَةِ غَيرِه يَوْمَ تلفٍ، لَا إن تلفت بِاسْتِعْمَالٍ بِمَعْرُوفٍ كخَمْلِ مِنْشَفةٍ (٤) ، وَلَا إن كَانَت وَقفاً ككتب علم (٥) ، إلا الحواشي
(١) هذا: (المستثنى الرابع) فيحرم ولا يصح، والأمرد: الشاب الذي طرّ شاربه ولم تنبت لحيته.
(تتمة) (الشرط الثالث) كون المعير أهلاً للتبرع شرعاً، ويستثنى: إعارة حلي الصغير لئلا تأكله الزكاة نبه عليه الخلوتي هنا، و (الشرط الرابع) كون المستعير أهلاً للتبرع له بتلك العين، وذلك بأن يصح منه قبولها، فلا يصح أن يعير طفلاً.(٢) أي: ولو لم يتعد أو لم يفرط، فيَدُ المستعير يد ضمان؛ لأنه يختص بنفعها، والدليل حديث صفوان بن أمية ﵁: أن النبي ﷺ استعار منه دروعاً يوم حنين، فقال: أغصباً يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة»، رواه أحمد وأبو داود.(٣) المثلي هو: كل مكيل وموزون لا صناعة فيه مباحة ويجوز فيه السلم، فيُضمن بمثله، وما عداه يُضمن بقيمته يوم تلفه.(٤) العارية مضمونة إلا في أربع صور: (الصورة الأولى) أن تتلف باستعمالٍ بمعروفٍ، كخَمْل منشفة تلفت بالاستعمال، والخُمل: الحبوب في المنشفة، فلو استعمل العارية في غير معروف كأن استعمل ثوباً استعاره في حمل شيء ثقيل فتلف، فإنه يضمنه.(٥) (الصورة الثانية) كون العارية وقفاً، ويشترط في عدم ضمان الوقف أن يكون عاماً، أي: على غير معين - كما قيده الشيخ منصور، وذكره الغاية اتجاهاً -، كالوقف على المساجد، أما الوقف الخاص على معين فيَضمنه المستعير لو تلف.стр. 430
بتفريطٍ (١) وَعَلِيهِ مُؤنَةُ ردِّهَا (٢) .
وإن أركبَ مُنْقَطِعًا لله لم يضمن (٣) . الحواشي
(١) فيضمن إذن.(٢) أي: يجب على المستعير مؤنة رد العارية إلى مالكها.(٣) (الصورة الثالثة) أن يُركب شخصٌ دابتَه منقطعاً - أي: ابن السبيل، المسافر المنقطع به - لله تعالى، أي: يبتغي بذلك وجه الله لا الأجرة. فلو تلفت الدابة تحت ذلك الراكب لم يضمن، ويُقيد ذلك: بأن يسير صاحبها معه ولم ينفرد الراكبُ بحفظها، وإلا ضمن مطلقاً. وذكر صاحب الغاية اتجاهاً بعدم خصوصية المنقطع، فعلى ذلك لو أركب سيارته شخصاً داخل البلد ثم تلفت حال كونه سائراً معه لم يضمن.
(تتمة) (الصورة الرابعة) إذا أعارها المستأجر - ذكرها النجدي والشيخ مرعي في "دليل الطالب" -، فلا ضمان على المستعير من المستأجر؛ لأن المستأجر لا يضمن العين المؤجرة، فمن أخذها منه إعارةً لا يضمنها من باب أولى، والله أعلم.стр. 431
فصل (في الغصب) (١)
وَالغَصْبُ كَبِيرَةٌ (٢) ، فَمن غصب كَلْباً يُقتنى أو خمر ذمِّيٍّ مُحْتَرمَةً الحواشي
(١) الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً، وهو شرعًا: استيلاءُ غيرِ الحربي على حق غيرِه قهراً بغير حق، والمراد بالاستيلاء: ما عُد استيلاءً عرفاً، أما قولنا: قهراً بغير حق: فيخرج به السرقة والاختلاس ... قال الشيخ منصور في الكشاف: (ويدخل في الحد ما يُؤخذ من الأموال بغير حق كالمكوس)، فهي من الغصب المحرم، وهو قول شيخ الإسلام، والمكوس: هي الأموال التي تؤخذ على المسلم مقابل تجارته أو في بيعه وشراءه في بلاد المسلمين، فتحرم؛ لأن المسلم إنما يُؤخذ من ماله الزكاة فقط، قال في الإقناع وشرحه في كتاب الجهاد: ((ويحرم تعشير أموال المسلمين، والكلف التي ضربها الملوك على الناس) بغير طريق شرعي (إجماعاً))، وقال في لسان العرب: (والمَكْس: الجباية ... وهي: دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية)، وفي المصباح المنير: (المكس: الجباية ... وقد غلب استعمال المكس فيما يأخذه أعوان السلطان ظلماً عند البيع والشراء)، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، رواه أحمد وأبو داود.(٢) أي: من كبائر الذنوب، فلا يكفَّر إلا بالتوبة، والدليل على تحريم الغصب الكتاب والسنة والإجماع، أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾ [البقرة، ١٨٨]، وقوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء، ٢٩]، ومن السنة قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، متفق عليه.стр. 432
ردهما (١) ، لَا جلدَ ميتَةٍ (٢) .
وإتلافُ الثَّلَاثَة هَدَرٌ (٣) .
وإن استولى على حرٍّ مُسلمٍ لم يضمنْهُ (٤)
بل ثِيَابَ صَغِيرٍ الحواشي
(١) أي: من غصب كلباً يجوز اقتناؤه ككلب صيد، أو خمر ذمي محترمة - بأن سترها عن المسلمين - ردهما، والحكم مبهم هنا، وقد بيّنه الإقناع بأن ردهما واجب.(٢) فلا يجب أن يرد جلد الميتة إذا غصبه؛ لأنه لا يطهر بالدباغ، فلا قيمة له، والقول الثاني يجب رده وهو القياس لأنه ينتفع به في اليابسات قال البهوتي في الكشاف: (واختار الحارثي: يجب رده حيث قلنا ينتفع به في اليابسات؛ لأن فيه نفعا مباحا كالكلب المقتنى وصححه في تصحيح الفروع وهو القياس وقطع به ابن رجب واختاره أيضا الموضح وقال: وصرحوا بوجوب رده في الإقرار بالمجمل).(٣) أي: فإن أتلف الثلاثة المتقدمة لم يضمنها؛ لأنها ليست لها قيمة.(٤) قال صاحب كشف المخدرات: (ولم يقيده في الإقناع والمنتهى وغيرهما بالمسلِم، انتهى)، وهذا صحيح، ففي الإقناع والمنتهى أنيط الحكم بالحرية دون الإسلام؛ فإن استولى على الحر فمات لم يضمنه مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً. (مخالفة الماتن)
والاستيلاء على الحر: بأن يحبسه ولم يمنعه الطعام والشراب.стр. 433
وحُليَّهُ (١)
وإن اسْتَعْملهُ كُرْهاً أو حَبَسَه فَعَلَيهِ أُجرتُه كقِنٍّ (٢) .
وَيلزمُهُ رَدُّ مَغْصُوبٍ بِزِيَادَتِهِ (٣) . وإن نَقَصَ لغير تَغَيُّرِ سِعْرٍ فَعَلَيهِ أرشُهُ (٤) .
وإن بَنَى أو غَرَسَ لزمَه قَلْعٌ، وأرشُ نَقصٍ، وتسويةُ أرْضٍ، والأجرةُ (٥) .
وَلَو غَصَبَ مَا اتَّجَرَ (٦) الحواشي
(١) أي: إذا استولى على صغير ضمن ما تلف من الثياب والحلي الذي عليه.(٢) أي: وإن استعمل الغاصبُ الحرَّ - بخدمة أو خياطة أو غيرهما - مدة غصبه، أو حَبَسَهُ مدةً لها أجرة، لزمته أجرته خلال تلك المدة، كما يلزمه أن يدفع الأجرة لمنافع القن، وإن منعه العمل من غير حبس فلا يضمن منافعه.(٣) يلزم رد المغصوب ولو كان رده بأضعاف قيمته؛ لكونه بُني عليه مَثَلاً، ويرده بزيادته المتصلة - كالسمن - والمنفصلة - كالكسب -، فيلزم الغاصب ردها. والأصل في المذهب أن الزيادة المتصلة تتبع العين دائماً سواء في الفسوخ أو الأخذ أو الرد أو غير ذلك، أما الزيادة المنفصلة فهي للذي دفع العين، فلا يردها مع العين إلا في الغصب.(٤) أي: إذا نقصت عينُ المغصوبِ أو تغيرت صفتُه فنقصت قيمته، فعلى الغاصب أرش النقص، أما إذا نقص سعره ولم تتغير عينه ولا صفته فلا شيء عليه إلا رد المغصوب فقط، قالوا: والفائت إنما هو رغبات الناس.(٥) إذا بنى الغاصب في الأرض أو غرس لزمه أربعة أمور: ١ - قلع البناء والغرس، ٢ - وأرش النقص الذي يلحق الأرض بسبب تصرف الغاصب فيها، ٣ - وتسوية الأرض، ٤ - والأجرة مدة مقامه في الأرض.(٦) وهذا فيما يحصّله الغاصب بسبب المغصوب؛ فلو غصب شيئاً واتجر به فربح، فإن الربح يكون لمالك المال لا للغاصب.стр. 434
أو صَاد (١) أو حَصَدَ بِهِ فمهما حَصَلَ بذلك فلمالكه (٢) .
وإن خلطه بِمَا لا يتميز (٣)
أو صَبغَ الثَّوْبَ فهما شريكان بِقدرِ الحواشي
(١) أي: لو غصب جارحاً فصاد به شيئاً، فإن الصيد يكون لمالك الجارح.(٢) أي: لو غصب منجلاً وحصد به شيئاً فهو لمالك المنجل، وقد خالف المذهب في هذه المسألة، فالمذهب: أن ما يحصله الغاصب بسبب المنجل المغصوب فهو له، وعليه أجرته مدة بقائه عنده؛ وذلك لحصول الفعل من الغاصب. (مخالفة الماتن) وفي إحدى النسخ التي ضبطت بخط المصنف: (وما حصد به فعليه أجرته)، ولم يذكر حكم الصيد بالمغصوب قبل ذلك، وعلى هذه النسخة لا مخالفة.(٣) فلو غصب زيتاً فخلطه بزيت آخر بحيث لا يتميز حق الغاصب من المغصوب منه فهما شريكان بقدر ملكيهما. وكلام الماتن فيه إجمال، والمذهب في هذه المسألة فيه تفصيل: إن خلط الغاصبُ المغصوب بما لا يتميز فلا يخلو: أ- إن كان المخلوط مثل المغصوب جودة - كزيت زيتون خلطه بزيت زيتون مثل المغصوب في الجودة - فيلزم الغاصب للمالك مثل ما غصبه من ذلك الخليط. ب- وإن خلطه بدونه أو خير منه، أو خلطه بغير جنسه، فهما شريكان بقدر ملكَيهما، فيُباع ويدفع إلى كل واحد قدر حقه كاختلافهما من غير غصب. وأما إن خلط الغاصبُ المغصوبَ بما يتميز عنه - كحنطة بشعير -، فيلزم الغاصب تخليصه من ذلك المخلوط معه إن أمكنه، وإلا فعليه مثله. والله أعلم. (بحث)
(تتمة) يقرر العلماء تحريم تصرف الغاصب في المختلط بقدر حقه فيه بلا إذن المغصوب منه، ويحرم أيضاً إخراج قدر الحرام من المختلط بدون إذن المغصوب منه؛ لأنه اشتراك، وهذا إن عرف ربه، وإلا تصدق به عنه، وما بقي فهو حلال. وإن شك في قدر الحرام تصدق بما يعلم أنه أكثر منه نصاً. الكشاف ٩/ ٢٦١، وشرح المنتهى ٤/ ١٤١.стр. 435
مِلكيهما (١) ، وإن نقصت القيمَةُ ضمِنَ (٢) . الحواشي
(١) أي: لو غصب ثوباً وصبغه الغاصب من صبغه، فهما إذَن شريكان بقدر ملكيهما، فيجب أن يباع الثوب ويقسم الثمن عليهما بحسب ملكيهما. وإنما يكون الغاصب والمغصوب منه شريكين في الثوب بحسب ملكيهما إن لم تزد القيمة ولم تنقص، فإن زادت فلصاحبها.(٢) أي: إذا نقصت قيمة الزيت بعد خلطه أو نقصت قيمة الثوب بعد صبغه، فإن الغاصب يضمن النقص؛ لأنه حصل بتعديه، وإن كان النقص بسبب تغير الأسعار لم يضمنه، كما ذكره البهوتي في الكشاف ٩/ ٢٦٢.стр. 436
فصل (في تصرفات الغاصب وغيره)
وَمن اشترى أرضاً فغَرَسَ أو بنى ثُم اسْتُحِقَّت وَقُلع ذَلِك، رَجَعَ على بَائِع بِمَا غَرِمَه (١) .
وإن أطعمه لعالمٍ بغصبه ضَمِنَ آكِلٌ (٢) .
وَيُضمن مثليٌّ (٣)
بِمثلِهِ، الحواشي
(١) أي: رجع المشتري على البائع بما غرمه من الثمن وأجرة الغراس والبناء. وقوله: استُحقت: أي: وُجدت مستحقة لغير البائع.(٢) أي: إن أطعم الغاصبُ طعاماً مغصوباً لعالمٍ بغصبه، فإن الضمان على الآكل. وإن لم يعلم الآكل بأنه مغصوب، فالضمان على الغاصب.(٣) ضمان المثلي - سواء كان تالفاً بغصب أو بلا غصب، والمقبوض بعقد فاسد، كما في الإقناع والكشاف (٩/ ٢٨٧) - يكون بمثله.
وتعريف المثليُّ - على ما في المنتهى - هو: (كل مكيل وموزون لا صناعة فيه مباحة، ويجوز فيه السلم. وفي الإقناع: كل مكيل وموزون)، وتبعه الغاية وزاد في أوله: (مثلي: وهو الفلوس وكل مكيل وموزون .. الخ)، ويذكرون أن الفلوس مثلية في باب القرض أيضاً، وتقدم ذلك.
شرح تعريف المثلي: قال في المنتهى وشرحه: ((وهو) أي: المثلي (كل مكيل) من حب وتمر ومائع وغيرهما (أو موزون) كحديد ونحاس ونحوهما، (لا صناعة فيه) أي: المكيل، بخلاف نحو هريسة، أو الموزون بخلاف حلي وأسطال ونحوها (مباحة) خرج أواني الذهب والفضة، فتُضمن بوزنها؛ لتحريم صناعتها، ويأتي (يصح السلم فيه) بخلاف نحو جوهر ولؤلؤ (بمثله) متعلق بضمن، نصاً؛ لأن المثل أقرب إليه من القيمة لمماثلته له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى، بخلاف القيمة فإنها تماثلٌ من طريق الظن والاجتهاد).
فإن تعذر المثل لعدم أو بعد أو غلاء - كما في الإقناع -، فعلى الغاصب قيمةُ مثل المغصوب يوم تعذره في بلد الغصب.
أما القيمي فهو ما عدا المثلي، فالسيارة قيمية، والثوب قيمي، والجوال قيمي؛ لأنها ليست مكيلات ولا موزونات، ففي هذه إذا أُتلفت يَرُد المتلفُ قيمتَها لا مثلها.
وكذا يدخل في القيمي: الموزون إذا صيغ حلياً، فيُضمن - إذا تلف - بقيمته؛ لأن الصناعة تؤثر في قيمته. (بحث مهم)стр. 437
وَغَيرُهُ بِقِيمَتِه (١) .
وَحرُم تصرفُ غَاصِبٍ بمغصوبٍ (٢) وَلَا يَصح عقدٌ، وَلَا عبَادَةٌ (٣) . الحواشي
(١) أي: بقيمته وقت التلف - كما قال الخلوتي - في بلد غصبه.(٢) فتصرف الغاصب في المغصوب له حالتان: ١ - ما يتعلق به حكم تكليفي ووضعي، فيكون محرماً، وغير صحيح كالوضوء بماء مغصوب، ٢ - ما يتعلق به حكم تكليفي فقط، فيكون محرماً، ولا يوصف بصحة ولا فساد كأكل طعام مغصوب.(٣) فلو عقد الغاصب بالمغصوب عقداً فإنه لا يصح كبيعه إياه، وكذا لو استعمله في عبادة فإنها لا تصح كأن صلى في مكان مغصوب أو استجمر بمغصوب، بخلاف الاستنجاء فيصح؛ لأن النجاسة تزول بالماء المحرَّم، وتقدم. (فرق فقهي)стр. 438
وَالقَوْلُ فِي تَالِفٍ وَقدرِهِ وَصفتِهِ قَوْلُه (١) ، وَفِي رَدِّه وعيبٍ فِيهِ قَولُ رَبِّه (٢) .
وَمن بِيَدِهِ غَصْبٌ أو غَيرُهُ وَجَهِلَ رَبَّه فَلهُ الصَّدَقَة بِهِ عَنهُ بنيةِ الضَّمَان (٣) ، الحواشي
(١) أي: لو اختلف الغاصبُ والمالكُ في قيمة المغصوب التالف، أو قدره، أو صفته، ولم تكن للمالك بينة قُبل قول الغاصب بيمينه؛ لأنه منكر وغارم، فإن كان للمالك بينة حُكم له بها.(٢) أي: لو اختلفا في رد المغصوب إلى مالكه، أو في كونه معيباً، قُبل قول المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدم الرد والعيب.(٣) فمن كان بيده مغصوب أو مسروق أو غيرهما من الأمانات كالودائع ولم يعرف مالكها، أو عرفه لكنه ميت ولا وارث له، فله أن يتصدق به عنه بنية الضمان لربه، فمتى وجد ربها خُيِّر بين أن يكون له الأجر، أو يأخذ بدلها من الغاصب ونحوه، أو يسلمها للحاكم.
(تتمة) لو التقط لقطة لم يعرِّفها، أو لقطة يحرم التقاطها، فله أن يتصدق بها عن ربها بشرط الضمان، ومن الصدقة بها وقفها، أو شراء عين به يقفها، وله أن يدفعها إلى الحاكم، قال في الإقناع والمنتهى والغاية: (ويلزمه - أي: الحاكم - قبولها). ومثل المغصوب واللقطة: الرهون والودائع وسائر الأمانات والأموال المحرمة؛ فيتصدق بها - إذا جهل ربها - مضمونة؛ لأن في الصدقة عنهم جمعاً بين مصلحة القابض بتبرئة ذمته، ومصلحة المالك بتحصيل الثواب له، أو يدفعها للحاكم؛ لكن ليس لمن في يده شيء مما ذُكر أَخْذ شيء منها ولو كان فقيراً. والله أعلم. (بحث تحرير)стр. 439
وَيسْقُطُ إثمُ غصبٍ (١) .
وَمن أتلف وَلَو سَهواً مُحْتَرماً ضَمِنَه (٢) .
وإن ربط دَابَّة بطرِيقٍ ضيقٍ ضمن مَا أتلفته مُطلقًا (٣) .
وإن كَانَت بيدِ رَاكبٍ أو قَائِدٍ أو سائقٍ (٤) ضمن جِنَايَةَ مُقدَّمها (٥) وَوَطْئِهَا برجلها (٦) . الحواشي
(١) أي: إذا تصدق بها عنهم بشرط ضمانها، أو دَفَعَهَا للحاكم سقط عنه إثم الغصب - قال النجدي: (أي: مع التوبة) -؛ لأنه معذور عن الرد للمالك لجهله به، فالثواب لأربابها.(٢) فيضمن المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته.
(تتمة) يشترط لضمان المتلَف - غصباً كان أو غيره -: ١ - كونه مالاً له قيمة شرعاً، ٢ - كونه محترماً، فلا يضمن مال حربي وآلة لهو، ٣ - كون المتلِف مثلُه يضمن، فلا ضمان على محجور عليه لحظ نفسه أُعطي مالاً فأتلفه، لكنه يضمن إن أتلف ما لم يدفع إليه، ٤ - أن يكون المتلِفُ غيرَ مكره، فإن كان مكرهاً فعلى مُكْرِهِهِ.(٣) وقد خالف الماتنُ المذهب بتقييده الطريق بالضيق، كزاد المستقنع وعمدة الطالب. والمذهب: أن من ربط دابة بطريق ضيق أو واسع فتلف بذلك شيءٌ ضمنه الرابطُ سواء كانت الدابة له أو لغيره، وسواء كانت يده عليها أو لا. (مخالفة الماتن)(٤) القائد: هو من يقودها من الأمام، والسائق: هو من يسوقها من الخلف.(٥) أي: فمها، وكذا عندنا في نظام المرور، من يصدم غيره بمقدمة سيارته، فإن الضمان عليه. والله أعلم.(٦) أي: ويضمن - الذي بيده الدابة - ما تلف بوطء الدابة عليه برجلها، ولا يضمن ما ضربته برجلها من غير سبب. والله أعلم.стр. 440
فصل (في الشفعة) (١)
وَتثبت الشُّفْعَةُ فَوْرًا لمسلمٍ (٢) تَامِّ الملكِ (٣) فِي حِصَّةِ شَرِيكِه المنتقلةِ لغيره بعوضٍ مَالِيّ بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ العقدُ (٤) . الحواشي
(١) الشُّفْعة لغة: من الشفع، وهو الزوج، وهي شرعاً: استحقاق الشريك انتزاعَ شِقص شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي إن كان مثله أو دونه. وصورتها: أن يشترك اثنان في أرض ورثاها، أو اشترياها ويكون ملكهما فيها مشاعاً، فيملك كل واحد نصفها مثلاً، لكنها لم تقسم بينهما بعد، فلو باع أحدهما نصيبه فلشريكه أن يشفع على المشتري، فيطلب الشقص الذي تملّكه بشرط أن يدفع له الثمن الذي ابتاعه به. وتملُّكُ الشفيع للشقص قهري من الشارع.
والأصل في الشفعة: حديث جابر ﵁ قال: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة)، متفق عليه، ومفهومه: أن الأرض إذا قسمت وتعين نصيب كل شريك فلا شفعة، ولذلك لا شفعة للجار على جاره في المذهب. وحكى ابن المنذر الإجماعَ على إثبات الشفعة.(٢) أما الشريك الكافر فلا شفعة له على المشتري إذا كان مسلماً.(٣) أي: له تمام التصرف في ملكه ببيع وغيره.(٤) ذكر الماتن قيدين: (القيد الأول) أن ينتقل الملك بعوض لا بهبة ونحوها، وأن يكون العوض ماليًّا لا كصداق، فلا شفعة لو انتقل الشقص من الشريك بهبة، أو جعله صداقاً، (القيد الثاني) وأن يأخذ الشفيع الشقص بمثل الثمن الذي استقر عليه العقد قدراً وجنساً.стр. 441
وَشُرط تقدُّمُ مِلكِ شَفِيعٍ (١) وَكَونُ شِقْصٍ مشَاعاً من أرضٍ تَجِبُ قسمتُهَا (٢) .
وَيدخل غراسٌ وَبِنَاءٌ تبعاً (٣) ، لَا ثَمَرَةٌ الحواشي
(١) شروط الشفعة: (الشرط الأول) تقدم ملك الشفيع على ملك المشتري، فلو اشترى رجلان أرضاً لم يصح أن يشفع أحدهما على الآخر ليأخذ شقصه؛ لأنهما ملكا الأرض في وقت واحد، أما لو باع أحدهما نصيبه بعد ذلك، فلشريكه أن يشفع على المشتري؛ لأن ملك الشفيع سابق على ملكه.(٢) (الشرط الثاني) كون الشقص مشاعاً من أرض تجب قسمتها، والمشاع: غير المفرز، وهو معلوم القدر - كالنصف والرُّبع - مجهول العين، أما المفرز كالجار فليس له شفعة. أما قوله: من أرض: فلا تجب الشفعة في غير الأرض كعمارة وغراس، أي: شجر.
(تتمة) القسمة نوعان - وتذكر في كتاب القضاء -: ١ - قسمة إجبار، وهي التي لا يكون في قسمتها ضرر ولا رد عوض كأرض واسعة جرداء، فتصح فيها الشفعة، ٢ - وقسمة تراض، وهي التي يكون في قسمتها ضررٌ أو ردُّ عوض كأرض في بعضها بئر، فلا تصح فيها الشفعة ولا تُقسم إلا برضا جميع الشركاء.(٣) فلو كان في الشقص المشفوع فيه غراس أو بناء دخل في الشفعة تبعاً، لكن لو كانت الشركة في نفس الغراس أو البناء فباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للآخر.стр. 442
وَزرعٌ (١) ، وأخذُ جَمِيعِ مَبِيعٍ (٢) ، فَإِن أراد أخذ البَعْضِ أو عَجَز عَن بعض الثّمن بعد إنظارهِ ثَلَاثًا (٣) ، أو قَالَ لمشترٍ بِعني أو صالحني (٤) ، أو أخبره عدلٌ فكذَّبه (٥) وَنَحْوُه سَقَطت، فإن عَفا بَعضُهُم أخذ باقيهم الكُلَّ أو تَركَه (٦) . الحواشي
(١) فلو كان في الشقص ثمر ظاهر أو زرع لم يدخل في الشفعة؛ لأنه من نصيب الشريك البائع الذي باع الشقص، فهي لم تدخل في البيع.(٢) (الشرط الثالث) أن يأخذ الشفيعُ جميعَ المبيع، فلا يصح أن يأخذ بعضه ويترك الباقي.(٣) أي: ثلاث ليال بأيامها من حين أخذه بالشفعة، فإن لم يأت بكل الثمن بعد إنظاره هذه المدة سقطت شفعته.(٤) فقول الشفيع للمشتري: بعني أو صالحني يدل على رضاه بالبيع الذي عقده شريكه، وأنه إنما يستشير المشتري في البيع أو الصلح، ولذلك سقطت شفعته.(٥) أي: لو أخبره عدل أن شريكه باع نصيبه فكذّبه سقطت شفعته، بخلاف ما لو كان المخبِر فاسقاً.(٦) فلو اشترك جماعة في أرض، فباع أحدهم نصيبه وعفا بعض الباقين عن حقهم في الشفعة، فلمن لم يتنازل عن شفعته أَخذُ كل الشقص أو تركُه.
(تتمة) (الشرط الرابع) أن يطلبها على الفور، أي: وقت علمه، فلو سمع ببيع شريكه وأخّر طلب الشفعة بغير عذر سقطت، أما لو تأخر طلبه لعدم علمه بالبيع لم تسقط. ويدخل الشقص في ملك الشفيع بمجرد المطالبة، لكنه موقوف على دفعه الثمن للمشتري.
(الشرط الخامس) أن ينتقل نصيب الشريك بعوض مالي، وقد تقدم.стр. 443
وإن مَاتَ شَفِيعٌ قبل طلبٍ بطَلَت (١) .
وإن كَانَ الثّمنُ مُؤَجَّلاً أخذ مَلِيءٌ بِهِ (٢) وَغَيرُه بكفيلٍ مَلِيءٍ (٣) .
وَلَو أقرَّ بَائِعٌ بِالبيعِ وأنكر مُشْتَرٍ ثَبتَتْ (٤) . الحواشي
(١) أي: إن مات الشفيع قبل طلب الشفعة بطلت، فلا يورث حق الطلب بالشفعة، أما لو مات بعد طلبها دخل الشقص في ملك الورثة قهراً.(٢) أي: إن كان الثمن مؤجلاً أخذ الشفيعُ القادرُ على الوفاء الشقصَ بنفس الكيفية التي انتقل بها إلى المشتري، أي: مؤجلاً.(٣) فيشترط لتأجيل الثمن على الشفيع غير المليء - أي: المعسر - أن يكفله شخص مليء، وزاد الخلوتي: (أو يأتي برهن يحرز)، فإن لم يأت بواحد منهما حل عليه الثمن، فإن أداه وإلا سقطت شفعته كما ذكره الغاية اتجاهاً، ووافقاه.(٤) أي: ثبتت الشفعة بما قال البائع، فيأخذ الشفيع الشقص منه ويدفع إليه الثمن. والله أعلم.стр. 444
فصل (في الوديعة) (١)
وَيُسن قَبُولُ وَدِيعَةٍ لمن يعلمُ من نَفسه الأمانةَ (٢) ، وَيَلزمُ حفظُهَا فِي حرزِ مِثلِهَا (٣) . وإن عيَّنَهُ رَبُّهَا فأحرزَ الحواشي
(١) الوديعة لغة: من ودَع الشيء إذا تركه لتركها عند المودَع، وشرعاً: المال المدفوع إلى من يحفظه بغير عوض. والأصل فيها: قال البهوتي في الكشاف: (والإجماع في كل عصر على جوازها، وسنده قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، مع السنة الشهيرة منها قوله ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والمعنى يقتضيها؛ لحاجة الناس إليها). وهي عقد جائز من الطرفين، فإن أذن المالك للمدفوع في استعمالها فاستعملها صارت عارية مضمونة، كما في الإقناع. ويشترط لصحتها: كونها من جائز التصرف لمثله.(٢) أي: يسن للمودَع قبول الوديعة إن علم أنه ثقة قادر على حفظ الوديعة، أما غير الثقة فيكره له قبولها. قال الشيخ منصور في الكشاف: (قال في المبدع: ويكره لغيره إلا برضا ربها انتهى قلت: ولعل المراد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه لئلا يغره)(٣) الحِرْز: هو المكان الذي تحفظ فيه الأشياء حسب العرف؛ فيلزم المودَع حفظ الوديعة - بنفسه أو، وكيله، أو مَنْ يحفظ ماله عادة كزوجة - في المكان الذي تحفظ فيه عادة، فلو أُودع ذهباً حفظه في الصناديق المغلقة أو المصرف، لا في السيارة أو مجلس البيت.стр. 445
بِدُونِهِ (١) أو تعدَّى (٢)
أو فرَّطَ (٣) أو قطعَ عَلَفَ دَابَّةٍ عَنْهَا بِغَيْر قَولٍ ضَمِنَ (٤) ، وَيُقْبَلُ قَولُ مُودَعٍ فِي رَدِّهَا إلى رَبِّهَا (٥) أو غَيرِه الحواشي
(١) أي: إن عيّن صاحبُها حرزاً فأحرزها المودَع في مكان أقل أمناً مما عينه صاحبها ضمنها إن تلفت؛ لكن لو حفظها في مثل الحرز الذي عينه أو أحرَزَ منه جاز، فلا يتعين عين الحرز وإنما يتعين جنسه.(٢) مثل أن يُودَع ثوباً فيلبسه، أو دراهمَ فينفقها فإنه يصير ضامناً، وتعديه فيها محرم، ويشتد التحريم إن كان المال المنفَق من أوقاف المساجد مثلاً.
(تتمة) إن تعدى بانتفاعه بالوديعة ترتب عليه عدة أمور: ١ - تبطل الوديعة، ٢ - تصير يده يد ضمان، ٣ - يجب ردها فوراً، ٤ - لا تعود وديعة إلا بعقد جديد.(٣) أي: في الحفظ، وتقدم أن التعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: هو ترك ما يجب.(٤) أي: لو قطع المودَعُ العلفَ عن الدابة المودَعة عنده بغير قول المالك فماتت ضمنها. والنفقة على الوديعة تجب على المودِع، لكن إذا أنفق المودَعُ عليها بنية الرجوع رجع بشرط استئذان صاحبها، أو تعذُّر استئذانه وإلا لم يرجع.(٥) لأنه أمين، ويده يد أمانة، فإن ادعى المودَع الرد قُبل قوله بيمينه، قال في شرح المنتهى: (لأنه لا منفعة له في قبضها، أشبه الوكيل بلا جُعل)، فيفهم منه أنه لو كان مودَعاً بجُعل من رب الوديعة فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.стр. 446
بِإِذْنِهِ (١) لَا وارثِهِ (٢) ، وَفِي تلفهَا (٣) وَعدمِ تَفْرِيط وتعدٍّ (٤) ، وَفِي الإذنِ (٥) .
وإن أودع اثنَانِ مَكِيلًا أو مَوْزُوناً يُقسَمُ فَطَلَبَ أَحدُهمَا نصِيبَه لغيبةِ شريكٍ أو امْتِنَاعِه سُلِّم إليه (٦) . الحواشي
(١) أي: لو ادعى المودَع ردَ الوديعة إلى غير مالكها بإذنه، فيُقبل قول المودَع بيمينه.(٢) فلو ادعى المودَع الرد إلى ورثة المودِع لم يقبل قوله إلا ببينة ولو لم يكن مودَعاً بجُعل؛ لأنهم لم يستأمنوه، وإنما استأمنه المودِعُ الميتُ.(٣) إن ادعى المودَع تلفَ الوديعة فلا يخلو الحال: أ- أن يدعي تلفها بسبب خفي كالسرقة، فيقبل قوله بيمينه، ب- وإن ادعى تلفها بسبب ظاهر كحريق، فلا يقبل قوله حتى يقيم بينة بالسبب الظاهر ويحلف أن الوديعة تلفت في ذلك السبب الظاهر، وإن لم يقم بينة بالسبب الظاهر ضمن؛ لعدم تعذر إقامة البينة عليه. (تحرير)(٤) فلو ادعى المودِع أن المودَع فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت أو عابت، أو تعدى فيها مما أدى إلى تلفها فأنكر المودَع قُبل قوله بيمينه؛ لأنه أمين.(٥) فإن قال المودَع: أذنتَ لي في دفعها لفلان، فأنكر المودِع، فالقول قول المودَع؛ لأنه أمين.(٦) فلو اشترك اثنان في ملك مكيل كوَسَق من البر، أو موزون كطُنٍّ من حديد فأودعاه عند شخص، ثم طلب أحدهما نصيبه لغيبة صاحبه أو امتناعه من استلام الوديعة، وجب على المودَع أن يسلِّم الحق لطالبه. وهذا إنما يكون فيما يقبل القسمة بلا ضرر، وهو الذي لا ينقص بتفرقةٍ، قاله البهوتي، لا في مكيل أو موزون دخلته صناعة كآنية نحاس، أو غير مكيل وموزون كسيارة.стр. 447
ولمودَع ومضارَبٍ ومرتَهِنٍ ومستأجِرٍ إن غُصِبت العينُ المطَالبَةُ بهَا (١) . الحواشي
(١) فلو غُصبت منهم العين فلهم المخاصمة ورفع الأمر إلى المحاكم للمطالبة بالعين، وقول المصنف - كغيره مثل المنتهى والإقناع والزاد -: «ولمودع» يدل على الإباحة، لكن المذهب وجوب المطالبة؛ لأن ذلك من ضروريات الحفظ، ذكره النجدي وغيره. (تقرير)стр. 448
فصل (في إحياء الموات) (١)
وَمن أحيا أرضاً منفكةً عَن الاختصاصاتِ (٢) وَملكِ مَعْصُومٍ الحواشي
(١) المَوَات - بفتح الميم -: ما لا روح فيه وأرض لا مالك لها، كما في القاموس، وهي اصطلاحاً: الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، وقولنا: المنفكة: أي الخالية - كما قال النجدي -، فلا يختص بنفع هذه الأرض ولا يملكها أحد.
والأصل في إحياء الموات: حديث جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، رواه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي. ولا يشترط إذْنُ ولي الأمر في الإحياء، فمن أحيا أرضاً - مسلماً كان أو ذمياً - ملكها من قِبل الشارع.(٢) الاختصاص - كما ذكر النجدي -: (ما يستحق مَنْ يده عليه الانتفاع به ولا يملك أحدٌ مزاحمتَه فيه، مع عدم قبوله للتموّل والمعاوضة) وأصله لابن رجب في القواعد في القاعدة الخامسة والثمانين في النوع الرابع من الحقوق: حق الاختصاص، ومن أمثلته: الأماكن التي يقطعها ولي الأمر للجلوس في الأسواق للتجار، فمن قُطع له شيء منها فله أن ينتفع به ويبيع فيه بضاعته، لكن ليس له بيع المحل. ومنها: الموات المتَحَجَّر، وهو أن يحيط شخص حجارة حول الموات، فلا يحصل الإحياء بذلك ولا يملكها، لكنه أولى بالانتفاع بها من غيره.стр. 449
مَلَكَهَا (١) .
وَيحصُلُ بحوزِها بحائِطٍ منيع (٢) أو إجراءِ مَاءٍ لَا تزرعُ إلا بِهِ (٣) ، الحواشي
(١) ويحصل الإحياء بأحد خمسة أمور سيأتي ذكرها إن شاء الله.
(تتمة) تنقسم الأراضي إلى ثلاثة أقسام: ١ - الأراضي التي يُعلم لها مالك - ولو ميتاً لا وارث له -، فإنها لا تملك بالإحياء بل هي لبيت المال، إلا إذا كان المالك غير معصوم، وهو الكافر الذي لا أمان له. ٢ - الأراضي التي جرى عليها ملك بوجود آثار عِمارة فيها، لكن لا يعلم لها مالك حالياً كالقرى القديمة التي هاجر منها أهلها وماتوا جميعاً، فهذه تملك بالإحياء. ٣ - الأراضي التي لم يجر عليها ملك ولا يوجد بها أثر عمارة من بناء أو زرع أو غراس كالصحاري، وهذه تملك بالإحياء.
(استثناء) هناك موات لا تملك بالإحياء ولو لم يجر عليها ملك ولم يوجد بها أثر عمارة كموات عرفة، وجميع الحرم، والمقابر، وما قَرُب من عامر بلد وتعلق بمصالحه كالطرق وفناء البلد - ما اتسع أمام البلد - ومرعى دواب أهله. أما الأراضي التي فتحت عنوة كأرض الشام ومصر والعراق فيذكر الحنابلة أنها موقوفة لكنها تُملك بالإحياء، وهذا من غرائب المذهب إذ الموقوف لا يملك البتة، وهنا قالوا: يُملك!(٢) يحصل الإحياء بأحد خمسة أمور: (الأمر الأول) حوزها - أي: إحاطتها - بحائط منيع - لا بحجارة ونحوها -، فإذا أحاطها بسور يمنعُ مَن خارِجَه من الدخول إلى تلك الأرض فقد ملكها، ولو لم يزرعها أو يبنِ فيها.(٣) (الأمر الثاني) إجراء ماء لا تُزرع إلا به، سواء أجراه من نهر أو بئر أو غير ذلك، ولا تملك الأرض بمجرد الزرع، فلو وضع في أرض بذراً فسُقي بالمطر ونبت لم يعتبر فعله إحياءً.стр. 450
أو قَطْعِ مَاءٍ لَا تُزرعُ مَعَه (١) ، أو حفرِ بِئْرٍ (٢) أو غَرْسِ شجرٍ فِيهَا (٣) .
وَمن سَبَقَ إلى طَرِيقٍ وَاسعٍ فَهُوَ أحقُّ بِالجُلُوسِ فِيهِ ما بَقِي مَتَاعُهُ (٤)
مَا لم يَضُرَّ (٥) . الحواشي
(١) (الأمر الثالث) قطع ماء لا تُزرع معه، فالأرض التي تمتنع زراعتها لكثرة مياهها يحصل إحياؤها بمجرد إبعاد المياه الزائدة عنها بحيث تصير صالحة للزرع.(٢) (الأمر الرابع) حفر بئر فيها، فيحصل به الإحياء بشرط الوصول إلى الماء. وحفرُ البئر قسمان: ١ - حفر بئر عادية، وهي التي حفرت سابقاً ثم طمرت، فمن جدَّد حفرها مَلَك خمسين ذراعاً من كل جانب، وذلك خمس وعشرون متراً تقريباً. ٢ - أما من حفر بئراً جديدة فإنه يملك نصف ذلك، أي: خمسة وعشرين ذراعاً، وهذا ثلاثة عشر متراً تقريباً.(٣) (الأمر الخامس) غَرْس شجر فيها، فيحصل به الإحياء، ومن غرس شجرة واحدة ملك مدَّ أغصانِها، أي: ما تحتها.(٤) أي: إذا سبق شخص إلى طريق واسع - لا ضيق - يباح الجلوس فيه فجلس فيه، فهو أحق به من غيره - ولا يملكه - ما دام متاعه باقياً في هذا المكان، وهذا مقيد بما إذا لم يطل الجلوس، فإن أطال الجلوس فإنه يُزال، قالوا: لأنه يصير كالمتملك، انتهى، ولم يقيدوا هذا التطويل بمدة، فليحرر.
قلت: وقياس ما ذكروه: مواقف السيارات في الشوارع وغيرها، فمن سبق لموقف فهو أحق به. (تحرير)(٥) فإن آذى أحداً من الناس أو ضيق عليهم الطريق أزيل.стр. 451
الحواشي
(١) الجعالة لغة: بتثليث الجيم مشتقة من الجَعل بمعنى التسمية، وشرعاً: أن يجعل إنسانٌ شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة.
وسواء جعله لمعيَّن كأن يقول لزيد: إن علمتني قراءة (سورة مريم) فلك ١٠ ريالات، أو يجعله لغير معين كأن يقول: من علمني قراءة (سورة مريم) فله ١٠ ريالات؛ لكن إن جعل الجاعلُ الجعلَ لمعينٍ فلا يستحقه غيرُ المعين إن عمله، وإن عمله غيرُه فلا يستحق الجعل.
والأصل في مشروعيتها: من الكتاب قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف، ٧٢]، أي: من جاء بصواع الملك المفقود فله حمل بعير، ومن السنة: حديث اللديغ المشهور متفق عليه.
(تتمة) من الفروق بين الجعالة والإجارة: ١ - أن الإجارة عقد لازم، بخلاف الجعالة فهي عقد جائز، ٢ - ويشترط في الإجارة بيان المدة، بخلاف الجعالة، ٣ - كذلك يشترط في الإجارة معرفة العمل، بخلاف الجعالة. ٤ - يشترط تعيين العامل في الإجارة دون الجعالة
قال في المغني والشرح الكبير: (ويفارق الإجارة في أنها - أي: الجعالة - عقد جائز، وهي لازمة، وأنه لا يعتبر العلم بالمدة، ولا بمقدار العمل، ولا يعتبر وقوع العقد مع واحد معين).
قال في الإنصاف - ومثله في شرح المنتهى -: (فائدة: الجعالة نوع إجارة؛ لوقوع العوض في مقابلة منفعة، وإنما تميز بكون الفاعل لا يلتزم الفعل، وبكون العقد قد يقع مبهماً لا مع معين. ويجوز في الجعالة الجمع بين تقدير المدة والعمل، على الصحيح من المذهب).
فتتفق الجعالة مع الإجارة: في أن العوض فيهما في مقابلة منفعة، ويتفقان أيضاً: في أن المنفعة لمن يبذل العوض، فهي في الإجارة للمستأجر، وفي الجعالة للجاعل. (بحث)стр. 452
وَيجوز جعلُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ لمن يعْمل (١) عملاً وَلَو مَجْهُولاً (٢) ، الحواشي
(١) أسقط الماتن هنا حرفاً مهماً ذكروه كلهم، وهو: (له)، وأسقطه في أصله أيضاً: كافي المبتدي، وزاده شارحه في الروض الندي، ولم يزده صاحب كشف المخدرات، وهو حرف مهم؛ إذ يشترط أن يكون العمل للجاعل فقط لا لغيره كأجنبي، والمجعول له، نبه على هذا الخلوتي ﵀، فلا تصح جعالة إلا إذا كان العمل للجاعل فقط، ويستثنى ما لو كان العمل عملاً صالحاً ويتعدى نفعه فيصح كما لو قال: مَنْ أذَّن في هذا المسجد شهراً فله كذا صح، فهنا العمل لغير الجاعل، ومع ذلك صححوه. (تحرير مهم)(٢) يشترط لصحة الجعالة أربعة شروط: ١ - العلم بالجُعْل برؤية أو صفة إلا إذا قال له: بع ثوبي بكذا وما زاد فهو لك، كما ذكره الغاية هنا اتجاهاً، ووافقه الشطي، ٢ - وكون الجاعل جائز التصرف، ولم يذكره المؤلف، ٣ - وكون العمل الذي رُتب عليه الجعلُ مباحاً، وقال صاحب الغاية: (ويتجه: لا عبثاً كالمشي على الحبل وحمل الأثقال)، فلا يصح أن يجعل مبلغاً لمن يمشي على حبل أو يحمل أثقالاً؛ لأنه يعرض به غيرَه للخطر ولا يستفاد منه، ٤ - أن يكون العمل المجاعل عليه للجاعل لا لغيره إلا إذا كان عملاً صالحاً ويتعدى نفعه، وتقدم تقرير هذا قريباً.
(تتمة) حكم بذل العمل من العامل ابتداءً: أكثر ما يذكره العلماء الحنابلة من الصور: أن يبدأ الجاعل في العقد كأن يقول: مَنْ أذَّن في هذا المسجد شهراً فله كذا، أو من رد لقطتي فله كذا، لكن هل يصح أن يبدأها العاملُ ويَعُد نفسه لعمل ما، كأن يعلن عن إقامة دورة في تدريس كتاب (الصلاة) من متن أخصر المختصرات مثلاً، ويدعو الناس إليها ويضع جعلاً له (١٠٠ ريال مثلا) على تدريسه لهذا المتن، ويدفعه الذي سيدرس كتاب الصلاة.
فالجعالة في هذه الصورة بدأت من العامل، فهل هذا جائز على المذهب؟
الظاهر: جوازه؛ لما ذكره الماتن هنا: (وإن عمل .. معد نفسه بلا إذن فلا شيء له)، فيُفهم منه: أنه إن عمل معدٌ نفسه عملاً لغيره بجعل بإذن ذلك الغير صح ذلك وجاز، وعبارة المنتهى فيها ذِكرُ الجعل حيث قال: (وإن عمل - ولو المعَدُّ لأخذ أجرة - لغيره عملاً بلا إذنٍ أو جُعلٍ فلا شيء له)، فيفهم منه: أنه إن عمل شخصٌ معدٌ نفسَه للعمل لغيره عملاً بجعلٍ صح ذلك وله الجعل، والله أعلم.
(تنبيه) حتى يُميز العقد هل هو عقد إجارة أو جعالة، ينبغي أن يُذكر في أوله أنه إجارة أو جعالة حتى يتبين لزوم العقد إن كان إجارة، أو جوازه إن كان جعالة. وإن كان العمل من الأعمال التي لا تكون إلا قُربة كتعليم العلم الشرعي أو الأذان أو الإمامة، فهي جعالة وإن لم يذكر ذلك في العقد؛ لأنها لا تصح إجارة، والله أعلم. (بحث وتحرير)стр. 453
كردِّ عبدٍ (١) ولقطةٍ وَبِنَاء حَائِطٍ، فَمن فعله بعد علمه اسْتَحَقَّه (٢) .
وَلكُلٍّ فَسخُهَا (٣) ، فَمِنْ عَاملٍ لَا شَيْءَ لَهُ، وَمن جَاعلٍ لعاملٍ أُجرةُ عملِه (٤) .
وإن عمل غيرُ مُعَدٍّ لأخذِ أُجرةٍ لغيرِهِ عملاً بِلَا جُعل (٥) أو مُعَدٌّ بِلَا إذنٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ (٦) إلا فِي تَحْصِيل مَتَاعٍ من بَحرٍ أو فلاةٍ الحواشي
(١) وصورته: أن يقول الشخص مثلاً: من رد لي عبدي فله ١٠٠٠ ريال.(٢) أي: مَنْ فعل العملَ المطلوبَ بعد علمه بالجعل استحقه، وإن كانوا جماعة اقتسموه. ومفهومه: أن من فعله قبل علمه بالجعل لم يستحقه، وهو كذلك، ويحرم عليه أن يأخذ من الجاعل شيئاً إلا أن يتبرع ربه له بعد إعلامه بالحال، كما في شرح المنتهى للبهوتي.(٣) لأن الجعالة عقد جائز من الطرفين.(٤) أي: إن فسخ العاملُ ولو بعد شروعه في العمل فلا شيء له، وإن فسخ الجاعلُ بعد شروع العامل في العمل أعطاه أجرة مثل عمله؛ لكن يشكل عليه لو كانت الجعالة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم قرآن مثلاً، وفَسَخَ الجاعل المتعلمُ عقدَ الجعالة، فكيف يكون للعامل المعلم أجرة عمله، وهذا لا يصح إجارة؟ فليحرر.
ويرى شيخ الإسلام: عدم تحول الجعالة إلى إجارة، بل يُعطى العامل القسط من الجعل، فلو عمل نصف العمل استحق نصف الجعل وهكذا.(٥) أو أجرةٍ سُميت قبل العمل.(٦) هذه عبارة الإقناع، وفيها نقص، والتفصيل: أن من أعد نفسه لعملٍ ما فلا يخلو من أربعة أحوال: ١ - أن يعمل بإذن، فله أجرة المثل، ٢ - أو يعمل بجُعل، فله الجُعل المسمى، ٣ - أو يعمل بأجرة، فله الأجرة المسماة، ٤ - أو يعمل بلا إذن ولا جُعل ولا أجرة، فلا شيء له. ومثاله: الحمال الذي يكون على باب بعض المحلات ينتظر من يكلفه بحمل بضاعة، فمن طلب منه أن يحمل له ولم يسمّ له أجرة ولا جعلاً فعلى الطالب أجرةُ المثل؛ لأن العاملَ أعد نفسه لذلك العمل، وقد أذن له صاحب البضاعة، وإن حمل العاملُ المعدُ نفسَه للعمل بضاعة بلا إذنٍ من صاحب البضاعة فلا شيء للعامل.
أما مَنْ لم يعد نفسه للعمل فله ثلاثة أحوال: ١ - أن يؤذَن له في العمل ولم يُسمَّ له جعل ولا أجرة، فلا يستحق شيئاً، ٢ - أو يعمل بجُعل، فله الجعل المسمى، ٣ - أو يعمل بأجرة، فله الأجرة المسماة. ومثاله: أن ينادي رجل مسنّ شاباً في الشارع ليساعده في حمل أغراض له، فإن لم يسم له جعلاً ولا أجرة فلا شيء للشاب؛ لأنه ليس مُعِداً نفسه لهذا العمل. (بحث مهم)стр. 454
فَلهُ أَجرُ مثلِهِ (١) .
وَفِي رَقِيقٍ دِينَارٌ أو اثنَا عشرَ درهماً (٢) . الحواشي
(١) فيُستثنى مما سبق حالتان: (الحالة الأولى) تحصيل متاع الغير من حال لو تُرك فيه لهلك، فمن فعل ذلك فله أجرة المثل وجوبا، وإن لم يأذن له رب المتاع؛ لأن في ذلك ترغيباً في إنقاذ أموال الناس من الهلاك، والغالبُ عدم إمكان استئذان صاحبها لغيبته.(٢) (الحالة الثانية) إذا رد الشخصُ عبداً آبقاً إلى سيده، فإنه يستحق ديناراً أو اثني عشر درهماً، وقد ورد فيه حديث ضعيف، لكن الحنابلة يقولون به، والله أعلم.стр. 455
فصل (في اللقطة) (١)
واللقطةُ ثَلَاثَةُ أقسام:
مَا لَا تتبعُهُ همةُ أوساط النَّاس (٢) : الحواشي
(١) اللقطة لغة - بفتح اللام والقاف -: اسم للملتقط، وهي اصطلاحاً: مال أو مختص - ككلب وجلد ميتة - ضل عن ربه، يلتقطه غيرُ ربه.(٢) اللقطة ثلاثة أقسام: (القسم الأول) ما يجوز التقاطه ويُملك إن لم يعلم صاحبه، وهو ما لا تتبعه همة أوساط الناس، أي: لا يهتمون بطلبه لو ضاع منهم، فالعبرة في ذلك بأوساط الناس، لا بالبخيل الذي يغتم بفقدان أدنى الأشياء، ولا بالكريم الذي لا يبالي بضياع المال الكثير، ولم أقف على تفسير لـ (أوساط الناس) إلا في حاشية الروض المربع لابن قاسم حيث قال: (وعبر بأوساط الناس لأن أشرافهم لا يهتمون بالشيء الكبير وأسقاطهم قد تتبع هممهم الرذل الذي لا يؤبه له)، والشيخ ابن عثيمين في الممتع قال: (هل المراد أوساط الناس بالمال أو أوساط الناس بالشح، أو بهما جميعاً؟ الجواب: بهما جميعاً، يعني أن أوساط الناس الذين ليسوا من الأغنياء ولا من الفقراء، ولا من الكرماء الذين لا يهتمون به، ولا من البخلاء، فالبخيل همته تتبع حتى قُلامة الظُّفْر .. إذاً أوساط الناس خُلُقاً ومالاً، خلقاً يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء).стр. 456
كرغيفٍ (١) وَشِسْعٍ (٢) فَيُملَكُ بِلَا تَعْرِيف (٣) .
الثَّانِي: الضوالُّ الَّتِي تمْتَنعُ من صغَارِ السبَاع (٤) : كخيلٍ، وإبلٍ، وبقرٍ، فَيحرمُ التقاطُها، وَلَا تملك بتعريفِها (٥) . الحواشي
(١) أي: رغيف من الخبز ضاع من شخص.(٢) وهو أحد سيور النعل.(٣) فمن أحكام هذا القسم: ١ - أنه يُملك بأخذه، ٢ - ولا يجب تعريفه. والأفضل مع ذلك أن يتصدق به، كما في الإقناع. وقوله: فيُملك: مقيد بعدم معرفة صاحبه، وإلا وجب رده إليه ولو كان شيئاً تافهاً، فإن وجد ربه بعد أن استهلكه لم يلزمه بدله.(٤) (القسم الثاني) ما يحرم التقاطه ولا يُملك، وهي الضوال التي تمتنع وتحمي نفسها من صغار السباع كالأسد الصغير. والضوال - كما في المطلع -: جمع ضالة، قال الجوهري: لا يقع إلا على الحيوان، فأما الأمتعة فيقال لها: لقطة. انتهى كلام المطلع.(٥) أحكام هذا القسم من اللقطة: ١ - أنه يحرم التقاطها؛ لأن الرسول ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، متفق عليه. ويستثنى من ذلك: الإمام ونائبه، فلهما أخذها لحفظها لربها. ٢ - ولا تملك بتعريفها، ولو عرّفها ملتقطها عشر سنين؛ لأنه يحرم التقاطها. ٣ - وإذا التقطها ضمنها - إذا تلفت - كالغصب، أي: سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط، ولم يذكره المؤلف، ولا يبرأ من الإثم والضمان إلا إذا سلمها للحاكم أو نائبه، أو ردها إلى مكانها بإذن الحاكم.
(تتمة) يُلحِق الحنابلة بهذا القسم القدورَ والآلات والأخشاب الكبيرة كالتي تضعها الشركات في البرّ لمشاريعها، فهذه ليست بلقطة، فلا تلتقط ولا يجوز تملكها، وهي أَولى بعدم جواز التقاطها من الإبل؛ لأنها لا تتلف بطول الزمن ويطلبها أصحابها حيث تركوها؛ لكونها لا تتحرك.стр. 457
الثَّالِث: بَاقِي الأموال (١) : كَثمنٍ (٢) ، ومتاعٍ (٣) ، وغنم، وفُصلانٍ (٤) ، وعجاجيلَ (٥) ، فَلِمَنْ أَمِنَ نَفسَهُ عَلَيْهَا أخذُها (٦) .
وَيجبُ حفظُهَا (٧) وتعريفُها فِي مجامِعِ النَّاسِ غيرِ المسَاجِدِ حولاً كَامِلاً فورا كل يوم مرة أسبوعا ثم شهرا كل أسبوع مرة، ثم مرة كل شهر (٨) ، وتُملَكُ الحواشي
(١) (القسم الثالث) ما يجوز التقاطه ويملك بتعريفه شرعاً، وهو باقي الأموال.(٢) أي: الذهب والفضة، ولو كان يسيراً فيما يظهر.(٣) كالثياب والفرش والآلات.(٤) الفصلان - بضم الفاء وكسرها -: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه.(٥) العجاجيل: جمع عجل، وهو ولد البقرة.(٦) هذا القسم له عدة أحكام: [الحكم الأول] أنه يجوز التقاطها بشرطين: ١ - أن يأمن نفسه عليها إذا التقطها من إتلافها أو تضييعها أو تملكها قبل التعريف، ٢ - أن يقوى على تعريفها، فلا يلتقطها مَنْ ليس عنده وقت لتعريفها مثلاً. والأفضل عدم التقاطها ولو مع توفر الشرطين، ولو وجدها بمهلكة؛ لأنه قد يعجز عن تعريفها.(٧) [الحكم الثاني] وجوب حفظها بحسب نوعها.(٨) [الحكم الثالث] وجوب تعريفها في مجامع الناس غيرَ المساجد فيكره فيها، فينادي في الأسواق، والأعراس، وعلى أبواب المساجد، ويعرفها حولاً كاملاً فوراً. وكيفية تعريفها: أن يعرِّفها صباحَ كل يوم مدةَ أسبوع، ثم يعرفها بعد ذلك بما جرت به العادة، كما في المنتهى خلافاً للإقناع هنا وهو ما مشى عليه صاحب المتن هنا، والإعلان في الجرائد مما جرت به العادة في وقتنا، فيحصل به التعريف. (مخالفة الماتن)стр. 458
بعدَهُ حُكْماً (١) .
وَيحرُمُ تصرفُهُ فِيهَا قبل معرفَةِ وِعائِها ووكائِها وعِفاصِها وقدرِها وجنسِها وصفتها (٢) .
وَمَتى جَاءَ رَبُّهَا فوصَفَها لزم دَفعُهَا إليه (٣) .
وَمن أُخِذَ نَعلُهُ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ غَيرَه مَكَانَهُ فلُقَطَةٌ (٤) . الحواشي
(١) [الحكم الرابع] أنها تُملك بعد الحول والتعريف حكماً، أي: تدخل في ملكه قهراً كالميراث، فيتصرف فيها بما شاء بشرط ضمانها لصاحبها، فإن لم يُعّرِّفْهَا لم يملكها بعد الحول.(٢) [الحكم الخامس] يحرم تصرف الملتقط في اللقطة - بعد تملكها - قبل معرفة وعائها - وهو الكيس -، ووكائها - وهو ما يشد به الوعاء من خيط ونحوه -، وعفاصها - وهو صفة الشد ككونها عقدة أو عقدتين -، وقدرها وجنسها وصفتها، ويكتب هذه الأوصاف في ورقة. وإنما يجب ذلك: بعد أن يعرفها سَنَةً، ويسن: قبل ذلك عند وجدان اللقطة.(٣) فبيّنةُ اللقطة وصفُها، فإنْ وَصَفَها صاحبُها دُفعت إليه، ولم يكلَّف بينة ولا يميناً.(٤) فيلزمه إن التقطه أن يعرفه سنة إن كان مما يعرّف، بخلاف النعال البالية ونحوها، فيعرّف النعل ونحوه - كالخف - ولو كانت قيمة نعله المفقود أكثر من قيمة الذي وجده مكانه، وإنما يأخذ حقه منه بعد تعريفه؛ لأنه لقطة، هذا هو المذهب. والقول الآخر: لا يجب التعريف إن وُجدت قرينة على السرقة؛ لعدم الفائدة فيه، وفي الإنصاف: (وهو الصواب)، ذكره هنا في شرح المنتهى، والله أعلم.стр. 459
واللَّقِيطُ طِفْلٌ لَا يُعرَفُ نسبُهُ وَلَا رِقّهُ (١) ، نُبِذَ (٢) أو ضَلَّ إلى التَّمْيِيز (٣) .
والتقاطُهُ فرضُ كِفَايَةٍ، فَإِن لم يكن مَعَه شَيْءٌ وَتعذر بَيتُ المالِ أَنفق عَلَيْهِ عَالمٌ به (٤) بلا رُجُوعٍ (٥) . الحواشي
(١) فاللقيط لا يُعرف أبوه ولا أسرته ولا قبيلته، ولا يعرف رقه، أي: هل هو رقيق أو حر؟ فإن عُرف نسبه، أو رقه فهو لقيط لغة لا شرعاً، قاله البهوتي في الكشاف.(٢) أي: طُرح وتُرك، ونبذه: محرم، وإنما يُنبذ غالباً للبعد عن العار بعد فعل الفاحشة.(٣) فبعد التمييز لا يسمى لقيطاً على المذهب، والقول الآخر عند الحنابلة: يسمى لقيطاً إلى بلوغه. وقوله: ضل: أي ضل الطريق.(٤) لكن قبل ذلك: يقترض الحاكمُ على بيت المال لينفق على اللقيط، فإن تعذر الاقتراض عليه والأخذ منه أَنفق عليه عالمٌ به وجوباً.(٥) أي: لا يرجع بما أنفقه على اللقيط، وعبارة الإقناع: (مجاناً)، وفي التنقيح - بعد أن قدم عدم الرجوع -: (وقيل: إن أنفق بنية الرجوع رجع، وقدمه في الفروع، انتهى).стр. 460
وَهُوَ مُسلمٌ إن وُجِدَ فِي بلدٍ يكثُرُ فِيهِ المسلمُونَ (١) ، وإن أقَرَّ بِهِ من يُمكن كَونُهُ مِنْهُ أُلْحِقَ بِهِ (٢) . الحواشي
(١) أي: يُحكم بإسلامه إن وُجد في بلد يكثر فيه المسلمون، سواء كان بلد إسلام أو بلد حرب.(٢) فيلحق به وجوباً - قال في الشرح الكبير: بغير خلاف بين أهل العلم - بشرطين: ١ - أن ينفرد بدعواه، رجلاً كان المدعي أو امرأة، ٢ - وأن يمكن أن يكون منه، فلا يصح أن يدعي مَنْ عمره ثمان سنوات مثلاً لقيطاً عمره خمس سنوات. والله أعلم.следующие страницы →