Полный текст (758 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَسُنَّ عقدُهُ يَوْمَ الجمُعَةِ مسَاءً (١) بعد خُطْبَة ابْن مَسْعُود (٢) . الحواشي
(١) والمساء في المذهب: ما بعد الزوال، لكن المراد هنا آخر ساعة من الجمعة قال في شرح المنتهى: (والإمساء به أن يكون من آخر النهار ... لأن في آخر يوم الجمعة ساعة الإجابة، فاستحب العقد فيها لأنها أعظم للبركة وأحرى لإجابة الدعاء لهما).(٢) وهي الخطبة المشهورة: «إن الحمد لله ... »، يخطبها العاقد أو غيرُه قبل الإيجاب والقبول.
(تتمة) ذكر صاحبا الإقناع والغاية قبل أركان النكاح فصلاً في خصائص النبي ﷺ ، وهي ما اختص به عن غيره من الناس، وهي أكثر من مئتين، كما في الإقناع. وهذه الخصائص عبارة عن كرامات وواجبات ومحظورات ومباحات، منها: ألا تجتمع أمته على ضلالة، وصلاة ركعتين بعد العصر، ووجوب السواك عليه ﷺ ... ومعرفة هذه الخصائص مفيد جداً، وقد دلل البهوتي في حاشيته على الإقناع لكل خاصية، وقال: (وخالفت طريق الحواشي فيها بذكر الدليل؛ رجاء أن يحيى بها قلبي العليل، وينور بها بصري الكليل)، فينبغي للفقيه ألا يهمل الأدلة، وأن يحفظ القرآن الكريم، ومتناً في الحديث.стр. 527
فصل (في أركان النكاح وشروطه)
أركانُه:
الزَّوْجَانِ الخاليان عَن الموَانِعِ (١) ، وإيجابٌ بِلَفْظِ: «أنكحتُ» أو «زوجتُ» (٢) ، وَقَبُولٌ بِلَفْظ: «قَبِلتُ» أو «رضيتُ» فَقَط أو مَعَ «هَذَا النِّكَاح» أو «تَزَوَّجتهَا» (٣) .
وَمن جَهِلَهُما لم يلزمه تعلمٌ، وَكَفاهُ مَعْنَاهُما الخَاصُّ بِكُلِّ لِسَانٍ (٤) . الحواشي
(١) أركان النكاح ثلاثة: (الركن الأول) خلو الزوجين من الموانع: أي: موانع تزويج أحدِهما بالآخر من نسب أو سبب كرضاع ومصاهرة واختلاف دين، أو كونها في عدة، أو أحدهما محرِماً، وذكر هذا صاحب الإقناع دون المنتهى والمقنع؛ لوضوحه، كما قاله البهوتي.(٢) (الركن الثاني) الإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، ولابد في عقد النكاح من لفظ «أنكحت» أو «زوجت»، وهما اللذان وردا في القرآن الكريم. أما البيوع فتصح بكل لفظ دل عليها. (فرق فقهي)(٣) (الركن الثالث) القبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فيقول: «قبلتُ» أو «رضيتُ» ويسكت، أو يضيف إليهما «هذا النكاح» فيقول: «قبلتُ هذا النكاح» أو «رضيتُ بهذا النكاح»، أو يقول: «تزوجتها».(٤) أي: من جهل الإيجاب والقبول بالعربية لم يلزمه تعلمهما، وكفاه معنى القبول والإيجاب أو معنى «أنكحت» ونحوه بلُغته.
(تتمة) يشترط لصحة الإيجاب والقبول في النكاح: ١ - كونهما بالعربية لمن يحسنها، فإن لم يحسنها إلا أحدهما لزمه هو. ٢ - وكونهما مرتَّبَين، فلا يصح تقدم القبول على الإيجاب، خلافاً للبيع. (فرق فقهي) ٣ - والتلفظ بهما، فلا يصحان بالإشارة والكتابة إلا بإشارة مفهومة - يفهمها العاقد معه والشهود - أو كتابة من أخرس. ٤ - وكونهما بالألفاظ التي ذكرها المصنف كـ «زوجت». ٥ - والاتصال بينهما، فإن تفرق العاقدان قبل القبول أو تشاغلا بما يقطعه بطل.стр. 528
وشروطُه أربعةٌ: تعْيينُ الزَّوْجَيْنِ (١) ورضاهما (٢) ، لَكِنْ لأَبٍ ووصيِّهِ فِي نِكَاحٍ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ وَبَالغٍ معتوهٍ، ومجنونةٍ، وثيبٍ لَهَا دونَ تسع، وَبكرٍ مُطلقًا (٣) كسيدٍ مَعَ إمائِهِ وَعَبدِهِ الحواشي
(١) شروط صحة النكاح أربعة: (الشرط الأول) تعيين الزوجين في العقد، ويكون بواحد مما يلي: ١ - الاسم كقوله: «زوجتك ابنتي عائشة»، ٢ - أو بالصفة التي يتميزان بها كقوله: «زوجتك ابنتي الكبرى»، ٣ - أو بالإشارة إليهما، فإن أشار إلى هند وقال «زوجتك عائشة» قُدمت الإشارة؛ لأنها أقوى.(٢) (الشرط الثاني) رضاهما، وهي عبارة الإقناع، وزاد: (أو رضا من يقوم مقامهما)، وفيها إجمال، وأَولى منها عبارةُ المنتهى وهي: (رضا زوج مكلف، وزوجة حرة عاقلة تمَّ لها تسع سنين).(٣) ذكر هنا ما يستثنى من الشرط الثاني: فللأب، ووصيِّه في النكاح - أي: من أوصى إليه الأب بتزويج ابنه وابنته -، ووكيلِ كلٍ منهما إجبارُ - أي: التزويج بدون إذْن - من يلي: ١ - الصغير، ٢ - والبالغ المعتوه، أي: ضعيف العقل، ومن باب أَولى: المجنون، ٣ - والمجنونة، بالغة كانت أو غير بالغة، بكراً كانت أو ثيباً، ٤ - والثيب التي لها دون تسع سنين، ٥ - والبكر مطلقاً، بالغة كانت أو غير بالغة، بإذنها أو بدونه؛ فللأب أن يجبر البكر البالغة على النكاح على المذهب. وللبكر البالغة عدة أحكام: أ- إن عيَّنت زوجاً كفؤا وعيَّن أبوها زوجاً آخر وجب الأخذ بمن عينته، فإن امتنع فهو عاضل، أما غير البالغة فللأب تزويجها بمن شاء، ب- يسن استئذانها وأمها، ج- يكون الاستئذان من الولي بنفسه أو بنسوة ثقات، وأمها أَولى، د- إذنها سكوتها.стр. 529
الصَّغِير (١) ،
فَلَا يُزَوِّجُ بَاقِي الأَوْلِيَاء صَغِيرَةً بِحَالٍ (٢) وَلَا بنتَ تسعٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا (٣) ، وَهُوَ صُمَاتُ بكرٍ ونطقُ ثيب (٤) . الحواشي
(١) فللسيد أن يجبر إماءه على النكاح مطلقاً، وأن يجبر عبده إن كان صغيراً ..(٢) أي: لا يجوز، ولا يصح أن يزوج غيرُ الأب، ووصيُه من الأولياء - حتى الحاكم - الصغيرَ، ولا المجنونَ، ولا الصغيرةَ التي دون تسع بحال، أي: سواء أذنت أو لم تأذن؛ لأنه لا اعتبار لإذنها، ويستثنى من ذلك: الصغير والمجنون، فللحاكم - مع عدم الأب ووصيه - تزويجهما لحاجة وطء أو خدمة أو غير ذلك.(٣) أي: ولا يزوج غيرُ الأبِ ووصيِه بنتَ تسع فأكثر إلا بإذنها، وإذنها معتبر للحديث: (تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت لم تكره)، رواه الإمام أحمد، فإن لم تأذن لم تُزوج. والبكرُ البالغةُ أَولى، فليس لغير الأب ووصيِّه تزويجها بغير إذنها.(٤) يُستدل على إذن البكر بأحد ثلاثة: ١ - صماتها، أي: سكوتها، ٢ - وضحكها، ٣ - وبكاؤها، لكن النطق أبلغ. وأما إذن الثيب: فنطقها، والثيب هي: مَنْ وُطئت في قُبلها - لا في دبرها - بآلة الرجال ولو بزنا، أما من زالت بكارتها بأصبع أو وثبة أو شدة حيضة ونحوه فلا تكون به ثيباً، ولا يزول عنها حكم البكارة، كما في الإقناع وشرحه.
(تتمة) إن أعادت الثيب غشاء البكارة بالجراحة الطبية فلا تزول عنها صفة الثيوبة؛ لتحقق الضابط عليها، والله أعلم.стр. 530
وَالوَلِيُّ، وشروطُه: تَكْلِيفٌ، وذكورةٌ، وحُرِّيَّةٌ، ورُشْدٌ، واتفاقُ دينٍ، وعدالةٌ - وَلَو ظَاهرًا - إلا فِي سُلْطَانٍ وَسيدٍ (١) .
وَيُقَدَّمُ وُجوباً أبٌ ثمَّ وَصِيُّهُ فِيهِ، ثُمَّ جَدٌّ لأَبٍ وإن علا، ثُمَّ ابْنٌ وإن الحواشي
(١) (الشرط الثالث) الولي: للحديث: «لا نكاح إلا بولي»، رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الإمام أحمد وابن معين. وشروطه ستة: ١ - كونه مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً، فلا ولاية للصبي والمجنون. ٢ - وكونه ذكراً؛ للحديث: «لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها»، رواه ابن ماجه وابن خزيمة. ٣ - وكونه حراً. ٤ - وكونه رشيداً، والرشد هنا: معرفة الكفء ومصالح النكاح، وأصله لشيخ الإسلام، كما في شرح ابن النجار للمنتهى. ٥ - واتفاق دين الولي وموليته، ويستثنى: السلطان المسلم يزوج كافرة لا ولي لها؛ لعموم ولايته على أهل دار الإسلام. ٦ - وكون الولي عدلاً ولو ظاهراً، فيكفي مستور الحال، ولا ولاية لمن ظاهره الفسق، ولا يصح تزويجه موليتَه. ويستثنى من اشتراط العدالة: السيد في تزويج إمائه، وكذلك السلطان، فيزوج بولايته العامة من لا ولي لها ولو لم يكن عدلاً؛ للحاجة، وقد ذكرهما الماتن.стр. 531
نزلَ، وَهَكَذَا على تَرْتِيب الميرَاث (١) ،
ثمَّ المولى المنعِمُ ثُمَّ أقْربُ عصبته نسباً، ثُمَّ وَلَاءً (٢) ، ثمَّ السُّلْطَانُ (٣) ، فإنْ عَضَلَ الأَقْرَبُ أو لم يكن أهلًا أو كَانَ مُسَافِرًا فَوق مَسَافَةِ قَصْرٍ، زوَّجَ حرَّةً أبعدُ وأمةً حَاكمٌ (٤) . الحواشي
(١) يقدم - وجوباً - في نكاح الحرة: الأب، ثم وصيُّه في النكاح، ثم الجد لأب وإن علا كأبي أبي الأب، ثم الابن وإن نزل كابن ابن الابن، وهكذا على ترتيب الميراث، فيُبدأ بالأصول - الآباء ثم الأجداد من جهة الأب - ثم الفروع ثم الحواشي من الإخوة الأشقاء ثم لأب، ثم ابن الأخ الشقيق ثم لأب.
(تتمة) إذا وُجِد وليان للمرأة واستويا في الدرجة كأخوين شقيقين، فمن الأحق بالتزويج؟
أ- إن أذِنت لأحدهما تعين، ولا يصح من غيره. ب- إذا أذنت لهما فيصح من أيهما، والأَولى تقديم الأفضل علماً وديناً، ثم أسنهم، فإن تشاحوا أُقرع بينهما.(٢) فمع عدم العصبات يزوِّج الحرةَ المولى المنعِمُ، وهو: مَنْ مَنَّ عليها بالعتق، ثم أقرب عصبة المعتِق نسباً - أي: أبوه ثم جده ... -، ثم أقرب عصبته ولاءً.(٣) والمراد: السلطان الأعظم، أو نائبه، أو مَنْ فوَّضا إليه الأنكحة، كما في الإقناع.
قلت: ولعله يدخل فيه عاقد الأنكحة المرخص له من وزارة العدل، وهي الجهة الممثلة لولي الأمر، والله أعلم. (تحرير)(٤) تناول الماتن ما يُسقط الولاية عن الولي الأقرب: ١ - كونه عاضلاً، أي: مانعاً ابنته أو موليته الزواج من كفء رضيته ورغب كل واحد من الزوجين في صاحبه بما صح مهراً، ولو بدون مهر مثلها، ٢ - أو كونه غير أهل، بأن تخلَّف فيه أحد شروط الولي المتقدمة، ٣ - أو كونه مسافراً فوق مسافة القصر، وقوله: فوق مسافة القصر: تابع فيه الإقناع حيث قال: (أو غاب غيبة منقطعة وهي: ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، وتكون مسافة قصر). وفي المنتهى- كالتنقيح - مثل الإقناع، لكنه لم يقيدها بمسافة القصر، وحكى زيادة (مسافة قصر) رواية أخرى في المعونة (٩/ ٦٣). وقد زاد البهوتي (مسافة قصر) على كلام المنتهى في شرحه له نقلاً عن الإقناع - وتابعه النجدي -، وزادها البهوتي في حاشيته على المنتهى بدون نسبة للإقناع. وتابع الغايةُ المنتهى وقال: (أو غاب غيبة منقطعة، وهي: ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة فوق مسافة قصر أو دونها خلافاً له)، ولعل المذهب ما في المنتهى، فليحرر، وإنما ترددت في الجزم بالمذهب لعمل البهوتي والنجدي، والله أعلم. (مخالفة الماتن)
فإن حصل شيء من ذلك زوّج الحرةَ مَنْ يلي هذا الولي في الترتيب، أما الأمة فإن الولاية تنتقل في حقها من السيد إلى الحاكم.стр. 532
وَشَهَادَةُ رجُلَيْنِ مُكَلَّفَينِ عَدْلَيْنِ وَلَو ظَاهراً، سميعينِ ناطقَيْنِ (١) . الحواشي
(١) (الشرط الرابع) شهادة رجلين: وذلك احتياطاً للنسب ولحديث عائشة ﵂: «لابد في النكاح من حضور أربعة: الولي والزوج والشاهدين» رواه الدارقطني. ويشترط كون الشاهدين: ١ - ذكرين، فلا مدخل للنساء في هذه الشهادة، ٢ - مكلفين، أي: بالغين عاقلين، ٣ - عدلين ولو ظاهراً بأن لا يظهر فسقهما، والفاسق: هو من اقترف كبيرة أو داوم على صغيرة، ٤ - سميعين، فيسمعان العقد، ٥ - ناطقين، ٦ - كونهما من غير عمودي الزوجين.
(تتمة) عد بعضهم الإسلام شرطاً مستقلاً، لكن قرر البهوتي في موضع أن العدالة تكفي عن الإسلام، والخلاف في هذا يسير، وزاد الشيخ منصور والنجدي في الشرط الأخير: كون الشاهدين غير متهمين لرحم الولي، وذلك تبعاً لابن نصر الله في حاشيته على الفروع، والذي يظهر: اشتراط الشرط في الولي، وأن المعتبر كون الشاهدين غير متهمين لرحم الزوجين فقط، وهذا هو ظاهر الإقناع والمنتهى، بل قال صاحب الغاية: (من غير أصل وفرع الزوجين)، فلم يذكر الولي، والله أعلم. (خلاف المتأخرين)
(تتمة) ولا يبطل النكاح بالتواصي على كتمانه، فلو شهد عليه اثنان وتواصى الكل على كتمانه فإن العقد صحيح. قلت: ومنه يؤخذ صحة زواج ما يسمى بالمسيار، إلا أنه لا يصح أن تسقط النفقة عن الزوج، وهو شرط فاسد، ولا يعود على العقد بالإبطال كما سيأتي، والله أعلم.стр. 533
الحواشي
(١) الكفاءة لغة: المماثلة والمساواة، وهي في المذهب معتبرة في الزوج بالنسبة للزوجة دون العكس. وتعتبر الكفاءة في خمسة أشياء: ١ - الديانة: فليس الفاسق بكفء للدَّيِّنَة، ٢ - والصناعة: ويقولون: إن الحجام ليس بكفء لبنت بائع القماش، ٣ - والميسرة: فليس المعسر بكفء للموسرة، ٤ - والحرية: فليس العبد أو المبعّض بكفء للحرة، ٥ - والنسب: أي: شرف النسب، فليس غير النسيب بكفء لشريفة النسب، وليس غير العربي بكفء للعربية. وكل عربي كفء للعربية ولو قرشية، وسائر الناس - أي: العجم كالرومي والأمريكي - بعضهم أكفاء بعض.стр. 534
شَرطٌ للزومِهِ (١) فَيحرُمُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِهِ إلا بِرِضَاهَا (٢) . الحواشي
(١) وقدم صاحب المنتهى - كالتنقيح - كون الكفاءة شرطاً لصحة العقد، لكن المؤلف تابع الإقناع ومثله الغاية - وجعله الخلوتي المذهب، وكذا السفاريني في كشف اللثام - في جعل الكفاءة شرطاً للزوم النكاح، وتعقب الحجاوي المرداوي في التنقيح، فإذا زُوجت بغير كفء صح العقد لكنه لا يكون لازماً مستمراً إلا إذا رضيت الزوجة ورضي الأولياء. (مخالفة الماتن)
(تتمة) لو رضيت الزوجة بغير الكفء فللأولياء فسخ العقد ولو ممن بلغ منهم بعد سنين من النكاح وطالب بالفسخ عند القاضي، ويذكرون في تعليل ذلك: أن العار يلحقهم جميعاً، أما الشيخ ابن عثيمين فلا يرى الكفاءة شرطاً للصحة ولا للزوم، ويرى أن يسافر الزوج بامرأته ويبتعد عن بلده. وهذا له وجه، لكن هجر القبيلة والأسرة أمر صعب جداً، والكفاءة قد تبدو تافهة عند بعض الناس ولكنها عند آخرين عظيمة، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل فيما قد يسبب الفتن وربما يؤدي إلى إراقة الدماء.(٢) والتحريم حكم تكليفي لا ينافي صحة العقد على ما مشى عليه الماتن، فيحرم على الولي أن يزوج ابنته بغير كفء إلا برضاها.стр. 535
فصل (في المحرمات في النكاح)
وَيحرم أبداً (١) أُمٌّ (٢) وَجدّةٌ وإن علت (٣) ، وَبنتٌ، وَبنتُ ولدٍ وإن سفلت (٤) ، وأُخْتٌ مُطلقاً، وبنتُها، وَبنتُ وَلَدِهَا وإن سَفَلَت (٥) ، وَبنتُ كُلِّ أخٍ، وبنتُها، وَبنتُ وَلَدِهَا وإن سَفَلَت (٦) ، وعمةٌ (٧) الحواشي
(١) المحرمات في النكاح ضربان: محرمات إلى الأبد، ومحرمات إلى أمد، أي: إلى أجل ووقت محدود.(٢) المحرمات إلى الأبد خمسة أقسام: (القسم الأول) بالنسب، وهن سبعة أنواع: [النوع الأول] الأم.(٣) [النوع الثاني] الجدة من كل جهة وإن علت.(٤) [النوع الثالث] ويشمل: ١ - البنت ولو من زنا أو وطء شبهة، ٢ - وبنت الولد - ذكراً كان الولد أو أنثى - وإن سفلت.(٥) [النوع الرابع] ويشمل: ١ - الأخت مطلقاً، سواء كانت لأبوين أو لأب أو لأم، ٢ - وبنتها مطلقاً، ٣ - وبنت ولدها وإن سفلت كبنت بنت الأخت أو بنت ابن الأخت.(٦) [النوع الخامس] ويشمل: ١ - بنت الأخ مطلقاً، سواء كان لأبوين أو لأب أو لأم، ٢ - وبنتها، أي: بنت بنت الأخ، ٣ - وبنت ولدها وإن سفلت، أي: بنت ابن بنت الأخ وبنت بنت بنت الأخ.(٧) [النوع السادس] العمة مطلقاً، أي: أخت الأب شقيقة كانت أو لأب أو لأم.стр. 536
وَخَالَةٌ مُطلقًا (١) .
وَيحرُمُ برضاعٍ مَا يحرُمُ بِنسَبٍ (٢) ، وَيحرُمُ بِعقدٍ حلائلُ عمودَيْ نسبِهِ وأمهاتُ زَوجتِهِ وإن عَلَوْن (٣) ، وبدخولٍ ربيبةٌ وبنتُها وَبنتُ وَلَدِهَا وإن سَفَلت (٤) ، وإلى أَمدٍ أُختُ معتدَّتِهِ الحواشي
(١) [النوع السابع] الخالة مطلقاً، أي: أخت الأم شقيقة كانت أو لأب أو لأم.
(تتمة) ذكر الشيخ النجدي ضابطاً للمحرمات من النسب إلى الأبد فقال: (وضابط ذلك: أنه يحرم على الشخص أصله وإن علا، وفرعه وإن نزل، وفرع أصله الأدنى وإن نزل، وفرع أصوله البعيدة فقط؛ أي: دون فروع فروع أصوله البعيدة).(٢) (القسم الثاني) من المحرمات إلى الأبد: المحرمات بالرضاع، فكل امرأة حرمت بنسب حرم مثلها من الرضاع؛ للحديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم»، وفي لفظ «ما يحرم من النسب»، متفق عليه، ومثل ذلك المصاهرة، فتحرم زوجة الابن من الرضاع على أبيه من الرضاع.(٣) (القسم الثالث) من المحرمات إلى الأبد: المحرمات بالمصاهرة، وهن أربع، ثلاث منهن يحرمن بمجرد العقد، أي: العقد الصحيح لا الفاسد كما في هداية الراغب للشيخ النجدي: [النوع الأول] حلائل الآباء وإن علوا، و [النوع الثاني] حلائل الأبناء وإن سفلوا، وأشار إلى هذين النوعين بقوله: حلائل عمودي نسبه، و [النوع الثالث] أمهات زوجته وإن علون. فهذه الثلاث يحرمن بمجرد العقد.(٤) و [النوع الرابع] ممن يحرمن بالمصاهرة: من يحرمن بالدخول لا بمجرد العقد، وهن: الربيبة، وبنتها، وبنت ولدها - ذكراً كان الولد أو أنثى - وإن سفلت، والربيبة: بنت زوجته التي دخل بها.
(تتمة) (القسم الرابع) من المحرمات إلى الأبد: المحرمة باللعان، و (القسم الخامس) زوجات النبي ﷺ .стр. 537
أو زَوجتِهِ (١) ،
وزانيةٌ حَتَّى تتوب وتنقضِيَ عدتُهَا (٢) ، ومطلقتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى يَطَأهَا زوجٌ غَيرُهُ بِشَرْطِهِ (٣) ، ومسلمةٌ على كَافِرٍ وكافرةٌ على مُسلمٍ إلا حرَّةً الحواشي
(١) المحرمات إلى أمد قسمان: (القسم الأول) محرمات إلى أمد لأجل الجمع، ونقتصر في ذلك على ما ذكره المؤلف وهي: أخت زوجته أو معتدته؛ للحديث: «لا يجمع بين المرأة وأختها ولا عمتها ولا خالتها» متفق عليه، فلو طلق رجل زوجته فإن تحريم أختها لا يزال قائماً حتى تنقضي عدة أختها المطلقة.
وضابط هذا القسم ما ذكره السفاريني في كشف اللثام عن شيخ الإسلام: (كلُّ امرأتين بينهما رحمٌ محرم يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا لم يجز له الزواج بالأخرى، فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح).(٢) (القسم الثاني) المحرمات إلى أمد لأمر عارض يزول، وذكر منهن المؤلف: [المثال الأول] الزانية: فيحرم نكاحها حتى تتوب وتنقضي عدتها، فإن كانت حاملاً لم تحل حتى تضع.
(تتمة) تعرف توبة الزانية بأن يراودها ثقة عدل - كما ذكر النجدي - فتمتنع، وهذا هو المذهب. والقول الثاني أنها كغيرها، فتكون توبتها بالندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم الرجوع إليه، ذكره الحجاوي في الإقناع بعد تقديم المذهب. (بحث)(٣) [المثال الثاني] مطلقته ثلاثاً - ولو لم يدخل بها - حتى تنكح زوجاً غيره، فتحل للأول بشرط: ١ - كون النكاح الثاني صحيحاً، ٢ - وأن يطأها زوجها الثاني في قبلها، ٣ - وأن يحصل الوطء مع انتشار ذكره.стр. 538
كِتَابِيَّةً (١) ، وعَلى حُرٍّ مُسلمٍ أَمةٌ مسلمةٌ مَا لم يخَفْ عَنَت عزوبةٍ لحَاجَةِ مُتْعَةٍ أو خدمَةٍ ويعجِزُ عَن طَوْلِ حرَّة أو ثمنِ أَمةٍ (٢) ،
وعَلى عبدٍ سيدتُهُ وعلى سيدٍ أمتُهُ وأمةُ وَلَدِهِ، وعَلى حرَّةٍ قِنُّ وَلَدِهَا (٣) . الحواشي
(١) [المثال الثالث] المسلمة على الكافر حتى يسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة، ٢٢١]. وكذلك تحرم الكافرة على المسلم ولو عبداً حتى تسلم، إلا الحرة الكتابية التي أبواها كتابيان، وتكون عفيفة؛ فيجوز للمسلم نكاحها بهذه القيود الثلاثة.(٢) [المثال الرابع] الأمَة المسلمة، فيحرم على الحر المسلم أن ينكحها إلا بشرطين: ١ - أن يخاف عنت عزوبة لحاجة متعة بالوطء؛ لخوفه الوقوع في الزنا، أو حاجة خدمة كالشيخ الكبير يحتاج من يخدمه، والعَنَت - بفتح العين والنون -: هو الإثم - كما قال الجوهري - والوقوع في أمر شاق. ٢ - وألا يملك طَوْل حرة، أي: مهرها، أو ثمنَ أمة يشتريها ليستمتع بها. وقوله: ثمن أمة: تابع فيه الإقناع والزاد، لكن المذهب عدم اشتراط ذلك. (مخالفة الماتن)
أما ملك الحر المسلم أمةً مسلمة فيجوز بدون هذه الشروط.(٣) [المثال الخامس] تحرم السيدة على عبدها، فليس له أن يتزوجها إجماعاً، وليس للسيد أن ينكح أمته؛ لأنه يجوز له وطؤها بملك اليمين وهو أقوى من النكاح، ولا أن ينكح أمة ولده من النسب - لا من الرضاع -؛ لأن له أن يتملك من مال ولده ما شاء، وكذلك يحرم على الحرة أن تتزوج عبد ولدها.стр. 539
وَمن حَرُمَ وَطْؤُهَا بِعقدٍ حرم بِملك يَمِينٍ (١) إلا أمةً كِتَابِيَّةً (٢) . الحواشي
(١) أي: من حرم وطؤُها بعقد نكاح، حرم وطؤها بملك اليمين كالمجوسية والوثنية والدرزية، وكذلك النصيرية فقد نص الحنابلة على كفرهم في غير ما موضع، ولا يلزم من حرمة وطئها بملك اليمين عدم جواز تملكها، فيجوز تملكها كما يذكرونه في كتاب الجهاد.(٢) هذا استثناء من المسألة؛ فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية، لكن يجوز تملكها ووطؤها بملك اليمين، والله أعلم.стр. 540
فصل (في الشروط في النكاح) (١)
والشروطُ فِي النِّكَاح نَوْعَانِ:
صَحِيحٌ (٢)
كَشَرطِ زِيَادَةٍ فِي مهرِهَا، فإن لم يَفِ بذلك فَلها الفَسْخُ (٣) . الحواشي
(١) الشروط في النكاح: هي: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض صحيح.(٢) الشروط نوعان: صحيحة وفاسدة: (النوع الأول) الشروط الصحيحة: وهي الشروط التي تشترطها المرأة، أو الرجل ولا تنافي مقتضى العقد، وأمثلتها: ما ذكره الماتن كأن تشترط زيادة في مهرها على مهر المثل، أو تشترط عليه ألا يسافر بها.
(تتمة) ومحل الشرط الصحيح في النكاح: قبل العقد أو في صلبه، قال في الإقناع: (ولا يلزم الشرط بعد العقد ولزومه)؛ فبناء على ذلك لو شرطت المرأة على الخاطب شروطاً زمن الخطبة لزمته، بخلاف البيع فإن محل الشروط الصحيحة صلب العقد أو زمن الخيارين لا قبل العقد. (فرق فقهي)(٣) أحكام الشروط الصحيحة: ١ - هي شروط لازمة للزوج، والمراد: ثبوت الخيار عند عدمها لا التأثيم بعدم الوفاء بها كما في الإقناع، ٢ - ويسن للزوج الوفاء بها، ولا يجب عليه ذلك، ٣ - ومتى خالف الزوجُ الشرطَ ثبت للمرأة حق الفسخ على التراخي، ٤ - ولا يسقط هذا الخيار إلا بما يدل على رضاها بقول أو تمكين.стр. 541
وفاسدٌ (١) يُبطل العقدَ وَهُوَ أربعةُ أشياء: نِكَاحُ الشِّغَارِ (٢) ، والمحلِّل (٣) ، والمتعةِ (٤) ،
وَالمعَلَّق على شَرط الحواشي
(١) (النوع الثاني) الشروط الفاسدة: وهي إما أن تكون مبطلة للعقد أو غير مبطلة.(٢) (أولا: الشروط الفاسدة المبطلة للعقد) وهي محرمة، وهي أربعة أشياء: [الأول] نكاح الشغار، وله صور، ومن أشهرها: أن يزوج الرجل موليته كابنته أو أخته على أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما، ودليل تحريمه وعدم صحته: نهيه ﷺ عن نكاح الشغار، متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد.(٣) [الثاني] المحلِّل، وله صور، منها: أن يتزوج المطلقة ثلاثاً على أنه متى أحلها أو وطئها طلقها، ودليل تحريمه قوله ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له»، رواه أبو داود والترمذي.
قال في الإقناع وشرحه: ((ولا يحصل به) أي: بنكاح المحلل (الإحصان ولا الإباحة للزوج الأول) المطلق ثلاثاً؛ لفساده (ويلحق فيه النسب) للشبهة بالاختلاف فيه).(٤) [الثالث] نكاح المتعة: وله صور، منها: أن يتزوج إلى مدة كأن يقول الولي: زوجتك ابنتي شهراً، فهو نكاح فاسد محرم. ومن الأنكحة الشبيهة بالمتعة - وهي محرمة على المذهب -: أن يتزوج الغريب بنية الطلاق إذا خرج من البلد - وإن كان حكي الإجماع على جوازه -، وقد وقع فيه كثير من المسلمين الآن، ويقولون: لم نشترط مدة في العقد، لكن يقال: المعروف كالمشروط، فالأحرى أن يسمى زناً مقنناً.
وفي الإقناع: (ولا يثبت به - أي: نكاح المتعة - إحصان ولا إباحة للزوج الأول ولا يتوارثان .. ومن تعاطاه عالماً عزر) أي: فلا يقام على من عقد عقد متعة حد الزنا بل يعزر.стр. 542
غير مَشِيئَةِ الله تَعَالَى (١) .
وفاسدٍ لَا يُبطلُهُ (٢) كَشَرطِ ألَّا مهرَ، أو لا نفقةَ (٣) ،
أو أن يُقيمَ عِنْدَهَا الحواشي
(١) [الرابع] تعليق النكاح على شرط مستقبل، وذلك كقول الولي: زوجتك ابنتي إذا جاء رأس الشهر، فيحرم ولا يصح. أما لو علقه على شرط ماض كـ: زوجتك بنتي إذا انقضت عدتها، وهما يعلمان أن عدتها انقضت، أو على شرط حاضر كـ: زوجتكها إن شئتَ، فقال: شئتُ، صح النكاح، وكذا يصح لو علقه على مشيئة الله.(٢) (ثانياً: الشروط الفاسدة التي لا تُفسد العقد): وهي فاسدة في نفسها - لمنافاتها مقتضى العقد - غير مفسدة للعقد.(٣) سواء كان المشترط لهذين الشرطين الرجلُ أو المرأةُ؛ فإذا اشترطت إسقاط النفقة فالشرط فاسد لكن العقد صحيح، ولها أن تطلب النفقة في المستقبل، ولها أيضاً أن تتنازل عنها.
(تتمة) زواج المسيار: يصح زواج المسيار الذي تسقط فيه المرأة حقها من النفقة والمسكن ويأتيها زوجها في أوقات يتفقان عليها، لكن شرط إسقاط النفقة فاسد.
وفي المغني للموفق إشارة لبعض الأنكحة التي تشبه المسيار قال ﵀: (وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد، نقل عنه المروزي في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام، وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة وقال الثوري: الشرط باطل. وقال أصحاب الرأي: إذا سألته أن يعدل لها، عدل. وكان الحسن، وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسا وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها، على أن يجعل لها من الشهر أياما معلومة، ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط، وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح، فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط، كما قلنا. والله أعلم، وقال القاضي: إنما كره أحمد هذا النكاح؛ لأنه يقع على وجه السر، ونكاح السر منهي عنه).стр. 543
أكثرَ من ضَرَّتِهَا أو أقلَّ (١) .
وإن شرط نفيَ عيبٍ لَا يُفْسخُ بِهِ النِّكَاح (٢) فَوُجِدَ بهَا فَلهُ الفَسْخُ (٣) . الحواشي
(١) أو شرط أن يقسم لها أكثر من ضرتها لم يصح الشرط، وكذا لو شرط فيه خياراً فيصح النكاح ويفسد الشرط، وكذا لو شرطت عليه: أن يسافر بها - ولو لحج - لم يصح. ذكره الشيخ البهوتي في شرح المنتهى (٥/ ٢٦٥)(٢) ومن هنا ذكر الماتن الشروط الصحيحة التي تصدر من الزوج، والعيوب في المذهب - من حيث ملك الزوج الفسخ بها - قسمان: ١ - عيوب يملك أحد الزوجين الفسخ بها ولو لم يشترط نفيَها، وهي العيوب التي ستأتي في الفصل القادم، ٢ - وعيوب لا يملك الزوج الفسخَ بها إلا إذا اشترط نفيها - وهي: المرادة هنا -، كأن يشترط كونها سميعة أو بصيرة أو ناطقة، وكذلك العرج والعقم.(٣) أي: فللزوج الفسخ إذا وَجَد ما شرط نفيه كأن شرط ألا تكون عمياء فوجدها عمياء.стр. 544
فصل (في العيوب في النكاح) (١)
وعيبُ نِكَاحٍ ثَلَاثَةُ أنواعٍ:
نوعٌ مُخْتَصٌّ بِالرجلِ كَجَبٍّ وعُنَّةٍ (٢) . وَنَوعٌ مُخْتَصٌّ بِالمرْأَةِ (٣) كَسَدِّ فرج (٤) ورَتَقٍ (٥) .
وَنَوعٌ مُشْتَركٌ بَينهمَا كجنونٍ وجذامٍ (٦) . الحواشي
(١) والمراد: العيوب التي تثبت خيار الفسخ للزوجين.(٢) (النوع الأول) ما يختص بالرجل، وهي ثلاثة عيوب يثبت للمرأة معها خيارُ الفسخ: ١ - الجَبّ: وهو كون ذكره مقطوعاً كله أو بعضه بحيث لا يتمكن من الجماع، ٢ - والعُنة: بضم العين وتشديد النون، والعنين: مَنْ لا يمكنه الوطء لكبر أو مرض، ٣ - وكون خصيتيه مقطوعتين أو مرضوضتين.(٣) (النوع الثاني) ما يختص بالمرأة، ويثبت معه للرجل خيار الفسخ.(٤) كالقَرَن والعفل وهو: لحم يحدث في الرحم فيسُده، وإنما يحصل ذلك بعد الزواج فلا يكون من أصل الخلقة.(٥) وهو تلاحم الشُّفْرين خِلقة، فلا يكون فيه مسلك للذكر.
(تتمة) ومن عيوب النساء التي يثبت بها خيار الفسخ للزوج: انفتاق ما بين سبيليها أو كونها مستحاضة.(٦) (النوع الثالث) العيوب المشتركة بين الزوجين: أي قد تحصل في الرجل وقد تحصل في المرأة: كالجنون - ولو أحياناً، قلت: ولعل مثلَ الجنونِ الصرعُ، فليحرر- والجذام، والبرص، وبخر الفم - وهو كون رائحة فمه كريهة -، واستطلاق البول والغائط، والبواسير.стр. 545
فَيُفْسَخُ بِكُلٍّ من ذَلِك (١) وَلَو حَدَثَ بعدَ دُخُولٍ (٢) ، لَا بِنَحوِ عمًى أو طرشٍ وَقطعِ يَدٍ أو رِجلٍ إلَّا بِشَرْطٍ (٣) .
وَمن ثبتَتْ عُنَّته أُجِّلَ سنةً مِنْ حِين ترفَعُهُ إلى الحَاكِم، فإن لم يطَأ فِيهَا الحواشي
(١) أي: بكل العيوب المتقدمة، والعيوب المثبتة للخيار معدودة في المذهب - وهي عشرون تقريباً - وليست محدودة بضابط، خلافاً لما ذهب إليه ابن القيم ﵀ من كون العيب الذي يحق للزوج الفسخ به هو: ما منع الاستمتاع أو كماله، وقد ذكره في الإقناع عنه.(٢) أي: لو حدث العيب في أحد الزوجين بعد الدخول بالمرأة، فإنه لا يمنع من ثبوت حق الفسخ للزوج الآخر. أيضاً، يثبت الفسخُ ولو كان بالآخر عيبٌ مثلُه.
(تتمة) الأحكام المترتبة على العيب الذي يفسخ به النكاح: ١ - يملك الزوج الفسخَ على التراخي ولا يسقط إلا بالرضا، وسيأتي في كلام الماتن. ٢ - لا يثبت الخيار في عيب زال بعد العقد - ظاهره: ولو زال بعملية جراحية - ولا لعالم به وقت العقد؛ لدخوله على بصيرة. ٣ - لو فُسخ العقد بعيب فبان عدمه بطل الفسخ واستمر النكاح.(٣) فهذه العيوب لا يثبت بها خيار الفسخ لأحد الزوجين إلا إذا اشترط نفيها في الآخر، وقد تقدم الكلام عنها في الفصل السابق، ومن هذه العيوب أيضاً: العقم بأحدهما، فليس هو مما يفسخ به النكاح إلا بشرط نفيه في العقد.стр. 546
فَلها الفَسْخُ (١) . وَخيَارُ عيبٍ على التَّرَاخِي (٢) ، لَكِن يسْقُطُ بِمَا يدل على الرِّضَا (٣) لَا فِي عُنَّةٍ إلَّا بقولٍ (٤) .
وَلَا فسخَ إلا بحاكم (٥) ، فَإِن فُسِخَ قبل دُخُولٍ فَلَا مهرَ (٦) ، وَبعدَهُ لَهَا المسَمَّى يَرجعُ بِهِ على مُغِرٍّ (٧) . الحواشي
(١) فإذا ثبتت عُنَّةُ الزوج بإقرار منه، أو ببينة، وجب أن يؤجله الحاكم - لا غيره، كما في الإقناع - سنةً هلالية من حين ترافعه إلى الحاكم؛ لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾، ولتمرّ عليه الفصول الأربعة، فقد تكون عنته لأمر عارض غير مستمر، فإن لم يطأها خلال تلك المدة فلها الفسخ.
(تتمة) يشترط لضرب المدة: أن ترفعه إلى الحاكم وتدعي عليه.(٢) لا على الفور.(٣) ويكون الرضا بالعيب - في غير العنة - بأحد أمرين: ١ - بالقول كقول أحدهما: رضيت بالعيب، ٢ - أو بالفعل بأن يطأها مع وجود العيب فيها، أو تمكّنه من وطئها مع وجود العيب فيه بشرط كونها عالمة بعيبه.(٤) أي: لا يسقط خيار العيب في العُنَّة إلا بالقول، فتقول: رضيتُ به عنيناً، أو: أسقطتُ خياري، ونحو ذلك.(٥) فالفسوخ عند الحنابلة في النكاح خاصة لابد أن تكون بحاكم.
(تتمة) الفسخ هنا لا ينقص عدد الطلاق، وله أن يعقد عليها نكاحاً جديداً.(٦) أي: ليس لها مهرٌ سواء كان العيب فيها أو في الزوج.(٧) أي: إن فسخ النكاح بعد الدخول أو الخلوة، فلها المهر المسمى، ويرجع به الزوج على الذي غرّه، سواء كان المُغِرِّ هو: الزوجة العاقلة، أو الولي، أو الوكيل.
(تتمة) إن طُلقت المرأة قبل الدخول، أو مات أحدهما قبل العلم بالعيب استقر نصف المهر بالطلاق، وكله بالموت، ولا رجوع بالصداق على أحد.стр. 547
ويُقَرُّ الكفَّارُ على نِكَاحٍ فَاسدٍ إن اعتقدوا صِحَّته (١) . وإن أسْلَم الزَّوْجَانِ - والمرأةُ تُبَاحُ إذَن - أُقِرَّا (٢) . الحواشي
(١) انتقل الماتن من هنا إلى أحكام أنكحة الكفار: فالكفار يُقَرُّون على نكاح فاسد بشرطين: ١ - أن يعتقدوا صحته وإباحته في شرعهم، ٢ - وألا يترافعوا إلينا قبل عقده، وإلا عقدناه على حكمنا.(٢) فإذا أسلم زوجان - أو أتونا بعد عقده - فالنكاح صحيح، ولا يُتعرض إلى كيفية صدور العقد السابق منهما من حيث حضور الولي والشاهدين وغير ذلك، وإنما ينظر إلى حال المرأة حين الإسلام، فيشترط ألا تكون مُحَرَّمةً على الزوج بنسب أو سبب، أو لكونها في حال لا يصح عقد النكاح عليها كأن تكون في عدة: فإن كانت تباح للرجل حينئذٍ أُقر العقد، وإن كانت محرَّمة عليه كأخته من النسب أو أم زوجة له فإن نكاحهما فاسد ويفرق بينهما. ولو تزوجها وهي في العدة ثم أسلما ولم تزل في العدة وجب التفريق بينهما، بخلاف ما لو أسلما بعد انقضاء العدة، فإنهما يُقران على العقد؛ لأنها تحل له حال الإسلام. والله أعلم.стр. 548
باب الصداق (١)
يسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي العقدِ وتخفيفُه. وكُلُّ مَا صَحَّ ثمناً أو أُجرةً صَحَّ مهراً (٢) ، فَإِن لم يُسَمَّ أو بطلتِ التَّسْمِيَةُ الحواشي
(١) الصداق - بفتح الصاد وكسرها -: هو العوض المسمى في عقد النكاح وبعده لمن لم يسم لها مهر، ويسن فيه أربعة أمور: ١ - تسميته في العقد، أي: ذكره فيه؛ لأنه يقطع النزاع. ٢ - وتخفيفه، أي: كونه قليلاً. ٣ - وألا ينقص عن عشرة دراهم خروجاً من خلاف من قدّره بذلك، ولا حد لأكثر الصداق بالإجماع. ٤ - وكونه من ٤٠٠ إلى ٥٠٠ درهم؛ لأنه صداق النبي ﷺ لزوجاته ﵅ رواه مسلم، والدرهم يساوي ٣ جم تقريباً، فإن كان الجرام يقوم بـ ٢ ريال مثلاً، فتكون قيمة الدرهم ٦ ريال، وتكون إذَن قيمة ٥٠٠ درهم = ٣٠٠٠ ريال.(٢) وإن قلَّ، حتى لو كان المهر منفعة، فيصح كأن يبني لها داراً، أو يجعل لها منفعة عمارة مدة سنة فيصح، ما لم تكن المنفعة تعليم قرآن فلا يصح على المذهب.
(تتمة) شروط صحة الصداق: ١ - أن يكون معلوماً، ولكن لا يضر جهلٌ يسير كقميص من قمصانه، ولا غرر يرجى زواله، ٢ - أن يكون مما يتمول عادة، أي: له قيمة مالية عند الناس، فلا يصح أن يكون حبة شعير مثلاً؛ لأنها لا مالية لها عند الناس، ٣ - أن يكون مباحاً.стр. 549
وَجَبَ مهرُ مثلٍ بِعقدٍ (١) .
وإن تزَوجهَا على ألفٍ لَهَا وألفٍ لأَبِيهَا صَحَّ (٢) ، فَلَو طلق قبلَ دُخُولٍ رَجَعَ بألفِها وَلَا شَيْءَ على الأَبِ لَهما (٣) . وإن شُرِطَ لغير الأَبِ شَيْءٌ فَالكُلُّ لَهَا (٤) .
وَيصِحُّ تَأجِيلُهُ، وإن أُطلِقَ الأَجَلُ فمحِلُّهُ الفرْقَةُ (٥) وتملكُهُ بِعقدٍ (٦) . الحواشي
(١) فلا يبطل العقد بعدم تسمية المهر، فإن حصل العقد بلا مهر وجب مهرُ المثل بمجرد العقد.(٢) لكن يعتبر كون الأب ممن يصح تملكه من مال ولده بتوفر الشروط الستة التي تقدم ذكرها، ولا يملك الأبُ الألفَ بالشرط إلا إذا قبضها وتملكها مع النية أو القول.(٣) أي: فإن طلق قبل الدخول وبعد تسليم الألفين، رجع الزوجُ على المرأة بألفها ولا شيء على الأب لهما؛ لأن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء بشرطه.(٤) أي: إن شُرط شيء من المهر لغير الأب - كالجد أو العم - فالشرط باطل، والتسمية صحيحة والمهر كله للمرأة.(٥) أي: يصح تعجيل المهر، وتأجيل كله أو بعضه، فإن كان مؤجلاً وأُطلق الأجلُ - بأن لم يُقدَّر له زمن يدفعه الزوجُ فيه -، فمحِله الفرقة بين الزوجين إما بالموت وإما بالطلاق.(٦) أي: إذا حصل العقد فإن الزوجة تملك المهر بمجرد العقد حالاً كان أو مؤجلاً، معيناً كان أو غير معين، ويترتب على ذلك أمور منها: إن كان المهر معيناً كهذه الخمسين ألفاً، أو كهذه العمارة، فلها نماؤه، ويجوز لها التصرف فيه، وعليها زكاته من حين العقد.стр. 550
وَيصِحُّ تَفْوِيضُ بُضعٍ بِأَن يُزَوِّجَ أبٌ ابْنَتَهُ المجبَرَة أو وليُّ غَيرِهَا بإذنِها بِلَا مهرٍ (١) ،
كعلى مَا شَاءَت أو شَاءَ فلَانٌ (٢) . وَيجبُ لَهَا بِعقدٍ مَهرُ مثلٍ ويستقرُّ بِدُخُولٍ (٣) . وإن مَاتَ أحدُهما قبلَ دُخُولٍ وَفرضٍ وَرِثَهُ الآخَرُ، وَلها مهرُ نسائِها كأُمِّها وعمَّتِها وخالتِها (٤) .
وإِن طُلِّقَتْ قبلَهُمَا لم يكن لَهَا عَلَيْهِ إلا المتْعَةُ وَهِي بِقدرِ يُسْرِهِ وعُسْرِهِ (٥) . الحواشي
(١) التفويض: هو الإهمال، فكأن المهر أُهمل حيث لم يسمَّ، والتفويض في المذهب نوعان:
(النوع الأول) تفويض البُضع: وهو أن يزوج الأب ابنته التي يجوز له إجبارها، أو يزوج الولي - غيرُ الأب - غيرَ المجبرة بإذنها بلا مهر، سواء قال: «زوجتك موليتي بلا مهر»، أو قال: «زوجتك موليتي» ويسكت، فيصح العقد؛ لأن المهر ليس شرطاً ولا ركناً في النكاح، لكن لها مهر المثل.(٢) (النوع الثاني) تفويض المهر: كأن يقول الولي: «زوجتك موليتي على ما شاءت هي من المهر»، أو «على ما شاءت أمها»، أو «شاء عمها»، فيصح العقد.(٣) يتعلق بالتفويض أحكام: (الحكم الأول) صحة العقد، و (الحكم الثاني) وجوب مهر المثل بالعقد، و (الحكم الثالث) استقرار مهر المثل بالدخول.(٤) (الحكم الرابع) إذا مات أحدهما - في نوعي التفويض - قبل الدخول وقبل أن يفرض الحاكم المهر ورثه الآخر، ولها حينئذ مهر نسائها، ويعتبر بمن يساويها من أقاربها - من جهة الأم أو الأب - كأمها وعمتها وخالتها.(٥) (الحكم الخامس) إن طُلقت المفوضة قبل الدخول وقبل فرض المهر فليس لها على الزوج إلا المتعة، وإن طلقت بعد الدخول أو الخلوة استقر لها مهر المثل.
والمتعة: ما يجب لحرة على زوج بطلاق - في نكاح صحيح - قبل الدخول لمن لم يُسمَّ لها مهر، وهي مستحبة لغيرها. وهي معتبرة بحال الزوج، بخلاف النفقات فإنها معتبرة بحال الزوجين (فرق فقهي)، فإن كان الزوج موسراً فعليه متعة الموسر، وإن كان معسراً فعليه متعة المعسر، ويقول العلماء: أعلى المتعة: أن يعطيها خادماً - أمة أو عبداً -، وأدناها: كسوة، أي: لُبسٌ يجزئها في صلاتها.стр. 551
وَيجبُ مهرُ مثلٍ لمن وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أو زِنا كرهاً (١) ، لَا أرشُ بكارةٍ مَعَهُ (٢) .
وَلها منعُ نَفسهَا حَتَّى تقبضَ مهراً حَالًّا، لا إذا حَلَّ قبلَ تَسْلِيم أو تبرعت بِتَسْلِيمِ نَفسهَا (٣) ، وإن أعسر بِحَالٍّ الحواشي
(١) أي: يجب مهر المثل لمن وُطئت - لا للمخلوّ بها - بشبهة، أو بزنا مكرهة إن كان الوطء في قُبُلٍ فيهما، أما المطاوعة في الزنا فلا يجب لها مهر المثل ما لم تكن أمة. ومثال الوطء بشبهة: أن يدخل على امرأة معتقداً أنها زوجته فيطأها ثم يتبين أنها أجنبية.(٢) فإذا وجب مهر المثل لم يجب أرش البكارة، بخلاف من أذهب بكارة أجنبية بلا وطء فعليه أرش البكارة. وأرش البكارة: هو الفرق بين مهر البكر والثيب - كما في الإقناع -، فلو قُدر مهرها ثيباً بعشرين ألف ريال، ومهرها بكراً بثلاثين ألف ريال، فأرش البكارة عشرة آلاف ريال.(٣) أي: للمرأة أن تمنع نفسها من وطء زوجها لها حتى تقبض مهرها إن كان حالاً، بخلاف المؤجل فليس لها المنع سواء كان مؤجلا وحلَّ، أو لم يحل بعد؛ لأن أجل الصداق حل قبل أجل التسليم، وهي قد رضيت بتأجيل الصداق، لكن لها الفسخ إذا أعسر بالمهر الحال كما سيذكره الماتن. وكذلك لو تبرعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق، فليس لها أن تمنع نفسها بعد ذلك.стр. 552
فلهَا الفَسْخُ بحاكِم (١) .
ويُقَرِّرُ المسَمَّى كُلَّه: موتٌ (٢) ، وَقتلٌ (٣) ، وَوَطْءٌ فِي فرج وَلَو دبراً (٤) ، وخَلْوةٌ عَن مُمَيّزٍ مِمَّن يطَأ مثلُه مَعَ علمه إن لم تَمنعْهُ (٥) ، وَطَلَاقٌ فِي مرض الحواشي
(١) أي: إن أعسر الزوجُ فلم يستطع الإتيان بالمهر الحال - ولو بعد الدخول، كما في المنتهى -، فللمرأة الحرة المكلفة أن تفسخ النكاح، لكن ذلك يكون بحاكم، ويستثنى من ذلك: إذا كانت عالمة بعسرته بالمهر حين العقد فلا فسخ لها؛ لرضاها بذلك.(٢) سيتكلم الماتن عما يقرر المهر، أو ينصفه، أو يسقطه، فيتقرر المهر كله للزوجة بأحد سبعة أمور: (الأمر الأول) موت أحدهما.(٣) (الأمر الثاني) قتلُ أحدهما الآخرَ.(٤) (الأمر الثالث) أن يطأها وهي حية في الفرج ولو في الدبر.(٥) (الأمر الرابع) أن يخلو بها عن مميز، وعن بالغ أولى، وإنما يتقرر كل المهر بالخلوة بثلاثة شروط: ١ - أن يكون الزوج ممن يطأ مثله - وهو ابن عشر -، وتكون الزوجة ممن يوطأ مثلها - وهي ابنة تسع -. ٢ - وعلم الزوج بالزوجة، فلا يتقرر كل المهر إن دخلت على زوجها الأعمى ثم خرجت بلا علمه. ٣ - وألا تمنعه من الوطء.стр. 553
موتِ أحدهما (١) ، ولمسٌ أو نَظَرٌ إلى فرجِهَا بِشَهْوَةٍ فيهمَا (٢) ، وتقبيلُها (٣) .
ويُنَصِّفُهُ كُلُّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِهِ قبلَ دُخُولٍ (٤) ،
وَمِن قبَلِهَا قبلَهُ تُسْقِطُهُ (٥) . الحواشي
(١) (الأمر الخامس) أن يطلقها في مرض موت أحدهما، وقد خالف الماتن في ذلك المنتهى والإقناع والغاية، والصواب: أن يطلقها في مرض موت الزوج فقط ثم يموت بعد الطلاق؛ لأنه بتطليقها في مرض موته المخوف يكون متهماً بحرمانها من الميراث، فيتقرر لها جميع المهر سواء دخل بها أو لم يدخل. (مخالفة الماتن)، ويستثنى من هذا الأمر: إذا تزوجت أو ارتدت قبل موته فليس لها شيء؛ لأنها لا ترثه.(٢) (الأمر السادس) أن يلمسها بشهوة أو ينظر إلى فرجها بشهوة.(٣) (الأمر السابع) أن يقبّلها ولو بحضرة الناس، فيتقرر لها المهر؛ لأنه قد استمتع بها.(٤) أي: يتنصف المهر بكل فرقة من قِبَل الزوج قبل الدخول.
(تتمة) يتنصف المهر بأحد هذه الأمور: ١ - الفرقة التي تكون من قِبَل الزوج قبل الدخول، ٢ - والفرقة التي تكون من قِبَل أجنبي ولا جناية للمرأة فيها، كأن ترضع أمُه زوجتَه الصغيرة فينفسخ النكاح ولها نصف المهر، ٣ - وإذا اشترى أحدُهما الآخرَ قبل الدخول.(٥) أي: يسقط المهر بفرقة من قِبَل الزوجة قبل الدخول.
(تتمة) يسقط المهر بأحد هذه الأمور: ١ - الفرقة التي تكون من قِبَل الزوجة أو من قِبَل الزوج بسببها، ٢ - وفرقة اللعان، ٣ - وفسخها لعدم الوفاء بشرطها. وكل هذه مشروطة بعدم الدخول، وإلا فالقاعدة أن الزوج متى دخل بامرأته تقرر المهر.стр. 554
فصل في الوليمة (١)
وَتُسَنُّ الوَلِيمَةُ للعرسِ وَلَو بِشَاةٍ (٢) فَأَقلَّ (٣) . الحواشي
(١) الوليمة - كما في الإقناع والمنتهى -: هي اجتماع لطعام العرس خاصة، والعُرْسُ بالضم: الزِّفاف، ويقال العرس على طعام الزِّفاف أيضا كما في المصباح، ووليمة العرس مسنونة. وقد اختلف الحنابلة في وقت استحبابها، ففي المنتهى: أنها تستحب مع العقد، وفي الإقناع: أنها تستحب بالدخول، أي: بعد الدخول وإليه ذهب شيخ الإسلام. واختار المرداوي قولاً وسطاً، فقال في الإنصاف: (الأَولى أن يقال: وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا، وكمال السرور بعد الدخول). (مخالفة)(٢) لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «أَولِم ولو بشاة»، رواه البخاري. وتابع الماتنُ زادَ المستقنع في هذه العبارة، ونحوه في الإقناع فقال: (ووليمة العرس سنة مؤكدة ولو بشيء قليل كَمُدَّيْنِ من شعير، ويسن ألا تنقص عن شاة، والأَولى الزيادة عليها)، ولم يذكر المنتهى أقل ما يسن في الوليمة، وأما الغاية فقال: (وهي سنة مؤكدة ولو قلت كمدين من شعير).(٣) أي: يجوز أن تكون الوليمة بأقل من شاة، وفي حديث أنس ﵁: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبنى عليه بصفية ﵂، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع، فبسطت، فألقي عليها التمر، والأقط، والسمن. متفق عليه.стр. 555
وَتجبُ الإجابةُ إليها (١) بِشَرْطِهِ (٢) .
وَتُسنُّ لكلِّ دَعْوَةٍ مُبَاحَةٍ (٣) ، وَتُكرَهُ لِمَن فِي مَالِهِ حرَامٌ كَأَكْلٍ مِنْهُ الحواشي
(١) فتجب إجابة دعوة وليمة العرس خاصة، وذلك للحديث: «شر الطعام طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ »، رواه مسلم.(٢) إنما تجب الإجابة إليها بشروط: ١ - كون الداعي مسلماً، فإن كان ذمياً كُرهت إجابته، وكذلك الرافضي وأَولى، لكن لا تحرم إجابته. ٢ - تعيين الداعي المدعوَّ، أما إذا وزعت الظروف بلا اسم فليس ذلك بتعيين، كما ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀، أما لو كتب على بطاقة الدعوة الاسم فهو تعيين، وكذلك لو أرسل له رسالة بالهاتف النقال فهو تعيين ما لم تدل قرينةعلى أنها من الرسائل الجماعية التي يقصد بها الدعوة العامة، ومن باب أَولى إذا أرسل له مَنْ يدعوه، أو يدعوه الداعي بنفسه (تحرير). ٣ - كون الوليمة في اليوم الأول، أما الوليمة بعدها في اليوم الثاني من الزواج فتستحب الإجابة إليها ولا تجب، وأما الدعوة في اليوم الثالث فيكره حضورها. ٤ - كون الداعي يحرم هجره، وهو: المسلم غير المجاهر بالمعصية. ٥ - ألا يكون في الدعوة منكرٌ لا يقدر على تغييره. ٦ - ألا يكون للمدعو عذر من نحو مرض. ٧ - ألا يكون في مال الداعي حلال وحرام، وإلا كرهت إجابته كما سيأتي إن شاء الله.(٣) هناك عشر دعوات معروفة عند الفقهاء تسن الإجابة إليها لا يتسع المقام لذكرها. ويكره عملُ طعامٍ للمأتم - أي: العزاء -، ويكره إجابة الدعوة لحضوره.стр. 556
ومعاملتِهِ وَقبُولِ هديتِهِ وهبتِهِ (١) .
وَيُسنُّ الأكلُ (٢) ، وإباحتُهُ تتَوَقَّفُ على صَرِيحِ إِذنٍ أو قرينَةٍ مُطلقًا (٣) .
والصائمُ فرضاً يَدْعُو، ونفلًا يُسَنُّ أَكلُهُ مَعَ جبرِ خاطرٍ (٤) . الحواشي
(١) فيكره الأكل ممن في ماله حرام، وتكره معاملته من بيع ونحوه، وقبول هديته وهبته. (مسألة مهمة)(٢) فلا يجب على من أتى وليمة العرس أن يأكل، وإنما يجب عليه الحضور.(٣) أي: سواء في بيت قريبه أو صديقه أو غيره، فإباحة الأكل موقوفة: على صريح إذن كأن يقول له: كُل، أو قرينة: بأن يقدم إليه الطعام أو يدعوه إليه.(٤) أي: إذا كان المدعو صائماً فرضاً حرم عليه الفطر، لكن يجب عليه أن يحضر، ثم إن شاء دعا وإلا سلّم وانصرف. أما الصائم نفلاً فيسن أكله مع قيد: (جبر خاطر) أي: إن كان في أكله تطييب لخاطر الداعي، وقد تابع الماتنُ في هذا القيد زادَ المستقنع والإقناعَ وقال: (وقال الشيخ: وهذا أعدل الأقوال)، وظاهر المنتهى - ومثله الغاية - الإطلاق - كالمقنع - وعدم التقييد وهو المذهب؛ فيستحب الفطر لمن دُعي وهو صائم تطوعاً ولو لم يكن في أكله جبرٌ لخاطر الداعي، ويؤيده قول النبي ﷺ : «إذا دعي أحدكم فليجب»، رواه أبو داود، وفي بعض الروايات أنه أمر أحد الصحابة ﵃ أن يفطر وقال: «صم يوماً مكانه». (مخالفة الماتن)
(تتمة) يذكر الحنابلة في باب الوليمة آدابَ الأكل والشرب، ومنها: ١ - سنية التسمية جهراً على الأكل والشرب، والحمد إذا فرغ، وفي الإقناع - وهو فعل الإمام أحمد ﵀ تبعاً للحديث المخرج عند أبي داود -: يسمي عند كل ابتداء ويحمد عند كل قطع، فيسمي ثم يشرب، فإذا قطع حمد الله، ثم إذا شرب سمى ثانياً، وهكذا. ٢ - وسنية غسل اليدين قبل الطعام وبعده ...стр. 557
وَسُنَّ إعلانُ نِكَاحٍ، وَضربٌ بدُفٍّ مُبَاح فِيهِ (١) وَفِي ختانٍ وَنَحْوِه (٢) . الحواشي
(١) فالضرب بالدُّف فيه سنة، وفي الحديث: «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال»، رواه ابن ماجه، والدف هو الغربال، وهو - كما في نهاية المحتاج عند الشافعية -: إطار خشبي يغشى بالجلد من جهة واحدة، فخرج بذلك الطبل، وقد صرح الحنابلة في مواضع كثيرة بتحريم الطبل إلا لاستنفار الجيش، وإنما يباح الدف إذا لم يكن فيه حِلَق ولا صنوج وإلا حرم، والحِلَق: دوائر مجوفة ومحلقة من حديد أو نحاس في داخلها شيء يخرج صوتاً إذا اهتز الدف، والصنوج - كما في المصباح -: ما يجعل في إطار الدف من النحاس المدور، وفي القاموس: (شيء يتخذ من صفر يضرب أحدهما في الآخر).
وظاهر كلام المؤلف أن ضرب الدف مسنون للرجال والنساء، وهو ظاهر المنتهى، أما في الإقناع فذهب إلى أنه مكروه للرجال، لكن الأول هو الصحيح من المذهب، وقد تابع صاحبُ الغاية ما في المنتهى وصرح بذلك فقال: (يسن إعلان نكاح، وضرب فيه بدف مباح لنساء ورجال خلافاً له - أي: للإقناع -). ثم وقفت على نسخة مضبوطة بخط الماتن وقيد سنية الدف بالنساء وبذلك يكون تابعا للإقناع والله أعلم (مخالفة الماتن)(٢) فيسن عند الحنابلة ضرب الدف في خمسة مواضع: العرس، والختان، وقدوم الغائب، والولادة، والإملاك - أي: إذا عقد الإنسان على زوجته -، وبعض العلماء يرى استحبابَه في النكاح فقط، وبعضُهم يرى أنه يباح في النكاح والعيد فقط، ويقولون: إن الدف من آلات اللهو المحرمة.
وأقوى ما يرد به على من حرم الدف في غير ما ورد: حديثُ المرأة التي أتت النبي ﷺ وقالت: إني نذرت أنك إن قدمت من سفرك سالماً أن أضرب الدف على رأسك، فقال لها: «أوف بنذرك»، رواه أبو داود والترمذي، ولو كان معصية لم يأذن لها؛ لقوله ﷺ : «لا وفاء لنذر في معصية الله»، رواه مسلم، وكذلك لما دخل أبو بكر ﵁ على عائشة ﵄ يوم العيد ووجد عندها جاريتين تضربان الدف، قال: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا»، رواه مسلم.
(تتمة) حكم الدف في غير المناسبات المذكورة: مباح للنساء، نص عليه الحجاوي في شرح منظومة الآداب، ولم أقف عليه عند غيره، أما للرجال فنقول بسنيته في تلك المناسبات وكراهته في غيرها، ولا ينبغي لهم التوسع في الأناشيد التي فيها دفوف.
(تتمة) حكم الرقص: ظاهر الإقناع كراهة الرقص للرجال والنساء حيث قال في باب السبق: (ويكره الرقص). والله أعلم.стр. 558
فصل (في عشرة النساء) (١)
وَيلزمُ كُلًّا من الزَّوْجَيْنِ معاشرةُ الآخَرِ بِالمعْرُوفِ، وأَلَّا يَمْطُلَه بِمَا يلزمُهُ (٢) ، وَلَا يتكرَّهُ لِبَذْلِهِ (٣) .
وَيجب بِعقدٍ تَسْلِيمُ حُرَّةٍ يُوطأُ مثلُهَا فِي بَيتِ زوجٍ إن طلبَهَا وَلم تكُن شَرَطَتْ دارها (٤) ،
وَمن اسْتَمْهَل أُمْهِل الحواشي
(١) العِشرة - بكسر العين -: أصلها الاجتماع، وهي شرعاً: ما يكون بين زوجين من الألفة والانضمام، أي: الاجتماع. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء، ١٩].(٢) أي: يحرم أن يؤخر حق الآخر عنه بما يلزمه له.(٣) أي: لا يبذله بكراهة بل ببشر وطلاقة وجهه، ولا يتبعه منة ولا أذى. ويدخل في العشرة أمور كثيرة أهمها الوطء، لكنها لا تشمل خدمة الزوج؛ لأنها ليست بواجبة على المرأة في المذهب، والأَولى أن تخدمه قال في الإقناع وشرحه - بعد أن قدم عدم وجوب خدمة الزوج -: ((لكن الأَولى لها فعل ما جرت العادة بقيامها به) لأنه العادة، ولا يصلح الحال إلا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه (وأوجب الشيخ المعروفَ من مثلها لمثله) وفاقاً للمالكية).(٤) فيشترط لوجوب تسليم الزوجة لزوجها: ١ - حصول العقد، ٢ - وكونها حرة، أما الأمة فيجب تسليمها ليلًا فقط، ٣ - وكونها ممن يوطأ مثلها، ويشمل ذلك أمرين: كونها استكملت تسع سنين، وألا يوجد ما يمنع الاستمتاع بها ككونها محرمة أو مريضة أو حائضاً، ٤ - وأن يطلبها زوجها، ٥ - وألا تكون قد شرطت دارها، وإلا لزم الوفاء به.стр. 559
اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة (١) لَا لِعَمَلِ جهازٍ (٢) . وَتَسْلِيمُ أَمةٍ لَيْلًا فَقَط (٣) .
ولزوجٍ استمتاعٌ بِزَوْجَةٍ كُلَّ وَقتٍ مَا لم يَضرَّهَا أو يشغَلْها عَن فرضٍ (٤) ، وَالسّفرُ بحرةٍ مَا لم تكن شَرَطَتْ بَلَدَهَا (٥) ، وَله إِجبارُها على غُسْلِ حيضٍ الحواشي
(١) أي: إذا طلب أحد الزوجين المهلة بعد العقد وقبل الدخول ليصلح أمره، فإنه يمهل، وقد أبهم الماتن الحكم، والمذهب: أن إمهاله واجب، وأما تقييده الإمهالَ باليومين والثلاثة ففيه نظر؛ لأن المنتهى والإقناع قيداه بالعادة، وزاد في الإقناع: (كاليومين والثلاثة)، ولعل عادة الإمهال عندهم كانت يومين أو ثلاثة، والحاصل: أن زمن الإمهال مقيد بالعادة طالت أو قصرت، والله أعلم. (بحث)(٢) الجَهاز - بفتح الجيم وكسرها -: ما يكون به الاستعداد للزواج، فلا يمهل له الزوج ولا الزوجة، وإنما يكون الإمهال لأمور أخرى كعدم مسكن مثلاً ونحو ذلك.(٣) وتقدم.(٤) فللزوج الاستمتاع بزوجته كل وقت، وعلى أي صفة كانت بشرط كون الوطء في القبل، وهذا الاستمتاع مقيد بقيدين: ١ - ألا يضرها كأن تكون مريضة، ٢ - وألا يشغلها عن فرض من صلاة أو حج أو عمرة أو غيرها، وإلا حرم عليه الاستمتاع.(٥) أي: للزوج أن يسافر بزوجته الحرة دون الأمة، وله إجبارها على ذلك ما لم تكن شرطت بلدها، وإلا فالشرط صحيح كما تقدم.стр. 560
(١) وجنابةٍ ونجاسةٍ (٢) ، وأخذِ مَا تعافُهُ النَّفسُ من شعرٍ وَغَيرِه (٣) .
وَيلزمُهُ الوَطءُ فِي كل أربعةِ أشهرٍ مرّةً إن قدَر (٤) ، ومبيتٌ بِطَلَبٍ عِنْدَ حرَّةٍ لَيْلَةً من كلِّ أرْبَعٍ، وأمةٍ من كُلِّ سبع (٥) . الحواشي
(١) فله إجبار زوجته على غسل الحيض والنفاس؛ ليحل له وطؤها، فإن الوطء في المذهب لا يحل بمجرد انقطاع الدم حتى تغتسل، خلافاً للحنفية. وقوله: وله: أي يباح له.(٢) أي: له إجبارها أيضاً على غسل جنابة ونجاسة ولو كانت الزوجة ذمية، وهو ما مشى عليه في المنتهى، وهو المذهب، وفي الإقناع والزاد: لا تجبر الذمية على غسل الجنابة، لكن المذهب خلافه. (مخالفة الماتن)(٣) فله إجبارها على أخذ ما تعافه النفس من شعر وأظفار، وغسل الأسنان، وإزالة أوساخ البدن. وله منعها من أكل ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم والكراث، ومِن تناول الأدوية التي تمرضها.(٤) فيلزمه الوطء في كل ثلث السنة مرة واحدة فقط، بخلاف الشيخ ابن عثيمين الذي يرى أن مردَّه إلى العرف والعادة ولا يقيد بزمن معين، وهو قول في المذهب، وهو من المفردات كما في الإنصاف، ووجوب الوطء مقيد بقيدين: ١ - أن يقدر على الوطء، ٢ - وأن تطلب زوجته ذلك.(٥) أي: يلزمه أيضاً أن يبيت عند زوجته الحرة في المضجع ليلةً من كل أربع، فكأنما له أربع نسوة لكل واحدة ليلة، ويجب أن يبيت عند زوجته الأمة ليلة من كل سبع، أما أمته التي يملكها فلا يلزمه المبيت عندها ولا وطؤها، ولزوم المبيت مقيد بقيدين: ١ - أن تطلب زوجته ذلك، ٢ - وألا يكون له عذر، ومحل هذا كله الحضر، أما السفر فحكمه مختلف.
(تتمة) المراد بالمبيت هنا: المبيت في الفراش، كما بيّنه صاحب الإقناع، وأيده البهوتي.стр. 561
وَإِن سَافرَ فَوق نصفِ سنةٍ وَطلبت قدومَهُ راسله حَاكمٌ، فَإِن أبى بِلَا عذرٍ فُرِّقَ بَينهمَا بطلبِهَا (١) ، وإن لم يُعلَمْ خَبرُهُ فَلَا فَسْخَ لذَلِك بِحَال (٢) .
وَحَرُم جَمعُ زوجتَيْه بمسكنٍ وَاحِدٍ مَا لم يرضَيَا (٣) . الحواشي
(١) وجوباً، وهذا إن علمت زوجته مكانه، فإن أبى الرجوع بعد المراسلة ولم يكن له عذر فرّق الحاكمُ بينهما بطلبها، وإن كان له عذر للسفر كمرض وحج وغزو وطلب رزق لم يكن لها المطالبة بالطلاق وإن طال غيابه. ولعل من العذر أيضاً: كونه مسجوناً أو أسيراً، فلا يكون لها الفسخ إذَن ما لم يطل السجن والأسر عرفاً ولم تجد نفقة فليحرر. وقوله: (راسله حاكم): تابع فيه الإقناع - ومثله الغاية -، وقد تعقبه الشيخ منصور بأن هذا القيد لم يذكر في الإنصاف والمقنع والفروع، ولذلك لم يذكره صاحبُ المنتهى، فالقيد إذَن غير معتبر، وهو المذهب، فمن سافر فوق نصف سنة وطلبت زوجته قدومه برسالة جوال أو رسالة خطية أو غير ذلك فأبى فرَّق الحاكم بينهما بطلبها. (مخالفة الماتن)(٢) وهو مقيد بالسفر الذي يكون ظاهره السلامة كما في الإقناع، فإن لم يعلم خبره فلا فسخ لها بحال ولو طال الوقت وتضررت بترك النكاح؛ لأنه قد يكون معذوراً.(٣) والمراد بالمسكن الواحد: الغرفة الواحدة، فيحرم على الزوج أن يجمع زوجتيه في غرفة واحدة بغير رضاهما وإلا جاز. أما لو أسكنهما في بيت واحد لكل واحدة غرفة فلا بأس، وهو معنى قول صاحب الإقناع: (وإن أسكنهما في دار واحدة، كل واحدة منهما في بيت منها جاز إذا كان سكن مثلها)، ولعل هذا العرف عندهم، والعرف عندنا في السعودية: المسكن الواحد هو الشَّقة بمرافقها من غرفة نوم، ودورة مياه، ومطبخ والله أعلم (تحرير).стр. 562
وَله منعُهَا من الخُرُوجِ (١) .
وعَلى غير طِفْلٍ التَّسْوِيَةُ بَين زَوْجَاتٍ فِي القَسْم (٢) لا في وَطْءٍ وَكسْوَةٍ وَنَحْوهمَا إذا قَامَ بِالوَاجِبِ (٣) ، وعمادُهُ اللَّيْلُ إلا فِي حارسٍ وَنَحْوِهِ فالنهارُ (٤) . الحواشي
(١) أي: من منزله، فإن مَنَعها حرم عليها الخروج إلا في حالتين: ١ - أن يأذن لها زوجها، ٢ - أو لضرورة.(٢) والقسم: توزيع الزمان على الزوجات إن كن اثنتين فأكثر؛ فيجب على الزوج - لأن «على» تفيد الوجوب - أن يسوي بين زوجاته في القسم؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء، ١٩]، وللحديث: «من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل»، رواه أبو داود.(٣) فإذا وطِئ إحدى نسائه في ليلتها لم يلزمه وطء الأخرى في الليلة التالية، ويجوز له كذلك أن يشتري لإحداهما كسوة رخيصة وللأخرى كسوة غالية، وذلك مقيد بقيامه بالواجب في الوطء والكسوة؛ لكن إن أمكنه أن يسوي بين نسائه في الوطء ودواعيه وفي الكسوة فذلك مسنون.(٤) أي: الزمن المقصود في القسم هو الليل لمن عمله بالنهار، ويدخل النهار تبعاً، أما من معاشه بالليل كالحارس ونحوه فالزمن المقصود بالقسم هو النهار، ويدخل الليل تبعاً، فزمن القسم يختلف باختلاف حال الزوج.
(تتمة) الأصل كون القسم ليلة ليلة إلا أن يرضين بليلتين ليلتين أو أكثر فيجوز، ولا يجوز له أن يَدخل في ليلة إحداهن على أخرى إلا لضرورة كتلقين من تحتضر، ولا أن يدخل في نهارها على أخرى إلا لحاجة.стр. 563
وَزَوْجَةٌ أمةٌ على النّصْفِ من حرَّةٍ، ومبعضةٌ بِالحِسَابِ (١) .
وإن أَبَتِ المبيتَ مَعَه أو السَّفر، أو سَافَرت فِي حَاجَتهَا، سقط قَسْمُهَا ونفقتُها (٢) . الحواشي
(١) فلو كان له زوجتان إحداهما أمة وأخرى حرة، فللأمة ليلة من ثلاث وللحرة الباقي، وهكذا. أما المبعضة - وهي من بعضها حر وبعضها رقيق - فبالحساب، فلمن نصفها حر مع حرة ثلاث ليال من سبع، وهكذا.(٢) أي: إن أبت الزوجة أن تبيت مع زوجها، أو أبت السفر معه، أو سافرت في حاجتها - ولو بإذنه - سقط قسمها ونفقتها، وهذه المسألة مقيدة بما إذا لم يسافر معها، أما إذا سافر معها في حاجتها فإن قسمها ونفقتها لا تسقط؛ لأنه يمكنه الاستمتاع بها.
(تتمة) السفر بإحدى الزوجات: من كان له أكثر من زوجة وأراد أن يسافر بإحداهن وجب عليه أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها، فإذا رجع لزمه أن يقضي للبواقي في البلد، ولا يلزمه أن يسافر بهن، وإنما يجب عليه القضاء إذا سافر مدة الإقامة التي أقامها في بلد السفر، أي: أكثر من أربعة أيام لا مدة الطريق، إلا إذا سافر بإحداهن بلا قرعة، وبدون إذن بقية زوجاته فإنه يجب عليه القضاء ولو كان سفره قصيراً، ومن سافر مع أكثر من زوجة وجب عليه القسم في السفر، هكذا يفصلون، والظاهر من تفصيلهم في السفر بالزوجة أنه سفر حاجة في الغالب لا للنزهة، بخلاف العرف عندنا الآن، وأن السفر مع كونه حاجة فهو نزهة في نفس الوقت كالأنس برؤية البلدان الأخرى وغير ذلك، فهل يجب العدل فيه بأنه إذا سافر مرة بإحدى نسائه، فيسافر بالأخرى في المرة الثانية؟ هذا مبني على مسألة: هل يجوز التفضيل بين زوجاته في الهدية والمنافع - سوى النفقة - أم يجب عليه التعديل؟ والمذهب: عدم وجوب التعديل في هذه الأمور ما دام ينفق على كل زوجة حقها، وعليه: فالظاهر: له أن يقرع في كل سفرة بين نسائه، حتى لو وقعت القرعة على التي سافر بها أولا، ولا يلزمه إن ذهب في سفرة أن يسافر بالأخرى في المرة الثانية؛ لكن مع وجوب القضاء على ما تقدم تفصيله والله أعلم (تحرير)،стр. 564
وإن تزوج بكراً أقام عِنْدهَا سبعاً (١) ، أو ثَيِّباً أقام ثَلَاثاً (٢) ثمَّ دَار.
والنشوزُ حرَامٌ، وَهُوَ معصيتُها إياهُ فِيمَا يجبُ عَلَيْهَا (٣) ، فَمَتَى ظَهر أمارَتُهُ وعَظها، فَإن أصرَّت هجرها فِي المضجع مَا شَاءَ، وَفِي الكَلَامِ ثَلَاثاً، فَإِن أصرَّت ضربهَا غير شَدِيدٍ (٤) ،
وَله ضربُهَا على تركِ الحواشي
(١) فلو تزوج بكراً وكانت ثالثَ نسائه مثلاً أقام عندها سبع ليال ثم عاد فقسم للأولى والثانية ليلة ليلة ثم للجديدة ليلة، فتصير آخر نسائه نوبة.(٢) وإن أحبت سبعاً فعل لكنه يقضي بعد ذلك لكل واحدة من نسائه سبع ليال.(٣) النشوز في الاصطلاح: معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، وأعظمه ما يتعلق بالاستمتاع والوطء؛ للحديث: «إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح»، متفق عليه. ومن النشوز أيضاً: معصيتها إياه بخروجها من بيته بغير إذنه كما في الإقناع.(٤) أي: متى ظهرت علامةُ النشوز: بأن تمنعه من الاستمتاع، أو تجيبه وهي متبرمة متثاقلة، فإنه يتدرج في علاجها: ١ - فيعظها أولاً؛ لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن﴾ الآية [النساء، ٣٤]، فيخوِّفها بالله تعالى وبإسقاط الكسوة والنفقة ونحو ذلك، فإن أصرت انتقل إلى الهجر وإلا حرم، ٢ - ثم يهجرها في المضجع، أي: يترك مضاجعتها في الفراش ما شاء، فلا يحد بزمن، ويهجرها أيضاً في الكلام ثلاثة أيام لا يزيد عليها؛ للحديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»، متفق عليه، ٣ - فإن أصرت ضربها ضرباً غير شديد ويفرِّقه على بدنها، ويكون عشرة أسواط فأقل، ويتجنب الوجه والفرج والمواضع المخوفة، ولا يجرحها.
(تنبيه) يُمنع الزوج من الأمور الثلاثة المتقدمة إذا علم أن الزوجة لم تفعل النشوز إلا لكون زوجها منعها حقها حتى يؤديه.стр. 565
فَرَائضِ الله تَعَالَى (١) . الحواشي
(١) كالصلاة والصوم، وقد قال الإمام أحمد: لا يُسأل الزوج: «لم ضربت أهلك؟ »، وليس للزوج تعزيرها في فعل متعلق بحق الله تعالى ..следующие страницы →