Полный текст (758 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَإِن سَافرَ فَوق نصفِ سنةٍ وَطلبت قدومَهُ راسله حَاكمٌ، فَإِن أبى بِلَا عذرٍ فُرِّقَ بَينهمَا بطلبِهَا (١) ، وإن لم يُعلَمْ خَبرُهُ فَلَا فَسْخَ لذَلِك بِحَال (٢) .
وَحَرُم جَمعُ زوجتَيْه بمسكنٍ وَاحِدٍ مَا لم يرضَيَا (٣) . الحواشي
(١) وجوباً، وهذا إن علمت زوجته مكانه، فإن أبى الرجوع بعد المراسلة ولم يكن له عذر فرّق الحاكمُ بينهما بطلبها، وإن كان له عذر للسفر كمرض وحج وغزو وطلب رزق لم يكن لها المطالبة بالطلاق وإن طال غيابه. ولعل من العذر أيضاً: كونه مسجوناً أو أسيراً، فلا يكون لها الفسخ إذَن ما لم يطل السجن والأسر عرفاً ولم تجد نفقة فليحرر. وقوله: (راسله حاكم): تابع فيه الإقناع - ومثله الغاية -، وقد تعقبه الشيخ منصور بأن هذا القيد لم يذكر في الإنصاف والمقنع والفروع، ولذلك لم يذكره صاحبُ المنتهى، فالقيد إذَن غير معتبر، وهو المذهب، فمن سافر فوق نصف سنة وطلبت زوجته قدومه برسالة جوال أو رسالة خطية أو غير ذلك فأبى فرَّق الحاكم بينهما بطلبها. (مخالفة الماتن)(٢) وهو مقيد بالسفر الذي يكون ظاهره السلامة كما في الإقناع، فإن لم يعلم خبره فلا فسخ لها بحال ولو طال الوقت وتضررت بترك النكاح؛ لأنه قد يكون معذوراً.(٣) والمراد بالمسكن الواحد: الغرفة الواحدة، فيحرم على الزوج أن يجمع زوجتيه في غرفة واحدة بغير رضاهما وإلا جاز. أما لو أسكنهما في بيت واحد لكل واحدة غرفة فلا بأس، وهو معنى قول صاحب الإقناع: (وإن أسكنهما في دار واحدة، كل واحدة منهما في بيت منها جاز إذا كان سكن مثلها)، ولعل هذا العرف عندهم، والعرف عندنا في السعودية: المسكن الواحد هو الشَّقة بمرافقها من غرفة نوم، ودورة مياه، ومطبخ والله أعلم (تحرير).стр. 562
وَله منعُهَا من الخُرُوجِ (١) .
وعَلى غير طِفْلٍ التَّسْوِيَةُ بَين زَوْجَاتٍ فِي القَسْم (٢) لا في وَطْءٍ وَكسْوَةٍ وَنَحْوهمَا إذا قَامَ بِالوَاجِبِ (٣) ، وعمادُهُ اللَّيْلُ إلا فِي حارسٍ وَنَحْوِهِ فالنهارُ (٤) . الحواشي
(١) أي: من منزله، فإن مَنَعها حرم عليها الخروج إلا في حالتين: ١ - أن يأذن لها زوجها، ٢ - أو لضرورة.(٢) والقسم: توزيع الزمان على الزوجات إن كن اثنتين فأكثر؛ فيجب على الزوج - لأن «على» تفيد الوجوب - أن يسوي بين زوجاته في القسم؛ لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء، ١٩]، وللحديث: «من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل»، رواه أبو داود.(٣) فإذا وطِئ إحدى نسائه في ليلتها لم يلزمه وطء الأخرى في الليلة التالية، ويجوز له كذلك أن يشتري لإحداهما كسوة رخيصة وللأخرى كسوة غالية، وذلك مقيد بقيامه بالواجب في الوطء والكسوة؛ لكن إن أمكنه أن يسوي بين نسائه في الوطء ودواعيه وفي الكسوة فذلك مسنون.(٤) أي: الزمن المقصود في القسم هو الليل لمن عمله بالنهار، ويدخل النهار تبعاً، أما من معاشه بالليل كالحارس ونحوه فالزمن المقصود بالقسم هو النهار، ويدخل الليل تبعاً، فزمن القسم يختلف باختلاف حال الزوج.
(تتمة) الأصل كون القسم ليلة ليلة إلا أن يرضين بليلتين ليلتين أو أكثر فيجوز، ولا يجوز له أن يَدخل في ليلة إحداهن على أخرى إلا لضرورة كتلقين من تحتضر، ولا أن يدخل في نهارها على أخرى إلا لحاجة.стр. 563
وَزَوْجَةٌ أمةٌ على النّصْفِ من حرَّةٍ، ومبعضةٌ بِالحِسَابِ (١) .
وإن أَبَتِ المبيتَ مَعَه أو السَّفر، أو سَافَرت فِي حَاجَتهَا، سقط قَسْمُهَا ونفقتُها (٢) . الحواشي
(١) فلو كان له زوجتان إحداهما أمة وأخرى حرة، فللأمة ليلة من ثلاث وللحرة الباقي، وهكذا. أما المبعضة - وهي من بعضها حر وبعضها رقيق - فبالحساب، فلمن نصفها حر مع حرة ثلاث ليال من سبع، وهكذا.(٢) أي: إن أبت الزوجة أن تبيت مع زوجها، أو أبت السفر معه، أو سافرت في حاجتها - ولو بإذنه - سقط قسمها ونفقتها، وهذه المسألة مقيدة بما إذا لم يسافر معها، أما إذا سافر معها في حاجتها فإن قسمها ونفقتها لا تسقط؛ لأنه يمكنه الاستمتاع بها.
(تتمة) السفر بإحدى الزوجات: من كان له أكثر من زوجة وأراد أن يسافر بإحداهن وجب عليه أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها، فإذا رجع لزمه أن يقضي للبواقي في البلد، ولا يلزمه أن يسافر بهن، وإنما يجب عليه القضاء إذا سافر مدة الإقامة التي أقامها في بلد السفر، أي: أكثر من أربعة أيام لا مدة الطريق، إلا إذا سافر بإحداهن بلا قرعة، وبدون إذن بقية زوجاته فإنه يجب عليه القضاء ولو كان سفره قصيراً، ومن سافر مع أكثر من زوجة وجب عليه القسم في السفر، هكذا يفصلون، والظاهر من تفصيلهم في السفر بالزوجة أنه سفر حاجة في الغالب لا للنزهة، بخلاف العرف عندنا الآن، وأن السفر مع كونه حاجة فهو نزهة في نفس الوقت كالأنس برؤية البلدان الأخرى وغير ذلك، فهل يجب العدل فيه بأنه إذا سافر مرة بإحدى نسائه، فيسافر بالأخرى في المرة الثانية؟ هذا مبني على مسألة: هل يجوز التفضيل بين زوجاته في الهدية والمنافع - سوى النفقة - أم يجب عليه التعديل؟ والمذهب: عدم وجوب التعديل في هذه الأمور ما دام ينفق على كل زوجة حقها، وعليه: فالظاهر: له أن يقرع في كل سفرة بين نسائه، حتى لو وقعت القرعة على التي سافر بها أولا، ولا يلزمه إن ذهب في سفرة أن يسافر بالأخرى في المرة الثانية؛ لكن مع وجوب القضاء على ما تقدم تفصيله والله أعلم (تحرير)،стр. 564
وإن تزوج بكراً أقام عِنْدهَا سبعاً (١) ، أو ثَيِّباً أقام ثَلَاثاً (٢) ثمَّ دَار.
والنشوزُ حرَامٌ، وَهُوَ معصيتُها إياهُ فِيمَا يجبُ عَلَيْهَا (٣) ، فَمَتَى ظَهر أمارَتُهُ وعَظها، فَإن أصرَّت هجرها فِي المضجع مَا شَاءَ، وَفِي الكَلَامِ ثَلَاثاً، فَإِن أصرَّت ضربهَا غير شَدِيدٍ (٤) ،
وَله ضربُهَا على تركِ الحواشي
(١) فلو تزوج بكراً وكانت ثالثَ نسائه مثلاً أقام عندها سبع ليال ثم عاد فقسم للأولى والثانية ليلة ليلة ثم للجديدة ليلة، فتصير آخر نسائه نوبة.(٢) وإن أحبت سبعاً فعل لكنه يقضي بعد ذلك لكل واحدة من نسائه سبع ليال.(٣) النشوز في الاصطلاح: معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، وأعظمه ما يتعلق بالاستمتاع والوطء؛ للحديث: «إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح»، متفق عليه. ومن النشوز أيضاً: معصيتها إياه بخروجها من بيته بغير إذنه كما في الإقناع.(٤) أي: متى ظهرت علامةُ النشوز: بأن تمنعه من الاستمتاع، أو تجيبه وهي متبرمة متثاقلة، فإنه يتدرج في علاجها: ١ - فيعظها أولاً؛ لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن﴾ الآية [النساء، ٣٤]، فيخوِّفها بالله تعالى وبإسقاط الكسوة والنفقة ونحو ذلك، فإن أصرت انتقل إلى الهجر وإلا حرم، ٢ - ثم يهجرها في المضجع، أي: يترك مضاجعتها في الفراش ما شاء، فلا يحد بزمن، ويهجرها أيضاً في الكلام ثلاثة أيام لا يزيد عليها؛ للحديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال»، متفق عليه، ٣ - فإن أصرت ضربها ضرباً غير شديد ويفرِّقه على بدنها، ويكون عشرة أسواط فأقل، ويتجنب الوجه والفرج والمواضع المخوفة، ولا يجرحها.
(تنبيه) يُمنع الزوج من الأمور الثلاثة المتقدمة إذا علم أن الزوجة لم تفعل النشوز إلا لكون زوجها منعها حقها حتى يؤديه.стр. 565
فَرَائضِ الله تَعَالَى (١) . الحواشي
(١) كالصلاة والصوم، وقد قال الإمام أحمد: لا يُسأل الزوج: «لم ضربت أهلك؟ »، وليس للزوج تعزيرها في فعل متعلق بحق الله تعالى ..стр. 566
باب الخلع (١)
يُبَاحُ لسوءِ عشرَةٍ، وبُغْضَةٍ وَكِبَرٍ وَقِلَّة دينٍ (٢) ، وَيُكرَهُ مَعَ استقامةٍ (٣) . الحواشي
(١) الخُلْع - بضم الخاء وسكون اللام -: فراق الزوج زوجته بعوض بألفاظ مخصوصة. والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة، ٢٢٩]، وحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال: «أتردين عليه حديقته؟ »، قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، رواه البخاري.
وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها.(٢) أحكام الخلع: (الحكم الأول) الإباحة: فيباح لها مخالعة زوجها: ١ - لسوء عشرة بينهما وكراهة كل واحد للآخر، ٢ - ولبغضها له لخُلقه أو خَلقه - أي: شكله وأعضائه -، ٣ - ولكِبَره وضعفه، ٤ - ولقلة دينه، وضعف فيه، وتخشى في كل هذه الأحوال أن لا تقيم حدودَ الله في حقوقه الواجبة عليها كما هو مقيد في الإقناع والمنتهى.
(تتمة) حيث أبيح الخلع: سن للزوج إجابتها إلا مع محبته لها فيسن صبرها وعدم افتدائها.(٣) (الحكم الثاني) الكراهة: فيكره الخلع مع استقامة الحال بين المرأة وزوجها، لكنه يصح.
(تتمة) (الحكم الثالث) التحريم: فيحرم ولا يصح الخلع إذا عضلها لتفتدي نفسها بأن ضارها بضرب، أو ضيّق عليها، أو منعها حقها من القسم والنفقة ظلماً.стр. 567
وَهُوَ بِلَفْظ خُلْعٍ، أو فَسْخٍ، أو مُفاداةٍ: فسخٌ (١) . وبلفظ طَلَاقٍ، أو نِيَّته، أو كنايته: طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ (٢) .
وَلَا يَصحُّ إلا بعِوَضٍ (٣) ، وَيكرهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أعطاها (٤) . وَيصِحُّ بذلُهُ مِمَّن يَصحُّ تبرعُهُ من زَوْجَةٍ وأجنبيٍّ (٥) . الحواشي
(١) فيكون الخلع فسخاً إذا وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو المفاداة ولم يكن نوى الطلاق، وإلا وقع طلاقاً، كما سيأتي.(٢) فيكون الخلع طلقة بائنة: ١ - إذا وقع بلفظ الطلاق، ٢ - أو وقع بلفظ خلع مع نية الطلاق، ٣ - أو وقع بكناية الطلاق مع نية الطلاق، ولكن لا يكون طلاقاً بائناً فيما تقدم إلا مع عوض وإلا فهو طلاق رجعي.، وليس للزوج في الطلاق البائن أن يرجع إلى امرأته إلا بعقد جديد وولي وشاهدين، حتى لو كانت في العدة.(٣) يشترط لصحة الخلع عدة شروط: (الشرط الأول) كونه بعوض، فالعوض ركن في الخلع كالثمن في البيع، فلا يصح بدونه، بخلاف النكاح فيصح بلا مهر وتكون المرأة إذَن مفوضة. (فرق فقهي)(٤) أي: يكره أن يأخذ منها في الخلع أكثر من مهرها، وقيده بعض العلماء: إن كانت هي التي بذلت العوض.(٥) أي: يصح كون العوض من الزوجة أو غيرها بشرط كون الباذل ممن يصح تبرعه، وهو: الحر المكلف غير المحجور عليه.стр. 568
وَيصِحُّ بِمَجْهُولٍ ومعدومٍ، لَا بِلَا عوضٍ (١) ، وَلَا بِمحرَّمٍ (٢) ، وَلَا حِيلَةً لإسقاط طَلَاقٍ (٣) .
وإذا قَالَ: مَتى أو إذا أو إن أعطيتِني ألفًا فَأَنتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بعطيِّتِه وَلَو تراخَتْ (٤) . الحواشي
(١) فلا يصح الخلع بلا عوض كما تقدم، لكن يصح بمجهول كـ: على ما في بيتها، أو: ما في جيبها من النقود، وبمعدوم كـ: على حمل أمتها أو شجرتها.(٢) (الشرط الثاني) كون العوض مباحاً، فإن كان محرماً كخمر والزوجان يعلمان تحريمه لم يصح الخلع؛ لأن وجود العوض هنا كعدمه، وإن لم يعلما تحريمه كأن خالعته على بيت فظهر مستحقًّا صح الخلع وللزوج بدل العوض.(٣) (الشرط الثالث) ألا يكون الخلع حيلة لإسقاط الطلاق، كأن يقول لامرأته: إن جاء رمضان فأنت طالق، ثم يندم فيخالعها قبل رمضان بيوم أو يومين حتى يدخل الشهر حال كونها أجنبية عنه ويسقطَ طلاقه، فإذا مر على الشهر بضعة أيام عقد عليها ثانياً. فإذا فعل ذلك لم يصح الخلع ووقع الطلاق.
(تتمة) بقية شروط صحة الخلع: (الشرط الرابع) أن يكون من زوج يصح طلاقه، (الشرط الخامس) أن يكون جاداً لا هازلاً، (الشرط السادس) ألا يكون عاضلاً لزوجته، (الشرط السابع) أن يكون بصيغة منهما، (الشرط الثامن) أن يكون منجزاً؛ إلحاقا له بعقود المعاوضات، (الشرط التاسع) أن يقع الخلع على جميع الزوجة فلا يصح أن يخالع جزءاً منها كنصفها؛ لأنه فسخ.(٤) أي: تطلق بمجرد بذلها لما شرط عليها ولو تراخت، فلا يشترط فيه الفور، ويعبر الحنابلة عن هذه المسألة بقولهم: (الطلاق المعلق أو المنجز بعوض كخلعٍ في إبانته)، فإذا علق الطلاق بعوض فإنّ حكمه حكم الخلع في حصول البينونة، لكنه يحسب من عدد طلقاته. والتعليق الصادر من الزوج يلزمه وليس له إبطاله.стр. 569
وإن قَالَت: اخْلَعْني بألف أو على أَلْفٍ فَفعل، بَانَتْ واستحقَّها (١) .
وَلَيْسَ لَهُ خَلعُ زَوْجَةِ ابْنهِ الصَّغِير وَلَا طَلاقُهَا، وَلَا ابْنَتِهِ الصَّغِيرَة بِشَيْءٍ من مَالهَا (٢) .
وإن علق طَلاقهَا على صفةٍ ثمَّ أبانها فَوُجدَت أو لا ثُمَّ نَكَحَهَا فَوُجِدَت طلَقتْ (٣) ، وَكَذَا عِتْق (٤) . الحواشي
(١) وكذا لو قالت: «طلقني بألف» أو «على ألف» فأجابها إلى الخلع أو الطلاق، فإنها تبين بذلك ويستحق الألف بشرط أن يجيبها فوراً، بخلاف المسألة الماضية. وللزوجة أن ترجع قبل أن يفعل الزوج ما طلبته، فليس التعليق بلازم لها، بخلاف تعليق الزوج. (فرق فقهي)(٢) أي: يحرم على الأب أن يخالع أو يطلق زوجة ابنه الصغير؛ للحديث: «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق»، رواه ابن ماجه، ويحرم عليه أيضاً أن يخالع ابنته الصغيرة بشيء من مالها، لكن يجوز بشيء من ماله، كما في الشرح الكبير، وجزم به البهوتي في الروض المربع.
قلت: والظاهر من كلام الأصحاب: لا يصح الخلع ولا الطلاق فيما فعله الأب مع زوجة ابنه الصغير، وزوج ابنته الصغيرة، والله أعلم.(٣) فلو قال لها: «إن دخلتِ دار أخيك فأنت طالق»، ثم أبانها بخلع مثلاً أو بطلقة، ثم دخلت دارَ أخيها أو لم تدخلها، فإن عقد عليها ثانياً ثم وُجدت هذه الصفة بأن دخلت دار أخيها فإنها تطلق، نص عليه الإمام أحمد.(٤) أي: إذا علق عتق عبده على صفة، ثم باعه فوجدت الصفة أو لم توجد، فإنه إن عاد إلى ملكه ووجدت الصفة بعد العقد الثاني عتق.стр. 570
الحواشي
(١) الطلاق لغة: التخلية، وشرعاً: حل قيد نكاح - بإيقاع نهاية عدده -، أو بعضه - بتطليق المرأة طلقة رجعية -. وتعتري الطلاق الأحكامُ الخمسة: (الحكم الأول) الكراهة: فيكره بلا حاجة، أي: مع استقامة الحياة بين الزوجين؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، رواه أبو داود وابن ماجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الذهبي: على شرط مسلم، وقال ابن الملقن: إسناد أبي داود صحيح، وصححه السيوطي.
(تتمة) الأنكحة التي يقع فيها الطلاق: ١ - النكاح الصحيح، ٢ - والنكاح الفاسد، وهو المختلف في صحته كالنكاح بلا ولي، أو بلا شهود، أو نكاح الشغار، والتحليل، والمتعة فيلزم الزوج طلاق امرأته خروجاً من خلاف من صحح العقد، ويصح الطلاق في جميعها.
وفائدة تصحيح الطلاق في النكاح الفاسد: أنه لو طلقها ثم عقد عليها عادت إليه على ما مضى من الطلاق، ولو طلق في الفاسد ثلاثاً لم ترجع إليه إلا بعد زوج ووطء وعقد جديد، نص عليه ابن نصر الله. أما النكاح الباطل - وهو الذي أجمع العلماء على بطلانه - فلا يقع فيه الطلاق، ويجب على الرجل فراق من نكحها نكاحاً باطلاً، ومثال النكاح الباطل: الزواج بالخامسة، أو بأخت الزوجة.стр. 571
يُكرَه بِلَا حَاجَةٍ، وَيُبَاح لَهَا (١) ، وَيُسنُّ لتضرُّرها بِالوَطءِ وَتركِهَا صَلَاةً وعفةً وَنَحْوِهمَا (٢) .
وَلَا يَصحُّ إلا من زوجٍ وَلَو مُمَيّزاً يعقِلُهُ (٣) . الحواشي
(١) (الحكم الثاني) الإباحة: فيباح للحاجة كسوء خلق المرأة والتضرر به.(٢) (الحكم الثالث) السنية: فيسن في الحالات التالية: ١ - لتضررها بالوطء، والمراد: تضررها باستدامة عقد النكاح لا حقيقة الوطء - كما في الإقناع والمنتهى -. ٢ - ولتركها صلاة، والمراد: تفريطها في حقوق الله، وكذلك تركها عفة، أي: ارتكابها الفواحش، وله عضلها والتضييق عليها في هذه الحال لتفتدي منه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء، ١٩]. والرواية الثانية في المذهب: وجوب طلاق من تركت العفة والمفرطة في حقوق الله، ذكرها في الإقناع واختارها شيخ الإسلام.
(تتمة) (الحكم الرابع) الحرمة: فيحرم الطلاق في حالتين: ١ - في الحيض، ٢ - وفي طهر أصابها فيه. و (الحكم الخامس) الوجوب: فيجب الطلاق على المولي بعد التربص، أي: بعد مضي الأربعة أشهر، ولا يجب على الابن طاعة أحد والديه إن أمره بتطليق زوجته.(٣) لا يصح الطلاق إلا من الزوج؛ للحديث: «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق»، رواه ابن ماجه، ولا يشترط كونه بالغاً، فيصح من مميز يعقله ويفهم أن زوجته تبين وتنفصل عنه إن طلقها.
(تتمة) شروط صحة الطلاق: (الشرط الأول) كونه من زوج، وكذا من حاكم على المولي بعد التربص إن لم يفئ، (الشرط الثاني) كون المطلِّق عاقلاً ولو مميزاً يعقل الطلاق، لكن السكران الآثم يقع طلاقه، (الشرط الثالث) كونه مختاراً، فلا يقع طلاق المكرَه ظلماً، (الشرط الرابع) كون المتلفظ بالطلاق يريد معناه، قال البهوتي في الكشاف: (أي: ألا يقصد بلفظ الطلاق غير المعنى الذي وضع له)، فلا يقع طلاق فقيه يكرره لتعليم، ولا من يحكي طلاقاً ولو عن نفسه كأن يقول: فقلت لزوجتي أنتِ طالق، أو: هي طالق، فلا يقع طلاقه؛ لأنه لا يريد معنى الطلاق حين نطق به. (الشرط الخامس) النطق به: فلا يقع الطلاق بالنية، ويقع الطلاق إذا حرك لسانه بالطلاق ولو لم يسمعه، وإذا لم يلفظ به فلا يقع إلا في موضعين: ١ - إذا كتب صريح طلاق امرأته كتابة واضحة، قلتُ: ولو بالهاتف النقال ما لم يرد غمَّ أهله فلا تطلق. ٢ - إذا طلق الأخرس بالإشارة المفهومة. انظر الكشاف ١٢/ ٢٤٢.стр. 572
وَمَن عُذِرَ بِزَوَالِ عقلِهِ أو أُكرِهَ أو هُدِّدَ من قَادرٍ فَطلقَ لذَلِك لم يَقعْ (١) . الحواشي
(١) فلا يقع طلاق: ١ - من زال عقله بجنون أو إغماء، لكن يقع من السكران الآثم، كما تقدم. ٢ - ولا من أُكره على طلاق امرأته بعقوبة كأن تابع المكرِهُ الضربَ عليه حتى طلق، أما الشتم فليس من الإكراه الذي يمنع وقوع الطلاق. والإكراه المعتبر في المذهب: ما كان متعلقاً بالنفس أو الولد لا بغيرهما كالأب والأم والأخ. ٣ - ولا من هدَّده قادرٌ على تنفيذ ما هدد به كسلطان وحاكم، وغلب على ظنه أنه سيوقع عليه العقوبة إن لم يمتثل أمرَه.
(تتمة) ومن سُحر ليطلق لم يقع طلاقه كالمكره، ذكره شيخ الإسلام واعتمده ابن النجار في المنتهى مذهباً مستمراً، واعتمده كذلك الحجاوي في الإقناع، ومرعي الكرمي في الغاية، وقال المرداوي في الإنصاف: (لو سُحِر ليطلق كان إكراهاً، قاله الشيخ تقي الدين ﵀، قلتُ: بل هو من أعظم الإكراهات .. وهو المذهب الصحيح).стр. 573
وَمن صَحَّ طَلَاقُه صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وتوكُّلُهُ (١) ، وَيصِحُّ تَوْكِيلُ امرأةٍ فِي طَلَاق نَفسِهَا وَغَيرِهَا (٢) .
وَالسُّنَّةُ أن يُطلقَهَا وَاحِدَةً (٣) فِي طهرٍ لم يُجَامعْ فِيهِ، وإن طلق مَدْخُولاً الحواشي
(١) أي: من صح أن يطلق لنفسه - مِن بالغ ومميز يعقل الطلاق - صح أن يوكل غيرَه فيه، وصح أن يتوكل عن غيره في الطلاق.(٢) أي: يصح توكيل الزوج امرأتَه في طلاق نفسها، ويصح توكيل المرأة في طلاق غيرها.
(تتمة) يتعلق بالوكيل في الطلاق أحكام: ١ - له أن يطلق متى شاء ما لم يُحد له وقتا، لكن ليس له أن يطلق وقت البدعة، ٢ - وليس له أن يطلق إلا واحدة ما لم يجعل له أكثر، ٣ - وليس له أن يعلق الطلاق، بخلاف الزوج، ٤ - وتبطل وكالته بفسخ الزوج الموكِّل لتلك الوكالة، وبوطء زوجته التي وكَّل في طلاقها.(٣) الطلاق السُّنِّي: هو ما أذن فيه الشارع، والطلاق البدعي: هو ما نهى عنه الشارع. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق، ١]، قال ابن مسعود وابن عباس ﵃: أي طاهرات من غير جماع، ولما طلق ابن عمر ﵄ امرأته وهي حائض غضب النبي ﷺ ، وقال لعمر ﵁: «مُره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساءُ.» متفق عليه.стр. 574
بهَا فِي حيضٍ أو طهرٍ جَامَعَ فِيهِ (١) فبدعةٌ محرمٌ (٢) وَيَقَعُ (٣) ،
لَكِن تُسنُّ الحواشي
(١) بأن حاضت ثم طهرت فجامعها ثم طلقها.(٢) فيأثم الزوج بفعله، لكن لو سألَتْه طلاقاً على عوض وهي حائض أو في طهر جامعها فيه فهو بدعة لكنه غير محرم، كما قال عثمان النجدي (استثناء). وكذلك لا يحرم أن يطلق الرجل امرأته في النكاح الفاسد حال كونها حائضاً أو في طهر جامعها فيه.(٣) أي: يقع هذا الطلاق، وهو رأي الجماهير منهم المذاهب الأربعة، ولهم على ذلك أدلة كثيرة جداً، فالمذهب - وهو الصحيح - أن الطلاق البدعي في الحيض يقع، خلافاً لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى. ومن أقوى أدلة وقوعه: أن النبي ﷺ أمر ابن عمر ﵄ أن يراجع زوجته، وهل يأمره بمراجعة امرأة لم تطلق؟ وفي صحيح مسلم: قال نافع: وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة، فحُسِبَتْ، فراجعها كما أمر النبي ﷺ .. وقد قال بعض العلماء: لا نعرف من الذي حسبها هل هو ابن عمر أم النبي ﷺ ؟ ويقال: هذا الكلام فيه من الضعف ما فيه، وهل هناك من يحسبها تطليقة غير النبي ﷺ ؟ ! ، وقد بحث المسألةَ الشيخ عبد الله البسام ﵀ في «توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام» بحثاً مستفيضاً ورجح وقوعَ هذا الطلاق، وذكر كلامَ الشيخ الألباني، وأن ابن القيم لم ينتبه لبعض الطرق الصحيحة التي ذُكر فيها أن الطلقة حُسبت عليه، وذلك صريح في الوقوع، وكذلك ساق ابن حجر في بلوغ المرام طرقاً كثيرة تصرح بذلك. والله أعلم. (بحث)
(تتمة) صيغ الطلاق الثلاث: من طلق امرأته ثلاثاً سواء قال: أنت طالق ثلاثاً، أو قال: طالق طالق طالق، ونوى تعدد الألفاظ، فهذا طلاق بدعي محرم، ويقع ثلاثاً، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيرى أنه يقع واحدة فقط.
فالطلاق - بالنسبة لعدد الطلقات - له ثلاثة أحكام: ١ - إن طلق واحدة، فهو جائز وموافق للسنة إن توفرت بقية الشروط، ٢ - وإن طلق اثنتين فمكروه، وتطلق اثنتين، ٣ - وإن طلق ثلاثاً فبدعي محرم، وتقع الثلاث.
(تتمة) الفرق بين المدخول بها وغير المدخول به: يقع الطلاق المتعدد بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فتطلق واحدة وتبين بها، ولا يقع بها أكثر من طلقة واحدة إلا في مواضع يقع بغير المدخول بها أكثر من واحدة: ١ - لو قال: أنت طالق ثلاثاً، فتطلق ثلاثاً. ٢ - لو قال: أنت طالق وطالق وطالق، فتطلق ثلاثاً أيضاً. ٣ - لو قال: أنت طالق طلقة معها - أو: مع، أو: فوقها، أو: فوق، أو: تحتها، أو: تحت - طلقة، فتطلق ثنتين، وكذلك لو قال: أنت طالق وطالق. ٤ - الكنايات الظاهرة، وهي ست عشرة، كقوله: أنت خلية، فإن نوى الطلاق وقع ثلاثاً بالمدخول بها وغير المدخول بها. ٥ - الكنايات الخفية، وهي عشرون، كقوله: اذهبي، فإن نوى الطلاق ونوى أكثر من طلقة وقع ما نواه حتى لو كانت غير مدخول بها.
وذكر الشيخ عثمان ضابطاً فقال: (مدار الفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها: أن الطلاق متى أوقعه الزوج في آن واحد استوتا، ومتى أوقعه في آنين فأكثر اختلفتا، فتبِين غير المدخول بها بما أوقعه أولاً، ولا يلحقها ما بعده، ويقع كله على المدخول بها).стр. 575
الحواشي
(١) لأن النبي ﷺ أمر ابن عمر ﵄ أن يراجع زوجته، متفق عليه.стр. 576
وَلَا سُنَّةَ وَلَا بِدعَةَ لمستبينٍ حملُهَا (١) ، أو صَغِيرَةٍ، وآيسةٍ، وَغيرِ مَدْخُولٍ بهَا (٢) .
وَيَقَعُ بصريحِهِ مُطلقًا (٣) ، وبكنايتِه مَعَ النِّيَّةِ (٤) ، وصريحُهُ لفظُ طَلَاقٍ وَمَا تصرَّف مِنْهُ (٥) غيرَ أمْرٍ ومضارعٍ و «مُطَلِّقَةٍ» بِكَسْر اللَّام (٦) . الحواشي
(١) فيجوز أن يطلق من استبان حملها حتى لو كان يطؤها.(٢) فلا يوصف طلاقهن - أي: طلاق المستبين حملها، والصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها - بسنة ولا بدعة.(٣) أي: سواء نوى أم لم ينو، جاداً كان أو هازلاً، والصريح: ما لا يحتمل غير ما وضع له.(٤) الكناية في الطلاق: هي ألفاظ تحتمل الطلاق وغيرَه، فيقع بها الطلاق مع النية المقارنة للفظ.
والكناية قسمان: (القسم الأول) الكناية الظاهرة: وهي ما وُضع للبينونة والطلاق فيها أظهر، وهي ستة عشر لفظاً، ويقع الطلاق بها ثلاثاً ولو نوى أقل منها، (القسم الثاني) الكناية الخفية: وهي عشرون لفظاً، ويقع الطلاق بها واحدة ما لم ينو أكثر.(٥) أي: صريح الطلاق الذي إذا تلفظ به الزوج يكون طلاقاً: هو لفظ الطلاق، وهو أن يقول: أنتِ الطلاق، وكذا ما تصرف من كلمة: (الطلاق). والتصريف - كما قال البعلي -: أن يُشتق من المصدر خمسة أشياء: الفعل الماضي، والمضارع، والأمر، واسم المفعول، واسم الفاعل. فيقع الطلاق بقوله: أنتِ طالق، أو: أنتِ الطلاق، أو: طلقتكِ.(٦) فلا يقع الطلاق بالأمر: كاطلقي، ولا بالمضارع: كتطلقين؛ لأنه وعد، ولا باسم الفاعل: كأنت مطلِّقة، بكسر اللام؛ لأنها لا تدل على إيقاع الطلاق.стр. 577
وإن قَالَ: أنت عَليّ حرَامٌ، أو كَظهرِ أُمِّي، وَمَا أحلَّ الله عَليَّ حرَامٌ، فَهُوَ ظِهَارٌ وَلَو نوى طَلَاقاً (١) ، وإن قَالَ كالميتة أو الدَّمِ، وَقع مَا نَوَاه، وَمَعَ عدم نِيَّةٍ ظِهَارٌ (٢) .
وإن قَالَ: حَلَفتُ بِالطَّلَاقِ وَكَذَب دُيِّن وَلَزِمَه حُكْماً (٣) . الحواشي
(١) لأن هذه الألفاظ صريحة في الظهار، فيكون قوله ظهاراً لا كناية في الطلاق؛ لأنه صريح في الظهار، ولا يقع به الطلاق ولو نواه، كما في الإقناع، ولكن هذا مقيد بما إذا لم يقل تلك الألفاظ لمحرَّمة بحيض ونحوه، أما لو قالها لمحرَّمة عليه بحيض أو إحرام فلا يقع الظهار ولا يترتب عليه شيء بشرط أن ينوي كونَ التحريم بسبب الحيض أو الإحرام، كما في المنتهى.(٢) أي: إذا قال: أنت عليَّ كالميتة، أو: كالدم، فإنه يقع ما نواه من طلاق أو ظهار أو يمين، فإن لم ينو شيئاً من ذلك وقع ظهاراً.(٣) أي: لو قيل له مثلاً تعشَّى فقال: قد حلفتُ بالطلاق أني لا أتعشى، وهو في الحقيقة لم يحلف بالطلاق على عدم العشاء، ثم تعشى، فهل تطلق زوجته؟ الجواب: يُلزم بالطلاق حكماً، أي: إن رافعته امرأته وحاكمته لم يقبل كلامه أنه لم يحلف؛ فيحكم الحاكم عليه بالطلاق؛ لأنه يدعي خلاف ظاهر لفظه، والقاضي إنما يحكم بالظاهر، أما لو لم تحاكمه وصدقته فهي زوجته باطناً والعقد بحاله. (تحرير مهم)
(تتمة) الحلف بالطلاق: هو تعليق الطلاق على فعل يقصد المنع منه أو الحث عليه أو التصديق أو التكذيب. ومثاله: أن يقول لمن يريد حثه على العشاء عنده: علي الطلاق أن تتعشى عندي، أو يقول لامرأته التي يريد منعها من الذهاب إلى أهلها: إن ذهبتِ إلى بيت أهلك فأنت طالق. فالحلف بالطلاق كاليمين التي استُبدل فيها لفظ الجلالة بلفظ الطلاق، ويجري في حكمه مجرى اليمين، ويرى الجمهور - وهو المذهب - أنه حَلِفٌ، وأنه إذا تحقق المعلق عليه وقع الطلاق، أما شيخ الإسلام فيرى أنه يمين يكفّر عنها كفارة يمين، ولا يقع طلاقه. وقد تساهل الكثير من طلاب العلم في الفتوى المتعلقة بالحلف بالطلاق بناء على رأي ابن تيمية ﵀، وقد رد السبكي الشافعي على شيخ الإسلام في رسالة له وذكر أدلة تؤيد وقوع الطلاق منها إجماعات وأثرا قويا جداً في صحيح البخاري أن ابن عمر ﵄ سُئل عن رجل طلق امرأته البتة فقال: إن ذهبت إلى بيت أخيها ... فقال ابن عمر: إن ذهبت فقد بُتت منه، وهذا رأي صحيح صريح ويكون أَولى بالتقديم والحكم به من رأي غيره، والله أعلم. (بحث)стр. 578
وَيملك حُرٌّ ومُبَعَّضٌ ثَلَاث تَطلِيقَاتٍ، وَعبدٌ اثْنَتَيْنِ (١) .
وَيصِح اسْتِثنَاءُ النّصْفِ فَأَقلَّ من طَلَقَاتٍ (٢) ومُطَلَّقاتٍ (٣) . الحواشي
(١) فالعبرة في عدد الطلقات بالرجل لا المرأة، فإن كان الزوج حراً ملك ثلاث طلقات، وإن كان عبداً ملك طلقتين.(٢) الاستثناء لغة: الرجوع، واصطلاحاً: إخراج بعض الجملة بـ «إلا» أو ما يقوم مقامها من متكلم واحد، فيصح استثناء النصف فأقل من عدد الطلقات، كأن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً إلا واحدة، أو: ثنتين إلا واحدة، فتطلق في الأولى: طلقتين، وفي الثانية: طلقة واحدة. أما لو استثنى أكثر من النصف كأن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، لم يصح الاستثناء، وتقع الثلاث.(٣) كأن يطلق زوجاته الأربع ويستثني فلانة وفلانة.стр. 579
وَشُرِطَ تلفظٌ، واتصالٌ مُعْتَادٌ، وَنِيَّتُهُ قبل تَمامِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ (١) ، وَيصِحُّ بقلبٍ من مُطَلَّقاتٍ لَا طَلَقَاتٍ (٢) .
وأنتِ طَالِقٌ قبل موتِي تطلق فِي الحَال (٣) ، وَبعدَهُ أو مَعَه لَا تطلقُ (٤) ، وَفِي هَذَا الشَّهْر أو اليَوْم أو السّنة تطلق فِي الحَال (٥) ، فإن قَالَ أردتُ آخرَ الحواشي
(١) يشترط لصحة الاستثناء أربعة شروط: (الشرط الأول) أن يتلفظ بالاستثناء، كأن يقول: إلا واحدة، فلا بد في الاستثناء في العدد من النطق بالمستثنى، أما الاستثناء في المطلقات فيصح أن يستثني فيه بقلبه، كما سيأتي إن شاء الله. (الشرط الثاني) اتصال معتاد إما لفظاً بأن يأتي به متوالياً، وإما حكماً بأن يقطع بين المستثنى والمستثنى منه بشيء يسير كسعال أو عطاس. (الشرط الثالث) أن ينوي الاستثناء قبل أن يُتِمَّ المستثنى منه، كأن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة، وينوي استثناء الطلقة قبل أن يتم قوله: ثلاثاً، وإلا لم ينفعه. (الشرط الرابع) أن يكون الاستثناء للنصف فأقل، وتقدم.
فإن تخلف شرط لم يصح الاستثناء، ويقع الطلاق بكل ما تلفظ به من عدد وغيره.(٢) فمن طلق نساءه واستثنى بقلبه إحداهن صح، ولا يصح ذلك في عدد الطلقات، فلا بد من التلفظ به، فلو طلق امرأته ثلاثاً واستثنى بقلبه واحدة لم يصح.(٣) لأن كل ما قبل موته يصدق عليه قوله: قبل موتي.(٤) أي: إذا قال: أنت طالق بعد موتي، أو: مع موتي، فلا تطلق، وذلك لحصول البينونة بالموت قبل وقوع الطلاق، فلا يبقى بعد الموت نكاح يزيله الطلاق.(٥) فلو قال: أنت طالق في هذا الشهر، أو: في هذا اليوم، أو: في هذه السنة، فإنها تطلق في الحال؛ لأن الوقت الذي تكلم فيه يصدق عليه كونه: في ذلك الشهر، أو اليوم، أو السنة.стр. 580
الكلِ، قُبِلَ حكماً (١) ، وَغداً أو يَوْمَ السبت وَنَحْوُهُ تطلقُ بأولِهِ (٢) ، فَلَو قَالَ أردتُ الآخِرَ لم يُقْبَلْ (٣) ، وإذا مَضَتْ سنةٌ فأنتِ طَالِق، تطلق بِمُضِيِّ اثْنَي عشر شهراً (٤) ،
وإن قَالَ السّنةَ، فبانسلاخ ذِي الحجَّة (٥) . الحواشي
(١) أي: لو قال مثلاً: أنت طالق في هذا الشهر، ثم قال: أردتُ - أي: نويتُ - آخر الشهر، فإنه يقبل منه حكماً، أي: عند القاضي، قال البهوتي في شرح المنتهى معللاً: (لأن آخر هذه الأوقات وأوسطها منها كأولها، فإرادته لذلك لا تخالف ظاهرَ لفظه).(٢) فلو قال: أنت طالق غداً، فإنها تطلق بأول اليوم، أي: بطلوع الفجر، وكذا لو قال: أنت طالق يوم السبت، ونحوه: كيوم الخميس.(٣) لأنه مخالف لمقتضى اللفظ؛ فإن مقتضاه الوقوع في كل جزء من اليوم.(٤) فلو قال: أنت طالق إذا مضت سنة - بالتنكير -، فإنها تطلق بمضي اثني عشر شهراً بالأهلة من حين ذلك القول، ولو قال ذلك في أثناء الشهر كفي اليوم الخامس عشر مثلاً وكان ذلك الشهر ٢٩ يوماً، فإنه يحسب ١٤ يوماً إلى نهاية الشهر، ثم يحسب ١١ شهراً بالرؤية، ثم يحسب من الشهر الأخير ١٦ يوماً ليستكمل ٣٠ يوماً، وهذه قاعدة مطّردة في المذهب، في العِدد والإجارة وغيرها، فيُتم الشهر الأول بالعدد، وما بعده بالأهلة، وهكذا ..(٥) أي: لو قال: أنت طالق إذا مضت السنة، فإنها تطلق بانتهاء ذي الحجة، حتى لو لم يبق منه إلا أيام، لكن قال في الإقناع وشرحه: ((فإن قال أردت بالسنة اثني عشر شهرا دُيِّنَ وقُبل) منه حكماً؛ لأن لفظه يحتمله).стр. 581
فصل (في تعليق الطلاق) (١)
وَمنْ عَلَّق طَلَاقاً وَنَحْوَه بِشَرْطٍ؛ لم يَقع حَتَّى يُوجد (٢) ، فَلَو لم يَلْفِظْ بِهِ وادَّعاه لم يقبل حُكماً (٣) .
وَلَا يَصحُّ إلا مِنْ زوجٍ (٤) بِصَرِيحٍ، وكنايةٍ مَعَ قصدٍ (٥) ، ويقطعُهُ فصلٌ الحواشي
(١) التعليق: ترتيب شيء غير حاصل على شيء حاصل موجود، أو غير حاصل بـ «إن» أو إحدى أخواتها، ولا يصح التعليق إلا من زوج ولو مميزاً. وقد ذكر الماتن في هذا الفصل: تعليق الطلاق على الكلام، والإذن، والمشيئة.(٢) سواء كان حلفاً بالطلاق أو شرطاً مجرداً. أما شيخ الإسلام، فمع كونه لا يرى أن الحلف بالطلاق طلاق، إلا أنه يوافق المذهب في وقوع الطلاق بالشرط المجرد الذي لا يجري مجرى اليمين كقوله: أنت طالق إذا طلعت الشمس، وليس هذا من الحلف بالطلاق. (فرق فقهي)(٣) فلو قال: أنتِ طالق، ثم قال: أردتُ: إن قمتِ، لم يقبل منه حكماً - أي: عند القاضي -، فلا بد من التلفظ بالشرط ليُقبل منه.(٤) فللزوج أن يُنَجِّزَ الطلاق وأن يعلقه، أما الوكيل فليس له إلا التنجيز، فلو طلق طلاقاً معلقاً لم يقع، كما قرره النجدي.(٥) أي: يصح التعليق بلفظ صريح للطلاق، وكذا لو كان بكناية الطلاق لكن مع قصد الطلاق، كما تقدم.стр. 582
بتسبيحٍ وسكوتٍ (١) ، لَا كَلَامٍ مُنْتَظمٍ، كَأَنْت طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إن قُمْتِ (٢) .
وأدواتُ الشَّرْطِ نَحْو «إن» وَ «مَتى» و «إذا» (٣) ، وإن كلَّمْتُكِ فَأَنت طَالِقٌ فَتَحَقَّقِي أو تَنَحَّيْ وَنَحْوُه تطلقُ (٤) ، وإن بدأتُكِ بالكلَامِ فَأَنتِ طَالِقٌ فَقَالَت: إن بدأتُك بِهِ فَعَبْدي حُرٌّ انْحَلَّت يَمِينُه وَتبقى يَمِينُهَا (٥) ، وإن خرجتِ بِغَيْر إذني وَنَحْوُه فَأَنت طَالِقٌ ثُم أَذِن لَهَا فَخرجت، ثمَّ خرجت بِغَيْر إِذن أو أذن الحواشي
(١) فينقطع التعليقُ إن فصل بين الشرط وجزائه بتسبيحٍ، كقوله: أنت طالق - سبحان الله - إن قمتِ، فيقع الطلاق منجزاً، وكذلك ينقطع التعليق إن فصل بين الطلاق والشرط بسكوتٍ، كقوله: أنت طالق، ثم سكت، ثم قال: إن خرجتِ من الدار، ولا ينقطع التعليق بالعطاس؛ لأن الكلام متصل حكماً.(٢) فالكلام المنتظم بين الشرط وجوابه لا يقطع التعليق ولا يؤثر فيه؛ لأنه متصل حكماً، وذلك كقوله: أنتِ طالق - يا زانية - إن قمتِ.
والظاهر: أن مرادهم بالكلام المنتظم: ما له تعلق بالطلاق مما قد يكون سبباً له كما في المثال المذكور، فليحرر.(٣) أدواتُ الشرط المستعملة غالبا في عتق وطلاق ستٌ: وهي: «إِنْ»، و «أَيُّ»، و «متى»، و «إذا»، و «كُلَّما»، و «مَنْ».(٤) تعليق الطلاق على الكلام: من قال لامرأته: إن كلمتُك فأنتِ طالق، ثم قال لها: فتحققي، أو قال لها: اسكتي، فإنها تطلق؛ لتكليمه إياها ما لم ينو: غير قول «فتحققي»، أو: غير قول «اسكتي».(٥) فتنحل يمينه؛ لأنه لم يبدأها بالكلام، وتبقى يمينها، فإن بدأته بالكلام مستقبلاً صار عبدُها حراً.стр. 583
لَهَا وَلم تعلم طَلُقَتْ (١) .
وإن عَلَّقَه على مشيئتِها تطلقُ بمشيئتِها غير مُكْرَهَة (٢) ، أو بِمَشِيئَةِ اثْنَيْنِ فبمشيئتهما كَذَلِك (٣) ، وإن علقه على مَشِيئَةِ الله تَعَالَى تطلقُ فِي الحَالِ، الحواشي
(١) تعليق الطلاق على الإذن: من قال لامرأته: إن خرجتِ بغير إذني - ونحوه كـ: إلا بإذني، أو: حتى آذن لك - فأنت طالق، ثم أَذِنَ لها فخرجت لم تطلق، فإن عادت إلى المنزل ثم خرجت بغير إذْن طلقت؛ لأن قوله «خرجتِ» نكرة في سياق الشرط فتقتضي العموم - كما قال شيخ الإسلام -، فكلما خرجت احتاجت إلى إذن، وكذا لو أذن لها ولم تعلم فخرجت طلقت؛ لأن الإذن هو الإعلام، ولم يعلمها.(٢) تعليق الطلاق على المشيئة: المشيئة: هي الإرادة - كما في المطلع -، فمن قال لامرأته: أنتِ طالق إن شئتِ، فلا تطلق حتى تشاء فوراً أو متراخياً. ولابد أن تتلفظ بذلك فتقول: قد شئت، ؛ فلا تطلق لو شاءت بقلبها، ويشترط كونها غير مكرهة على التلفظ به، فإن أكرهها شخص عليه لم تطلق. وعبارة الماتن هنا: (غير مكرهة) تختلف عن عبارة الإنصاف والتنقيح وهي: (فشاءت ولو مكرهة)، وهي سبقة قلم كما قال الحجاوي في حواشي التنقيح. وقول الماتن: (غير مكرهة) معناها صحيح، لكنها ليست عبارة الإقناع ولا المنتهى، بل عبارتهما: (ولو كارهة)، فلو قالت: قد شئتُ، فإنها تطلق سواء قالته وهي تكره ذلك أو حال كونها راضية. والله أعلم. (بحث)(٣) فمن قال مثلاً لامرأته: أنت طالق إن شئتِ وشاء أبوكِ، فلا يقع الطلاق إلا إن شاءت وشاء أبوها وتلفظا بذلك غيرَ مكرهَيْن، ولا تشترط الفورية، فيقع الطلاق ولو تأخرت مشيئة أحدهما عن الآخر.стр. 584
وَكَذَا عِتْقٌ (١) .
وَإِن حَلَفَ لَا يدْخُلُ دَاراً، أو لَا يخرُجُ مِنْهَا، فَأَدْخل أو أَخْرج بعضَ جسدِهِ (٢) ، أو دَخَلَ طاقَ البَابِ (٣) ، أو لَا يَلبسُ ثوباً من غزلها فَلَبِسَ ثوباً فِيهِ مِنْهُ (٤) ، أو لَا يَشربُ مَاءَ هَذَا الإِناءِ فَشرِبَ بعضَه لم يَحْنَث (٥) ، وليفعلنَّ شَيْئاً لَا يَبَرُّ إلا بِفِعْلِهِ كُلِّه مَا لم يكن لَهُ نِيَّةٌ (٦) ،
وإن فعل المحْلُوف عَلَيْهِ الحواشي
(١) وإنما تطلق في الحال؛ لأنه علقه على ما لا سبيل إلى علمه كما لو علقه على شيء من المستحيلات، فلا نعلم هل شاء الله أم لم يشأ؟ وقوله: وكذا عتق: فلو قال: عبدي حر إن شاء الله، عتق في الحال.(٢) أي: فأدخل بعض جسده في الدار في مسألة: ما لو حلف لا يدخل داراً، أو أخرج بعض جسده في مسألة: ما لو حلف لا يخرج من الدار؛ فلا يحنث في المسألتين؛ لأنه لم يدخلها بجملته، وإنما أدخل بعض جسده، ولأنه لم يخرج منها بجملته.(٣) في المصباح: (طوق كل شيء: ما استدار به)، وهو الإطار الذي يُثَبَّت فيه الباب في مداخل البيوت والغرف وغيرها، والمراد: لو حلف لا يدخل داراً فدخل طاق الباب لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها بجملته.(٤) أي: من غزلها فلا يحنث؛ لأنه ليس كله من غزلها.(٥) لم يحنث؛ لأنه لم يشربه كله بل بعضه، ويستثنى: ما لو نوى: لا يشرب بعضه فيحنث بشرب بعضِه، وهذا في جميع ما تقدم.(٦) فلو حلف ليأكلنَّ هذا الرغيف، لم يبر بيمينه إلا بأكله كله، وإلا حنث. وقوله: ما لم يكن له نية تقتضي فعل البعض: كما لو نوى بقوله: (ليأكلن هذا الرغيف) أكْلَ النصف، فيبر بأكل النصف فأكثر ولا يحنث إن لم يأكله كله، ومثل النية لو وجدت قرينة تقتضي فعل البعض، فيعمل بها ..стр. 585
نَاسِياً أو جَاهِلاً حَنِثَ فِي طَلَاقٍ وعِتاقٍ (١) .
وينفَعُ غيرَ ظَالِمٍ تَأَوُّلٌ بِيَمِينِهِ (٢) . الحواشي
(١) أي: لو حلف لا يفعل شيئاً ففعله، فلا يخلو الحال: أ- أن يفعله مكرهاً، أو حال كونه مجنوناً، أو مغمىً عليه، فلا حنث عليه، ب - أن يفعله ناسياً أو جاهلاً فلا يخلو الحال أيضاً: ١ - أن تكون اليمين مكفَّرة: أي: تدخلها الكفارة كاليمين بالله تعالى والنذر، فلا يحنث، ٢ - أن تكون اليمين غير مكفرة: أي: لا تدخلها الكفارة - وهي على المذهب: الحلف بالطلاق والعتاق - فهنا لو فعل المحلوف على تركه ناسياً أو جاهلاً حنث، فلو قال: عليَّ الطلاقُ إن ركبتُ سيارةَ فلان، يريد منع نفسه من ركوبها، ثم ركبها - ولو ناسياً أو جاهلاً أنها سيارة ذلك الرجل - فإن الطلاق يقع، ومثله لو قال: إن ركبتُ سيارة فلان فعبدي حر، فإنه يعتق بركوبها ولو ناسياً أو جاهلاً. (بحث)(٢) التأويل في اليمين: هو أن يريد بلفظه خلافَ ظاهره، وهو مباح لغير ظالم، فالتأويل في اليمين ينفع الحالفَ ما لم يكن ظالماً واستحلفه القاضي، وسواء في الأيمان المكفرة - كاليمين بالله تعالى - أو لا - كالحلف بالطلاق -. فيجوز لشخص أن يقول مثلاً: والله هذا أخي، ويقصد الأخوة في الإسلام، وقد ذكر في الإقناع هنا تأويلات كثيرة جداً، لكن الظالم كالمدين مثلاً لو استحلفه القاضي، فلا يجوز له أن يحلف أنه لم يستدن من فلان وينوي غير خصمه، فإن فعل لم ينفعه؛ للحديث: «اليمين على نية المستحلف»، متفق عليه، وكانت يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عناه المستحلف، كما في شرح المنتهى.стр. 586
وَمن شكَّ فِي طَلَاقٍ أو مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ لم يلزمْهُ (١) ، أو فِي عدَدِهِ رَجَعَ إلى اليَقِينِ (٢) . وإن قَالَ لمن ظَنَّهَا زَوجتَهُ: أنتِ طَالِقٌ طَلُقَت زَوجتُهُ، لَا عكسُها (٣) .
وَمن أَوْقع بِزَوْجَتِهِ كلمةً وَشكَّ هَل هِيَ طَلَاقٌ أو ظِهَارٌ لم يلزمهُ شَيْءٌ (٤) . الحواشي
(١) الشك هنا: مطلق التردد، سواء تساوى عنده الطرفان أو غلب على ظنه أحدهما، فالحنابلة يقيمون الظنَ مقام الشك في هذا الموضع، والوهم كالشك أيضاً، فمن شك في الطلاق بأن لم يعلم أطلَّق أم لم يطلق، أو شك فيما عُلق عليه الطلاق كأن حلف: إن ركبتُ سيارةَ فلان فامرأتي طالق، ثم شك هل ركب أو لم يركب، فإنه لا يلزمه شيء، وله الوطء، لكن يسن له ترك الوطء حتى يراجع زوجته احتياطاً، كما في المنتهى، قال الموفق: الورع التزام الطلاق.(٢) بأن علم أنه طلق لكن شك: كم مرة طلق؟ فيرجع إلى اليقين، وهو الأقل.(٣) أي: لو رأى امرأة ظنها زوجته فقال لها: أنت طالق، فإن زوجته تطلق اعتباراً بالقصد. وقوله: لا عكسها: أي: لو لقي امرأته فظنها أجنبيةً فقال لها: أنت طالق، لم تطلق؛ لأنه لم يُرِدْهَا بذلك، وقد تابع المؤلف في هذه المسألة الإقناعَ، أما المنتهى - ومثله الغاية كالتنقيح - فجزم بوقوعه؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق، وهو المذهب، ويؤخذ من هذه المسألة أن النساء كنّ يغطين وجوههن. (مخالفة الماتن)(٤) لأنه لم يتيقن أحدَهما، والأصل العدم، والله أعلم.стр. 587
فصل (في الرجعة) (١)
وإذا طَلَّقَ حُرٌّ من دَخَلَ أو خَلَا بهَا أَقَلَّ من ثَلَاثٍ، أو عبدٌ وَاحِدَةً (٢) لَا عوضَ فيهمَا (٣) فَلهُ ولوليِّ مَجْنُونٍ رَجعتُهَا فِي عدتِهَا مُطلقًا (٤) . الحواشي
(١) الرَّجعة - بفتح الراء - لغة: من الرجوع، وشرعاً: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد. ويدل على مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة، ٢٢٨]، وأمر رسول الله ﷺ ابنَ عمر ﵄ بمراجعة زوجته لما طلقها، فقال لعمر ﵁: «مُره فليراجعها»، متفق عليه، وطلق النبي ﷺ حفصة ثم راجعها، رواه الأربعة إلا الترمذي.
ويشترط لصحة الرجعة سبعة شروط: (الشرط الأول) كون المطلقة مدخولاً بها، وإلا بانت بالطلاق ولم يكن لزوجها أن يراجعها. وقوله: دخل بها: أي وطئها.(٢) (الشرط الثاني) كون زوجها قد طلقها أقل من ثلاث إن كان حراً، أو أقل من اثنتين إن كان عبداً، وإلا لم يكن له مراجعتها.(٣) (الشرط الثالث) أن لا يكون الطلاق بعوض، وإلا صار خلعاً تبين به منه، ولا تصح رجعتها. وقوله: فيهما: أي: في طلاق الحر والعبد.(٤) (الشرط الرابع) كون الرجعة في عدتها، فليس له رجعتها بعد انتهائها. وقوله: مطلقاً: أي: سواء رضيت أو كرهت.
(تتمة) (الشرط الخامس) كون الطلاق وقع في نكاح صحيح، ولم يذكره الماتن، فلا تصح الرجعة بعد طلاق في نكاح فاسد، و (الشرط السادس) ألا تكون الرجعة حال ردة أحد الزوجين، و (الشرط السابع) كون الرجعة منجزة، فلا تصح معلقة كالنكاح.стр. 588
وَسُن لَهَا إشهادٌ (١) ، وَتحصُلُ بِوَطْئِهَا مُطلقًا (٢) ، والرجعيةُ زَوْجَةٌ فِي غير قسمٍ (٣) . وَتَصِحُّ بعدَ طُهرٍ من حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ قبل غُسْلٍ (٤) ، وتعودُ بعدَ عدَّةٍ الحواشي
(١) أي: يسن الإشهاد على الرجعة؛ لقول عمران بن حصين ﵁ عند أبي داود: «أشهِد على رجعتها»، وفي الإقناع: (يستحب)، ومثله الغاية، ولم يصرح المنتهى بالحكم مع ذكره عدم اشتراط الإشهاد كالتنقيح، وعنه: أن الإشهاد شرط، ذكرها في التنقيح بعد تقديم عدم اشتراطه، وتابعه المنتهى في ذكر هذه الرواية.(٢) تحصل الرجعة بأحد أمرين: ١ - بالفعل، وهو الوطء فقط سواء نوى الرجوع أو لم ينوه، وهذا هو المراد بقول الماتن: (مطلقاً)، أما غيره من الأفعال كالنظر والقبلة واللمس والمباشرة والخلوة، والكلام معها فلا تحصل بها الرجعة. ٢ - وباللفظ، وهي: راجعتُها، وارتَجَعتُها، وأمسكتها، ورددتها، ورجَّعتها، وأعدتها، ولا تصح بـ: نكحتُها، أو: تزوجتها؛ لأن هذا كناية، والرجعة استباحة بُضع مقصود فلا تحصل بالكناية كالنكاح، قاله البهوتي في الكشاف.(٣) أي: هي زوجة للمطلِّق يلحقها طلاقه، وظهاره، ولعانه، وتصح مخالعتها، وتجب لها النفقة، إلا أنه لا يجب على الزوج أن يقسم لها.(٤) أي: تصح الرجعة بعد أن تطهر من الحيضة الثالثة قبل الغسل، وظاهره: أن له أن يراجعها ولو فرطت في الغسل سنين، كما في الإقناع.стр. 589
بِعقدٍ جَدِيدٍ على مَا بَقِي من طَلاقِهَا (١) .
وَمَن ادَّعَت انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا وأمكن قُبلَ لَا فِي شهرٍ بحيضٍ إلا بِبَيِّنَةٍ (٢) .
وإن طلق حُرٌّ ثَلَاثًا أو عبدٌ اثْنَتَيْنِ لم تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَطَأهَا زوجٌ غَيرُهُ فِي قُبُلٍ (٣) بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ (٤) مَعَ انتشارٍ، وَيَكْفِي تغييبُ الحواشي
(١) فإذا انتهت عدتها لم يكن له أن يراجعها، وإنما تعود إليه بعقد ومهر جديدين مع توفر الشروط والأركان، وترجع على ما بقي من طلاقها - أي: من عدد الطلقات -، سواء رجعت إليه بعد نكاح زوج غيره أو لا، وسواء وطئها الثاني أو لم يطأها.(٢) أي: إذا ادعت المطلقة بأن عدتها قد انقضت، وكان قد مضى زمنٌ يمكن انقضاؤها فيه، فإن دعواها تقبل. أما لو ادعت انقضاءَ عدتها بالحيض في شهر واحد لم تقبل دعواها إلا أن تأتي ببينة، أي: بشاهد يشهد على ذلك، وهي هنا: امرأة عدل، ورجل أَولى، وسيأتي في كتاب الشهادات. ولا يخلو أمرها من ثلاثة أحوال: ١ - إن ادعت انقضاء عدتها بالحيض في أكثر من شهر، فإن قولها يقبل. ٢ - وإن ادعت ذلك في شهر، وأقله تسعة وعشرون يوماً ولحظة، لم يقبل قولها إلا ببينة. ٣ - وإن ادعت ذلك في أقل من شهر، لم يقبل قولها ولو ببينة؛ لعدم إمكان حصول ثلاث حيض في أقل من شهر.(٣) لا تحل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول إلا إذا نكحت زوجاً غيره بعدة شروط: (الشرط الأول) أن يطأها الثاني في القُبل، فلا تكفي الخلوة، ولا تحل بالوطء في الدبر.(٤) (الشرط الثاني) كون العقد الثاني صحيحاً، فلا تحل بعقد فاسد أو باطل.стр. 590
حَشَفَةٍ (١) وَلَو لم يُنْزِل أو يَبْلُغْ عشراً (٢) ، لَا فِي حيض أو نِفَاسٍ أو إحرامٍ أو صَوْمِ فرضٍ أو ردَّةٍ (٣) . الحواشي
(١) (الشرط الثالث) كون الوطء بتغييب الحشفة مع الانتشار وهو: الانتصاب.(٢) أي: ولو لم يبلغ عشر سنوات.(٣) (الشرط الرابع) ألا يكون الوطء في حال تحرم فيه الزوجة لحق الله تعالى، فلا تحل بالوطء في الحيض، أو النفاس، أو الإحرام، أو الردة، أو صوم الفرض، وتحل بوطء في حال يحرم عليه الوطء لمرض، أو لضيق وقت الصلاة؛ لأن التحريم لا لمعنى فيها بل لحق الله تعالى.стр. 591
فصل (في الإيلاء) (١)
والإيلاءُ حرَامٌ، وَهُوَ حَلِفُ زوجٍ عَاقلٍ (٢) - يُمكنُهُ الوَطءُ (٣) -، بِاللَّه أو صفةٍ من صِفَاتِه (٤) على تركِ وَطءِ زَوجتِهِ (٥) الممكنِ (٦) فِي قُبُلٍ (٧) أبداً أو الحواشي
(١) الإيلاء لغة: الحلف. وقد عرفه الماتن اصطلاحاً فقال: هو حلف زوج عاقل - يمكنه الوطء - بالله أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته الممكن في قُبُلٍ أبداً أو مطلقاً أو فوق أربعة أشهر.
والأصل في الإيلاء قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة، ٢٢٦]، وكان أُبيّ بن كعب وابن عباس ﵃ يَقرآن: «للذين يقسمون».(٢) أي: غير مجنون، ولو مميزاً.(٣) يشترط لصحة الإيلاء خمسة شروط: (الشرط الأول) كونه من زوج يمكنه الوطء، وهو من استكمل عشر سنين، أما من لا يمكنه الوطء كالعنين، والمجبوب جباً كاملاً - وهو الذي قطع كل ذكره -، والذي شل ذكره، فلا حكم لإيلائه.(٤) (الشرط الثاني) أن يحلف بالله أو صفة من صفاته كالرحيم والرحمن، فلا يحصل الإيلاء بالنذر كقوله: لله علي نذر ألا أطأك، ولا بالحلف بالطلاق كقوله: علي الطلاق إن وطئتك.(٥) حرة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو ذمية، عاقلة كانت أو مجنونة.(٦) (الشرط الثالث) كون الزوجة ممن يمكن جماعها، فلا يصح الإيلاء من رتقاء.(٧) (الشرط الرابع) أن يحلف على ترك الوطء في القُبل؛ لأنه هو الذي يحصل به الضرر.стр. 592
مُطلقًا أو فَوق أربعةِ أشهرٍ (١) ، فَمَتَى مضى أَرْبَعَةُ أشهرٍ من يَمِينِه (٢) وَلم يُجَامعْ فِيهَا بِلَا عُذْرٍ أُمِرَ بِهِ، فإن أَبَى أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، فإن امتنع طَلَّق عَلَيْهِ حَاكمٌ (٣) . الحواشي
(١) (الشرط الخامس) أن يحلف أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر، أو يعلقه على شرط يغلب على الظن عدم وجوده في أقل من أربعة أشهر. وقوله: (على ترك وطء ... أبداً): كأن يقول: والله لا وطِئْتُكِ أبداً. وقوله: (أو مطلقاً): كأن يقول: والله لا وَطِئْتُكِ، ولا يعين زمناً.(٢) إذا صح إيلاء الزوج ضُربت له أربعة أشهر، ولا يُطالَب بالوطء فيها؛ للآية المتقدمة، وابتداء المدة: من حين يمينه، ولا تفتقر إلى ضرب الحاكم؛ لكونها ثبتت بالنص والإجماع.(٣) فإن لم يجامع في الأربعة أشهر ولم يكن له عذر من مرض أو حبس، أمره الحاكم بالرجوع والجماع .. وأدنى ما يكفي مولياً في الفيء: تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها ولو من مكره، أو حصل حال نومه، أو نسيانه، أو جنونه. وإن كان له عذر يمنعه من الجماع كمرض أو حبس لزمه أن يفيء بلسانه في الحال، فيقول: متى قدرت جامعتُك. فإن أبى أُمر بالطلاق إن طلبت زوجته ذلك، ولا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة. فإن امتنع من الوطء والطلاق طلق عليه الحاكم إن طلبت ذلك، وللحاكم أن يفسخ وأن يطلق واحدة أو ثلاثاً، كما في الإقناع والمنتهى، ويشكل على ذلك أن طلاق الثلاث محرم من الزوج، فكونه محرماً من غير الزوج أولى، كما نبه عليه الشيخ منصور.
(تتمة) الطلاق هنا رجعي، سواء حصل من الزوج بطلب الحاكم أو من الحاكم إن لم يطلق ثلاثاً، وذلك بخلاف فسخ الحاكم هنا وفي العيوب، فإنه فسخ تبين به الزوجة فلا رجعة فيه.стр. 593
وَيجبُ بِوَطْئِهِ كفارةُ يَمِينٍ (١) .
وتاركُ الوَطءِ ضِرَارًا بِلَا عذرٍ كمُوْلٍ (٢) . الحواشي
(١) فإذا فاء ووطئ زوجته، فعليه كفارة اليمين، وإنما تجب عليه الكفارة إذا أطلق المدة في يمينه، أما إذا حددها بأربعة أشهر ولم يطأها إلا بعد مضيها، فلا كفارة عليه، وكذلك لا تجب عليه الكفارة إن فاء بلسانه فقط.(٢) اثنان يُلحقان بالمولي ويأخذان حكمه: ١ - من ترك وطء زوجته إضرارًا بها وليس لديه عذر، فإن حكمه حكم المولي ولو لم يحلف على ترك الوطء، فتضرب له المدة من حين ترك الوطء - هذا ما يظهر لي، ولم أقف على نص في ابتداء ضرب المدة في هذه المسألة -، فإذا مضت أُمر بالرجوع، وهكذا كالمولي. ٢ - ومن ظاهر من زوجته ولم يكفِّر، والظاهر: أن ابتداء المدة من حين الظهار، ولم أقف على شيء في هذا، فليحرر فيهما. والله أعلم. (بحث)стр. 594
فصل (في الظهار) (١)
وَالظِّهَارُ محرَّمٌ، وَهُوَ أن يُشَبِّه زَوجتَه أو بَعْضَهَا (٢) بِمن تحرُمُ عَلَيْهِ (٣) ، أو بَعْضِهَا (٤) ، أو بِرَجُلٍ مُطلقًا (٥) ، لَا بِشعرٍ وَسنٍّ وظُفُرٍ وريقٍ وَنَحْوِهَا (٦) .
وإن قالَتْهُ لزَوجِهَا فَلَيْسَ بظهارٍ، وَعَلَيْهَا كَفَّارَتُهُ بِوَطْئِهَا مطاوعةً (٧) . الحواشي
(١) الظهار: مشتق من الظهر، وخُص من سائر الأعضاء؛ لكونه موضع الركوب. وقد عرف الماتنُ الظهار اصطلاحاً فقال: أن يشبه زوجته أو بعضَها بمن تحرم عليه أو بعضها، أو برجل مطلقاً. وصورته: أن يقول لزوجته مثلاً: أنتِ عليَّ كظهر أمي. وحكى ابنُ المنذر الإجماعَ على تحريمه.(٢) كظهرها ويدها.(٣) سواء شبهها بمن تحرم عليه أبداً كأمه فيقول لزوجته: أنتِ عليّ كأمي، أو إلى أمد كأخت زوجته.(٤) أي: بعض من تحرم عليه، كأن يشبهها بظهر أمه مثلاً.(٥) أي: سواء كان ذا قرابة أو أجنبياً، وكذا لو شبهها بعضو من رجل.(٦) لأنه في حكم المنفصل، فإذا شبهها بذلك ممن تحرم عليه لم يكن ظهاراً، كأن يقول لها: أنت علي كظفر أمي.(٧) أي: إذا قالت لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر أمي، فليس بظهار، لكن تلزمها الكفارة بوطئها مطاوعة؛ لأنها أحد الزوجين، ويجب عليها تمكينه قبل إخراج الكفارة، وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن هذا القول من غرائب الفقه؛ إذ ينبغي أن لا تجب كفارة الظهار فيما ليس بظهار.стр. 595
وَيصِحُّ مِمَّن يَصحُّ طَلَاقُهُ (١) .
وَيحرم عَلَيْهِمَا وَطْءٌ ودواعيه قبل كَفَّارَتِهِ (٢) وَهِي عتقُ رَقَبَةٍ (٣) ، فَإِن لم الحواشي
(١) مسلماً كان أو كافراً، حراً كان أو عبداً، بالغاً كان أو مميزاً يعقله. وكذلك يصح الظهار من أجنبية.
(تتمة) أحكام الأجنبية فيما يتعلق بالطلاق والإيلاء والظهار: ١ - إذا علق طلاق أجنبية على زواجه بها فقال: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها فإنها لا تطلق. ٢ - ولو آلى من الأجنبية قبل أن يتزوجها فقال: والله لا وطئتُك أبداً، أو: أكثر من أربعة أشهر، فلا يكون مولياً لو تزوجها، لكن تجب عليه كفارة اليمين إذا وطئها. ٣ - ويصح الظهار من الأجنبية في المذهب، فإذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم تزوجها، لم يطأها حتى يكفر كفارة الظهار. (بحث)(٢) أي: يحرم على المظاهِر والمظاهَر منها الوطءُ ودواعيه كالقبلة قبل كفارة الظهار، وذلك لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة، ٣]، لكن الكفارة لا تستقر في ذمته إلا بالوطء، فلو لم يطأها ثم طلقها فلا كفارة عليه. فالكفارة في الظهار شرط لحل الوطء، فيجب إخراجها قبله، ولا يجوز الحنث في الظهار قبل أن يكفر، بخلاف من حلف يمينًا، فله أن يكفّر قبل أن يحنث أو بعده. (فرق فقهي)(٣) والمراد: رقبة مؤمنة.стр. 596
يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْن مُتَتَابعين (١) ، فَإِن لم يسْتَطع (٢) فإطعامُ سِتِّينَ مِسْكيناً (٣) .
وَيُكفِّرُ كَافِرٌ بِمَالٍ وَعبدٌ بِالصَّوْمِ (٤) . الحواشي
(١) ويلزمه تبييت النية من الليل، وتعيين كون ذلك الصيام لكفارة الظهار، ومثل ذلك في كفارة القتل واليمين والوطء نهار رمضان.(٢) أي: فينتقل إلى الإطعام إن لم يستطع الصوم: ١ - لمرض لا يرجى برؤه، أو يرجى برؤه لكن يخاف زيادة المرض، أو طول مدته بالصوم، أو لم يستطع الصوم لشبق، ٢ - أو لكبَر، ٣ - وزاد في الإقناع: (أو لضعف عن معيشته)، وعبارة الفروع: (أو لضعفه عن معيشة تلزمه).(٣) والمراد: ستون مسكيناً مسلماً، ويجزئ دفعها لمن يأخذ الزكاة لحاجة، وهم أربعة: الفقير، والمسكين، وابن السبيل، والغارم لنفسه.
(تتمة) هناك قاعدة مشهورة في المذهب، وهي: الزمن الذي تعتبر فيه الكفارة: هو وقت الوجوب، ووقت الوجوب: ١ - في كفارة الظهار: هو وقت العود، وهو الوطء، ٢ - وفي كفارة الجماع نهار رمضان: هو وقت الوطء، ٣ - وفي كفارة القتل: هو زمن زهوق الروح والموت لا زمن الجرح، ٤ - وفي كفارة اليمين: هو وقت الحنث لا وقت اليمين. (قاعدة مهمة)
فلما كان وقت وجوب كفارة الظهار هو الوطء، نُظر في أمر المظاهِر حالَ الوطء، فإن كان قادراً على العتق لزمه ولو أعسر بعد ذلك؛ لأن العبرة بوقت الوجوب، أما لو كان وقتَ الوجوب قادراً على الصيام دون العتق، ثم أيسر وقدر على العتق لم يلزمه، فإن أعتق أجزأه وهو الأفضل، كما في غاية المنتهى.(٤) فيكفّر الكافر الذي لزمته كفارة بالمال - أي: بالعتق أو الإطعام -؛ لأن الصيام لا يصح منه، ويكفّر العبد بالصوم؛ لأنه لا يملك ما يعتق أو يطعم به.стр. 597
وَشُرط فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةٍ، وَنذرِ عتقٍ مُطلقٍ إسلامٌ، وسلامة من عيبٍ مُضرٍّ بِالعَمَلِ ضَرَراً بَيِّناً (١) . وَلَا يجزئُ التَّكفِيرُ إلا بِمَا يجزئُ فِطرَةً، ويجزئُ من البُرِّ مُدٌّ لكل مِسْكينٍ وَمن غَيرهِ مُدَّان (٢) . الحواشي
(١) فيشترط في الرقبة: ١ - أن تكون مسلمة، ٢ - وأن تكون سليمة من العيوب التي لا تتمكن معها من العمل. وقوله: نذر عتق مطلق: كأن يقول: علي نذر أن أُعتق، ويسكت، فيلزمه عتق رقبة مسلمة سالمة من العيوب.(٢) أي: يشترط في التكفير بالإطعام: أن يكون مما يجزئ في زكاة الفطر، ويجزئ أن يعطي كل مسكين مداً من البر، أو مدين من غيره، أي: من الأصناف الأربعة، وهي: الشعير والأقط والتمر والزبيب، ولابد من تمليك المساكين هذا الطعام، فلا يجزئ أن يغديهم أو يعشيهم، ولا يجزئ إخراج القيمة.стр. 598
فصل (في اللعان وما يلحق من النسب) (١)
وَيجوزُ اللِّعانُ بَين زَوْجَيْنِ بالِغَيْن عاقلين (٢) لإِسْقَاط الحَدِّ (٣) . الحواشي
(١) اللعان لغة: مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً. واللعان شرعاً: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبَين مقرونة بلعن من زوج وغضب من زوجة. والأصل في اللعان من الكتاب قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآيات [النور، ٦ - ١٠]، ومن السنة: حديث عن سهل بن سعد ﵁: أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها»، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها! فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، متفق عليه، والظاهر أن اللعان حصل مرتين في عهد رسول الله ﷺ ، ثم لم يحصل إلا في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀.(٢) يشترط لصحة اللعان: (الشرط الأول) كونه بين زوجَين بالغَين عاقلَين، ولو قبل الدخول، فلا تصح ملاعنة الأجنبية أو الموطوءة بشبهة أو زنا.(٣) الأصل وجوب الحد على من قذف غيره ولم يأت ببينة؛ للحديث: «البينة، وإلا حد على ظهرك»، رواه البخاري، لكن الزوج إذا قذف امرأته ولم يأت ببينة وأكذبته وطالبت بالحد؛ فعليه الحد أو يلاعنها ليسقط الحدَ إن كانت محصنة، أو التعزيرَ إن كانت غير محصنة، فيسقط ذلك عنه ولو نكلت عن اللعان. أما الزوجة إذا رمت زوجها ولم تأت ببينة فعليها الحد، وليس لها أن تلاعن. (فرق فقهي)
(تتمة) شروط إحصان الزوجة خمسة: ١ - العقل، ٢ - والإسلام، ٣ - والحرية، ٤ - والعفة بأن لا تُعرف بالفحش بين الناس، ٥ - وأن تكون ممن يجامع مثلها، أي: بنت تسع سنين. فإذا اختل شرط منها لم يحد الزوج بقذفها، وإنما يعزر.стр. 599
فَمن قذف زَوجتَه لفظاً (١) وكذّبته (٢) ، فَلهُ لعانُها بِأَن يَقُولَ أربعاً: أشهَدُ بِاللَّه إنِّي لصَادِق فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا (٣) . وَفِي الخَامِسَةِ: وإن لعنة الله الحواشي
(١) (الشرط الثاني) أن يقذفها بالزنا - في القبل أو الدبر - لفظاً ولو كان أعمى، فيقول لها: يا زانية.(٢) (الشرط الثالث) أن تُكذِّبه الزوجة في قذفه، وتستمر على التكذيب حتى ينقضي اللعان.(٣) فيكرر ذلك أربع مرات، ويشير إليها إن كانت حاضرة وإلا سماها، ويشترط: أن يبدأ الزوج باللعان. وقوله: (بأن يقول: .. ): فلا يصح بالإشارة أو الكتابة. ويشترط أيضاً: حضور حاكم أو نائبه، وألا ينقص أحدُهما شيئاً من الألفاظ الخمسة.
(تتمة) لو نكل الزوج عن اللعان أو بعضِه فإنه يحد أو يعزر على ما سبق تفصيله، أما إذا لاعن الزوج ونكلت الزوجة، فإنها تحبس حتى تقر أو تلاعن، ولا ترجم بمجرد النكول؛ لأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت عن إقرارها لم ترجم، فأولى أن لا ترجم إن أبت اللعان.стр. 600
إن كَانَ من الكَاذِبين. ثُمَّ تَقولُ هِيَ أربعاً: أشهَدُ بِاللَّه إنه لَكَاذِب فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا. وَفِي الخَامِسَة: وإن غضبَ الله عَلَيْهَا إن كَانَ من الصَّادِقين.
فإذا تمّ سقط الحَدُّ وَثبتت الفرْقَةُ المؤبدةُ، وينتفي الوَلَدُ بنفيه (١) .
وَمن أتت زَوجتُهُ بِولدٍ بعد نصف سنةٍ مُنْذُ أمكن اجتماعُهُ بهَا (٢) ، أو لدونِ أربعِ سِنِين مُنْذُ أبانها وَلَو ابنَ عشرٍ (٣) ، لَحِقه نسبُهُ (٤) ، وَلَا يحكم الحواشي
(١) إذا تم اللعان ترتب عليه أربعة أحكام: (الحكم الأول) سقوط الحد عنها، وكذا عنه إن كانت محصنة، أو سقوط التعزير عنه إن كانت غير محصنة، (الحكم الثاني) ثبوت الفرقة المؤبدة بينهما، ولو بغير تفريق الحاكم، (الحكم الثالث) انتفاء الولد؛ لكن بشروط، وهي: ١ - أن يذكره في اللعان صريحاً أو ضمناً، ٢ - أن ينفيه باللعان التام منهما لا من أحدهما، ٣ - أن يكون الولد مولوداً، فلا يصح نفيه وهو حمل. (الحكم الرابع) ثبوت التحريم المؤبد بين المتلاعنَين ولو أكذب نفسه.(٢) أي: يمكن إلحاق الولد بالواطئ إن أتت زوجته بولد سواء في نكاح صحيح أو فاسد أو شبهة لا بزنا. ويشترط لإلحاق الولد بالواطئ: ١ - أن تأتي به بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعهما، كأن يكونا في بلد واحد، فلا يشترط تيقن اجتماعهما، وذلك تشوفاً لإلحاق النسب. ٢ - أن يكون الزوج ممن يولد لمثله وهو ابن عشر فأكثر.(٣) فإن أتت به لأربع سنين فأكثر منذ أبانها لم يلحق به، وهذه الحالة متعلقة بالبينونة - سواء بطلاق أو فسخ - خلافاً لما قبلها.(٤) أي: ولو كان هذا الزوج ابن عشر سنين وقت الوطء لا وقت الولادة، فإن هذا الولد يلحقه؛ للحديث: «الولد للفراش» متفق عليه.следующие страницы →