Полный текст (758 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَتجبُ عَلَيْهِ لرقيقِهِ وَلَو آبقاً وناشزاً (١) ، وَلَا يكلِّفُهُ مُشِقًّا كثيراً (٢) ، ويُريحُهُ وَقتَ قائلةٍ (٣) ونومٍ ولصلاةِ فرضٍ. الحواشي
(١) من هنا انتقل الماتن إلى نفقة العبيد: فيجب على السيد أن ينفق على عبده ولو كان آبقاً - أي: هارباً عنه -، وعلى أمَته ولو كانت ناشزاً، أي: ممتنعة من أن يطأها سيدها.(٢) أبهم الماتن الحكم، لكن الشارح بيّن أنه: لا يجوز للسيد أن يكلف عبده عملاً شاقاً كثيراً لا يطيقه، فإن كلفه أعانه.(٣) وقت القيلولة: قبل الزوال، ويُذكر ذلك في باب جامع الأيمان. انظر الكشاف: (١٤/ ٤٣٨). فمن حلف أن لا يقيل فنام بعد الظهر لم يحنث.
(تتمة) وقت العَشاء: من بعد الظهر؛ لأن العَشِّي يبدأ بعد الزوال، فمن حلف لا يتغدى فأكل بعد الظهر لم يحنث؛ لدخول وقت العَشاء، ووقت السحور: بعد منتصف الليل.стр. 632
وَعَلِيهِ عَلْفُ بهائِمِهِ وسقيُها (١) . وإن عَجَزَ أُجبِرَ على بيعٍ أو إجارةٍ أو ذبح مَأْكُولٍ (٢) ، وَحَرُمَ تحميلُها (٣) مُشِقًّا ولعنُها وحلبُها مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا، وَضربُ وَجهٍ ووسمٍ فِيهِ (٤) ، وَيجوز فِي غَيرِهِ لغَرَضٍ صَحِيحٍ (٥) . الحواشي
(١) تناول الماتن نفقة البهائم: فيجب على مالك البهيمة أن يعلفها ويسقيها؛ لحديث المرأة التي عُذبت في الهرة متفق عليه.(٢) أي: إن عجز عن النفقة على البهيمة أُجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل، فإن لم تكن مما يؤكل أجبر على البيع أو الإجارة فقط.(٣) أي: تحميل البهيمة.(٤) أي: في الوجه، فجميع ذلك محرم، والدليل على عدم الوسم في الوجه نهيه ﷺ عن ضرب الحيوان في الوجه، وعن الوسم في الوجه، رواه مسلم.(٥) أي: يجوز الوسم في غير الوجه إذا كان لغرض صحيح كتمييز بهائمه عن غيرها.
(تتمة) النفقة على المال غير الحيوان: ذكر صاحب المنتهى استحبابَ نفقةِ الشخص على مالِه غيرِ الحيوان، وقال الشيخ منصور: (وفي الفروع يتوجه وجوبه؛ لئلا يضيع)، فعلى هذا القول يتوجه وجوب الإنفاق على السيارة مثلاً لئلا تضيع، لكن المنتهى ذكر أنه غير واجب بل مستحب، والله أعلم.стр. 633
فصل (في الحضانة)
وَتجب الحَضَانَةُ (١) لحفظِ صَغِيرٍ (٢) وَمَجْنُونٍ ومعتوهٍ (٣) .
والأحقُّ بهَا أُمٌّ (٤) ، ثمَّ أمهاتُها القُرْبَى الحواشي
(١) الحضانة لغة: مصدر حضنت الصغير حضانة، أي: تحملت مؤونته وتربيته. وهي اصطلاحاً - كما في المنتهى -: (حفظ صغير ومعتوه - وهو: المختل العقل - ومجنونٍ عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم)، وزاد في الإقناع: (كغسل رأس الطفل وثيابه وبدنه وتكحيله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحو ذلك، وحضانة هؤلاء واجبة كوجوب النفقة عليهم)، ومن قول الإقناع: (وحضانة هؤلاء واجبة كوجوب النفقة عليهم) يؤخذ: أن الحضانة إذا لم يرض أحد بحضانته فإنها واجبة على المنفِق أباً كان أو غيره والله أعلم. (تحرير)(٢) الصغير في المذهب: من دون البلوغ، فيدخل فيه المراهق؛ لكن المراد بالصغير هنا من لم يميز، وهو: من لم يستكمل سبع سنين، ويُذكر حد الصغر ونحوه في باب الوصايا فيمن أوصى لصغارٍ مثلاً، من يدخل في وصيته؟(٣) وهو: مختل العقل، أي: له عقل لكنه مختل.(٤) والمراد: مع أهليتها، والمراد بأهليتها - كما قال الشيخ منصور في الكشاف -: (أن تكون حرة عاقلة عدلاً ولو في الظاهر). ولو طلبت الأمُ أجرةً على الحضانة فهي أحق بها حتى مع وجود متبرعة، والدليل على تقديم الأم: حديث المرأة التي قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني. فقال لها رسول الله ﷺ : «أنتِ أحق به ما لم تنكحي»، رواه أحمد وأبو داود، وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، وابن الملقن، وابن القيم في زاد المعاد.стр. 634
فالقُرْبى (١) ، ثُمَّ أبٌ، ثُمَّ أمهاتُهُ كَذَلِك (٢) ، ثمَّ جَدٌّ، ثمَّ أُمهاتُهُ كَذَلِك، ثمَّ أُختٌ لِأَبَوَيْنِ، ثمَّ لأُمٍّ ثمَّ لأبٍ، ثمَّ خَالَةٌ (٣) ، ثمَّ عمَّةٌ (٤) ، ثمَّ بنتُ أخٍ وأختٍ، ثمَّ بنتُ عَمٍّ وعمةٍ، ثمَّ بنتُ عَمِّ أبٍ وَعَمَّتِه على مَا فُصِّلَ (٥) ، ثمَّ لباقي العصبَةِ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ، وَشُرط كَونُهُ محرماً لأنثى (٦) ، الحواشي
(١) أي: أم الأم، ثم أم أم الأم، وهكذا.(٢) أي: أم الأب، ثم أم أم الأب، وهكذا.(٣) أي: أخت أم المحضون لأبوين ثم لأم ثم لأب، وقدمت على العمة؛ لأنها تدلي بالأم.(٤) لأبوين ثم لأم ثم لأب.
(تتمة) ويأتي بعد العمة في الترتيب: خالة الأم ثم خالة الأب ثم عمة الأب.(٥) أي: بنت الأخ، ثم بنت الأخت، ثم بنت العم، ثم بنت العمة، ثم بنت عم الأب، ثم بنت عمة الأب، تقدم في كل واحدة من كانت لأبوين ثم لأم ثم لأب.(٦) ولو بمصاهرة، أو رضاع كأخيها من الرضاع، فلا يشترط كونه محرماً من النسب. وقوله: لأنثى: كذا في الإقناع، وقيده بكلام المغني - وجزم به المنتهى والغاية - ببلوغها سبعاً، فلا يشترط كون العصبة محرماً لها قبل ذلك؛ لأنه لا حكم لعورتها إذن.
(تتمة) إن تعذر محرم أخذها العصبة الذي ليس بمحرم لها ويسلمها إلى ثقة يختارها، أو إلى محرَمه، وكذا أم تزوجت وليس لولدها غيرها فتسلِّم ولدَها إلى ثقة تختاره أو محرمها، كما في المنتهى وشرحه.стр. 635
ثمَّ لِذِي رحِمٍ (١) ثمَّ لحَاكمٍ (٢) .
وَلَا تثبتُ لمن فِيهِ رِقٌّ (٣) ، وَلَا لكَافِرٍ على مُسلمٍ (٤) ، وَلَا لفَاسِقٍ (٥) ، وَلَا لمزوجةٍ بأجنبيٍّ من محضونٍ من حِين عقدٍ (٦) . الحواشي
(١) فمع عدم العصبة ينتقل إلى ذوي الأرحام، وذوو الأرحام هم - كما قال الشيخ عثمان -: (من بينهم وبين المحضون قرابة من جهة النساء، قال: فدخل فيه الأخ لأم مع كونه من ذوي الفروض).(٢) فإذا لم يوجد أحد من ذوي الأرحام انتقلت الحضانة إلى الحاكم، فيسلمه إلى من توفرت فيه أهلية وشفقة، كما في الإقناع.(٣) يشترط في الحاضن: (الشرط الأول) كونه حراً.(٤) (الشرط الثاني) كون حاضن المسلم مسلماً.(٥) (الشرط الثالث) كونه عدلاً، فلا يكون فاسقاً في الظاهر.(٦) (الشرط الرابع) أن لا تكون الحاضنة الأنثى متزوجة بأجنبي من المحضون من حين عقد؛ فإن تزوجت فلا حق لها في الحضانة ولو رضي الزوج الجديد بأن تحضن ولدها. والمراد بالأجنبي هنا: كل من ليس بينه وبين المحضون قرابة، والدليل قوله ﷺ : «أنتِ أحق به ما لم تنكحي»، رواه الإمام أحمد وغيره.
(تتمة) (الشرط الخامس) أن يكون الحاضن مكلفاً.
(تتمة) ومتى زالت الموانع من كل مَنْ تقدم، ولو طُلِّقت أم المحضون طلاقاً رجعياً ولم تنقض عدتها، عاد حقها من الحضانة.стр. 636
وإن أراد أَحدُ أبويه نُقلةً إلى بلدٍ آمن، وطريقُهُ مَسَافَةُ قصرٍ فَأكْثر ليسكُنَهُ فأبٌ أحقُّ (١) ،
أو إلى قريبٍ للسُّكْنَى فَأمٌّ (٢) ، ولحاجةٍ مَعَ بُعدٍ أو لَا فمقيمٌ (٣) . وإذا بلغَ صبيٌّ سبعَ سِنِين عَاقِلاً خُيِّرَ بَين أبويه (٤) . الحواشي
(١) ذكر المؤلف مسألة تستثنى من الترتيب السابق لحق الحضانة، وهي: إذا أراد أحد الأبوين أن ينتقل إلى بلد آمن ليسكنه - لا لحاجة ثم يرجع -، وكان طريقه مسافة قصر فأكثر، فالأب أحق بالحضانة سواء كان هو المنتقل أو الأم.
(تتمة) إنما يستحق الأب الحضانة - كما ذكر ابن القيم ونقله عنه في الإقناع - ما لم يرد بالنقلة مضارة الأم وانتزاع الولد، وإلا لم يُجَب إلى ذلك، قال في المبدع عن ذلك: (وهو مراد الأصحاب).(٢) فإذا كان البلد المُنْتَقَلُ إليه للسكنى قريباً دون مسافة قصر، فالأم أحق.(٣) أي: إذا أراد أحد الأبوين السفر لحاجة ويرجع، فالمقيم منهما - أب أو أم - أحق بالحضانة، سواء كان السفر مسافة قصر أو أكثر أو أقل.(٤) فإن لم يختر منهما أحداً، أو اختارهما: أُقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة أخذه، لكن إن أراد الصبي الوالدَ الآخرَ فإنه يرد إليه وهكذا كما يقررونه، أما المجنون والمعتوه فلا يخير، وإنما يكون عند أمه ذكراً كان أو أنثى؛ لأنها أكمل شفقة من الأب.стр. 637
وَلَا يُقَرُّ محضونٌ بيَدِ مَنْ لَا يصونُهُ ويُصلِحُهُ (١) .
وَتَكونُ بنتُ سبعٍ عِند أبٍ أو من يقومُ مقَامَهُ إلى زِفافٍ (٢) . الحواشي
(١) فمن كان لا يصون المحضون عن المحرمات والفواحش والأخلاق الدنيئة، ولا يحرص على إصلاحه وإكمال أخلاقه، فإن حقه في الحضانة يسقط وينتقل إلى من يليه.(٢) أي: إذا استكملت البنت سبع سنين كانت عند أبيها وجوباً أو عند من يقوم مقام الأب إلى زواجها، بخلاف الصبي فيُخَير، كما تقدم. (فرق فقهي) ويستثنى من هذا: إذا مرضت البنت، فعند أمها؛ لأنها أحق بتمريضها، وكذا المعتوه يكون عند أمه.
(تتمة) الذكر العاقل البالغ له أن ينفرد بنفسه عن أبويه - إلا أن يكون أمرداً يُخاف عليه الفتنة، فيُمنع من مفارقة أبويه -، لكن يستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما. أما البنت البالغة، فليس لها الانفراد بنفسها - بأن تعيش وحدها -، بل لا بد أن تكون عند أبيها إلى أن تتزوج. والله أعلم.стр. 638
كتاب الجنايات (١)
القَتْلُ (٢) : عمدٌ، وَشِبهُ عمدٍ، وَخطأٌ.
فالعمدُ يخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ (٣) ،
وَهُوَ أن يَقْصِدَ من يعلمُهُ آدمياً مَعْصُوماً، الحواشي
(١) الجنايات: جمع جناية، وهي: التعدي على نفسٍ أو مالٍ. وهي شرعاً: التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً.(٢) القتل هو: فعل ما تزهق به النفس، أي: ما تفارق به الروحُ الجسدَ. وقتل الآدمي بغير حق من كبائر الذنوب يفسق فاعله، وقد قال تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم﴾ [النساء، ٩٣]، وفي حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة»، متفق عليه.(٣) القتل ثلاثة أقسام: (القسم الأول) العمد: وقد عرفه الماتن بقوله: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً، فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
(تتمة) يترتب على القتل العمد: ١ - الإثم؛ لأنه محرم، ٢ - والقود - أي: القصاص - بشرطه، ويختص القصاص بالعمد، فلا يجب في غيره من أنواع القتل، ٣ - والدية فيه مغلظة وواجبة في مال الجاني، ٤ - والحرمان من الميراث، والقتل الذي يُحرم فاعله من الميراث هو: كل قتل ترتب عليه قصاص أو دية أو كفارة. أما الكفارة فلا تجب في القتل العمد.стр. 639
فيقتُلَهُ بِمَا يغلبُ على الظَّنِّ مَوتُهُ بِهِ (١) كجرحهِ بِمَا لَهُ نُفُوذٌ فِي البَدَنِ، وضربِهِ بِحجرٍ كَبِيرٍ (٢) .
وَشبهُ العمدِ أن يَقصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً وَلم يجرحْهُ بهَا كضربٍ بِسَوْطٍ أو عَصاً (٣) . الحواشي
(١) فشروط القتل العمد ثلاثة: ١ - أن يقصد القتل، ٢ - وأن يعلم أن المقصود آدميٌّ، وأنه معصومٌ، ٣ - وأن تكون الآلة صالحة للقتل عادة، حادة كانت أو لا. أما المحدد ولو إبرة فلا يعتبر أن يغلب على الظن موته به على المذهب، بل متى جرحه به ولو في غير مقتل فمات من ذلك، فهو عمد. (استثناء من الشرط الثالث)(٢) صور القتل العمد تسع: ذكر منها الماتن اثنتين: ١ - أن يجرحه بما له نفوذ في البدن، أي: بما يدخل في البدن ويقطع الجلد واللحم، كما في الإقناع، ٢ - أو يضربه بحجر كبير ولو في غير مقتل؛ لأن الضرب بالحجر الكبير في أي موضع من الجسد يغلب على الظن الموت به، ٣ - أو يلقيه في حفرة مع أسد أو مكتوفاً في الفضاء بحضرة أسد، ٤ - أو يلقيه في نار تحرقه أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما فيموت من ذلك، ٥ - أو يخنقه بحبل أو غيره، ٦ - أو يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعاً أو عطشاً، ٧ - أو يسقيه سماً يقتل غالباً، ٨ - أو يقتله بسحر يقتل غالباً، ويقتل الساحر القاتل قصاصاً، كما مشى عليه في المنتهى، ٩ - أو يشهد عليه رجلان بقتل عمد أو ردة، فيقتل بسبب ذلك، ثم يعودان ويقولان: عَمَدنا قتله، أو يحكم عليه الحاكم بالقصاص ظلماً، ثم يقول: تعمدت قتله.(٣) (القسم الثاني) من أقسام القتل: شبه العمد: وهو: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً، ولم يجرحه بها كضربٍ بسوط أو عصا فيموت من ذلك، والجناية في شبه العمد قد تكون بقصد العدوان أو بقصد التأديب لكن مع الإسراف فيه والزيادة عن المطلوب، كما في الإقناع. وقولهم: ولم يجرحه بها: فلو جرحه بمحدد لكان عمداً وتقدم. وقد ثبت شبه العمد بالسنة دون الكتاب، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه»، رواه أحمد وأبو داود، بخلاف العمد والخطأ فإنهما ثبتا بالقرآن الكريم.
(تتمة) يترتب على شبه العمد: ١ - الإثم، بخلاف قتل الخطأ، ٢ - والكفارة في مال الجاني، ٣ - والدية المغلظة على عاقلته، ٤ - وحرمانه من الميراث؛ لأنه يلزم القاتل فيه الدية والكفارة. ولا قود في القتل شبه العمد.стр. 640
والخطأُ (١) أن يَفْعلَ مَا لَهُ فعلُه كرمي صيدٍ وَنَحْوِه فَيُصِيبُ آدمياً (٢) .
وَعمدُ صبيٍّ وَمَجْنُونٍ خطأٌ (٣) .
وَيُقتلُ عَددٌ بِوَاحِدٍ (٤) ، الحواشي
(١) (القسم الثالث) من أقسام القتل: الخطأ: وهو قسمان: خطأ في القصد، وخطأ في الفعل، ولم أجد له تعريفاً عند الحنابلة وإنما يذكرون له صوراً.(٢) أي: أن يفعل الشخص ما يباح له فعله كرمي صيد أو هدف، فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده بالقتل فيقتله، فالقتل هنا خطأ.
(تتمة) يترتب على القتل الخطأ: ١ - الكفارة في مال القاتل، ٢ - والدية على عاقلته، ٣ - وحرمانه من الميراث؛ لتعلق الدية والكفارة به.(٣) لعدم القصد الصحيح منهما، فهو من باب الخطأ في القصد.(٤) أي: إذا قتل مجموعةٌ شخصاً، فإنهم يقتلون جميعاً بشرط: ١ - أن يصلح فعل كل واحد منهم للقتل ما لم يتواطؤوا، فإن تواطؤوا على قتله قُتلوا كلهم ولو لم يصلح فعل واحد منهم للقتل، ٢ - وأن لا يكون أحدهم فعل ما لا تبقى معه الحياة كأن يخرج أحدهم أمعاءه ثم يذبحه الآخر، فالقصاص إذَن على الأول وحده. ويدل على قتل الجماعة بالواحد قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة، ١٧٩]، وإجماع الصحابة ﵃، وقد قال عمر ﵁ في الغلام الذي قُتل غيلة: «لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به»، رواه البخاري.стр. 641
وَمَعَ عَفْوٍ (١) يجبُ دِيَةٌ وَاحِدَة.
وَمنْ أكرَه مُكَلَّفاً على قتلِ مُعَيْنٍ (٢) أو على أن يُكرِهَ عَلَيْهِ فَفعل: فعلى كُلٍّ القودُ أو الدِّيَةُ (٣) .
وإن أَمَرَ بِهِ غيرَ مُكَلّف (٤) أو مَنْ يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ (٥) أو سُلْطَانٌ ظلماً مَنْ الحواشي
(١) أي: مع عفو ولي الدم.(٢) فإن أكره على قتل غير معين فليس إكراهاً، فلو قيل له: اقتل زيداً أو عمراً، فقَتَل أحدَهما، قُتل القاتل وحده.(٣) أي: من أكره شخصاً مكلفاً على قتل إنسان معين، أو أكرهه على أن يُكْرِهَ شخصاً على قتل إنسان معين فقَتَله، فعلى الثلاثة القود أو الدية؛ وذلك لأن الآمر تسبب فيما يفضي إلى القتل غالباً، وأما المباشر للقتل، فلكونه غيرَ مسلوب الاختيار.(٤) أي: من أمر شخصاً غير مكلف - كصغير أو مجنون - بالقتل فقَتَل، فالقصاص على الآمر وحده.(٥) أي: من أمر بالقتل شخصاً مكلفاً يجهل تحريم القتل كحديث عهد بإسلام أو ناشئ بدار بعيدة عن دار الإسلام، فالقصاص على الآمر أيضاً، أما إن علم المأمور تحريم القتل فالقصاص عليه، ويؤدَّب الآمر والظاهر: وجوبا؛ لأنه فعل محرما والله أعلم.стр. 642
جَهِلَ ظلمَهُ فِيهِ: لزم الآمِرَ (١) . الحواشي
(١) أي: لو أمر السلطان أحد عساكره أو جنوده بقتل شخصٍ ظُلماً، وكان المأمور يجهل عدم استحقاق ذلك الشخص للقتل، فقتله، فالقصاص على الآمر.
(تتمة) ذكر شيخ الإسلام كلاماً نفيساً يتعلق بهذه المسألة نقله عنه الشيخ منصور في الكشاف، فقال: (هذا بناءً على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر، بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم، وهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة)، فلا بد أن يسأل الجندي عن حال من أُمر بقتله خاصة إذا علِم ظلم الحاكم، وإلا لم يعذر بجهله وأثم بقتله.стр. 643
فصل (في شروط القصاص)
وللقصاص أربعةُ شُرُوط (١) :
تَكلِيفُ قَاتلٍ (٢) ، وعصمةُ مقتولٍ (٣) ، ومكافأتُهُ لقَاتلٍ بِدِينٍ وحُرِّيَّةٍ (٤) ، الحواشي
(١) فشروط وجوب القصاص - أي: القود -أربعة: ثلاثة في المقتول، وواحد في القاتل.(٢) (الشرط الأول) كون القاتل مكلفاً، فيشترط كونه بالغاً عاقلاً قاصداً، وأما من زال عقله بعذر وقَتَل لم يقتص منه، بخلاف من زال عقله بغير عذر كالسكران، فإنه لو قَتَل اقتُص منه.(٣) (الشرط الثاني) كون المقتول معصوماً، وذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ أن المعصومين أربعة: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمَن.(٤) (الشرط الثالث) مكافأة المقتول للقاتل، بأن لا يفضل القاتلُ المقتولَ - حال الجناية - في دين أو حرية، فلو قتل مسلمٌ كافراً لم يقتص منه؛ لكونه أفضل منه من جهة الدين، ولو قتل حرٌّ عبداً لم يقتص منه؛ لأنه أفضل منه من جهة الحرية، أما لو قتل الكافرُ المسلمَ أو قتل العبدُ الحرَّ، فإنه يقتص منه. وهذا الشرط معتبر حال الجناية دون ما بعدها: فلو قتل مسلم كافراً ثم ارتد لم يُقتل بالكافر قصاصاً؛ لكونه غير مكافئ له وقت الجناية، ولو قتل عبد عبداً آخر ثم أُعتق القاتل لم يكن ذلك مانعاً من القصاص؛ لكونه مكافئاً له وقت الجناية.стр. 644
وَعدمُ الولادَة (١) .
ولاستيفائِهِ ثَلَاثَةٌ (٢) :
تَكلِيفُ مُسْتَحقٍّ لَهُ (٣) ، واتفاقُهُم عَلَيْهِ (٤) ، وأن يُؤمَنَ فِي اسْتِيفَائِهِ تعديه الحواشي
(١) (الشرط الرابع) ألا يكون المقتولُ ولداً للقاتل، والمقصود: الولد من النسب دون الذي من الرضاع أو الزنا، فإنهما لا يمنعان القصاص؛ لأن الولد فيهما ليس بولد حقيقة. وذكر صاحب الإقناع: (أنه لا تأثير لاختلاف الدين أو الحرية في الولادة)، فلو قتل الوالدُ الكافرُ أو الرقيقُ ولدَه المسلمَ أو الحرَّ لم يقتل به لشرف الأبوة، وهي موجودة في كل حال.
(تتمة) زاد في الإقناع (شرطاً خامساً): أن تكون الجناية عمداً.
وفي الإقناع وشرحه: ((ويجري القصاص بين الولاة) جمع والٍ، ويتناول الإمام والقاضي والأمير (والعمال) على الصدقات أو الخراج أو غيرهما (وبين رعيتهم) قال في الشرح: لا نعلم في هذا خلافاً؛ لعموم الآيات والأخبار).(٢) أي: يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط، واستيفاء القصاص هو: أن يَفعل مجنيٌّ عليه أو وليُّه بجانٍ مثلَ فعله أو شبهه.(٣) (الشرط الأول) تكليف مستحقِّ القصاص - وهم: ورثة المجني عليه حتى الزوجين -، فإن كان مستحقه صغيراً أو مجنوناً انتُظر حتى يبلغ الصغير ويعقل المجنون ولا يستوفيه أحد غيرهما، فإن ماتا قبل البلوغ والعقل قام وارثهما مقامهما فيه.(٤) (الشرط الثاني) اتفاق جميع مستحقي القصاص على الاستيفاء، فلو عفا أحدهم سقط القود حتى لو كان العافي زوجاً أو زوجة، ويكون لبقية ورثة الدم حقهم من الدية، وسواء عفا شريكه مطلقاً أو إلى الدية.стр. 645
إلى غير جَانٍ (١) .
وَيُحبَسُ لقدومِ غَائِبٍ وبلوغٍ وإفاقةٍ (٢) . وَيجبُ اسْتِيفَاؤُهُ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ، أو نَائِبِه (٣) ، وبآلةٍ مَاضِيَةٍ (٤) ، وَفِي النَّفس بِضَرْبِ العُنُقِ بِسيفٍ (٥) . الحواشي
(١) (الشرط الثالث) أن يُؤمَنَ في استيفاء القصاص تعدِّيه إلى غير الجاني، فلو لزم القودُ - في النفس وما دونها - حاملاً أو حائلاً - أي: غير حامل - فحملت، لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللِّبأ - بوزن عِنَب - وهو: أول اللبن عند الولادة.(٢) أي: يحبس الجاني إلى أن يقدم الغائب من ورثة الدم، ويبلغ الصغير منهم، ويفيق المجنون وإن طال الزمن.(٣) فيحرم استيفاء القصاص بدون حضرة أحدهما.(٤) أي: حادة، لا كالّة.(٥) فيشترط في استيفاء القصاص في النفس أن يكون بضرب العنق دون غيره من مواضع البدن، وأن يكون بالسيف دون غيره من الآلات كالمسدس والسكين، فلو كان الجاني قد حرق المقتول أو طعنه في بطنه مثلاً لم يقتص منه إلا بضربه بالسيف في العنق، ويحرم بغير السيف. أما الاستيفاء في الطرف: فلا يجوز القطع إلا بالسكين.
(تتمة) لولي الدم مباشرة قتل الجاني إن كان يحسن القصاص، وإلا وَكَّل من يستوفيه.стр. 646
فصل (في العفو عن القصاص والقود فيما دون النفس)
وَيجب بعمدٍ القَوَدُ أو الدِّيَة، فَيُخَيَّرُ وليٌّ (١) ، وَالعَفوُ مجَّاناً أفضلُ (٢) . وَمَتى اختَار الدِّيَةَ أو عَفا مُطلقاً أو هلك جَانٍ تعيّنتِ الدِّيَةُ (٣) . الحواشي
(١) أي: يجب بالقتل العمد العدوان: إما القود وإما الدية، فيخيّر ولي الدم بينهما، وشُرع التخيير تخفيفاً ورحمة، وهو من محاسن هذه الأمة، وكان النبي ﷺ لا يُرفع إليه أمر فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو، رواه الخمسة إلا النسائي. وقيل: إن اليهود لم يشرع لهم إلا القصاص ولم يكن عندهم عفو ولا دية، وأن النصارى لم يشرع لهم إلا الدية ولم يكن عندهم قصاص.
(تتمة) أولياء الدم: هم من يرث المقتول بفرض أو تعصيب، فلا يدخل فيهم محجوب ولا ذو رحم.(٢) ولا يعزر الجاني إذَن.(٣) فلو قال ولي الدم: اخترت الدية، أو قال: عفوت عن القود، أو: عفوت لوجه الله، وسكت ولم يقل: على دية أو: على مال، وكذلك لو هلك الجاني، فإن الدية تتعين في كل هذه الأمور.
(تتمة) لو اختار الولي القود، فله بعد ذلك أن يقتص، أو يأخذ الدية، أو أن يصالح على أكثر منها حتى يترك القصاص. وقد بلغ الصلح على دم العمد في زماننا مبالغ عالية جداً تقدر بعشرات الملايين، والله المستعان.стр. 647
وَمنْ وكَّلَ ثمَّ عَفا وَلم يعلم وَكيلٌ حَتَّى اقتصّ، فَلَا شَيْء عَلَيْهِمَا (١) .
وإن وَجب لقِنٍّ قَوَدٌ أو تَعْزِيرُ قذفٍ، فَطَلَبُهُ وإسقاطُهُ لَهُ (٢) ، وإن مَاتَ فلسيدِهِ.
والقودُ فِيمَا دون النَّفس (٣) كالقود فِيهَا (٤) ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أحدُهما: فِي الطَّرَف (٥) ، فَيُؤْخَذ كلٌّ من عينٍ وأَنف وأُذُنٍ وَسِنٍّ وَنَحْوِهَا الحواشي
(١) أما الموكِّل، فلكونه محسناً بالعفو، وأما الوكيل، فلكونه غير مفرط، وفعله لا يمكن استدراكه.(٢) لا لسيده.(٣) بعدما تناول الماتن أحكام القود في النفس، انتقل إلى القود في ما دون النفس. ويشمل القود فيما دون النفس: الجروحَ، وقطعَ الأطراف دون كسرها، فلا قصاص في كسر إلا كسر السن. ولا قصاص على من أَذهَب منفعة عضو إنسان، ولا في اللكمة والضربة والصفعة، أما شيخ الإسلام فيوجب فيها القصاص، لكن يصعب في الحقيقة تقدير القود في مثل ذلك. كذلك لا قصاص في الشتم: كقوله لغيره: يا حمار، أو: يا حيوان، أو: ياكذاب، أو يا مرائي ونحو هذا، لكنها محرمة ويجب فيها التعزير، وكل ما لا يجب فيه القصاص يجب فيه التعزير.(٤) أي: إذا جاز أن يُقتص من الجاني في النفس لو قتل المجنيَّ عليه - وذلك بتوفر شروط وجوب القصاص الأربعة المتقدمة - جاز أن يُقتص منه فيما دون النفس إذا جنى عليه بما يوجب القود، وإلا فلا؛ فلو جنى الأبُ على ولده فيما دون النفس لم يقتص منه؛ لأنه لا يُقتل به لو قتله، وكذا لا يُقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس كما لا يقاد به في النفس.(٥) القود فيما دون النفس نوعان: (النوع الأول) القود في الأطراف: والمراد: قطعها لا كسرها، كما تقدم، إلا كسر السن فيُقاد به. والطرف - كما قال الشيخ عثمان -: هو ما له مَفْصِل - على وزن مسجد - أو له حد ينتهي إليه كمارن الأنف. والمَفْصِلُ - كما قال البعلي -: (هو ما بين الأعضاء، كما بين الأنامل، وما بين الكتف والساعد)، فإذا قَطَع يدَ شخصٍ من المفصل اقتُص منه، بخلاف ما لو قطع يده من وسط ساعده فلا قصاص؛ لأنه ليس قطعاً من مفصل.стр. 648
بِمثلِهِ (١) ، بِشَرْطِ مماثلةٍ (٢) ، وأَمْنٍ مِنْ حَيْفٍ (٣) ،
واستواءٍ فِي صِحَةٍ وَكَمَالٍ (٤) . الحواشي
(١) أي: بمثل العضو المتلف؛ فتؤخذ العين بالعين والأنف بالأنف وهكذا، والأصل في القود في الأطراف والجروح قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروحَ قصاص﴾ [المائدة، ٤٥].(٢) يشترط للقصاص في الأطراف ثلاثة شروط: [الشرط الأول] المماثلة في: ١ - الاسم، كاليد أو الرجل، ٢ - والموضع، كاليمنى أو اليسرى، فتقطع اليد اليمنى باليد اليمنى، وهكذا.(٣) [الشرط الثاني] الأمن من الحَيْف - بوزن بَيْع - وهو: الجور والظلم كما في المطلع، فيشترط للقصاص في الأطراف: أن نأمن من الزيادة على ما فعله الجاني بالمجني عليه، ولا يكون الأمنُ إلا بأن يكون القطعُ من مفصل، أو يكون للقطع حد ينتهي إليه كمارن الأنف، وهو: ما لَان منه. فإن لم يُؤمن الحيف فلا قصاص كما لو قطع الجاني نصف ساق المجني عليه، فلا قصاص؛ لأنه لو اقتُص منه ربما أُخذ أكثر من الذي قطعه الجاني ..(٤) [الشرط الثالث] الاستواء في الصحة والكمال: أما الاستواء في الصحة فبوجود المنفعة في العضو، وأما في الكمال فبأن تكون عين العضو مكتملة، فلا تؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، ولا يدٌ كاملة الأصابع بيد ناقصة الأصابع.
(تتمة) تابع الماتنُ الإقناعَ في الاقتصار على هذه الشروط الثلاثة، وزاد في المنتهى - ومثله الغاية -: (شرطاً رابعاً)، وهو: أن تكون الجناية عمداً محضاً، فلا قصاص في شبه العمد والخطأ، وذكره في الإقناع قبل الشروط الثلاثة.стр. 649
الثَّانِي: فِي الجروحِ، بِشَرْطِ انتهائِها إلى عَظْمٍ (١) كموضحةٍ (٢) وجُرْحِ عَضُدٍ وسَاق وَنَحْوِهمَا (٣) . الحواشي
(١) (النوع الثاني) من نوعي القود فيما دون النفس: القود في الجروح، ويُشترط للقصاص في الجروح: ١ - أن تكون الجناية بالجرح عمداً محضاً، كما في الإقناع، أما الخطأ وشبه العمد فلا قصاص فيهما، ٢ - وأن ينتهي الجاني في جرحه للمجني عليه إلى عظم، وإلا فلا قصاص، فلو جرحه في فخذه ووصل الجرح إلى العظم جاز القصاص؛ لإمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة لانتهائه إلى عظم، وإن لم يصل الجرح إلى العظم فلا قصاص؛ لاحتمال أن يُجرح الجاني جرحاً أزيد من جرحه للمجني عليه، وحينئذ ففيه الأرش.(٢) وهي جناية تكون في الرأس أو الوجه بحيث توضح العظم فيراه الناس، فيجوز القصاص فيها؛ لانتهائها إلى عظم.(٣) العضد: هو ما بين الكتف والمرفق، ويسمى أيضاً: الساعد من أعلى. والساعد: هو الذي بين المرفق والرُّسغ ويسمى ذراعاً أيضاً. وفي نسخة الأخصر المفردة: (وجرح عضد وساعد ونحوهما)، والمراد: لو جرح في عضُدِهِ أو ساعده أو ساقه أو غيرهما ففيه القصاص إن وصل الجرح إلى العظم وإلا فلا.
(تتمة) المعتبر في قدر الجرح: المساحة دون كثافة اللحم.стр. 650
وتُضمنُ سرَايَةُ جِنَايَةٍ لَا قَودٍ (١) ، وَلَا يُقْتَصُّ عَن طرفٍ وجُرحٍ، وَلَا يطلبُ لَهما دِيَةٌ قبلَ البُرْءِ (٢) . الحواشي
(١) السِّراية: تطور واستفحال تأثير الجناية على العضو، أو تعدي أثرها إلى غير العضو المجني عليه؛ فإذا سرت جنايةُ الجاني إلى النفس مثلاً، كأن كسر يد المجني عليه عمداً فمات من ذلك، فإنه يُقتل به كما لو قتله عمداً، أما السراية التي تترتب على استيفاء القصاص فلا تضمن، كما لو اقتُص منه في طرف فمات من ذلك، فهو هدر.(٢) أي: لا يقتص المجنيُّ عليه في طرف ولا في جرح، ولا يطلب لهما دية قبل برئه؛ لأن الجناية قد تسري إلى أكثر من عضو، أو إلى نفسه، فيكون الانتظار من مصلحته، وقد نهى النبي ﷺ أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح، رواه الدارقطني. وقد أبهم الماتن الحكم، والذي في المنتهى أن المطالبة محرمة على المجني عليه، بل يحرم على الحاكم أن يستجيب له، فإن اقتص المجنيُّ عليه قبل البرء فالسراية هدر.
(تتمة) حكم إرجاع العضو بعد قطعه في القصاص: لو قطع شخص يد إنسان مثلاً، فقُطعت يده قصاصاً، فهل له أن يعيدها إلى موضعها بواسطة زراعة الأعضاء؟
خلاف في المذهب: ففي المنتهى - وتبعه الغاية - لو أعادها اقتُص منه مرة أخرى، وذهب الإقناع إلى أنه لا يقتص منه. (مخالفة)
وقد أفتت اللجنة الدائمة بعدم جواز ذلك في السرقة، ومثله عند المجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي. أما القصاص، فذكروا أن الأصل عدم جواز إعادة العضو إلا أن يرضى المجني عليه، وكذا لو أعاد المجني عليه عضوه فللجاني زراعة عضوه أيضاً. وإذا نُفذ حكم القطع قصاصاً أو حداً، ثم تبين براءة المقطوع جاز إعادة عضوه.стр. 651
فصل (في الديات) (١)
وديةُ العمدِ على الجَانِي (٢) ، وَغَيرُهَا على عَاقِلَتِه (٣) .
وَمن قيّد حُراً مُكَلّفاً (٤) الحواشي
(١) الدِّيَةُ - بتخفيف الياء - شرعاً: هي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليِّه بسبب جناية.(٢) فلا تحملها العاقلة؛ للحديث: «ولا يجني جان إلا على نفسه»، أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.(٣) أي: دية شبه العمد والخطأ على العاقلة، وذلك لحديث أبي هريرة ﵁: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها»، متفق عليه. وحكى ابنُ المنذر ذلك إجماعاً في قتل الخطأ، وسيأتي في بيان العاقلة فصل مستقل إن شاء الله.(٤) أي: ربط حراً بالغاً عاقلاً.стр. 652
وَغلَّه (١) أو غصب صَغِيراً فَتلِف بحيةٍ أو صَاعِقَةٍ فَالدِّيَةُ (٢) ، لَا إن مَاتَ بِمَرَضٍ أو فَجْأَةً (٣) .
وإن أدَّبَ امرَأَتَه بنُشُوزٍ (٤) أو معلمٌ صَبِيَّه (٥) ، أو سُلطَانٌ رَعيتَه، بِلَا إسرافٍ، فَلَا ضَمَانَ بِتَلفٍ من ذَلِك (٦) .
وَمَن أمر مُكَلّفاً أن ينزلَ بِئراً أو يصعدَ شَجَرَةً فَهَلَك بِهِ لم يضمن (٧) . الحواشي
(١) أي: جعل عليه أغلالاً وأثقله بشيء يمنعه من المشي. وقوله: (قيد حراً .. وغله): قرر الشيخ منصور أنه لو قيده ولم يغله، أو غله ولم يقيده فتلف بحية أو صاعقة، فلا ضمان؛ لأنه يمكنه الفرار. والصاعقة: هي نار تنزل من السماء.(٢) فلو حبس صغيراً أو مجنوناً فتلف بحية أو صاعقة فعليه ديته وإن لم يقيده أو لم يغله؛ لضعفه عن الهروب من الصاعقة والحية.(٣) أي: لو مات الحر المكلف أو الصغير بمرض أو فجأة لم تجب الدية على من حبسه؛ لأن الحر لا تثبت عليه اليد، ولا جناية من الذي حبسه.(٤) أي: إن أدب الزوج زوجته بسبب نشوزها وترفُّعها عليه.(٥) الصبي: هو من لم يبلغ.(٦) فإن لم يسرف الزوجُ، أو المعلم، أو السلطان فلم يزد على الضرب المعتاد لا في العدد ولا في الشدة فتلف المؤدَّب فلا ضمان عليهم، وإلا ضمنوا. ومن ضرب طفلاً لا عقل له ولم يميز، أو مجنوناً، أو معتوهاً فتلف، فإنه يضمنه؛ لأن الشرع لم يأذن في تأديب من لا عقل له؛ لعدم الفائدة من ذلك.(٧) أي: فهلك المكلف المأمور بالنزول أو الصعود، لم يضمن الآمر، بخلاف ما لو كان المأمور غير مكلف، فإنه يضمن.стр. 653
وَلَو مَاتَت حاملٌ أو حملُهَا من ريحِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، ضَمِنَ ربُّه إن عَلِمَ ذَلِك عَادَةً (١) . الحواشي
(١) فلو قام شخص بإحضار طعام عند حاملٍ فأسقطت حملها بسبب رائحة الطعام، فإن رب الطعام يضمن إن عَلِمَ - أو عُلِمَ - ذلك في العادة.стр. 654
فصل (في مقادير ديات النفس) (١)
وديةُ الحر المسلم مائةُ بعيرٍ أو ألفُ مِثْقَالٍ ذَهَباً أو اثْنَا عَشَرَ ألف دِرْهَم فضَّةً أو مِائَتَا بقرةٍ أو ألْفَا شَاةٍ (٢) ، فَيُخَير مَنْ عَلَيْهِ دِيَة بَينهَا (٣) . الحواشي
(١) سيتناول الماتن هنا مقادير دية النفس، ثم سينتقل إلى ذكر مقادير دية الأعضاء والمنافع.(٢) هذه أصول الدية في المذهب عند الحنابلة، وذكروا الدليل على كل واحد منها، ومن ذلك: حديث جابر ﵁: (فرض النبي ﷺ على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفَي شاة)، رواه أبو داود. وفي المذهب قول آخر: أن الأصل في الديات هو الإبل، قال في الإنصاف: (وعنه: أن الإبل هي الأصل خاصة، وهذه أبدال عنها، فإن قدر على الإبل أخرجها وإلا انتقل إليها، قال ابن منجا في شرحه: وهذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل، قال الزركشي: هي أظهر دليلاً، ونصره، وهي ظاهر كلام الخرقي، حيث لم يذكر غيرها. انتهى).
وقد انتقل الناس في عصرنا - في السعودية - إلى الأوراق النقدية، فجعلوا الدية العادية ثلاثمئة ألف ريال تقريباً، والمغلظة أربعمئة ألف ريال، وهي تعبر عن قيمة مئة بعير، لكني أرى أن قيمة مئة بعير الآن أكثر من ذلك.(٣) فأي واحد من هذه الأصول الخمسة دفع الجاني أجزأه، ولزم الولي قبوله.стр. 655
وَيجب فِي عمدٍ وَشبهِه من إبِلٍ رُبْعٌ بنتُ مَخَاضٍ، وَرُبْعٌ بنتُ لبونٍ، وَرُبْعٌ حِقةٌ، وَرُبْعٌ جَذَعَةٌ (١) .
وَفِي خطإٍ أخْماساً: ثَمَانُون من المذكُورَة، وَعِشْرُونَ ابنُ مَخَاضٍ (٢) ، وَمنْ بَقَرٍ نصفٌ مسناتٌ وَنصفٌ أتبعةٌ (٣) ، وَمن غَنَمٍ نصفٌ ثنايا وَنصفٌ أجذعةٌ.
وَتعْتَبر السَّلامَةُ لَا القيمَةُ (٤) .
وديةُ أنثى نصفُ دِيَةِ رجلٍ من أهلِ دِيَتهَا (٥) ، وجراحُها تَسَاوِي جراحَهُ فِيمَا دونَ ثُلُثِ دِيَتِه (٦) . الحواشي
(١) فيتفق العمد وشبهه: في تغليظ الدية بالأرباع على ما ذكره الماتن، لكن الدية في العمد تجب حالّة في مال الجاني، ودية شبه العمد تكون مؤجلة على عاقلته. ولا يكون التغليظ إلا في الإبل، ولا يكون إلا في العمد وشبه العمد في القتل وقطع الأطراف، دون الخطأ ودية المنافع.(٢) فدية الخطأ - وهي الدية المخففة -: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون ابن مخاض. وتكون الدية في الخطأ مؤجلة على عاقلة القاتل.(٣) أي: من البقر مئة مسنة ومئة تبيع، وهو ما له سنة.(٤) أي: تشترط السلامة من العيوب في كل نوع، ولا تشترط القيمة، فلا يعتبر أن تبلغ قيمةُ مئتي بقرة مثلاً قيمةَ مئة بعير.(٥) والمراد: دية النفس، فدية المسلمة على النصف من دية المسلم، ودية الكتابية على النصف من دية الكتابي، وهكذا.(٦) فإذا قُطعت أطراف المرأة، أو جُرحت، فإن ديتها في ذلك كالرجل فيما دون ثُلث دية نفسه، فإذا وصلت إلى الثُّلث كانت على النصف من دية جراح الرجل. فالمراد بالثلث: ثلث دية الرجل في النفس، فيجب في أصبع المرأة: عشر من الإبل، وفي الأصبعين: عشرون، وفي الثلاثة: ثلاثون كالرجل، لكن يجب في الأربعة نصف ما للرجل، أي: عشرون؛ لمجاوزة الأربعين ثُلثَ دية الرجل في النفس.стр. 656
وديةُ كتابي حُرٍّ نصفُ دِيَةِ مُسلمٍ (١) ، ومجوسيٍّ ووثنيٍّ ثَمَانُمِائةِ دِرْهَم (٢) .
وديةُ رَقِيقٍ قِيمَتُهُ (٣) ، وجرحُهُ إن كَانَ مُقَدَّراً من الحُرِّ فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنْهُ مَنْسُوباً إلى قِيمَتِهِ (٤) وإلا فَمَا نَقصَهُ الحواشي
(١) أي: دية اليهودي والنصراني الحُرَّيْنِ في النفس والجراح على النصف من دية الحر المسلم.
(تتمة) إن قتل مسلمٌ كافراً ذمياً، أو معاهداً عمداً - لا خطأ ولا شبه عمد - أُضْعِفت عليه الدية، ولا تضاعف في قطع الأطراف عمداً.(٢) أي: دية المجوسي والوثني - وهو الذي يعبد الأوثان - ثمان مئة درهم، وتكون جراحهم بالنسبة من ديات نفوسهم.
(تتمة) في الغاية: (ويتجه: كالدرزي، والنصيري، وقاذف عائشة ﵂؛ لردتهم)، فتكون ديتهم على ذلك ثمان مئة درهم.(٣) فإذا قُتل الرقيق وجبت قيمته ولو بلغت قيمته دية الحر أو زادت، عمداً كان القتل أو شبه عمد أو خطأ.(٤) أي: جراحه إذا جرح أو قطع طرفه وكان مقدراً من الحر، فهو مقدر من الرقيق منسوباً إلى قيمته، فإذا كانت الجناية توجب الدية كاملة من الحر أو كانت مقدرة بنسبة من دية الحر، فإنه يجب مثل ذلك من قيمة الرقيق. ومثال ذلك: لو قُطع لسان الحر وجب فيه الدية كاملة، فيجب إذَن في قطع لسان الرقيق قيمته كاملة، وكذلك لو قُطعت يد الحر وجب فيها نصف ديته، فيجب إذَن في قطع يد الرقيق نصف قيمته، وهكذا.стр. 657
بعد بُرْءٍ (١) .
وديةُ جَنِينٍ حُرٍّ غرَّةٌ موروثةٌ عَنهُ قيمتُهَا عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ (٢) ، وقِنٍّ عشرُ قيمتِهَا، وتُقَدَّرُ حُرَّةٌ أمةً (٣) . الحواشي
(١) أي: إن لم تكن الجناية مقدرة من الحر كالحكومة - وستأتي إن شاء الله -، فإنه يجب ما نقصه بالجناية بعد البرء، وهو: الفرق بين قيمته قبل الجناية وقيمته بعد برئه منها.(٢) فالجنين الحر الذي يسقط ميتاً بسبب جناية، ولو بفعل الحامل به كإجهاضها بشرب دواء، يجب فيه غرة - والغرة: عبد أو أمة - قيمتها عُشر دية أمه إن كانت حرة، وهي خمس من الإبل. ويشترط لوجوب الغرة: ١ - كون سقوط الجنين بسبب الجناية: بأن يسقط عقب الضرب مباشرة، أو تبقى أمه متألمة إلى أن يسقط؛ لأن الظاهر إحالة سقوطه على الجناية. ٢ - أن يتبين فيه خلق الإنسان ولو خفياً لا مضغة أو علقة. ٣ - أن يسقط ميتاً، أما لو وقع الجنين حياً - ولو لم يستهل - لوقت يعيش لمثله - وهو نصف سنة فصاعداً - ثم مات، ففيه دية كاملة كالحي. وقوله: غرة موروثة عنه: أي تورث عن الجنين، ولا ترث الأم إن كانت هي التي أسقطته بالجناية، فإن تعذرت الغرة فالواجب قيمتها من أصل الدية، وهي الأصناف الخمسة المتقدمة.(٣) فإذا كان هذا الجنين قناً، ففيه غرة أيضاً، وقيمتها عشر قيمة أُمِّه إن كانت أَمَة، وإن كانت أُمُّه حرةً حاملةً برقيق بأن أعتقها سيدها واستثنى حملها؛ فإنها تُقَدَّرُ أَمَةً وتكون قيمة الغرة عشرُ القيمة المقدرة لأُمه.стр. 658
وإن جنى رَقِيقٌ خطأً أو عمداً، واختِيرَ المالُ (١) ، أو أتلف مَالاً بِغَيرِ إذْنِ سَيّدِهِ (٢) ، خُيِّرَ بَين فدائِهِ بِأَرْشِ الجِنَايَة (٣) أو تَسْلِيمِهِ لوَلِيِّهَا (٤) . الحواشي
(١) أي: عمداً لا قود فيه، أو فيه قود واختير المال.(٢) فيتعلق ذلك برقبة العبد، ويُخير سيده إذَن بين ثلاثة أمور:(٣) (الأمر الأول) أن يفديه، فيدفع إلى ولي الجناية الأقل من قيمة الرقيق أو أرش الجناية.(٤) (الأمر الثاني) أن يسلِّم السيدُ الرقيقَ لولي الجناية.
(تتمة) (الأمر الثالث) أن يبيعه ويدفع الأقل من ثمنه أو أرش الجناية.стр. 659
فصل (في ديات الأعضاء ومنافعها والشجاج)
وَمن أَتْلَفَ مَا فِي الإنسان مِنْهُ وَاحِدٌ كأنْفٍ فَفِيهِ دِيَةُ نَفْسِهِ (١) ، أو اثنَانِ أو أكثرُ فَكَذَلِك، وَفِي أحد ذَلِك: نسبتُهُ مِنْهَا (٢) ، وَفِي الظُّفُرِ بعيرانِ (٣) ، وَتجبُ كَامِلَةً فِي كل حاسَّةٍ (٤) ، وَكَذَا كَلَامٌ وعقلٌ وَمَنْفَعَةُ أكلٍ الحواشي
(١) لحديث عمرو بن حزم مرفوعاً: «وفي الذَّكَر الدية»، رواه النسائي، فلو كان المجني عليه ذكراً حراً مسلماً، ففيه ديته، وإن كان حرةً مسلمةً ففيها ديتها.(٢) أي: من الدية، وذكر الشيخ عثمان النجدي أن في الآدمي خمسة وأربعين عضواً، ومن الأعضاء ما ليس منه في الجسم إلا: واحد كالأنف، ففيه دية كاملة من دية المقطوع منه، ومنها: ما يكون منه اثنان كاليدين، ففي كل يد نصف الدية، ومنها: ما يكون منه ثلاثة كمنخرَيْ الأنف والحاجز بينهما، ففي كل واحد منها ثُلث الدية، ومنها: ما يكون منه أربعة كالأجفان، ففي كل واحد منها رُبع الدية. ويستثنى من ذلك الأسنان: ففي كل سن خمس من الإبل، وهي مقدرة من الشارع، ولا يُحسب الواجب فيها بالنسبة.(٣) فإذا خلع ظفرَ إنسانٍ ففيه بعيران بشرط أن لا يعود الظفرُ أو يعود مسوَدًّا.(٤) الحواس التي فيها الدية كاملة عند الحنابلة أربع: السمع، والبصر، والشم، والذوق، ولم يذكروا اللمس واكتفوا عنه بالشلل - كما قال الشيخ عثمان -، فمن أشل عضواً من إنسان ففيه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن، ففيهما حكومة.стр. 660
ومشيٍ وَنِكَاحٍ (١) .
وَمن وَطأ زَوْجَةً يُوطَأُ مثلُهَا لمثلِهِ فخرقَ مَا بَين مخرج بَوْلٍ ومني، أو مَا بَين السَّبِيلَيْنِ، فَهَدَرٌ، وإلا فجائِفَةٌ إن استمسكَ بَوْلٌ (٢) وإلا فَالدِّيَةُ (٣) .
وَفِي كلٍّ من شعر رَأسٍ وحاجبينِ (٤) وأهدابِ عينين (٥) ولحيةٍ الدِّيَةُ (٦) ، وحاجبٍ نصفُهَا (٧) ، وهُدْبٍ رُبُعُهَا، وشاربٍ حُكُومَةٌ (٨) ، وَمَا عَاد سقط الحواشي
(١) ففي ذهاب المنفعة كلها الدية، والمنافع قريبة من خمس عشرة، وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، والكلام، والعقل، والحدب، والصعر، وتسويد الوجه - كأن يضرب وجهه فيسود -، وعدم استمساك البول، والغائط، ومنفعة المشي، والنكاح، والأكل، والصوت، والبطش.(٢) فإن لم تكن ممن يوطأ مثلها لمثله بأن كانت صغيرة جداً، أو لا يوطأ مثلها لكونها نحيفة فخرق ما بين مخرج بول ومني، أو ما بين السبيلين، واستمسك البول، فجائفة فيها ثُلث الدية.(٣) أي: فإن لم تستطع الموطوءة أن تمسك البول - يعني: يخرج بغير اختيارها -، فعلى الواطئ - وإن كان زوجاً -: الدية كاملة.(٤) الحاجب: الشعر فوق العين.(٥) الأهداب: جمع هدب، وهو ما ينبت على أشفار العين - كما في المطلع -.(٦) أي: في كل واحد من تلك الشعور الأربعة الدية إن لم يعد، فإن عاد ونبت سقطت الدية، ولا قصاص في الشعور الأربعة؛ لعدم إمكان المساواة، كما في الإقناع.(٧) أي: نصف الدية.(٨) وليس فيه دية.стр. 661
مَا فِيهِ (١) .
وَفِي عينِ الأَعْوَر دِيَةٌ كَامِلَةٌ (٢) ، وإن قلعهَا صَحِيحٌ أُقيدَ بِشَرْطِهِ وَعَلِيهِ أيضاً نصفُ الدِّيَة (٣) . وإن قَلَعَ مَا يماثلُ صحيحتَهُ من صَحِيحٍ عمداً فديَةٌ كَامِلَةٌ (٤) ، والأقطعُ كَغَيْرِهِ (٥) .
وَفِي الموضحَةِ خمسٌ من الإِبِل (٦) ، الحواشي
(١) فيشترط لوجوب الدية، أو الحكومة في الشعور: أن لا تعود، فإن عادت سقط الواجب.(٢) الأعور: من يرى بعين واحدة فقط، فإن قُلعت عينُ الأعور الصحيحة ففيها الديةُ كاملةٌ إن كانت الجنايةُ خطأً، أو شبهَ عمد، أو عمداً واختار الدية.(٣) فإن قلع صحيحُ العينين عينَ الأعورِ الصحيحةَ عمداً، واختار الأعورُ القصاصَ: فعلى الجاني القصاصُ إن توفرت شروطه، وعليه أيضاً نصفُ الدية؛ لأنه أذهب كل بصر الأعور فصار أعمى.(٤) وصورته: أن يقلع الأعورُ عينَ الصحيحِ المماثلةَ لعينه التي يبصر بها عمداً، كأن تكون عينُ الأعور التي يبصر بها هي اليمنى، فيقلع العينَ اليمنى من صحيح العينين، فلا قصاص على الأعور في هذه الحالة، وعليه الديةُ كاملة، وإن فعل ذلك خطأً فعليه نصف الدية.(٥) الأقطع: هو الذي له يد واحدة أو رجل واحدة، فحكمه كغيره بحيث لو قَطَعَ أحدٌ يدَ الأقطعِ مثلاً فعلى القاطع نصف الدية فقط، بخلاف الأعور ففي قلع عينه دية كاملة؛ لأن العين الواحدة يحصل بها ما يحصل بالعينين بخلاف اليد الواحدة، فلا يحصل بها ما يحصل بكلتا يديه، والله أعلم. (فرق فقهي)(٦) انتقل الماتن إلى الشجاج. والشِّجاج: جمع شجَّة، وهي اسم للجرح الذي يكون في الرأس والوجه فقط، وهي عشر شجاج: (النوع الأول) الموضحة: وهي التي توضح العظم ولو بقدر رأس الإبرة، ولا يشترط وضوحه للناظر، كما قاله في الإقناع. فمن جَرَح غيرَه في وجهه أو رأسه حتى أوضح عظمه فعليه خمس من الإبل.
(تتمة) هناك موظف خاص في المحكمة يقدر الشجاج، ويعين هل هي موضحة أو غيرها.стр. 662
والهاشمةِ عشرٌ (١) ، والْمُنَقِّلةِ خَمْسَةَ عشَرَ (٢) ، والمأمومةِ ثلثُ الدِّيَةِ (٣) كالجائفة (٤) والدامغة (٥) ، وَفِي الحارصةِ (٦) الحواشي
(١) (النوع الثاني) الهاشِمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه، أي: تكسره، وفيها عشر من الإبل.(٢) (النوع الثالث) المنقِّلة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله من مكانه، وفيها خمسة عشر بعيراً.(٣) (النوع الرابع) المأمومة: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها ثُلث الدية.(٤) الجائفة: هي التي تصل إلى باطن الجوف كأن يطعنه في صدره أو بطنه ولو لم يخرق الأمعاء، وفيها ثُلث الدية، والمراد بالجوف - كما في شرح المنتهى -: ما لا يظهر منه للرائي، أي: لا يراه الرائي.(٥) (النوع الخامس) الدامغة: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ وتخرقها، وفيها ثُلث الدية أيضاً. فهذه الأنواع الخمسة فيها الدية، والخمسة الأخرى فيها حكومة كما سيأتي.(٦) (النوع السادس) الحارصة - بالحاء على الصحيح -: وهي التي تحرص الجلد - أي: تشقه - ولا تدميه، فيخرج منها الدم ولا يسيل.стр. 663
والبازِلَة (١) والباضعَةِ (٢) والمتلاحمةِ (٣) والسِّمحاقِ (٤)
حُكُومَةٌ. الحواشي
(١) (النوع السابع) البازِلَة: وهي تشق الجلد وتدميه، فهي كالحارصة إلا أنه يسيل منها الدم.(٢) (النوع الثامن) الباضِعة: وهي التي تشق اللحم.(٣) (النوع التاسع) المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم وتدخل فيه.(٤) (النوع العاشر) السمحاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
(تتمة) يجب في الخمسة الأخيرة حكومة وهي: أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يُقوَّم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة بالجناية فللمجني عليه على جانٍ كنسبته من الدية.
طريقة حسابية للحكومة: ١ - يؤخذ الفارق بين قيمته صحيحاً وقيمته بعد برئه منها، ٢ - ثم يقسم الفارق على قيمته صحيحاً، ٣ - ثم يضرب الناتج في مقدار ديته رجلاً كان أو امرأة.
فمثلاً: لو كانت قيمته صحيحاً = ٢٠، ومعيباً = ١٩، فالفارق بينهما = ١، ثم نقسم ١ ÷ ٢٠ = ٠، ٠٥ ثم يضرب في الدية ٠، ٠٥ × ١٠٠ من الإبل = ٥ من الإبل.стр. 664
فصل (في العاقلة (١) والقسامة)
وعاقلةُ جَانٍ ذُكُورُ عصبتِهِ نَسَباً وَوَلَاءً، وَلَا عقلَ على فَقيرٍ وَغيرِ مُكَلّفٍ الحواشي
(١) العاقلة: هي من غَرم ثُلث الدية أو أكثر بسبب جناية غيره، وعاقلة الجاني: ذكور عصبته نسباً وولاءً على ما تقدم في الفرائض، فيدخل فيها: الأبناء، والآباء، والإخوة، وأبناء الإخوة، والأعمام، وأبناؤهم. وليس من العاقلة: الإخوة لأم، ولا الزوج، ولا ذوو الأرحام. ولا يعتبر في العاقلة كونهم وارثين في الحال، بل عليهم العقل حتى لو حُجبوا. ومقدار ما يتحمله كل واحد منهم: يرجع إلى اجتهاد الحاكم، ويُبدأ بالأقرب فالأقرب من العصبات في الإرث، وفي الإقناع - وتابعه الغاية -: (يبدأ بالآباء ثم الأبناء)، وتعقبه البهوتي في الكشاف: (بأن مقتضى كلام الإنصاف: أنه يبدأ بالأبناء ثم الآباء)، وأما في شرح ابن النجار فقال: (فيقسم على الآباء والأبناء ثم على الإخوة)، ومثله في شرح المنتهى للبهوتي! فظاهر كلامهما هنا: التسويةُ بين الآباء والأبناء، والذي في العصبات - التي أحالوا عليها -: (أقربهم ابن فأب)، وهو يوافق ما قرره البهوتي عن الإنصاف من تقديم الأبناء على الآباء، ولعله هو المذهب؛ لأنه الذي اتفقوا عليه، والله أعلم. (مخالفة) ثم بعد الآباء يأتي الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، وهكذا كميراث.стр. 665
ومخالفٍ دينَ جَانٍ (١) .
وَلَا تحملُ عمداً (٢) ، وَلَا عبداً (٣) ، وَلَا صُلحاً (٤) ، وَلَا اعترافاً (٥) ، وَلَا مَا دون ثلثِ الدِّيَةِ (٦) . الحواشي
(١) شروط من يجب عليه العقل: كونه ذكراً، مكلفاً، حراً، غنياً، موافقاً لدين الجاني.(٢) وإنما تتحمل العاقلة: الخطأَ وشبهَ العمد، ولا يتحمل القاتل - في المذهب - مع عاقلته شيئاً من الدية، وإنما تجب عليه كفارة القتل، أما إن قتل عمداً، فالدية عليه وحده.(٣) فلو قتل الجاني عبداً لم تتحمل العاقلة قيمتَه.(٤) والمراد: صلح الإنكار - كما في الإقناع والمنتهى -، فكأنه اعترف بالحق على نفسه.(٥) بأن يقر على نفسه بجناية وتنكر العاقلة ذلك.(٦) أي: ثُلث الدية التامة، وهي دية الذكر المسلم، فلا تتحمل العاقلة ما دون ذلك كدية ثلاثة أصابع - وهي: ثلاثون من الإبل -، وأرش الموضحة - وهي خمس من الإبل -.
(تتمة) من لا عاقِلة له: قال في المنتهى وشرحه: (ومن لا عاقلة له، أو له) عاقلة (وعجزت عن الجميع) أي: جميع ما وجب بجناية خطأ (فالواجب) من الدية إن لم تكن عاقلةٌ، أو كانت وعجزت عن شيء منها، (أو تتمتُها) إن عجزت عن بعضها وقدرت على البعض (مع كُفْر جانٍ عليه) في ماله حالاًّ، (ومع إسلامه) أي: الجاني، الواجبُ أو تتمتُه (في بيت المال حالاًّ)).стр. 666
وَمن قتل نفساً مُحرَّمَةً غيرَ عمدٍ أو شَاركَ فِيهِ فَعَلَيهِ الكَفَّارَةُ (١) ،
وَهِي ككفارةِ ظِهَارٍ إلا أنها لَا إطعامَ فِيهَا (٢) ، وَيُكفِّرُ عبدٌ بِالصَّوْمِ (٣) .
والقَسَامَةُ (٤)
أيمان مكررةٌ فِي الحواشي
(١) انتقل الماتن إلى الكفارة، فتجب الكفارة في قتل النفس - ولو نفسه - خطأ وشبه العمد، دون القتل العمد وقطع الأطراف، وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه غيرَه فعلى كل واحد كفارة. وقوله: (نفساً محرمة): خرج به قتلُ البهائم، وقتلُ النفس المباحة: كالمقتول قصاصاً أو حداً، وكذا الباغي والصائل، فلا كفارة في ذلك.
(تتمة) تتعدد الكفارة بتعدد القتل، ولا تتداخل.(٢) فيجب فيها عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا إطعام فيها، فإن عجز عن الصيام بقيت الكفارةُ في ذمته حتى يقدر عليها.(٣) لأنه لا مال له.(٤) مثال وصورة القسامة: أن يدخل شخص في حي من الأحياء فيُقتل فيه، فيقوم ورثته باتهام شخص معين، فيؤمرون أن يحلفوا خمسين يميناً، فإن فعلوا استحقوا دمَ من عينوه - قصاصاً أو دية -، وإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه يمينا واحدة وبراء، وهذا على خلاف الأصل والقياس حيث جُعِلتْ اليمين للمدعي، وإنما يُحكم بالقسامة مع عدم البينة، وقد أقر الرسول ﷺ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، رواه مسلم. ولها شروط عشرة، قال في كشف المخدرات: (وشروط صحتها عشرة: أحدها: اللوث، وهي العداوة الظاهرة، وُجد معها أثر قتل أو لا، ولو كانت مع سيد مقتول، الثاني: تكليف قاتل؛ لتصح الدعوى، الثالث: إمكان القتل منه، فلا تصح من نحو زَمِن، الرابع: وصف القتل في الدعوى كأن يقول: جرحه بسيف ونحوه في محل كذا من بدنه، أو خنقه ونحوه، فلو استحلفه حاكم قبل تفصيله لم يعتد به، الخامس: طلب جميع الورثة، السادس: اتفاقهم على الدعوى فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضاً؛ إذ الساكت لا ينسب إليه حكم، السابع: اتفاقهم على القتل، فإن أنكر بعضهم فلا قسامة، الثامن: اتفاقهم على عين قاتل نصاً، فلو قال: بعضهم قتله زيد، وبعضهم: عمرو، فلا قسامة، التاسع: كون فيهم ذكور مكلفون، ولا يقدح غيبة بعضهم ولا عدم تكليفه ولا نكوله، فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه من الأيمان، ويستحق نصيبه من الدية، ولمن قدم أو كلف أن يحلف بقسط نصيبه ويأخذه، العاشر: كون الدعوى على واحد معين فلو قالوا قتله هذا مع آخر أو قتله أحدهما فلا قسامة) ..стр. 667
دَعْوَى (١) قتلِ (٢) مَعْصُومٍ (٣) .
وإذا تمَّت شُرُوطهَا بُدئَ بأيمانِ ذُكُور عصبته (٤) الوَارِثين، فَيحلفُونَ خمسين يَمِيناً، كلٌّ بِقدرِ إرثِهِ (٥) الحواشي
(١) أي: بلا بينة، فإن كان عند المدعي بينة قضي بها ولا قسامة كما في الإقناع.(٢) في دعوى قتل عمد أو شبه عمد أو خطأ، ولا قسامة في دعوى جناية دون النفس كقطع الأطراف، والجروح.(٣) فهي خمسون يميناً في دعوى قتل معصوم، سواء كان القتل عمداً أو شبه عمد أو خطأً، كما تقدم.(٤) أي: عصبة القتيل.(٥) فإن لم يكن إلا وارث واحد حلف كل الأيمان الخمسين. وإن كان الورثة زوجاً وابناً، فيحلف الزوج رُبع الأيمان، ويحلف الابن ثلاثة أرباعها.стр. 668
وَيُجْبرُ كسرٌ (١) ، فَإِن نكلوا أو كَانَ الكُلُّ نسَاء (٢) حَلفهَا مدعى عَلَيْهِ وبَرِئَ (٣) . الحواشي
(١) ففي زوج وابن، للزوج ربع الخمسين، وهي ثلاث عشرة يميناً بعد جبر الكسر، وللابن ثلاثة أرباع الخمسين، وهي ثمان وثلاثون يميناً بعد جبر الكسر.
(تتمة) متى حلف الذكور الوارثون فالحق الواجب بالقتل - حتى في قتل عمد - لجميع الورثة ذكوراً ونساء؛ لأنه حق ثبت للميت، فصار لجميع ورثته كالدين.(٢) فلا يحلفنَ؛ لأنه لا مدخل للنساء في الدماء من قصاص أو حد كما سيأتي في الشهادات إن شاء الله، فلو قتلت امرأة أخرى في عرس مثلاً وشهد على ذلك امرأتان أو أربع أو أكثر لم يثبت القصاص.(٣) أي: إن نكل العصبة الذكور عن الأيمان أو كان الكل نساءً، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، فإن لم يحلف فعليه الدية ولا قصاص. والله أعلم.стр. 669
كتاب الحدود (١)
لَا تجب إلا على مُكَلّفٍ (٢) مُلتَزِمٍ (٣) عَالمٍ بِالتَّحْرِيمِ (٤) ، وعَلى إمامٍ الحواشي
(١) الحدود: جمع حد، وهو لغة: المنع، وشرعاً: عقوبة مقدرة من الشارع في معصية - من زنا وقذف وشرب وقطع طريق وسرقة - لتمنع من الوقوع في مثلها.
والجنايات الموجبة للحدود عند الحنابلة خمس: الزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر.(٢) شروط من يجب عليه الحد ثلاثة: (الشرط الأول) كونه مكلفاً: أي: بالغاً عاقلاً.(٣) (الشرط الثاني) كونه ملتزماً: أي: ملتزماً بأحكام الإسلام، فيدخل في ذلك المسلم والذمي، ويستثنى الذمي من حد شرب الخمر فلا يقام عليه؛ لاعتقاده حلها. وأما المستأمن والمعاهد: فتقام عليهما الحدود التي فيها حق لآدمي كحد السرقة والقذف، بخلاف ما كان حداً لله تعالى كالزنا بغير مسلمة، فلا يقام عليهما الحد. (تحرير مهم)(٤) (الشرط الثالث) كونه عالماً بالتحريم: أي: بتحريم الجنايات الخمس الموجبة للحد كالزنا، فلا حد على جاهل بالتحريم إذا كان مثله يجهله، وكذا لو جهل تحريم المرأة التي وطئها، أما لو علم التحريم وجهل العقوبة المترتبة عليها، فإنه يقام عليه الحد، كما لو علم السارق تحريم السرقة وجهل أنها توجب قطع اليد.стр. 670
أو نَائِبِهِ إقامتُها (١) .
وَيُضَربُ رجلٌ قَائِماً بِسَوطٍ لا خَلَقٍ وَلَا جَدِيدٍ (٢) ، وَيكون عَلَيْهِ قَمِيصٌ وقميصانِ (٣) ، وَلَا يُبْدِي ضَاربٌ إبطه (٤) .
وَيُسنُّ تفريقُه على الأَعضَاءِ (٥) ، وَيجبُ اتقاءُ وَجهٍ وَرَأسٍ وَفرْجٍ ومقتلٍ (٦) .
وامرأةٌ كَرجلٍ لَكِن تضربُ الحواشي
(١) أي: يجب على الإمام أو نائبه أن يقيم هذه الحدود، فإن أقامها غيرهما لم يضمن فيما حده الإتلاف كالرجم؛ لأنه غير معصوم، لكنه يعزر؛ لافتياته على الإمام، ولا يجوز للإمام إقامة الحد بعلمه، بل لا بد من البينة.(٢) ذكر الماتن ما يشرع في الضرب: ومن ذلك: أن الرجل يضرب قائماً وجوباً - كما نقله ابن عوض عن الحفيد في حاشية دليل الطالب -، ويضرب بسوط لا خَلَق - وهو القديم البالي - الذي لا يؤلم، ولا جديد يجرح المضروب، كما نص عليه الإمام. وذكر في الكشاف أن السوط يكون من غير الجلد، وجزم به في الغاية، أي: يكون من الشجر، كما أشار إليه الخلوتي.(٣) والقميص: هو ما نسميه الآن ثوباً، فيكون على المحدود قميص أو قميصان، والحكم في هذا مبهم، ويشترط أن لا يكون ما يلبس من ثياب الشتاء التي لا يشعر المحدود معها بأَلَم الجلد.(٤) أي: لا يرفع الضارب يده ولا يمدها حتى يبدو إبطه؛ لأن ذلك مبالغة في الضرب، والحكم مبهم هنا، هل هو للكراهة أو التحريم؟ لم أر من بيّنه.(٥) أي: يسن تفريق الضرب على الأعضاء، فلا يكرره على عضو واحد؛ ليأخذ كل عضو منه حظه، ولئلا يشق الجلد أو يؤدي إلى قتل المجلود.(٦) فيحرم ضرب هذه المواضع، ومنها المقتل الذي يموت منه الإنسان بسرعة كالخصيتين والقلب.
(تتمة) يشترط في الجلد شرطان: ١ - أن ينوي الذي يقيم الحد - وهو الإمام أو نائبه - كونَ الجلد لله تعالى وللغرض الذي وضعه الله تعالى له، وهو الزجر، فلا يقصد به التشفي، وإلا أثم ولم يعد الضرب، ٢ - والتأليم: فلا بد منه في الحد والتعزير، كما في الإقناع والغاية، فإن لم يؤلمه لم يحصل المقصود، ولا تشترط الموالاة في الضرب، بل يجوز تفريقه في الوقت.следующие страницы →