Полный текст (758 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَمن قتل نفساً مُحرَّمَةً غيرَ عمدٍ أو شَاركَ فِيهِ فَعَلَيهِ الكَفَّارَةُ (١) ،
وَهِي ككفارةِ ظِهَارٍ إلا أنها لَا إطعامَ فِيهَا (٢) ، وَيُكفِّرُ عبدٌ بِالصَّوْمِ (٣) .
والقَسَامَةُ (٤)
أيمان مكررةٌ فِي الحواشي
(١) انتقل الماتن إلى الكفارة، فتجب الكفارة في قتل النفس - ولو نفسه - خطأ وشبه العمد، دون القتل العمد وقطع الأطراف، وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه غيرَه فعلى كل واحد كفارة. وقوله: (نفساً محرمة): خرج به قتلُ البهائم، وقتلُ النفس المباحة: كالمقتول قصاصاً أو حداً، وكذا الباغي والصائل، فلا كفارة في ذلك.
(تتمة) تتعدد الكفارة بتعدد القتل، ولا تتداخل.(٢) فيجب فيها عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا إطعام فيها، فإن عجز عن الصيام بقيت الكفارةُ في ذمته حتى يقدر عليها.(٣) لأنه لا مال له.(٤) مثال وصورة القسامة: أن يدخل شخص في حي من الأحياء فيُقتل فيه، فيقوم ورثته باتهام شخص معين، فيؤمرون أن يحلفوا خمسين يميناً، فإن فعلوا استحقوا دمَ من عينوه - قصاصاً أو دية -، وإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه يمينا واحدة وبراء، وهذا على خلاف الأصل والقياس حيث جُعِلتْ اليمين للمدعي، وإنما يُحكم بالقسامة مع عدم البينة، وقد أقر الرسول ﷺ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، رواه مسلم. ولها شروط عشرة، قال في كشف المخدرات: (وشروط صحتها عشرة: أحدها: اللوث، وهي العداوة الظاهرة، وُجد معها أثر قتل أو لا، ولو كانت مع سيد مقتول، الثاني: تكليف قاتل؛ لتصح الدعوى، الثالث: إمكان القتل منه، فلا تصح من نحو زَمِن، الرابع: وصف القتل في الدعوى كأن يقول: جرحه بسيف ونحوه في محل كذا من بدنه، أو خنقه ونحوه، فلو استحلفه حاكم قبل تفصيله لم يعتد به، الخامس: طلب جميع الورثة، السادس: اتفاقهم على الدعوى فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضاً؛ إذ الساكت لا ينسب إليه حكم، السابع: اتفاقهم على القتل، فإن أنكر بعضهم فلا قسامة، الثامن: اتفاقهم على عين قاتل نصاً، فلو قال: بعضهم قتله زيد، وبعضهم: عمرو، فلا قسامة، التاسع: كون فيهم ذكور مكلفون، ولا يقدح غيبة بعضهم ولا عدم تكليفه ولا نكوله، فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه من الأيمان، ويستحق نصيبه من الدية، ولمن قدم أو كلف أن يحلف بقسط نصيبه ويأخذه، العاشر: كون الدعوى على واحد معين فلو قالوا قتله هذا مع آخر أو قتله أحدهما فلا قسامة) ..стр. 667
دَعْوَى (١) قتلِ (٢) مَعْصُومٍ (٣) .
وإذا تمَّت شُرُوطهَا بُدئَ بأيمانِ ذُكُور عصبته (٤) الوَارِثين، فَيحلفُونَ خمسين يَمِيناً، كلٌّ بِقدرِ إرثِهِ (٥) الحواشي
(١) أي: بلا بينة، فإن كان عند المدعي بينة قضي بها ولا قسامة كما في الإقناع.(٢) في دعوى قتل عمد أو شبه عمد أو خطأ، ولا قسامة في دعوى جناية دون النفس كقطع الأطراف، والجروح.(٣) فهي خمسون يميناً في دعوى قتل معصوم، سواء كان القتل عمداً أو شبه عمد أو خطأً، كما تقدم.(٤) أي: عصبة القتيل.(٥) فإن لم يكن إلا وارث واحد حلف كل الأيمان الخمسين. وإن كان الورثة زوجاً وابناً، فيحلف الزوج رُبع الأيمان، ويحلف الابن ثلاثة أرباعها.стр. 668
وَيُجْبرُ كسرٌ (١) ، فَإِن نكلوا أو كَانَ الكُلُّ نسَاء (٢) حَلفهَا مدعى عَلَيْهِ وبَرِئَ (٣) . الحواشي
(١) ففي زوج وابن، للزوج ربع الخمسين، وهي ثلاث عشرة يميناً بعد جبر الكسر، وللابن ثلاثة أرباع الخمسين، وهي ثمان وثلاثون يميناً بعد جبر الكسر.
(تتمة) متى حلف الذكور الوارثون فالحق الواجب بالقتل - حتى في قتل عمد - لجميع الورثة ذكوراً ونساء؛ لأنه حق ثبت للميت، فصار لجميع ورثته كالدين.(٢) فلا يحلفنَ؛ لأنه لا مدخل للنساء في الدماء من قصاص أو حد كما سيأتي في الشهادات إن شاء الله، فلو قتلت امرأة أخرى في عرس مثلاً وشهد على ذلك امرأتان أو أربع أو أكثر لم يثبت القصاص.(٣) أي: إن نكل العصبة الذكور عن الأيمان أو كان الكل نساءً، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، فإن لم يحلف فعليه الدية ولا قصاص. والله أعلم.стр. 669
كتاب الحدود (١)
لَا تجب إلا على مُكَلّفٍ (٢) مُلتَزِمٍ (٣) عَالمٍ بِالتَّحْرِيمِ (٤) ، وعَلى إمامٍ الحواشي
(١) الحدود: جمع حد، وهو لغة: المنع، وشرعاً: عقوبة مقدرة من الشارع في معصية - من زنا وقذف وشرب وقطع طريق وسرقة - لتمنع من الوقوع في مثلها.
والجنايات الموجبة للحدود عند الحنابلة خمس: الزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر.(٢) شروط من يجب عليه الحد ثلاثة: (الشرط الأول) كونه مكلفاً: أي: بالغاً عاقلاً.(٣) (الشرط الثاني) كونه ملتزماً: أي: ملتزماً بأحكام الإسلام، فيدخل في ذلك المسلم والذمي، ويستثنى الذمي من حد شرب الخمر فلا يقام عليه؛ لاعتقاده حلها. وأما المستأمن والمعاهد: فتقام عليهما الحدود التي فيها حق لآدمي كحد السرقة والقذف، بخلاف ما كان حداً لله تعالى كالزنا بغير مسلمة، فلا يقام عليهما الحد. (تحرير مهم)(٤) (الشرط الثالث) كونه عالماً بالتحريم: أي: بتحريم الجنايات الخمس الموجبة للحد كالزنا، فلا حد على جاهل بالتحريم إذا كان مثله يجهله، وكذا لو جهل تحريم المرأة التي وطئها، أما لو علم التحريم وجهل العقوبة المترتبة عليها، فإنه يقام عليه الحد، كما لو علم السارق تحريم السرقة وجهل أنها توجب قطع اليد.стр. 670
أو نَائِبِهِ إقامتُها (١) .
وَيُضَربُ رجلٌ قَائِماً بِسَوطٍ لا خَلَقٍ وَلَا جَدِيدٍ (٢) ، وَيكون عَلَيْهِ قَمِيصٌ وقميصانِ (٣) ، وَلَا يُبْدِي ضَاربٌ إبطه (٤) .
وَيُسنُّ تفريقُه على الأَعضَاءِ (٥) ، وَيجبُ اتقاءُ وَجهٍ وَرَأسٍ وَفرْجٍ ومقتلٍ (٦) .
وامرأةٌ كَرجلٍ لَكِن تضربُ الحواشي
(١) أي: يجب على الإمام أو نائبه أن يقيم هذه الحدود، فإن أقامها غيرهما لم يضمن فيما حده الإتلاف كالرجم؛ لأنه غير معصوم، لكنه يعزر؛ لافتياته على الإمام، ولا يجوز للإمام إقامة الحد بعلمه، بل لا بد من البينة.(٢) ذكر الماتن ما يشرع في الضرب: ومن ذلك: أن الرجل يضرب قائماً وجوباً - كما نقله ابن عوض عن الحفيد في حاشية دليل الطالب -، ويضرب بسوط لا خَلَق - وهو القديم البالي - الذي لا يؤلم، ولا جديد يجرح المضروب، كما نص عليه الإمام. وذكر في الكشاف أن السوط يكون من غير الجلد، وجزم به في الغاية، أي: يكون من الشجر، كما أشار إليه الخلوتي.(٣) والقميص: هو ما نسميه الآن ثوباً، فيكون على المحدود قميص أو قميصان، والحكم في هذا مبهم، ويشترط أن لا يكون ما يلبس من ثياب الشتاء التي لا يشعر المحدود معها بأَلَم الجلد.(٤) أي: لا يرفع الضارب يده ولا يمدها حتى يبدو إبطه؛ لأن ذلك مبالغة في الضرب، والحكم مبهم هنا، هل هو للكراهة أو التحريم؟ لم أر من بيّنه.(٥) أي: يسن تفريق الضرب على الأعضاء، فلا يكرره على عضو واحد؛ ليأخذ كل عضو منه حظه، ولئلا يشق الجلد أو يؤدي إلى قتل المجلود.(٦) فيحرم ضرب هذه المواضع، ومنها المقتل الذي يموت منه الإنسان بسرعة كالخصيتين والقلب.
(تتمة) يشترط في الجلد شرطان: ١ - أن ينوي الذي يقيم الحد - وهو الإمام أو نائبه - كونَ الجلد لله تعالى وللغرض الذي وضعه الله تعالى له، وهو الزجر، فلا يقصد به التشفي، وإلا أثم ولم يعد الضرب، ٢ - والتأليم: فلا بد منه في الحد والتعزير، كما في الإقناع والغاية، فإن لم يؤلمه لم يحصل المقصود، ولا تشترط الموالاة في الضرب، بل يجوز تفريقه في الوقت.стр. 671
جالسةً (١) ، وتُشدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وَتُمسَكُ يداها (٢) ، وَلَا يُحْفرُ لمرجومٍ (٣) ، وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ حَدٌّ سقط (٤) .
فيُرجَمُ زَانٍ (٥) مُحصَنٌ حَتَّى يَمُوت (٦) ، وَغَيرُه يُجلَدُ مائةً ويُغرَّبُ الحواشي
(١) والحكم مبهم هنا كذلك، فهل يجب أن تضرب جالسة أو يسن ذلك؟ لم أجد من بيّنه. وقوله: (كرجل): أي: في كل ما تقدم إلا ما يستثنى.(٢) لئلا تنكشف، وفي الإقناع: (تضرب المرأة في الظهر وما قارب الظهر).(٣) لأن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية ولا لليهوديين لما رجمهم، والحكم مبهم هنا أيضاً، فهل يحرم أن يحفر له أو يكره؟ لم أجد من بيّنه.(٤) وذلك لفوات المحل.
(تتمة) لو أتى الإنسان ما يوجب حداً، فإنه يسن له أن يستر على نفسه على المذهب، ولا يسن أن يعترف ويقر به عند الحاكم.(٥) انتقل الماتن من هنا إلى الكلام عن حد الزنا. والزنا: فعل الفاحشة في قُبُل أو دُبُر.(٦) وفي الإقناع: (بالحجارة وغيرها حتى يموت)، ولا يجمع له بين الجلد والرجم، قال في المنتهى: (ولا يجلد قبله، ولا ينفى)، ومثله في الإقناع.стр. 672
عَاماً (١) ، ورقيقٌ خمسين وَلَا يغرَّبُ، ومبعَّضٌ بِحِسَابِهِ فيهمَا (٢) .
والمحصنُ مَنْ وطِئ زَوجتَه بِنِكَاحٍ صَحِيح فِي قُبُلهَا وَلَو مَرّةً (٣) . الحواشي
(١) فغير المحصن يجلد مئة ويغرب عاماً، فيبعد عن البلد التي هو فيها، ولا يحبس في البلد التي نفي إليها؛ لعدم وروده، وذكر في الإقناع في التغريب: (إلى مسافة القصر في بلد معين، وإن رأى الإمام التغريب إلى فوق مسافة القصر فعل)، أما صاحب المنتهى فأطلق ولم يقيده بمسافة قصر، قال البهوتي في شرحه للمنتهى: (إلى ما يراه الإمام)، لكن صرح ابن النجار في شرحه (١٠/ ٤٢٠) - في أثناء حديثه عن تغريب المرأة بدون محرم، وأنها تغرب إلى مسافة قصر قال -: (كالرجل)، فدل على أنه كالإقناع وأن الرجل يغرب مسافة قصر فأكثر، والمرأة تغرب مسافة قصر وأكثر إذا كان معها محرم، فإن تعذر فوحدها مسافةَ قصر.(٢) فمن كان نصفه حر ونصفه عبد مثلاً، فإنه يجلد خمساً وسبعين ويغرب نصف عام.(٣) المحصن الذي يرجم إذا زنى: من وطئ زوجته - لا سُرِّيتَه - بنكاح صحيح - لا باطل ولا فاسد - ولو كتابية في قُبُلها ولو في حيض أو صوم أو إحرام ونحوه، وهما - أي: الزوجان - مكلفان حران ولو مستأمنَين أو ذميَين. فشروط المحصن: ١ - أن يطأ زوجته في قبلها مع تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها، ٢ - وأن يكون ذلك بنكاح صحيح، ٣ - وأن يكون الزوجان مكلفين، ٤ - وأن يكونا حرين، ٥ - وأن تتوفر هذه الشروط في كليهما حال الوطء في العقد الصحيح بأن يطأ الزوج العاقل الحر زوجته العاقلة الحرة، فإن اختل شرط منها ولو في أحدهما، فلا إحصان لواحد منهما؛ لأنه وطء لم يحصن أحدهما فلم يحصن الآخر كالتسري، ومن ذلك: لو تزوج بنتَ تسعٍ، فإن العقد صحيح لكنه لا يصير به محصناً؛ لأنها غير مكلفة.стр. 673
وشروطُه ثَلَاثَةٌ (١) :
تغييبُ حَشَفَةٍ أصليةٍ فِي فرجٍ أصلي لآدَمِيٍّ وَلَو دُبُراً (٢) وَانتِفَاءُ الشُّبْهَةِ (٣) .
وثُبُوتُه (٤) بِشَهَادَةِ أربعةِ رجالٍ عدُولٍ فِي مجلِسٍ وَاحِدٍ بزنا وَاحِدٍ مَعَ وَصفِهِ (٥) أو إقرارِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، مَعَ ذكرِ حَقِيقَةِ الوَطء الحواشي
(١) تابع الماتن المنتهى والغاية في جعل الشروط ثلاثة، أما صاحب الإقناع فجعلها أربعة بزيادة: (التكليف)، ولا حاجة له؛ لأنه تقدم في أول الحدود وأنها لا تقام إلا على المكلف.(٢) شروط إقامة حد الزنا ثلاثة: (الشرط الأول) تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي لآدمي ولو دبراً، ذكراً كان أو أنثى، والحشفة: رأس الذكر. وفي الغاية: (ويتجه: إحتمالٌ بلا حائل)، وقال الشيخ البهوتي في الكشاف: (لا حد على من غيبه بحائل). ويشترط أن يكون الموطوء آدمياً حياً - كما في المنتهى والإقناع -، فلو وطئ ميتاً أو بهيمة عُزر ولم يُحدَّ.(٣) (الشرط الثاني) انتفاء الشبهة: فيشترط أن تكون المرأة محرمة على الواطئ حراماً محضاً لا تخالطه أدنى شبهة حل، ومن أمثلة ما فيه شبهة: الوطء في النكاح المختلف فيه كنكاح المتعة، والمحلل، ونحو ذلك.(٤) (الشرط الثالث) ثبوته: إما بشهادة، أو إقرار.(٥) شروط الشهادة على الزنا ستة: ١ - كون الشهود أربعة، ٢ - وكونهم رجالاً، ٣ - وكونهم عدولاً ظاهراً وباطناً، ٤ - وكون شهادتهم في مجلس واحد يجلس فيه القاضي، ولو جاء اثنان على الساعة الثامنة والآخران على الساعة التاسعة مثلاً ما دام القاضي لم يقم من مجلسه، وإلا كانوا قذفة وجلدوا جميعاً، ٥ - وأن يشهد الأربعة بزنا واحد، ٦ - وأن يصفوا ذلك الزنا الذي وقع؛ لئلا يظنوا ما ليس بزنا أنه زنا كأن يرى رجلاً يقبل امرأة فيدعي أنه زنى بها، ومعنى وصفهم الزنا أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها.стр. 674
الحواشي
(١) ويثبت الزنا بإقرار الزاني المكلف المختار - ولو قناً - بثلاثة شروط: ١ - أن يقر أربع مرات، ولو في أكثر من مجلس كأن يقر في أيام مختلفة، فيصح، بخلاف الشهادة. (فرق فقهي) ٢ - وأن يذكر حقيقة الوطء؛ لئلا يظن ما ليس بزنا أنه زنا، وقد سأل النبي ﷺ ماعزاً أسئلة كثيرة عندما أقر بالزنا؛ ليتحقق أنه وطئ المرأة، ولا يشترط أن يصرح بمن زنى بها. ٣ - وألا يرجع عن الإقرار حتى يتم الحد، فلو رجع عن إقراره خلال تنفيذ الحد فقال: لم أزن، وجب إيقاف الحد، بخلاف الشهادة في الحدود، فلا يسقط الحد الثابت بها برجوع المشهود عليه؛ لأن الحد ثبت بأمر خارج. (فرق فقهي)
(تنبيه) إذا تخلف شرط من شروط وجوب الحد فلا يجب الحد؛ كما لو وطِئَ امرأةً ووجد الشرطان الأولان لكنه لم يثبت عليه، فلا يجب عليه الحد في الدنيا؛ لكن مسمى الزنا لا يسقط عنه، فيخشى عليه مما ورد من وعيد شديد للزناة، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عقابه وعذابه.
(تتمة) يجوز للقاضي أن يُلَقِّنَ مَن أقر بالحد الرجوعَ؛ كأن يقول له: لو رجعت عن إقرارك لكان أفضل ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ لما أُتي بسارق أقر بالسرقة قال له: ما إخالك سرقت، أي: ما أظنك سرقت، رواه أبو داود. وقد رد ماعزاً ثلاث مرات عندما أقر بالزنا. فلا ينبغي للقاضي المسارعة إلى إقامة الحد على المقِر، بل ينصحه ويدعوه إلى الرجوع والتوبة، أما في القصاص وحقوق الآدميين، فلا يجوز للقاضي أن يلقِّن الخصمَ حجته. (فرق فقهي)стр. 675
والقاذفُ (١) مُحصناً يُجلَدُ حُرٌّ ثَمَانِينَ (٢) ، ورقيقٌ نصفَهَا، ومبعَّضٌ بِحِسَابِهِ.
والمحصَنُ هُنَا: الحُرُّ المسلمُ العَاقِلُ العَفِيفُ. الحواشي
(١) القذف لغة: الرمي، واصطلاحاً: الرمي بالزنا أو لواط، أو الشهادة بأحدهما ولم تكمل البينة. والقذف محرم إجماعاً، وهو من كبائر الذنوب.
(تتمة) يشترط لوجوب حدِّ القذف: ١ - مطالبة المقذوف، وألا يرجعَ عن المطالبة حتى يقام الحد، ٢ - وألا يأتي القاذف ببينة - وهي: أربعة رجال - بما قذفه به، ٣ - وألا يصدقه المقذوف، فإن صدقه لم يحد، ٤ - وألا يلاعن القاذفُ المقذوفة فيما لو كان بين زوجين، فإذا لاعن الزوج سقط عنه الحد، وتقدم في اللعان، ٥ - وأن يقذفه بما يمكن حصول الزنا أو اللواط من المقذوف، فإن كان ممن لا يمكن فلا حدّ.(٢) أي: فإذا قذف وهو مكلف مختار، ولو كان أخرس بإشارة مفهومة، ولو كان المقذوف ذات محرم، أو مجبوباً، أو خصياً، أو كانت المقذوفة رتقاء؛ حُدَّ الحر ثمانين جلدة لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور، ٤].стр. 676
وَشُرِطَ كَونُ مثله يَطَأُ أو يُوطَأُ لَا بُلُوغُه (١) .
وَيُعَزَّرُ (٢) بِنَحوِ: يَا كَافِر، يَا مَلعُون، يَا أعور، يَا أعرج.
وَيجبُ التَّعْزِيرُ فِي كلِّ مَعْصِيّةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (٣) ، ومرجعُهُ إلى الحواشي
(١) المحصن في باب القذف - خلافاً لباب الزنا - الذي يحد قاذفه من توفرت فيه خمسة شروط: ١ - كونه حراً، ٢ - وكونه مسلماً، ٣ - وكونه عاقلاً، ٤ - وكونه عفيفاً عن الزنا ولو في الظاهر ولو تائباً عن الزنا، ٥ - وكون مثله يطأ أو يوطأ، وهو ابن عشر وبنت تسع؛ للحوق العار لهما. ولا يشترط بلوغه ليكون محصناً، لكن لا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ ويطالب به إِذَن؛ إذ لا أثر لطلبه قبل ذلك؛ لعدم اعتبار كلامه.
(تتمة) يثبت القذف بأحد أمرين: بشهادة رجلين يأتي بهما المقذوف ليقام الحد على قاذفه، أو بإقرار القاذف مرة.(٢) التعزير لغة: المنع، واصطلاحاً: التأديب، كذا في المنتهى والإقناع والغاية، وزادوا بعده: فيجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وسيذكره الماتن.
(تتمة) لا تشترط المطالبة لإقامة التعزير على المذهب، كما في المنتهى والإقناع. واستثنى الإقناعُ - ونحوه في الغاية - صورة، وهي: ما لو شَتَمَ الولدُ والدَه، فلا يعزر إلا بمطالبة الوالد؛ لإمكان الأب أن يؤدبه بنفسه، ولم يستثن المنتهى - كالتنقيح - هذه الصورة ولا غيرها، ونبه على هذه المخالفة البهوتي في الكشاف، والمذهب ما في المنتهى، والله أعلم. (مخالفة)(٣) فالتعزير يكون على فعل المحرمات: كالقذف بغير الزنا، والمباشرة دون الفرج، والخلوة بامرأة أجنبية، والجناية التي لا قود فيه، والصفعة، واللعن، والسب، والشتم ... وكما يكون التعزير على فعل المحرمات، فإنه يكون أيضاً على ترك الواجبات: ومن جنس ذلك: كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس في المبيع بإخفاء عيب ونحوه، والمؤجر المدلس.стр. 677
الحواشي
(١) فيختار من العقوبات الجائزة في التعزير ما يراه مناسباً.
(تتمة) ما يجوز التعزير به: ١ - الجلد، ولا يزاد على عشر جلَدات في المذهب - ولم أقف على بيان لحكم الزيادة على عشر جلَدات، والظاهر: التحريم -؛ للحديث: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله»، متفق عليه، وفي الإقناع: (ويجوز نقص التعزير عن عشر جلدات إذ ليس أقله مقدرًا، فيرجع إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص)، ٢ - والحبس، ٣ - والصفع، ٤ - والتوبيخ، كقوله له: كيف يصدر هذا من مثلك؟ ٥ - والعزل عن الولاية كأن يُفصل من وظيفته، ٦ - وتسويد الوجه، ٧ - والمناداة عليه بذنبه بين الناس، ٨ - والنيل من عرضه، كأن يقال له: يا ظالم! يا معتدي! ٩ - وبإقامته من المجلس.
وما يحرم التعزير به: ١ - حلق اللحية، ٢ - وقطع الطرف، ٣ - والجرح، ٥ - وأخذ المال، خلافاً لشيخ الإسلام الذي يرى جواز التعزير بالمال، ٦ - وإتلاف المال. والله أعلم.стр. 678
فصل (في حد المسكر) (١)
وكُلُّ شرابٍ مُسكِرٍ يحرُم مُطلقًا (٢) إلا لدفعِ لقمَةٍ غُصَّ بهَا مَعَ خوفِ تَلَفٍ، وَيُقدَّمُ عَلَيْهِ بَوْلٌ (٣) .
فَإِذا شرِبَهُ أو احتقنَ بِهِ (٤) مُسلمٌ مُكَلّفٌ مُختَارًا عَالماً أن كَثِيرَه يُسكِرُ حُدَّ (٥)
حُرٌّ ثَمَانِينَ وقنٌّ نصفَهَا. الحواشي
(١) المسكر: اسم فاعل من: أسكر الشراب إذا جعل صاحبه سكران أو كان فيه قوة تفعل ذلك.(٢) سواء كان من العنب أو الشعير أو غيرهما.(٣) فيجوز شرب المسكر لدفع اللقمة التي غص بها ولم يجد غير المسكر، لكن يقدم عليه البول في دفعها.(٤) أي: أخذه كالحقنة، والاحتقان في المذهب قد يكون في الدبر أو في الدم.(٥) يشترط في حد المسكر: ١ - كون الشارب مسلماً، فلا يقام هذا الحد على الذمي والمستأمن، ٢ - وكونه مكلفاً، ٣ - ومختاراً، ٤ - وعالماً بأن كثيره يسكر، ٥ - وأن يعلم تحريم الخمر، فإن ادعى الجهل ومثله يجهله - كالناشئ في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام - قُبل منه؛ لاحتمال صدقه.
(تتمة) هناك خلاف عند الحنابلة في قدر حد المسكر، فالمذهب أن الحد ثمانون جلدة؛ لأن علياً ﵁ لما جلد الوليد بن عقبة أربعين قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليّ، رواه مسلم. والرواية الثانية في المذهب: قال في الإنصاف: (وعنه: أربعون، اختاره أبو بكر، والمصنف، والشارح، وجزم به في العمدة، والتسهيل. وأطلقهما في الهداية، والمذهب، والمستوعب، والهادي، والكافي، والمذهب الأحمد. وجوز الشيخ تقي الدين ﵀ الثمانين للمصلحة وقال: هي الرواية الثانية. فالزيادة عنده على الأربعين إلى الثمانين: ليست واجبة على الإطلاق، ولا محرمة على الإطلاق. بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام. كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه: بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب. بخلاف بقية الحدود. انتهى. قال الزركشي قلت: وهذا القول هو الذي يقوم عليه الدليل).стр. 679
وَيثبُتُ بِإِقرَارِهِ مرّةً (١) كقذفٍ أو شَهَادَةِ عَدلَينِ.
وَحرُم عصيرٌ وَنَحْوُه إذا غَلَا (٢) أو أتى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أيام (٣) . الحواشي
(١) فيكفي في ثبوت حد المسكر: أن يقر مرة واحدة، ويشترط أن يستمر على إقراره حتى يقام عليه الحد.(٢) فيحرم العصير سواء كان من عنب أو رمان أو برتقال أو تفاح أو غير ذلك إذا غلا ولو لم يسكر، والمراد بالغليان - كما في المطلع -: (تحركه في وعائه واضطرابه)؛ فليس المراد غليانه على النار، بل إذا ظهر الزبد فوقه حرُم.(٣) فيحرم إذن ويجب رميه ولو لم يسكر، وهي من المفردات، وقيل: لا يحرم كما في الإنصاف، ودليل تحريمه حديث ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يُنبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان اليوم الثالث شربه وسقاه، فإن فضل منه شيء أهراقه، رواه مسلم، ومعنى قوله: ينبذ له الزبيب: أي: يطرح له الزبيب في السقاء - وهي القربة التي يشرب منها الماء - حتى يصير طعم الماء حلواً.
(تتمة) هناك إشكال في العصيرات المشكّلة (الكوكتيل) إذا كانت في الثلاجة أو غيرها أكثر من ثلاثة أيام؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الخليطين، أي: خلط فاكهتين؛ لأن الفساد يسرع إليه أكثر مما لو كان عصيراً واحداً، فما حل ذلك؟ كذلك مما يُشكِل عندنا في الأحساء أن الليمون يُعصر في قارورة ثم يُوضع في الشمس أسبوعاً ثم يُثلّج حتى يستخدم في رمضان. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وصريحة، فيحتاج الأمر إلى نظر، فالله أعلم.
قال في الإقناع وشرحه: (ويكره الخليطان، وهو أن ينتبذ عنبتين كتمر وزبيب) معناه كتمر (وبسر أو مذنب) وهو ما نصفه بسر ونصفه رطب (وحده) لأنه كنبيذ بسر مع رطب روى جابر: «أن النبي ﷺ نهى أن ينبذ الرطب والزبيب جميعاً»، رواه الجماعة إلا الترمذي. وعن أبي سعيد قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يخلط بسراً بتمر، أو زبيباً بتمر، أو زبيباً ببسر، وقال: من شربه منكم فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً»، رواه مسلم والنسائي، قال أحمد في الرجل ينقع الزبيب والتمر الهندي والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء: «أكرهه؛ لأنه نبيذ ولكن يطبخه ويشربه على المكان» (ما لم يغل أو تأت عليه ثلاثة أيام) بلياليهن، فيحرم لما سبق (ولينبذ كل واحد) من الخليطين (وحده)).стр. 680
فصل (في القطع في السرقة)
وَيقطعُ السَّارِقُ بِثمَانِيَةِ شُرُوطٍ:
السّرقَةُ، وَهِي أخذُ مَالِ مَعصُومٍ خُفيَةً (١) ، وَكَونُ سَارِقٍ مُكَلّفاً مُخْتَاراً عَالماً بمسروقٍ وتحريمِهِ (٢) ، وَكَونُ مَسرُوقٍ مَالاً محترماً (٣) ، وَكَونُهُ نِصَاباً وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فضَّةً أو رُبُعُ مِثقَال ذَهَباً أو مَا قِيمَتُهُ أحدُهما (٤) ، وإخراجُهُ الحواشي
(١) شروط قطع السارق ثمانية: (الشرط الأول) السرقة، والسرقة لغة: الأخذ خفية، واصطلاحاً: أخذ مالِ معصومٍ خفية، فخرج بذلك ما كان علناً كالغصب والاختطاف.(٢) (الشرط الثاني) كون السارق: ١ - مكلفاً، ٢ - ومختاراً غير مكرَه، ٣ - وعالماً بالمسروق حال السرقة، وأنه يبلغ نصاباً، ٤ - وعالماً بأن المسروق محرم عليه.(٣) (الشرط الثالث) كون المسروق: ١ - مالاً، وهو ما كان فيه منفعة مباحة مطلقاً من غير حاجة ولا ضرورة، كما تقدم في البيوع، ٢ - وكونه محترماً، وهو الذي تباح عينه ونفعه، ٣ - وكونه يُسرق من مالكه - أي: مالك المال - أو نائبه.(٤) (الشرط الرابع) كون المسروق يبلغ نصاباً. والنصاب: ١ - ثلاثة دراهم فضة، وهي تسعة جرامات، وهي بسعر اليوم - ٢/ ١١/١٤٣٧ هـ - تساوي تقريباً ١٤ ريالاً، ٢ - أو ربع مثقالٍ ذهباً، ٣ - أو يكون المسروق متاعاً قيمته أحد النصابين المتقدمين.стр. 681
من حرزِ مثلِهِ، وحِرْزُ كُلِّ مَالٍ مَا حُفِظ بِهِ عَادَةً (١) ،
وَانتِفَاءُ الشُّبْهَةِ (٢) ، وثبوتُها بِشَهَادَةِ عَدلَينِ يصفانِها أو إقرارٍ مرَّتَيْنِ مع وَصْفٍ ودوامٍ عَلَيْهِ (٣) ، ومطالبةُ الحواشي
(١) (الشرط الخامس) إخراج المسروق من حرز مثلِهِ، سواء أخرجه بنفسه، أو أمر صغيراً فأخرجه له، أو وضع النصاب على بهيمة وخرجت به، فإنه يُقطع في الجميع. والحرز: (هو المكان الذي يحفظ فيه المال في العادة والعرف)، فحرز الأموال مثلاً في عصرنا: البنوك وصناديق الحديد المغلقة في المنازل، وحرز المواشي: الحظيرة، وحرزها في المرعى: الراعي ونظره إليها غالباً، ويختلف الحرز باختلاف البلدان وقوة السلطان وضعفه ..(٢) (الشرط السادس) انتفاء الشبهة: والشبهة هنا - كما قال الشيخ ابن عثيمين -: كل ما يمكن أن يكون عذراً للسارق في الأخذ. والمشهور من المذهب أنه لا يُقطع: ١ - من سرق من عمودي نسبه، ٢ - أو إذا سرق الزوج من زوجته أو العكس، ٣ - أو إذا سرق شخص من مال له فيه شركة أو نصيب، ٤ - أو إذا سرق حر مسلم من بيت المال.(٣) (الشرط السابع) ثبوت السرقة، وذلك بأحد أمرين: ١ - شهادة عدلين، ويشترط أن يصفا السرقة، ويصفا الحرز وجنس النصاب وقدره وغير ذلك، ٢ - أو إقرار السارق مرتين، ويشترط: أن يستمر على الإقرار حتى يُقام عليه الحد وأن يصف السرقة بذكر شروط السرقة من النصاب والحرز وغير ذلك، وإنما اشترط وصف السرقة في الشهادة والإقرار؛ لئلا يُظن ما ليس بسرقة أنه سرقة.стр. 682
مَسرُوقٍ مِنْهُ أو وَكيلِهِ أو وليِّه (١) .
فإذا وَجب قُطِعت يَدُهُ اليُمْنَى من مَفصِلِ كَفِّهِ وحُسِمَت (٢) ، فإن عَاد قُطعَت رِجلُه اليُسْرَى من مَفصِلِ كَعْبِهِ وحُسِمَت (٣) ، فَإِن عَادَ حُبِسَ حَتَّى يَتُوب (٤) .
وَمن سَرَقَ ثَمَراً (٥) أو مَاشِيَةً من غيرِ الحواشي
(١) (الشرط الثامن) أن يطالب المسروق منه أو وكيله أو وليه بالمال المسروق.(٢) فإذا اجتمعت الشروط ووجب القطع، قطعت يد السارق اليمنى من مَفْصِلِ كَفه بالسكين، ثم حسمت وجوباً بوضعها في زيت مغلي، والأطباء في عصرنا يحسمونها بسرعة.(٣) أي: إن عاد إلى السرقة بعد قطع يده اليمنى، قُطعت رجله اليُسرَى من مفصل كَعبه، ويترك عقبه - وهو مؤخر القدم -؛ ليمشي عليه، ثم تُحسم القدم وجوباً. والكعب: هو العظم الناتئ في كل قدم، وهما اثنان.
(تتمة) من كانت يده اليمنى ورجله اليسرى ذاهبتين لم يُقطع؛ لتعطيل منفعة الجنس.(٤) أي: إن عاد إلى السرقة بعد ذلك: حرم قطعه، وحبس حتى يتوب.
(تتمة) يجب على السارق ضمان ما سرقه، فيرده إلى صاحبه إن كان قائماً، وإن كان تالفاً رد مثل المثليّ أو قيمة المتقوم.(٥) هناك أربعة أشياء يغرّم سارقها مرتين: (الشيء الأول) الثمر - بالمثلثة، ويدخل فيه التمر وثمر الأشجار -، فمن أخذه من رؤوس النخل والشجر ولو كان محوطاً بجدار وعليه ناظر وحارس، لم يقطع لكن يغرّم قيمته مرتين، أما إذا أُحْرِزَ الثمرُ بأن قُطع من رؤوس النخل والشجر ووضع في الجرين، فإن سارقه يقطع.стр. 683
حرزٍ (١) غُرِّمَ قِيمَتَهُ مرَّتَينِ وَلَا قطعَ (٢) .
وَمن لم يَجِد مَا يَشْتَرِيهِ أو يُشترى بِهِ زَمَنَ مجاعَةِ غلاءٍ لم يُقطعْ بِسَرِقَةٍ (٣) . الحواشي
(١) (الشيء الثاني) الماشية إذا سرقت من المرعى حالَ كونها غير محرزة بأن يكون الراعي نائماً أو غائباً عنها، فإن سارقها يغرم قيمتها مرتين ولا يقطع، أما لو كانت في الحظائر أو كانت في المرعى مع وجود الراعي ونظره إليها غالباً، فإنها إذن محرزة، ويُقطع سارقها.
(تتمة) (الشيء الثالث) جُمَّار النخل، ويسمى: شحم النخل أو الجذب، وهو موجود في رأس كل نخلة، فإن أزيل عنها ماتت، ويلحق بالكثر في هذا الحكم الطلعُ وهو (الشيء الرابع)، فمن سرقه غرم قيمته -مرتين- لا مثله.
(تتمة) ما عدا هذه الثلاثة لو سُرِق من غير حرز ضُمِنَ بِمثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته مرة واحدة.(٢) ولو كان مثلياً كالتمر، فإنه يغرم قيمته لا مثله.(٣) فمن كان عنده مال لكن لا يجد قوتاً يشتريه، أو لم يجد مالاً يشتري به القوت زمن مجاعة غلاء لم يقطع بِسَرِقَة، وفيه تعطيل لحد من حدود الله لكن لحالة معينة. والله أعلم.стр. 684
فصل (في حد قطاع الطريق (١) وفي البغاة)
وقُطَّاعُ الطَّرِيقِ أنواعٌ:
فَمَنْ مِنْهُم قتل مكافِئاً أو غَيرَه كَوَلَدٍ وأَخَذَ المالَ، قُتِل ثُمَّ صُلِبَ مكافئٌ حَتَّى يشْتَهِرَ (٢) .
وَمَن قتَلَ فَقَط قُتَلَ حتماً وَلَا صلْبَ (٣) .
وَمن أخذ المالَ فَقَط قُطِعَت يَدُه اليُمنَى ثُمَّ رجلُه اليُسرَى فِي مقَامٍ الحواشي
(١) قطاع الطريق: هم المكلفون الملتزمون الذين يعرضون للناس بسلاح في الصحراء أو البنيان أو البحر أو الجو فيغصبونهم أموالهم المحترمة مجاهرة.(٢) (النوع الأول) أ- من قتل مكافئاً - وهو من يقاد به لو قتله - أو غير مكافئ - كقاتل ولدِه - ب- وأخذ مالاً يبلغ نصاب السرقة، فإنه يقتل وجوباً حداً لا قصاصاً فلا أثر لعفو ولي الدم، ويصلب قاتلُ المكافئ فقط - وجوباً - حتى يشتهر؛ ليرتدع غيرُه، ثم ينزَّل ويغسَّل ويكفَّن ويصلى عليه ويُدفن. ولم يذكروا مدة بقائه في الصلب.(٣) (النوع الثاني) من قَتَل فقط ولم يأخذ المال، فإنه يُقتل حتماً - أي: وجوباً -، ولا يصلب.стр. 685
وَاحِدٍ وحُسمَتَا وخُلِّيَ (١) .
وإن أخاف السَّبِيلَ فَقَط نُفِيَ وشُرِّدَ (٢) .
وَشُرِط ثُبُوتُ ذَلِك بِبَيِّنَةٍ أو إقرارٍ مرَّتَينِ، وحرزٌ ونصابٌ (٣) .
وَمن تَابَ مِنْهُم قبلَ القُدرَةِ عَلَيهِ سقط عَنهُ حقُّ اللهِ تَعَالَى (٤) ، وأُخِذ الحواشي
(١) (النوع الثالث) من أخذ مالاً يبلغ نصاب السرقة ولم يَقتل: فتقُطع يده اليمنى ثم رجله اليسرى في مقام واحد وجوباً وحسمتا بغمسهما في زيت مغلي، ثم يخلى سبيله. ويشترط: كون المال المأخوذ نصاباً. والترتيب واجب في القطع، فتقطع اليد ثم الرجل حداً لا قصاصاً في مقام واحد فلا يُترك حتى تبرأ يدُهُ بل تقطع الرجل بعدها مباشرة، بخلاف من سرق مرتين، فإنه تقطع يده، ثم تترك حتى تبرأ، ثم تقطع رجله. (فرق فقهي)(٢) (النوع الرابع) مَنْ أخاف السَّبِيلَ فقط - السبيل: الطريق - أي: أخاف الناس بسلاحه - ولم يأخذ مالاً ولم يَقْتل، فإنه يُنفى ويُبعد عن البلد ويشرد، أي: يطرد عن البلد حتى تظهر توبته، كما قيّده في الإقناع والمنتهى والغاية، فلا يترك يأوي إلى بلد كلما آوى إلى بلد طرد منها.(٣) وشرط لوجوب الحد على قطاع الطريق ثلاثة شروط: ١ - ثبوت ذلك ببينة أو إقرار مرتين، كالسرقة، ٢ - وأن يكونوا قد سرقوا من حرز، والحرز هنا: هو أن يأخذه من مستحقه وهو بالقافلة، بخلاف ما لو أخذ المال من منفرد عنها، أو رآه مطروحاً في الأرض فأخذه، فلا يكون محارباً، ٣ - وبلوغ المال المأخوذ نصاباً، وهو ثلاثة دراهم فضة أو ربع دينار ذهبا.(٤) وهو الصلب، وقطع اليد والرجل، والنفي، وتحتم القتل، وكذلك يسقط عنهم حد الزنا والسرقة والشرب وكل ما كان حقاً لله تعالى، أما إن تاب بعد القدرة عليه، فلا يسقط عنه شيء.стр. 686
بِحَق آدَمِيٍّ (١) .
وَمن وَجب عَلَيْهِ حدٌّ لله فَتَابَ قبل ثُبُوتِهِ سَقَطَ (٢) .
وَمن أُريد مَالُه (٣) أو نَفسُهُ (٤) أو حُرْمَتُهُ (٥) وَلم ينْدَفِع المريدُ إلا بِالقَتلِ أُبيح، وَلَا ضَمَان (٦) . الحواشي
(١) سواء كان قصاصاً في النفس، أو فيما دون النفس، أو إتلافاً أو غير ذلك، فلا يسقط إن طالب به صاحبُهُ حتى مع التوبة قبل القدرة عليه، بخلاف حق الله. (فرق فقهي)(٢) أي: من وجب عليه حدٌ لله - في غير المحاربة - كشرب أو سرقة، فتاب - ولو قبل صلاح عمل - قبل ثبوته عند الحاكم، فإنه يسقط، أما لو كان الحد حقاً للآدمي كحد القذف، فإنه لا يسقط بالتوبة، فإذا مات سقط عنه؛ لفوات المحل. وكذا لا يسقط عنه حد تاب منه بعد ثبوته عليه ولو طال الزمن ما دام حياً، فإذا مات سقط عنه.(٣) أي: من قُصد ماله، ولو قلَّ.(٤) إما لقتل أو فعل الفاحشة.(٥) لقتل أو زنا، وحريم الرجل: نساؤه كأمه وأخته وزوجته.(٦) فللمصول عليه أن يدفع من أراده بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به، فيدفع بالكلام ثم بالفعل إلى أن ينتهي إلى القتل، فإن لم يندفع إلا بالقتل أبيح قتله ولا ضمان عليه، وإن قتل المصول عليه فهو شهيد؛ لكن قال في المنتهى وشرحه: (ومع مَزْحٍ يحرم على دافع قتل، ويقاد به).
(تتمة) ما تقدم ذكره هو إباحة قتل الصائل وأنه لا ضمان في قتله إن لم يندفع إلا بالقتل، لكن يجب عليه الدفع عن حرمته، وأيضاً يجب - في غير فتنة بين المسلمين - الدفع عن النفس، ولا يجب الدفع عن المال، وأما في حال الفتنة فلا يجب الدفع عن النفس، بل يباح. والله أعلم.стр. 687
والبُغَاةُ (١) ذُو شَوكَةٍ (٢) يخرجُون على الإمَام (٣) بِتَأوِيلٍ سَائِغ (٤)
فَيلزمُهُ الحواشي
(١) سيتناول الماتن أحكام البغاة، والبغاة: جمع باغ، من البغي، أي: الجور والظلم والعدول عن الحق، كما في المطلع، والمراد بهم هنا: الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه الذين يريدون خلعه.(٢) يشترط في البغاة: (الشرط الأول) أن يكون لهم شوكة: وهي: شدة البأس والجد في السلاح - كما قال في المطلع -، فيكونون أقوياء ومسلحين، قال في الإقناع: (بحيث يحتاج في كفهم إلى جيش) وعبارة المغني وغيره: (يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش).(٣) (الشرط الثاني) أن يخرجوا على الإمام - أي: الحاكم - ولو لم يكن عدلاً، فيطالبوه بأن يعتزل أو يغير منكراً مثلا.(٤) (الشرط الثالث) أن يكون عندهم تأويلٌ سائغٌ يعتقدون أنه يجوزُ لهم بسببه الخروجَ على الإمام، حتى لو كان التأويل خطأً - كما في الإقناع -، قال الحفيد - كما في حاشية ابن عوض على الدليل (٣/ ٤٤١) -: ((بتأويل سائغ) أي: سواء كان صواباً أو خطأ، كما لو ادعوا أنه مضيع لحقوق الله تعالى، وأنه يظلم الناس، بخلاف ما لو ادَّعوا أن الخارج أحق بالإمامة منه)، فتبين بذلك: أن التأويل السائغ الصواب: ما كان في المطالبة بحقوق الله تعالى كتطبيق شرعه، وإقامة الحدود، وإزالة المنكرات، أو المطالبة بحقوق الناس ورفع الظلم عنهم، والتخفيف عنهم في معايشهم وإصلاح مكان حياتهم ونحو ذلك، وأما ما خرج عن هذين كما لو طالبوا بتنصيب غيره لكونه أكفأ منه مثلاً، أو ليعطيهم من المال ما يزيد على حوائجهم زيادة فيها إسراف من غير مقابل ونحو ذلك، فهذه تأويلات سائغة خاطئة، والله أعلم. (بحث)
وسواء كان في البغاة مُطاع أو لم يكن فيهم، أما الذين لا يخرجون على الإمام، بل على قبيلة معادية لهم مثلاً، فلا يعتبر ذلك من التأويل السائغ، والمذهب أنه إذا اختل شرط من الثلاثة، فإنهم يكونون قطاع طريق، وقد تقدم حكمهم؛ لكن لم يبينوا تحت أي قسم من الأقسام الأربعة يدخلون، وقد يقال: بأنه يختلف ذلك باختلاف أفعالهم، فيحتاج إلى تحرير، والله أعلم.
(تتمة) هل يجوز الخروج على الحاكم لخلعه مع التأويل السائغ؟
الجواب: يحرم ذلك ولو كان عندهم تأويل سائغ، سواء كان صوابا أو خطأ بالأولى، ومن لحظ على إمامه منكراً أو حقاً مسلوباً فليتجه للحاكم مباشرة لنصحه، أو لمن هو قريب من الحاكم، ولا يجوز الخروج عليه لخلعه بسبب تأويل ولو كان سائغاً صحيحاً؛ لما في الخروج عليه من الفساد العريض الذي قد لا يرتفع عن المسلمين إلا بعد أن تراق كثير من دمائهم، أسأل الله تعالى أن يصلح حكام المسلمين، وأن يحفظ المسلمين من كل مكروه وفتنة، وأن يرفع الله شريعته في كل مكان.стр. 688
مراسلتُهُم (١) ، وإزالةُ مَا يَدَّعُونَهُ من شُبْهَةٍ ومَظْلَمَةٍ (٢) ، فإنْ فاؤوا وإلَّا قَاتلَهُم الحواشي
(١) فلا يجوز للإمام أن يقاتلهم مباشرة، بل يلزمه أن يراسلهم؛ لأنه طريق إلى الصلح.(٢) فيجب عليه أن يكشف ما يذكرونه من شُبَهٍ كأن يكونوا متأولين تأويلاً خاطئاً فيرسل إليهم العلماء ليبينوا لهم خطأَهُم، وقد أرسل عليٌّ ﵁ إلى الخوارج ابنَ عباس ﵃ فناقشهم ورجع معه أربعة آلاف، كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي. وكذا لو ذكروا منكراً وجب عليه أن يزيله، أو ذكروا مظلمة في حق معين وجب عليه أن يرد لهم ما ظلموا فيه، ولا يجوز له قتالهم قبل ذلك إلا أن يخاف شرهم.стр. 689
الحواشي
(١) وفي الإقناع: (فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم بالقتال، فإن فاؤوا إلى الطاعة تركهم، وإلا لزمه قتالهم إن كان قادراً، أما غير القادر، فإنه يؤخر القتال إلى أن يقدر، ويجب على الرعية معونته على قتالهم).
(تتمة) لو ترك الإمام الواجبَ فقاتلهم قبل كشف الشبهة وإزالة المنكر ورد المظالم، هل يجب على الرعية معونته؟ الذي أذكره من كلام الشيخ ابن عثيمين أنه توقف.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن لا يتدخل عموم الناس في مثل هذه الأمور العظيمة التي قد تجر الويلات على المسلمين.
(تتمة) تحرم الاستعانة في قتال البغاة بالكفار، وبمن يرى قتلهم مدبرين، وقتالهم بما يعم إتلافهم إلا لضرورة في الكل، ومن أُسر منهم حبس حتى تزول شوكتهم، ويحرم قتلهم، والله أعلم.стр. 690
فصل (في المرتد) (١)
وَالمرتَدُّ من كَفَرَ طَوْعاً وَلَو مُمَيّزاً بعد إسلامِهِ.
فَمَتَى ادّعى النُّبُوَّةَ (٢) أو سبّ اللهَ (٣) أو رَسُولَه (٤) أو جَحَدَه (٥) أو صفةً منْ صِفَاته (٦) ، الحواشي
(١) المرتد لغة: الراجع، وشرعاً: من كفر طوعاً ولو هازلاً - بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك - ولو مميزاً بعد إسلامه، وتثبت الردة: بشهادة رجلين أو بالإقرار.(٢) أو صَدَّق من ادَّعاها فقد كفر؛ لأنه مكذب لكتاب الله تعالى.(٣) السب والشتم، فمن سب الله تعالى أو تنقصه كفر.(٤) أو تنقصه فإنه يكفر.(٥) أي: جحد كون الله رباً، فأنكر ذلك مع علمه به.(٦) وفي هذا تفصيل: فلو جحد صفة لله تعالى اتفق العلماءُ على إثباتها، أو صفةً ذاتيةً لازمةً كالعلم والحياة، فإنه يكفر، أما الصفات الفعلية كالخلق والرزق، فلا يكفر منكرها - كما ذكر الشيخ اللبدي -، ولذلك لم يكفر الحنابلةُ المعتزلةَ مع اشتهارهم بنفي الصفات قاله اللبدي، لكن من قال بخلق القرآن أو نفى الرؤية، فالصحيح - كما في الإقناع والمنتهى في كتاب الشهادات - أن من دعا إلى ذلك فإنه كافر، وكذلك العالم من الرافضة الذي يدعو إلى الرفض فإنه كافر، أما المقلدون منهم فإنهم فسقة، والقاعدة على المذهب: أن من قلد في بدعة مكفرة فإنه فاسق، ومن دعا إليها فهو كافر.
(تتمة): من أثبت الصفات وأوَّلَها كمن أوّل اليد بالقدرة، فلا يكفر، والأشاعرة - وهم من المؤولة في الصفات - ليسوا كفاراً حتى العالِم منهم، وهو رأي الشيخ ابن عثيمين ﵀.стр. 691
أو كتاباً (١) أو رَسُولاً (٢) أو مَلَكاً، أو إحدى العِبَادَات الخمس، أو حكماً ظَاهراً مجمعاً عَلَيهِ (٣) كَفَرَ، فيستتابُ ثَلَاثَةَ أيامٍ فَإِن لم يتبْ قتل (٤) .
وَلَا تُقبلُ ظَاهراً (٥) مِمَّن سبَّ الله أو رَسُولَه (٦) ، أو تَكَرَّرَتْ الحواشي
(١) أي: جحد كتاباً من الكتب التي أنزلها الله تعالى.(٢) أي: جحد رسولاً من رسله المجمع عليهم، أو ممن ثبتت رسالته بالتواتر لا بالآحاد.(٣) والمراد: ما أُجمع عليه إجماعاً قطعياً - كما في شرح المنتهى للبهوتي - كحرمة الزنا وحل الخبز، لا ما أجمع عليه إجماعاً سكوتياً أو ظنياً؛ لأن فيه شبهة.(٤) فيستتاب ثلاثة أيام وجوباً، فإن تاب وإلا قُتل بالسيف. أما المميز، فتصح ردته لكن لا يقتل حتى يبلغ ويستتاب، ويستثنى من شرط العقل: السكرانُ إذا كان آثماً بسُكره، فتصح ردته.(٥) أي: لا تقبل توبتهم ظاهراً في أحكام الدنيا، أما عند الله، فقد تُقبل.(٦) السب: الشتم، كما في المطلع، فمن سب الله أو رسوله لم تقبل توبته ووجب قتله؛ لئلا يستهين ويستسهل الناس ذلك، وقد ألّف شيخ الإسلام كتاباً في من سب النبي ﷺ سماه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول).стр. 692
رِدتُه (١) ، وَلَا من مُنَافِق (٢) وساحرٍ (٣) . الحواشي
(١) أي: أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد، وهكذا. واختلف الحنابلة في العدد المعتبر في تكرر الردة الذي يوجب عدم قبول التوبة ظاهراً، فأما صاحب الغاية فجعل أقله ثلاثة، فلا تقبل توبته في الردة الرابعة كالعادة في الحيض لا تثبت إلا في الشهر الرابع، وأما الشيخ منصور فنقل عن الإنصاف الاكتفاء بمرتين، فلا تقبل توبته في الردة الثالثة، ولعل الأول هو المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً﴾ [النساء، ١٣٧]، وازدياد الكفر يقتضي كفراً متجدداً، ولا بد من تقدم الإيمان عليه. (خلاف المتأخرين)(٢) وهو: الذي يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، فلا يمكن معرفة توبته؛ لأن ظاهره مسلم فما الذي سيظهره غير ذلك حتى تعلم توبته؟ قال البهوتي في شرح المنتهى: (والزنديق: لا يعلم تبين رجوعه وتوبته؛ لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك وقلبه لا يطلع عليه).(٣) فلا تقبل توبته في الظاهر؛ لحديث جندب ﵁: «حد الساحر ضربة بالسيف». والساحر تصعب توبته؛ لأن الجن لا تتركه، وإذا قُبض عليه فقد يتوب أمام الناس كي يُترك. والمراد بالساحر هنا: من يكفَّر بسحره، لا من عنده خفة يد.
(تتمة) توبة الكافر: لا يخلو: إما أن يكون كفره أصلياً، فتوبته تحصل بما يلي: بالنطق بالشهادتين، أو بقوله: أنا مسلم، أو: أسلمت، أو: أنا مؤمن. وإن كان مرتداً فلا يخلو: إن كان كفره بجحد فرض، فتوبته مع ما تقدم: أن يقر بما جحده، وإلا فتوبته كتوبة الكافر الأصلي. والله أعلم.стр. 693
وَتجبُ التَّوْبَةُ من كلِّ ذَنب، وَهِي إقلاعٌ وَنَدمٌ وعزمٌ أن لَا يعودَ مَعَ رَدِّ مَظْلَمَةٍ (١) لَا استحلالٌ مِنْ نَحْوِ غيبَةٍ (٢) وَقذفٍ. الحواشي
(١) شروط التوبة: ١ - الإقلاع، أي: ترك الذنب، ٢ - والندم بقلبه على ما مضى، ٣ - والعزم على عدم العودة، ٤ - ورد المظلمة.(٢) فلا يشترط في قبول التوبة أن يتحلل الإنسانُ ممن اغتابه فيطلب منه الحل، سواء بلغه أنه اغتابه أو لم يبلغه؛ لأن فيه زيادة غمٍّ، لكنه لو فعل لكان أفضل خروجاً من خلاف الشافعية.стр. 694
فصل (في الأطعمة) (١)
وكلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ لَا مضرَّةَ فِيهِ حَلَالٌ، وأصلُهُ الحِلُّ (٢) .
وَحَرُمَ نَجِسٌ كَدمٍ وميتةٍ (٣) وَمُضرٌ كسُمٍّ، وَمن حَيَوَانِ بَرٍّ مَا يَفْتَرِسُ بنابِهِ كأسدٍ ونَمِرٍ وفهدٍ وثَعْلَبٍ وَابنِ آوى (٤) لا ضَبُعٌ (٥) ، وَمن طيرٍ مَا يصيدُ الحواشي
(١) سيتناول الماتن في هذا الفصل أحكام الأطعمة، والأطعمة: جمع طعام، وهو ما يُؤكل ويُشرب، والمراد هنا - كما ذكر صاحب الإقناع -: بيان ما يحرم أكله وشربه، وما يباح. ويشترط لحل الطعام ثلاثة شروط: ١ - كونه طاهراً، فخرج بذلك النجس والمتنجس، ٢ - وألا يكون مضراً، فخرج به ما فيه مضرة كالسم، ٣ - وكونه غير مستقذر، فيخرج بذلك البول والرجيع الطاهران، فلا يباح تناولهما إلا عند الضرورة؛ لأنهما مستقذران.(٢) لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة، ٢٩].(٣) لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية [المائدة، ٣].(٤) فيحرم من الحيوانات البرية سبعة: (المحرَّم الأول) ما يفترس - أي: ينهش - بنابه كالأسد والنمر، والناب: السن الذي يلي الرباعية. وقوله: وثعلب: فيه خلاف في المذهب، والصحيح تحريم أكله، كما ذكر الماتن.(٥) بضم الباء، ويجوز تسكينها، فيستثنى من تحريم ما يفترس بنابه: الضبع؛ فالضبع له ناب لكنه مباح؛ لحديث جابر ﵁: أمر النبي ﷺ بأكل الضبع، قلت: هي صيد؟ قال: نعم، رواه أحمد.стр. 695
بمِخلَبٍ كعُقابٍ وصقرٍ (١) ، وَمَا يَأكُلُ الجِيَفَ كنَسْرٍ ورَخَمٍ (٢) وَمَا تستخبثُه العَرَبُ ذُو اليَسَارِ كوَطْوَاطٍ وقنفذٍ ونِيصٍ (٣) ، وَمَا تولَّد من مَأكُولٍ وَغَيرِهِ كبَغْلٍ (٤) .
وَيُبَاحُ حَيَوَانُ بَحرٍ كُلُّه سوى ضِفْدَعٍ وتِمْساحٍ وحيَّةٍ (٥) .
وَمن اضْطُرَّ أَكل وجوباً من مُحرَّم غير سُمٍّ مَا يسُدُّ رمَقَهُ (٦) . الحواشي
(١) (المحرَّم الثاني) من الطير ما يصيد بمخلب كعقاب وصقر، وقد ورد ذلك في السُّنة.(٢) (المحرَّم الثالث) ما يأكل الْجِيَف ولو لم يكن له مخلب، والجيَف: جمع جيفة، وهي الميتة من الدواب والمواشي إذا أنتنت، والرخم: نوع من الطيور.(٣) (المحرَّم الرابع) ما استخبثته العرب ذوو اليسار، وهم أهل الحجاز من أهل الأمصار والقرى؛ لأن الكتاب نزل عليهم، والنيص: هو عظيم القنافذ.(٤) (المحرَّم الخامس) ما تولَّد من مأكول وغيره؛ تغليباً لجانب الحظر.
(تتمة) (المحرَّم السادس) ما أمر الشارع بقتله كالفواسق، أو نهى عن قتله كالضفدع، و (المحرَّم السابع) الحُمُر الأهلية.
ويباح ما عدا هذه المحرمات السبعة كبهيمة الأنعام، وباقي الوحوش كالزرافة والأرنب، وباقي الطيور كالنعام.(٥) فيباح حيوان البحر كله كإنسان البحر إلا ثلاثة: ١ - الضفدع - بكسر الضاد والدال، ومنهم من يفتح الدال -؛ للنهي عن قتله، ٢ - والتمساح؛ لأن له ناباً يفترس به، ٣ - والحية؛ لأنها مستخبثة.(٦) والمراد بالاضطرار: أن يخاف الإنسان على نفسه التلف إن لم يأكل المحرَّم، كذا في المنتهى، قال صاحبه في شرحه - ومثله للبهوتي -: (نقل حنبل: إذا علم أن النفس تكاد تتلف، وفي المنتخب: أو مرضاً أو انقطاعاً عن الرفقة، أي: بحيث ينقطع فيهلك، كما في الرعاية)، وفي الإقناع: (بأن يخاف التلف إما من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك)، فيؤخذ من كلامهم: أنه إن خشي أيضاً المرضَ، أو الانقطاعَ عن متابعة رفقته في السفر فإنه يجب عليه أيضاً أن يأكل، والله أعلم.
فمن اضطر أكل وجوباً من أي محرم من المحرمات السابقة - غير السمّ - ما يسد رمقه، والرمق: بقية الرُوح، فليس له أن يشبع من المحرَّم، ويجب تقديم السؤال على الأكل، وله أن يتزود منه إن خشي الحاجة، والدليل على هذه المسألة قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة، ١٩٥].
ويستثنى من وجوب الأكل للمضطر: إذا كان في سفر محرم، فلا يحل له أن يأكل من الميتة ونحوها إلا إذا تاب.стр. 696
وَيلزمُ مُسلماً ضِيَافَةُ مُسلمٍ مُسَافرٍ في قَرْيَةٍ لَا مِصرٍ (١) يَوْماً وَلَيْلَةً (٢) الحواشي
(١) المراد بالضيافة هنا: إطعام الضيف قدر كفايته مع أدم كما قاله الماتن، أما الإيواء للنوم، فلا يجب إلا أن يعدم المسجد أو الفندق، ويشترط لوجوب الضيافة للطعام: ١ - كون الضيف مسلماً، فلا تجب للذمي، ٢ - وكونه مسافراً، فلا تجب للمقيم، ٣ - وكون ذلك في قرية ليس فيها مكان للبيع والشراء، أما القرى التي يوجد بها بقالات ومطاعم ونحوها، فهي في حكم المدن، فلا تجب الضيافة فيها.(٢) قال اللبدي: (أربعاً وعشرين ساعة).стр. 697
قدرَ كِفَايَته وَتُسنُّ ثَلَاثَةَ أيام (١) . الحواشي
(١) لحديث أبي شريح الخزاعي ﵁: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام»، متفق عليه.стр. 698
فصل (في الذكاة) (١)
لَا يُبَاح حَيَوَانٌ يعِيش فِي البَرِّ (٢) غيرَ جَرادٍ وَنَحْوِه إلا بذكاتِهِ.
وشروطُهَا أربعةٌ: كَونُ ذابحٍ عَاقِلاً مُمَيّزاً (٣) وَلَو كتابياً (٤) ، والآلةُ، وَهِي كل محدّدٍ غيرَ سنٍّ وظُفُرٍ (٥) ، وَقطعُ حلقومٍ الحواشي
(١) الذكاة لغة: تمام الشيء، وشرعاً: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله يعيش في البر. وتشمل الذكاة: ١ - الذبح، وهو قطع الحلقوم والمريء، ويسن في غير الإبل، ٢ - والنحر، وهو الطعن بحربة ونحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويسن في الإبل، ٣ - والعقر، وهو جرح الصيد وما لا يُقدر على ذبحه أو نحره في أي موضع كان من بدنه.(٢) وكذا الذي يعيش في البر والبحر.(٣) شروط الذكاة أربعة: (الشرط الأول) أهلية المذكِّي، بأن يكون: ١ - عاقلاً؛ ليصح منه قصد التذكية، ٢ - مميزاً، فلا يشترط كونه بالغاً.(٤) وهو المتدين بدين أهل الكتاب، ويشترط لحل ذبيحته: كون أبويه كتابيين وبقية شروط الذكاة.(٥) (الشرط الثاني) الآلة، وهي كل محدد أي: ما ينهر الدم لكونه حاداً من حجر أو خشب أو حديد أو عظم - غير سن -، ويجزئ ولو كان مغصوباً، أما السن والظفر، فلا تصح التذكية بهما - متصلين أو منفصلين -؛ للحديث: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكُلْ، ليس السن والظفر، فأما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة»، متفق عليه.стр. 699
ومريءٍ (١) .
وَسُنَّ قطعُ الودَجَين (٢) ، وَمَا عُجِزَ عَنهُ كواقع فِي بِئرٍ، ومتوحشٍ ومتردٍّ يَكفِي جرحُهُ حَيثُ كَانَ (٣) ،
فَإِن أعانه غَيرُه ككون رَأسِهِ فِي الماءِ وَنَحْوه لم يحل (٤) ، وَقَولُ بِسم الله عِند تَحْرِيكِ يَدِهِ (٥) ، الحواشي
(١) (الشرط الثالث) قطع الحلقوم والمريء، والحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب، ولا يشترط إبانتهما، ولا قطع شيء غيرهما.(٢) وهما عرقان محيطان بالحلقوم، والأَولى قطعهما خروجاً من الخلاف، كما ذكر صاحب الإقناع.(٣) أي: ما عُجز عن ذبحه كواقع في بئر، أو متردٍّ من مكان عال، أو بعير هرب وتوحش ونحوه مما لا يمكن ذبحه، فإنه يكفي جرحُه في أي موضع كان من بدنه، ومثله: ملتو عنقه.
(تتمة) الاعتبار في الحيوان بحال الذكاة لا بأصله: فالوحشي - كالغزال مثلاً - إذا قُدِر عليه فإن ذكاته بذبحه أو نحره لا بجرحه في أي موضع كان من بدنه، والأهلي المستأنس كالإبل إذا توحش وعُجِز عن نحره فذكاته بجرحه في أي موضع كان من بدنه، كما في شرح المنتهى. والله أعلم. (تحرير)(٤) كما ورد عن النبي ﷺ ، فإذا وُجد مع الجرح أمرٌ آخر أعان على قتل الصيد ككون رأسه في الماء ونحوه لم يحل؛ لأنه لا يدرى هل مات من الطعنة أو من السبب الآخر كالغرق.(٥) (الشرط الرابع) التسمية عند تحريك اليد، ويقوم مقام النطق بها عند الأخرس إيماؤه برأسه إلى السماء أو بعينه، والتسمية شرط، بخلاف التكبير فهو سنة، كما سيأتي إن شاء الله.стр. 700
وَتسقُطُ سَهواً لا جهلاً (١) .
وذكاةُ جَنِينٍ خرج مَيتاً وَنَحْوَه بِذَكَاةِ أُمهِ (٢) .
وكُرِهت بِآلَة كالَّةٍ (٣) ، وَحدُّهَا بِحَضرَةِ مذكًّى (٤) ، وسلخٌ، وَكسرُ عُنُقٍ الحواشي
(١) فمن علم شرطَ التسمية فسها وغفل عنها فلم يأت بها حلت ذبيحته، بخلاف من جهل حكمها ولم يأت بها، فلا تحل ذبيحته. (فرق فقهي)
(تتمة) شروط التسمية: ١ - قول «بسم الله» عند الذبح، ويستحب أن يقول معها «الله أكبر»، ٢ - وأن لا يذكر مع اسم الله تعالى اسماً غيرَه، ٣ - وقصد التسمية على ما يذبحه، فلو سمى على شاة وذبح غيرها لم تبح، ٤ - وأن يكون في الذبيحة حياة مستقرة قبل الذكاة، والحياة المستقرة: هي أن توجد في الحيوان - قبل ذكاته - حركة تزيد على حركة المذبوح، فإن وصل الحيوان - قبل تذكيته - إلى حركة مذبوح أو أقل منها فلا يباح بتذكيته، ٥ - قصد التذكية من المذكي، فلو احتك مأكول بمحدد بيده لم يحل.(٢) فإذا ذُكي الحيوانُ الحامل وخرج الجنين ميتاً، فإنه يحل بذكاة أمه، كما ورد في الحديث، واستحب الإمام أحمد تذكيته. أما لو خرج الجنين وفيه حياة مستقرة، فلا يباح بغير تذكية.(٣) أي: غير حادة.(٤) بحيث يراه الحيوان.стр. 701
قبل زهوقٍ (١) ، وَنفخُ لحمٍ لبيعٍ (٢) .
وَسُن تَوْجِيهُهُ إلى القِبْلَةِ (٣) على شِقِّه الأَيسَرِ، ورفقٌ بِهِ (٤) ، وتكبيرٌ. الحواشي
(١) أي: يكره أن يسلخ الحيوان ويكسر عنقه قبل أن تخرج روحه.(٢) لما فيه من الغش والتدليس، بخلاف ما إذا ذبحه لنفسه فيجوز نفخه؛ لتسهيل السلخ، ذكره في الكشاف.(٣) وفي الإقناع: (يكره لغيرها).(٤) أي: يسن الرفق بالمذبوح.стр. 702
فصل (في الصيد) (١)
الصَّيْدُ مُبَاحٌ، وشروطُه أربعةٌ:
كَونُ صائدٍ من أهلِ ذَكَاةٍ (٢) ،
والآلةُ وَهِي آلةُ الحواشي
(١) الصيد - كما في المنتهى -: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مقدور عليه، وزاد في الإقناع: (وغير مملوك)، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى في ذكره محترزات التعريف: (فاقتناص نحو ذئب ونمر، وما ندَّ - أي: هرب - من إبل وبقر، وما تأهل من نحو غزلان، أو مُلك منها ليس صيداً). وللصيد ثلاثة أحكام: (الحكم الأول) الإباحة: وهي الأصل فيه، فيباح لقاصده، أي: لمن يقصد الصيد. (الحكم الثاني) الكراهة: وذلك إذا صاد للهو واللعب. (الحكم الثالث) التحريم: وذلك إذا كان في الصيد ظلم للناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم.(٢) شروط الصيد أربعة: (الشرط الأول) كون الصائد من أهل الذكاة، وقد تقدم. والاعتبار بأهلية الصائد حالة الرمي لا حال الإصابة، فإن ارتدَّ بعد رميه وقبل الإصابة حل الصيد. ويستثنى من هذا الشرط: ما لا يفتقر إلى ذكاة كحوت وجراد، فيباح إذا صاده مَنْ لا تباح ذبيحته.
(تتمة) زاد اللبدي عن ابن نصر الله من حواشي الكافي: شرطاً في الصائد، وهو: أن يكون حلالاً لا محرماً.стр. 703
ذَكَاةٍ (١) ، أو جارحٌ معلَّمٌ وَهُوَ أن يسترسِلَ إذا أُرسلَ، وينزجرَ إذا زُجرَ، وإذا امسك لم يَأكُل (٢) ،
وإرسالُها قَاصِداً، فَلَو استرسل جارحٌ بِنَفسِهِ فَقتل صيداً الحواشي
(١) (الشرط الثاني) آلة الصيد، وهي نوعان: [النوع الأول] محدد، وهو كآلة ذكاة: ويشترط فيها: ١ - أن تكون جارحة بنفسها، ٢ - وأن تقتل الصيد بجرحها لا بثقلها أو خنقها، ٣ - وأن لا يوجد في الصيد أثر غير تلك الآلة، أو يوجد أثر شارك آلة الصيد ولا يحتمل الإعانة على القتل كأكل الهر للصيد الميت؛ لأنه لا يمكنه أن يقتله.
(تتمة) الصيد بالرصاص: اختلف الحنابلة في الذكاة بالرصاص، فذهب ابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ) - كما في حاشيته على الأخصر - إلى أن الصيد يحل به؛ لأنه يجرح وينهر الدم، أما اللبدي (ت ١٣١٩ هـ) - وهو معاصر لابن بدران -، فذهب إلى عدم الحل؛ لأن الرصاص يقتل لا بحده؛ لكونه غير محدد، وفصّل بعضهم فقال: إن كان للرصاص رأس حاد، فإن الصيد يحل به، وإلا فلا، قلتُ: وهو أشبه بأصول المذهب كالصيد بالمعراض وهو عود محدد، فإن أصاب المعراضُ الصيدَ بحده الجارحِ أبيح الصيد، وإن أصابه بعرضه غير الجارح لم يبح الصيد، والله أعلم. (خلاف المتأخرين)(٢) [النوع الثاني] من آلة الصيد الجارح المعلَّم، والجارح لغة: الكاسب، قال تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام، ٦٠]، أي: ما كسبتم، والمراد به هنا: ما يصيد بنابه كفهد وكلب، أو مخلب من الطيور كصقر وباز، ويشترط في الجارح أربعة شروط: ١ - أن لا يكون كلباً أسود، ٢ - وأن لا يشاركه ما لا يباح صيده كالكلب غير المعلم، ٣ - وأن يكون معلَّماً، ٤ - وأن يجرح الصيد في أي مكان، فلا يحل الصيد إن خنقه أو قتله بصدم.
أما تعليم ما يصيد بنابه كالفهد والكلب، فيشترط فيه ثلاثة شروط: ١ - أن يسترسِل إذا أُرسل، أي: يمشي وينطلق إذا أرسله الصائد، ٢ - وينزَجِر إذا زُجر، أي: يتوقف عن العدو إذا نهره صاحبه، ٣ - وإذا أمسك لم يأكل؛ ليُعلم أنه لم يصد لنفسه.
أما ما يصيد بمخلبه كالصقر، فيشترط فيه الشرطان الأولان دون الأخير؛ لأنه يصعب تعليمه أن لا يأكل، فلو صاد وأكل من الصيد لم يحرم.
(تتمة) في الإقناع: (وإن أدرك الصيدَ وفيه حياة غير مستقرة بل متحركاً كحركة المذبوح فهو كالميتة: لا يحتاج إلى ذكاة - أي: فيكون حلالاً -، وكذا لو كان فيه حياة مستقرة فوق حركة المذبوح ولكن لم يتسع الوقت لتذكيته، وإن اتسع الوقت لها لم يبح إلا بها، وإن خشي موته ولم يجد ما يذكيه لم يبح أيضاً).стр. 704
لم يحلَّ (١) ، وَالتَّسمِيَةُ عِند رميٍ أو إرسالٍ، وَلَا تسقطُ بِحَالٍ (٢) ، وَسُن تَكبِيرٌ الحواشي
(١) (الشرط الثالث) أن يرسل الصائدُ الآلة قاصداً، فلو سقط محدد على صيد فقتله لم يحل، وكذا لو استرسل الجارحُ بنفسه فقتل صيداً لم يحل؛ لأنه صاده لنفسه.
(تتمة) يشترط العلم بالصيد: لا بالظن ولو أصابه فإنه لا يحل، ولو رمى صيداً فأصابت الآلة غيره، أو واحداً فأصاب عدداً حل الكل؛ لعدم إمكان التحرز.(٢) (الشرط الرابع) التسمية عند رمي السهم ونحوه أو عند إرسال الجارحة، ولا تسقط التسمية في الصيد بحال - لا سهواً ولا جهلاً ولا نسياناً -؛ لندرة وقوع الصيد، بخلاف الذكاة، فإن التسمية تسقط فيها بالنسيان؛ لإمكان حصوله مع كثرة ما يذكي الناس من البهائم. (فرق فقهي)
(تتمة) لو سمى على صيد وأصاب غيره حل، فالاعتبار في التسمية في الصيد على الآلة لا الحيوان المصيد، بخلاف ما لو سمى على شاة فذبح غيرها فلا تحل، وتقدم في الذكاة. (فرق فقهي)стр. 705
مَعهَا (١) .
وَمن أَعتَقَ صيداً، أو أَرسلَ بَعِيراً أو غَيرَه لم يَزُل ملكُه عَنهُ (٢) . الحواشي
(١) أي: مع التسمية.(٢) أي: لو أرسل صيداً وقال: (أعتقتك) لم يَزُل ملكه عنه، قال البهوتي في الكشاف: (حكاه ابن حزم إجماعاً)، وكذا لو أرسل حيواناً من بهيمة الأنعام كما لو كان بعيراً أو غيره كبقرة - ولم يقل: أعتقته - لم يزُل ملكه عنه، فلا يملكه آخذه بإعراض مالكه عنه بخلاف نحو كسرة خبز أعرض عنها، فإنه يملكها آخذها؛ لأنه مما لا تتبعه الهمة، وعادةُ الناس الإعراض عن مثلها، والله أعلم.следующие страницы →