← Тафсир

Тафсир · id 13

استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها

فهد بن سعد القويفل

Полный текст (349 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفضيل الأنبياء على الملائكة . قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة ٣١]. • قال السمعاني ﵀: " وإنما علَّمه - أي تعليم الله لآدم - ذلك تكريماً وتشريفاً له، وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة". (١) الدراسة: استنبط أبو المظفر السمعاني من كون تعليم الله سبحانه لآدم الأسماء كلها، وعرض آدم هذه الأسماء على الملائكة، أفضليته على الملائكة، ومن ثم بنى عليها أفضلية الأنبياء على الملائكة، ووجه الاستنباط أن استثناء الله لآدم لتعليمه، وأمره سبحانه لآدم أن يعرض الأسماء على الملائكة فيه دليل على الأفضلية. الموافقون: بعد تتبع أقوال علماء العقيدة والمفسرين في كتبهم وتفاسيرهم، نجد أن السمعاني ﵀ قد وافقه جمهور أهل العلم من علماء السنة مستدلين بنصوص القرآن والسنة بل قالوا بأن صالحي البشر أفضل من الملائكة. (٢)

стр. 107

قال ابن القيم: " ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت مادتهم نورًا ومادة البشر ترابًا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الابليسية صارت ميراثًا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى ". (١) وكان من جملة ما استدل به علماء السنة ظاهر هذه الآية المستنبط منها، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. (٢) فسجود الملائكة لآدم دليل أفضليته عليهم. المخالفون: انقسموا إلى قسمين منهم المخالف ومنهم المتوقف: القسم الأول: قسم يقول بتفضيل الملائكة على الأنبياء باستثناء نبينا محمد ﷺ فهو أفضل الخلق على الإطلاق وهو اختيار أبي بكر الباقلاني (٣) وأبي عبد الله الحليمي (٤).

стр. 108

ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فقالوا أن ذلك زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم. وممن قال بهذا الاستنباط الزمخشري. (١) ورد عليهم ابن كثير بقوله: " وليس في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل ". (٢) وزاد الشوكاني بأنه لا يفهم من لغة العرب أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه. (٣) واحتج المخالفون أيضا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، لأن المراد من هذه العندية القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم.

стр. 109

ورد أهل السنة عليهم بأنه تعالى أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (١). واحتج المخالفون بأن عبادات الملائكة أدوم، لأن أعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله ﵊ عندما سأله الأعرابي يا رسول الله من خير الناس؟ قال (من طال عمره وحسن عمله) ". (٢) ورد عليهم بأن نوحا ولقمان والخضر - عليهم الصلاة والسلام - كانوا أطول عمرا من محمد ﵊ فوجب أن يكونوا أفضل منه، فيصبح قولهم باطل بالاتفاق. (٣) وقاموا بالرد على من فضل الأنبياء على الملائكة بقولهم بأن تعليم الله لآدم فيه فضلا، وليس أفضلية مطلقة، وأن سجود الملائكة كان امتثالاً لأمر ربهم ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يقتضي ذلك التفضيل، لأنهم إنما سجدوا امتثالاً وانقياداً وطاعة له سبحانه، وتكريماً لآدم وتعظيماً، وإظهاراً لما فيه من الفضل، لا على الأفضلية، ولا شك أن للملائكة وصالحي بني آدم أيضا فضلاً

стр. 110

عظيماً، بل وقالوا أنه لا يلزم أن يكون المسجود له أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة. (١) القسم الثاني: قسم توقف في المسألة لوجود الأدلة من كلا الفريقين، ومنهم الكيا الهراسي (٢)، وأثر عن الإمام أبي حنيفة التوقف عن الخوض في هذه المسألة وأيضا أثر عن الطحاوي. (٣) النتيجة: بعد معرفة أدلة الموافقين والمخالفين يمكن الجمع بين الأدلة والتوسط بين الموافقين والمعارضين ولا أجمل مما قاله شيخ الإسلام عندما أراد التوسط بين القولين حيث قال: "وصالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة

стр. 111

". (١) وقد وافقه تلميذه ابن القيم بقوله: " وبهذا التفضيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه ". (٢) وإلا فالأقرب والأسلم - والله أعلم - أن التوقف عن الخوض في هذه المسألة أفضل من الخوض فيها وذلك لأنه من الأمور التي يسميها أهل العلم فضول العلم، وذلك لما يجري فيها من تصادم النصوص والرد على المعارض بنفس ما استدل به من كلا الفريقين، يؤيد ذلك ما ذكره ابن أبي العز في سبب توقف الإمام الطحاوي عن التعرض لهذه المسألة وذلك لقلة ثمرتها وأنها من الأمور التي لا تعني المسلم لقوله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (٣). (٤) وأيضا لما تبعه عليه الشوكاني بعد القول بتفضيل الأنبياء قال: " وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية؛ بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني ". (٥) والله أعلم.

стр. 112

جواز النسخ في القرآن ووقوعه . قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦]. • قال السمعاني ﵀: " والنسخ (١) جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه ..... ". (٢) الدراسة: لم يكن استنباط السمعاني بجواز النسخ من ظاهر هذه الآية إلا لكثرة من تكلموا في النسخ سواءً بمنعه كليًّا أو جوازه عقلاً ومنعه سمعاً أو غير ذلك من أنواع إنكار النسخ، فاستنبط ﵀ من بيان الله، وإثباته لنسخ بعض الآيات جوازه ووقوعه في القرآن. الموافقون: (٣) اتفقت الأمة على جواز النسخ في القرآن وأنه جائز وقوعه عقلا وسمعا بل وقد وقع، ووافق السمعاني في هذا جمع من المفسرين، قال الزركشي: " والصحيح

стр. 113

جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا ". (١) وقال النسفي " وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص". (٢) وكذلك قاله الطبري، والثعلبي، وابن عطية، وابن القيم، وابن كثير، والبيضاوي، والزرقاني، والشنقيطي، وغيرهم كثير. (٣) وقد وافقهم أيضا علماء الفقه وأصوله، وذكروا أدلة القول بالنسخ، قال ابن قدامه: " وقد أنكر قوم النسخ وهو فاسد لأن النسخ جائز عقلاً وقد قام دليله شرعاً أما العقل فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحتة في زمان دون زمان، ولا بعد في أن الله يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا ويمتنعوا بسبب العزم عليه عن معاص وشهوات ثم يخففه عنهم، فأما دليله شرعا فقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، وقد وافقه أيضا الآمدي، وابن حزم، والزركشي، والغزالي، والشوكاني وغيرهم. (٥)

стр. 114

المخالفون: (١) أنكرت طائفة وقوع النسخ في القرآن، واختلفوا ما بين مَن جوَّزه عقلاً أو منعه سمعاً، أو منعه بالكلية. وأيضاً قد نقل أن أبا مسلم الأصفهاني (٢) قد أنكر وقوع النسخ في القرآن ووجه إحكام الآيات المنسوخة. أما المتأخرون فقالوا أن ليس هناك نصاً في أن المراد بالنسخ هو النسخ للآية القرآنية، وإنما المراد هو المعجزة، وكان هذا رداً على كفار قريش الذين طلبوا آية - أي معجزة كونية مادية، ويزكي هذا القول إختتام الآية بذكر قدرة الله تعالى، ولو كان المراد بالآية هو الآية المنزلة، لختمت الآية بما يناسبها من العلم والحكمة، ثم ذكروا عدة أدلة تثبت عدم جوازه وعدم وقوعه في القرآن. (٣)

стр. 115

وقد رد عليهم القائلون بالنسخ أدلة من القرآن والسنة بل ومن حيث ما استدل النافون للنسخ فألجمتهم وأسكتت أفواههم، بل وردوا عليهم أيضا بالأدلة العقلية. (١) النتيجة: أن ماذهب إليه السمعاني ومن وافقه من قبله ومن بعده هو عين الصواب وذلك لموافقته لنصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وإجماع علماء الأمة من المفسرين، والأصوليين، وغيرهم على القول بجواز ووقوع النسخ، والله أعلم.

стр. 116

تكرار الآيتين إما لاختلاف المخاطب، أو للتأكيد بأنه لا ينفع الإنسان إلا عمله وذلك لقطع التعلق بالمخلوقين . قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤١]. • قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: أنكم غير مسؤولين عن أعمالهم بل هم المسئولون، فإن قيل: هذا تكرار، فإنه قد ذكره مرة، قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وهذا الثاني: في اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم، أو كرره تأكيدا ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني استنباطين في مناسبة تكرار هاتين الآيتين، وبين أن سبب التكرار إما لاختلاف المخاطب بحيث أن الآية الأولى نزلت في الأنبياء والآية الثانية نزلت في أسلاف اليهود، أو أن سبب التكرار التأكيد وذلك لأجل قطع تعلق القلوب بالمخلوقين فلا ينفع الإنسان إلا كسبه. الموافقون للسمعاني في استنباطه الأول بأن سبب التكرار اختلاف المخاطب: قال بعض المفسرين أنه ليس في الآيتين تكرار، وإنما السياق يبين اختلاف من ورد في حقهم الخطاب، قال أبو حيان: " وليس ذلك بتكرار، لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره، وإذا كان كذلك، فقد اختلف السياق،

стр. 117

فلا تكرار، بيان ذلك أن الأولى وردت إثر ذكر الأنبياء، فتلك إشارة إليهم، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى، فالمشار إليه هم، فقد اختلف المخبر عنه والسياق، والمعنى: أنه إذا كان الأنبياء على فضلهم وتقدّمهم، يجازون بما كسبوا، فأنتم أحق بذلك ". (١) وممن وافقه على ذلك أيضاً الرازي. (٢) الموافقون للسمعاني في استنباطه الثاني بأن سبب التكرار هو التأكيد بأنه لا ينفع الانسان الا كسب نفسه وأنه لا يسأل عن أعمال غيره: خالف بعض أهل التفسير بالقول بأن هذا التكرار لاختلاف السياق، وقالوا بأن الحكمة من التكرار قطع التعلق بالمخلوقين من الآباء وغيرهم من الأسلاف، وأن المعول ما اتصف به الإنسان. قال حقي: " وهذا تكريرٌ للآية السابقة بعينها للمبالغة في الزجر، عمّا هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم". (٣) وممن قال به أيضاً البيضاوي، والخازن، والألوسي، وأبو السعود، والشوكاني، والدوسري (٤). (٥)

стр. 118

النتيجة: يظهر والله أعلم، أن التكرار في هاتين الآيتين لأجل التخويف والتهديد من الاعتماد على عمل الأسلاف وأنّ الإنسان مسؤولٌ عن نفسه، والتأكيد على هذا المعنى يزيد رسوخًا في نفوس الناس، قال ابن عاشور: " تكريرٌ لنظيره الذي تقدم آنفاً لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السامعين اهتماماً بما تضمنه لكونه معنى لم يسبق سماعه للمخاطبين فلم يقتنع فيه بمرة واحدة " (١). ومما لا شك فيه أنه لو كان هناك دليلٌ على اختلاف المخاطب من سبب نزول أو غيره لقُدّم هذا القول ورُجّح على ما سواه، لكن حقيقة الأمر أنه ليس هناك دليل على ذلك فأصبح القول بذلك تعسفاً، قال الألوسي بعد ذكره لهذا " ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف الظاهر ". (٢) وبالقول الآخر أنه للتأكيد يكون الصواب، والله أعلم سفر المعصية لا يبيح رخصة أكل الميتة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣]. • قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا متعد، عاص في سفره، ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة". (٣)

стр. 119

الدراسة: استنبط السمعاني مسألةً فقهيةً في أن العاصي في سفره لا يترخص بما يحتاجه المضطر عند الضرورة، وحجته في عدم الترخص أن الله جعل من شروط الرخصة عدم التعدي. الموافقون: وقد وافق السمعاني في استنباطه لهذا الحكم الفقهي الشافعي، وأحمد، ومجاهداً، وسعيد بن جبير، ولم يكن هذا الاستنباط إلا لتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي ولا متعد في سفره أو متعد على المسلمين، وحجتهم أيضاً أن الرخص لا تنال بالمعاصي. (١) وقد ذكر ابن كثير هذا القول ولم يرجحه قال: " وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي". (٢) المخالفون: وممن خالف السمعاني في هذا الاستنباط الفقهي أبو حنيفة، ومالك، وشيخ الإسلام بن تيمية بحجتين: الأولى: قالوا بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي ولا متعد في أكله للميتة، أو ولا متعد على أعراض المسلمين وأموالهم.

стр. 120

الثانية: أن اللفظ على عمومه والعاصي يدخل في جملة المكلفين، وقال ابن خويز منداد (١): «فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء، لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما، وليس كذلك الفطر والقصر». وأيده على ذلك القرطبي (٢)، وقال به الجصاص، ووافقه الرازي، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن قدامه، والعثيمين. (٣) النتيجة: يظهر بعد وضوح الأدلة أن صراحة الأدلة عند المخالفين للسمعاني بجواز أكل الميتة للمسافر العاصي عند الضرورة، أقوى ممن وافقوا السمعاني، سواء من حيث التفسير الصحيح لبيان معنى الآية بأنها التعدي في الأكل، أو التعدي على المسلمين، وأيضا لإطلاق الآية، قال محمد رشيد رضا: " ولا خلاف بين المسلمين في أن السفر كالذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر وأما العاصي في السفر فهو على دخوله في الإطلاق من جملة المكلفين المخاطبين بالشريعة كلها كغيرهم". (٤) والله أعلم.

стр. 121

القتل لا يقطع أخوة الدين . قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨] • قال السمعاني ﵀: وظاهره يقتضي أنّ أخوّة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية مسألةً عقديةً، وهي أن القاتل لا يكفر، ووجه ذلك أن اللهَ سمّى القاتل أخاً فدلّ ذلك على أنه لم يكفر لبقاء الأخوة الإيمانية. وقد قال بذلك جمع من أهل التفسير: قال الخازن مثبتاً بقاء الإيمان للقاتل، وبقاء الأخوة الإيمانية بينه وبين أهل المقتول: " وأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فأراد بالأخوة أخوة الإيمان، فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة". (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: فخر الدين الرازي، وابن الجوزي، والخازن، والعثيمين (٣) وغيرهم. وذكر بعض المفسرين وجهًا آخر في الاستنباط حيث قالوا بأن ذكر الأخوة هنا رجاءَ استعطافِ أهلِ المقتول لرابط الأخوة الإيمانية التي تربطهم من أجل العفو عن القاتل قال النّسفي: " وذكّره بلفظ الأخوّة بعثاً له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام " (٤) وممن قال به أيضاً: البيضاوي، وابن عاشور. (٥) يخلص الأمر - والله أعلم - إلى صِحّة استنباط السمعاني، وإنه لا منافاة بين وجهي الاستنباط، فذِكر الأخوة يلزم منه بقاء الدين والإيمان عند القاتل، كما يلزم منه تذكير أهل الدم بأخوة الإسلام التي تربطهم، وذلك لترقيقِ أنفسهم، لأنهم إذا اعتبروا القاتل أخاً لهم كانوا أقرب للعفو، والله أعلم

стр. 122

بلاغة التعبير بالخوف دون العلم . قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء ٣٥]. • قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: علمتم، وإنما عبر بالخوف عن العلم، لأن الخوف طرف إلى العلم، فإنه إنما يخاف الوقوع في الشيء للعلم به ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني استنباطاً بلاغياً من سر التعبير بالخوف بدلا عن العلم، وقال بأن الخوف طرف إلى العلم، وإن الشيء لا يخاف الوقوع فيه إلا للعلم به. فيكون وجه استنباطه أنه لم يكن هناك خوف إلا بعد علم. وقبل أن ندلف إلى صحة هذا الاستنباط من عدمه يجب معرفة معنى تفسير هذه اللفظة ﴿خِفْتُمْ﴾ عند علماء التفسير. قال ابن عباس: " ومعنى خفتم: أي علمتم، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، فان ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة ". (٢)

стр. 123

وقد وافقه على ذلك الطبري، والبغوي، والرازي. (١) لكن خالف بعضهم هذا المعنى وخطأوا من قال بأن الخوف هو العلم اليقيني، مؤيدين القول في معنى الخوف بالظنية، والخشية أي إذا ظننتم وخشيتم، وحجتهم أنه لو علم الشقاق لما أحتيج إلى الحكمين. (٢) لكن أجاب سائر المفسرين على هذا القول بأن وجود الشقاق وإن كان معلوماً، إلا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى، ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا، فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل. (٣) من هنا يتبين بعد عرض أقوال أهل العلم أن استنباط السمعاني صحيح لوجود القرائن الدالة على ذلك وذلك بعد استنفاذ دواعي الإصلاح من الوعظ والهجر والضرب، فيتبين بعد ذلك أن الخوف هنا بمعنى العلم، وأنه طرف له، لإصرار الزوجة على النشوز، والله أعلم.

стр. 124

لفظ معدودات يدل على التيسير . قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٨٤]. • قال السمعاني ﵀: " والمراد بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيام رمضان، وفيه إشارة إلى التيسير، حيث لم يوجب صوم كل السنة، وإنما أوجبه أياما معدودات ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من كون هذه الأيام - أيام وليالي رمضان - تعد، بأنها أيام قليلة وأن فيها تيسير للمكلف وإشعارٌ بأن الله لا يكلف على العباد إلا بما فيه وسعهم وطاقتهم فلم يوجب عليهم صيام السنة كلها. وقد وقع خلاف في ما المراد بهذه الأيام، وأرجح الأقوال عند المحققين أنها أيام رمضان. (٢) وقد وافق السمعاني جمع من المفسرين في استنباطه هذا، قال ابن عاشور مؤيداً هذا الاستنباط: " وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة، ووصف بمعدودات، وهي جمع قلة أيضاً، تهويناً لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة، لأن الشيء القليل يعد عدا ". (٣) وقد قال بنحوه أيضا: الجصاص، والرازي، والنيسابوري، والسعدي، والعثيمين. (٤)

стр. 125

حكم الحاكم لا يحق باطلا عند العلم ببطلانه . قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. • قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي خلافه، هذا دليل على من يقول بنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من هذه الآية عدم جواز أكل أموال الناس بالباطل بعد قضاء الحكام مع العلم ببطلان حجة المحكوم له بطلانا والتي قضى بها القاضي لما ظهر له من البينة، أو حكم القاضي ظلما على الطرف الآخر لأجل رشوة أو قرابة أو غير ذلك. وقد وافق السمعاني جمهور العلماء وأئمة الفقهاء والمفسرين بإجماعهم أنه لا ينفذ القضاء ظاهرا وباطنا في الأموال والدماء والفروج، إنما يلزم في الظاهر فحسب، إلا أن أبا حنيفة قال بنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا في الفروج فحسب، قال ابن كثير مؤيداً هذا الاستنباط: " فدلت هذه الآية الكريمة، أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أي: طائفة ﴿مِنْ

стр. 126

أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم ". (١) وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: القرطبي، وأبو حيان، وحقي، ومحمد رشيد رضا. (٢) واستنبط بعض المفسرين من دلالة مفهوم المخالفة استنباطا سليما، في أنه في حالة عدم العلم ببطلان الحجة أنه يجوز نفوذ القضاء ظاهرا وباطنا، ولا إثم في ذلك، قال أبو حيان: " وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ دلالة على أن من لم يعلم أنه آثم، وحكم له الحاكم بأخذ مال، فإنه يجوز له أخذه، كأن يلقى لأبيه ديناً وأقام البينة على ذلك الدين، فحكم له به الحاكم، فيجوز له أخذه وإن كان لا يعلم صحة ذلك، إذ من الجائز أن أباه وهبه، أو أن المدين قضاه، أو أنه مكره في الإقرار، لكنه غير عالم به بأنه مبطل فيما يأخذه، والأصل عدم براءة المقرّ، وعدم إكراهه، فيجوز له أن يأخذه ". (٣) ووافقه على ذلك الجصاص، والألوسي. (٤) ويخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني في عدم نفوذ القضاء ظاهرا وباطنا عند العلم ببطلانه. ولا أصرح ولا أدل في التحريم بعد هذه الآية الكريمة إلا ما رواه الأئمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها) (٥). والله أعلم.

стр. 127

دلالة وجوب العمرة . قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦] • قال السمعاني ﵀: " ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر، والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من ظاهر الآية وجوب العمرة، ولم يكن استنباطه الموجب للعمرة إلا لتأوليه معنى الإتمام بالإتيان وقد يكون هذا لاقتران العمرة بالحج، والحج لا شك أنه واجب، فاستنبط السمعاني بهذه الدلالة وجوب العمرة. الموافقون: لمّا كان من تأويل بعض أهل التفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ بمعنى ائتوا بها تامة، كان للسمعاني موافقون على وجوب العمرة، إضافة لاقترانها بالحج الذي لا خلاف في وجوبه، لكن ليس من هذه الآية، وقد أثر عن ابن عباس ارتضائه لوجوب العمرة لاقترانها بالحج في هذه الآية (٢)، قال البيضاوي: " وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى،

стр. 128

وهذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ (وأقيموا الحج والعمرة لله) (١) " (٢)، وقال السعدي: " يستدل بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما ". (٣) وهذا القول هو المشهور عند أحمد والشافعي في أحد قوليهما (٤)، وممن قال بذلك أيضاً ابن الفرس (٥)، والرازي، والقرطبي، وابن قدامه. (٦) المخالفون: خالف السمعاني بعض المفسرين والفقهاء، فقالوا أن المقصود من هذه الآية هو إتمامُ أعمالها بعد الشروع فيها، وليس الوجوب، قال ابن كثير رادًّا القول الذي جعل من هذه الآية دلالةً على الوجوب: "وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد البدء فيهما، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صُدِدْتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة مُلْزِمٌ، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها ". (٧) وقد قال أبو السعود عند تفسيره لهذه الآية:

стр. 129

" ليس فيها دليل على وجوب العمرة مطلقاً، وادّعاء أن الأمر بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) وأنّ الأمر للوجوب ما لم يدل على خلافه دليل ممّا لا سداد له ". (١) وممن قال به أيضا: الطبري، والجصاص، وأبو السعود، وشهاب الدين الخفاجي (٢)، والشوكاني. (٣) النتيجة: وبعد معرفة أدلّة الفريقين يخلص الأمر أنه يجب الإتمام في أفعال الحج والعمرة بعد الابتداء لظاهر الآية، أمّا أن تكون هذه الآية هي فيها إيجابٌ للعمرة فليس كذلك، لأن غاية ما تدل عليه وجوب إكمال المناسك بعد الابتداء، إضافةً إلى أنّ هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة، والحج لم يفرض آنذاك، أما دلالة الآية على أصل الوجوب لاقترانها بالحج فضعيف، قال الزرقاني: "وتعقّب الأول بأنه لا يلزم من الاقتران بالحج وجوب العمرة فهو استدلال ضعيف لضعف دلالة الاقتران ". (٤) وقال ابن القيم: " وليس بيد من ادّعى تقدم فرض الحج سنة سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليل واحد ... وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنّما فيه الأمر بإتمامه إذا شُرع فيه فأين هذا من وجوب ابتدائه" (٥). والله أعلم.

стр. 130

تحريم الخمر لما وصف بأن فيه إثماً قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢١٩]. • قال السمعاني ﵀: " ولفظ الإثم يدل على التحريم، فإنه حرم الخمر بلفظ الإثم في آية أخرى، حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ وأراد به الخمر ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني بعد نزول هذه الآية أن شرب الخمر حرام، ووجه الدلالة كون الإثم ناتج منها والإثم لا يخفى على أحد حرمته لأنه حد المحرم وحقيقته، مستنبطا حرمة الإثم من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾. الموافقون: وافق السمعاني على القول بتحريم الخمر من هذه الآية بعض المفسرين مستدلين بهذا الوجه الذي ذكره السمعاني، والتحريم مروي عن ابن عباس. (٢) قال الجصاص: " هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر، ولو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية، وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، والإثم

стр. 131

كله محرم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾، فأخبر أن الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى وصفه بأنه كبير تأكيدا لحظرها وقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لا دلالة فيه على إباحتها، لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها ". (١) وقد أضاف ابن عادل على قول الجصاص بأن قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ تصريح برجحان الإثم، وذلك يوجب التحريم، حتى على نحو من قرأ ﴿أَكْبَرُ﴾ بالتثليث (٢) أي (أكثر) فإن كلاهما يدل على التحريم، فالأول يدل على الكيفية والآخر يدل على الكمية. وقد وافقه على القول بالتحريم، الرازي، وابن جزي (٣)، والألوسي، ومحمد رشيد رضا. (٤) المخالفون: خالف السمعاني في القول بالتحريم للخمر من هذه الآية أكثر المفسرين ومنهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل (٥)، قال القرطبي: " هذه الآية

стр. 132

نزلت في الذم للخمر لا لتحريمها والحجة الأولى: حديث عمر ﵁ وفيه أنه لو دلت الآية على حرمتها، لما قنع الصحابة حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة حال السكر (١)، والثانية: أن الآية لا تدل على أن شرب الخمر حرام، بل تدل على أن في الشرب إثما لا هي بذاتها، والثالثة: أنه تعالى أثبت أن فيها منافع للناس والمحرم لا يكون فيه منفعة، والرابعة: أنه أخبر أن فيها إثم كبير، فمقتضاه أنَ ذلك الكبير ملازماً لها ما دامت موجودة، ولو كان ذلك سبباً لحرمتها؛ لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع (٢) ". (٣) ثم قال القرطبي رادًّا على من قال بالتحريم "وهذا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ولم يقل: قل هما

стр. 133

إثم كبير، وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهى آية المائدة وعلى هذا أكثر المفسرين ". (١) وممن قال بهذا أيضا من أن الآية للذم لا للتحريم من غير التابعين الذين سبق ذكرهم، ابن العربي، وابن عطية، والخازن، والسعدي، والشنقيطي، والعثيمين. (٢) بحجة أن الآية للتدرج في التحريم فمبدأها الذم فحسب. (٣)

стр. 134

النتيجة: يظهر بعد استجماع الأدلة رجاحة القول بأنها للذم لا للتحريم، وأن القول بالتحريم قول مرجوح وذلك لعدم صراحة الأدلة بالتحريم وأنه لو كان هناك تحريما للخمر لما صرحت آية نزلت بعد هذه الآية بتحريم شرب الخمر في وقت معين دون سائر الأوقات (١)، وأنها نزلت تهيئة للنفوس للتحريم، لا للتحريم أصالة (٢)، قال ابن العربي: " وهذا إنما كان يصح التعلق به لو كان نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ فلا يقضى عليه من ذلك بتحريم ". (٣) والله أعلم.

стр. 135

تحريم نكاح المؤمنات للمشركين . قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢٢١]. • قال السمعاني ﵀: " وقوله ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من المشركين أجمع ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من ظاهر هذه الآية تحريم نكاح المشرك من المؤمنة، وذلك لدلالة النهي الذي يقتضي التحريم، حيث نهى الله من ولي على المؤمنات أن لا ينكحهم المشركين البتة ما لم يسلموا، ووجه استنباطه أن النهي يقتضي التحريم. وممن ذكر ذلك من المفسرين: الشافعي، والماوردي، وابن عطية، وأبو حيان، والبغوي، وابن كثير، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي. (٢) واستنبط السعدي معنى آخر من ظاهر الآية وهو أنه لا يكون هناك نكاح إلا بولي (٣)، وبه قال أيضا ابن جرير الطبري: قال: النكاح بولي في كتاب الله،

стр. 136

ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وممن أشار إلى هذا القول: ابن أبي حاتم، والماوردي، وابن عطية. (١) وتحريم نكاح المؤمن للمشركة عام؛ لكنه خُصِّص بآية أخرى وهي الإباحة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. قال الرازي: " أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتَّة على اختلاف أنواع الكفرة". (٢) وبهذا قال القرطبي والنيسابوري ". (٣) فيخلص القول على سلامة ما استنبطه السمعاني، والله أعلم.

стр. 137

إبطال جواز إتيان النساء في غير فروجهن . قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣] • قال السمعاني ﵀: " واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي، لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو القبل". (١) الدراسة: استنبط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة من هذه الآية عدم جواز إتيان المرأة في دبرها وذلك لتخصيص الإتيان في الحرث دون سواه. الموافقون: وافق السمعاني على القول بتحريم إتيان المرأة من دبرها جمهور العلماء من الفقهاء والمفسرين بحجة أمر الله إتيان المرأة في حرثها الذي هو القبل لا الدبر، قال القرطبي: "فأما الإتيان في غير المأتي فما كان مباحا، ولا يباح، وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم، وفى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد ". (٢)

стр. 138

وقال البغوي: " وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر ". (١) وقد وافقه على القول بالتحريم: الشافعي، وابن قتيبة، وابن جرير، وابن كثير، والشوكاني، وابن عثيمين، وغيرهم كثير. (٢) المخالفون: خالف القول بتحريم إتيان المرأة من دبرها بعض الفقهاء وجوزوا ذلك ببعض الوجوه: أولها: أنه روي عن عمر وأبي سعيد الخدري الجواز بإتيان المرأة في دبرها وقد حكي عن مالك ذلك لكن أصحابه أنكروا ذلك، ثانيها: التمسك بهذه الآية من وجهين، الوجه الأول: أنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة فقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال بعده: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع. والوجه الثاني: أن كلمة ﴿أَنَّى﴾ معناها أين، قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ والتقدير: من أين لك هذا فصار تقدير الآية: فأتوا حرثكم

стр. 139

أين شئتم وكلمة: أين شئتم، تدل على تعدد الأمكنة: اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة. (١) النتيجة: يرجح بلا شك قول السمعاني ومن وافقوه ممن قبله أو بعده لعموم الأدلة الصحيحة، أما القول بأن تفسير قوله تعالى ﴿أَنَّى﴾ هو التخيير فهذا باطل بل المراد (كيف شئتم) وما ثبت عن عمر ﵁ المنقول عن نافع من القول بالجواز فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة ولا يعقل أن يقوله ﵁، والصحيح الذي ثبت هو أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت فقال وما الذي أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة قال: فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر. (٢) ولا أصرح ولا أدل على التحريم من ما قد ذكر في الصحيح من حديث جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد

стр. 140

أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١)، وما رواه ابن عباس مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر). (٢) إضافة إلى ما ينتج - أيضاً - من إتيان المرأة في دبرها من الأضرار (٣)، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار). (٤) فبهذا وغيره يتبين وجه التحريم، والله أعلم.

стр. 141

جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر . قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦] • قال السمعاني ﵀: " هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا بدلالة الالتزام بأن عقد الزواج يصح بدون ذكر المهر أصلا، وبيان ذلك أن الله أباح الطلاق لمن لم يسم المهر ولم يذكره، وإباحة الطلاق تستلزم وجود زواج صحيح، فيستنبط من ذلك صحة عقد الزواج بدون ذكر المهر أصلا، قال الشافعي: " وعقد النكاح يصح بغير فريضة صداق، وذلك أن الطلاق لا يقع إلا على من عقد نكاحه ". (٢) وممن قال بهذا أيضا الزجاج، والرازي، ابن عادل، ومحمد رشيد رضا. (٣) وإن كان من مخالف في هذه المسألة الفقهية، فليس في صحة النكاح أو بطلانه، وإنما في جوازه فقط فقالوا: أن الآية لا تدل على الجواز، لكنها تدل على الصحة، فإنه لو لم يكن صحيحا، لم يكن الطلاق مشروعا، ولم تلزم المتعة، ولا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمن الحيض حرام وإذا أوقعه صح. (٤)

стр. 142

وقد ذكر بعض أهل العلم مسألة من لم يسم مهرها في عقد نكاحها هل تكون غير مستحقة للمهر أو تكون مستحقة له وكم يكون قدره؟ (١) يخلص القول بصحة استنباط السمعاني ومن وافقه، أما القول بالصحة دون الجواز فهذا قول لا دليل له ولا قرينة تؤيده. يؤيد صحة ما قيل حديث ابن مسعود أن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال ﵁: " أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله، لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث، وعليها العدة فقام رجل من أشجع فقال في مثل هذا قضى رسول الله ﷺ فينا في امرأة يقال لها بروع بنت واشق (٢) تزوجت رجلا فمات قبل أن يدخل بها فقضى لها رسول الله ﷺ بمثل صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة ". (٣)

стр. 143

وجوب إعطاء المتعة لكل المطلقات . قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦]. • قال السمعاني ﵀: " وفيها دليل على وجوب المتعة في الجملة، فإنه قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من ظاهر الأمر في قول الحق ﵎ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الوجوب بإعطاء المتعة للمطلقات عموما، ولم يوجبه للمطلقة التي لم يفرض لها مهرا ولم يحصل بينها وبين زوجها مسيس فحسب، وقد يكون قوله هذا بجعل الأمر بالوجوب مستنبطا من الآية التي بعدها في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾. الموافقون: وافق السمعاني جل المفسرين على القول بالوجوب لعدم الصوارف لعموم المطلقات، بدلالة أن الأمر يقتضي الوجوب، وأن سبب تخصيص المطلقات اللاتي لم يدخل عليهن ولم يفرض لهن إنما هو من باب ذكر أفراد بعض العموم فلا تخصيص على المشهور، قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وحمله ابن عمر وعلى بن أبى طالب والحسن بن أبى الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب وهذا القول أولى من الندب، لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾

стр. 144

وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر في الوجوب منه في الندب، وقوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه " (١). وممن قال بهذا، الشافعي، والطبري، والجصاص، والكيا الهراسي، والشهاب الخفاجي، والشنقيطي (٢)، لكن حصل خلاف في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هل يشمل المطلقات اللاتي ذكرن سابقا وهن اللاتي لم يفرض لهن ولم يمسسن، بيد أن الراجح أنه للعموم لعموم الأدلة. (٣)

стр. 145

المخالفون: خالف السمعاني على القول بالوجوب بعض التابعين أمثال أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم وقالوا بأن الأمر على الندب (١)، وذلك بحجة اقتران الآية بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فلو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، وبحجة أنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب. (٢) النتيجة: بعد تتبع أقوال أهل العلم من الفقهاء والمفسرين تبين صحة ما ذهب إليه السمعاني لعموم الأدلة في القول بالوجوب، لقوله تعالى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه إلى الندب استثناء ما خصص كالمطلقة المفروض لها قبل المسيس فلها النصف كما ورد الدليل بقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. والله أعلم.
следующие страницы →