← Тафсир

Тафсир · id 13

استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها

فهد بن سعد القويفل

Полный текст (349 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر . قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦] • قال السمعاني ﵀: " هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا بدلالة الالتزام بأن عقد الزواج يصح بدون ذكر المهر أصلا، وبيان ذلك أن الله أباح الطلاق لمن لم يسم المهر ولم يذكره، وإباحة الطلاق تستلزم وجود زواج صحيح، فيستنبط من ذلك صحة عقد الزواج بدون ذكر المهر أصلا، قال الشافعي: " وعقد النكاح يصح بغير فريضة صداق، وذلك أن الطلاق لا يقع إلا على من عقد نكاحه ". (٢) وممن قال بهذا أيضا الزجاج، والرازي، ابن عادل، ومحمد رشيد رضا. (٣) وإن كان من مخالف في هذه المسألة الفقهية، فليس في صحة النكاح أو بطلانه، وإنما في جوازه فقط فقالوا: أن الآية لا تدل على الجواز، لكنها تدل على الصحة، فإنه لو لم يكن صحيحا، لم يكن الطلاق مشروعا، ولم تلزم المتعة، ولا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمن الحيض حرام وإذا أوقعه صح. (٤)

стр. 142

وقد ذكر بعض أهل العلم مسألة من لم يسم مهرها في عقد نكاحها هل تكون غير مستحقة للمهر أو تكون مستحقة له وكم يكون قدره؟ (١) يخلص القول بصحة استنباط السمعاني ومن وافقه، أما القول بالصحة دون الجواز فهذا قول لا دليل له ولا قرينة تؤيده. يؤيد صحة ما قيل حديث ابن مسعود أن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال ﵁: " أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله، لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث، وعليها العدة فقام رجل من أشجع فقال في مثل هذا قضى رسول الله ﷺ فينا في امرأة يقال لها بروع بنت واشق (٢) تزوجت رجلا فمات قبل أن يدخل بها فقضى لها رسول الله ﷺ بمثل صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة ". (٣)

стр. 143

وجوب إعطاء المتعة لكل المطلقات . قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦]. • قال السمعاني ﵀: " وفيها دليل على وجوب المتعة في الجملة، فإنه قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من ظاهر الأمر في قول الحق ﵎ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الوجوب بإعطاء المتعة للمطلقات عموما، ولم يوجبه للمطلقة التي لم يفرض لها مهرا ولم يحصل بينها وبين زوجها مسيس فحسب، وقد يكون قوله هذا بجعل الأمر بالوجوب مستنبطا من الآية التي بعدها في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾. الموافقون: وافق السمعاني جل المفسرين على القول بالوجوب لعدم الصوارف لعموم المطلقات، بدلالة أن الأمر يقتضي الوجوب، وأن سبب تخصيص المطلقات اللاتي لم يدخل عليهن ولم يفرض لهن إنما هو من باب ذكر أفراد بعض العموم فلا تخصيص على المشهور، قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وحمله ابن عمر وعلى بن أبى طالب والحسن بن أبى الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب وهذا القول أولى من الندب، لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾

стр. 144

وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر في الوجوب منه في الندب، وقوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه " (١). وممن قال بهذا، الشافعي، والطبري، والجصاص، والكيا الهراسي، والشهاب الخفاجي، والشنقيطي (٢)، لكن حصل خلاف في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هل يشمل المطلقات اللاتي ذكرن سابقا وهن اللاتي لم يفرض لهن ولم يمسسن، بيد أن الراجح أنه للعموم لعموم الأدلة. (٣)

стр. 145

المخالفون: خالف السمعاني على القول بالوجوب بعض التابعين أمثال أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم وقالوا بأن الأمر على الندب (١)، وذلك بحجة اقتران الآية بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فلو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، وبحجة أنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب. (٢) النتيجة: بعد تتبع أقوال أهل العلم من الفقهاء والمفسرين تبين صحة ما ذهب إليه السمعاني لعموم الأدلة في القول بالوجوب، لقوله تعالى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه إلى الندب استثناء ما خصص كالمطلقة المفروض لها قبل المسيس فلها النصف كما ورد الدليل بقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. والله أعلم.

стр. 146

تنوع الكسب إلى طيب وخبيث وأن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] • قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: من حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية عند أمر الله بالإنفاق من الطيب أنه يكون هناك أيضا كسب من ضده وهو الخبيث، وهذا الاستنباط عن طريق دلالة الالتزام، بمعنى أنه إذا كان هناك أمر بالإنفاق من الطيب لزم أن يكون هناك خبيث، قال البغوي: "وفيه دلالة على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث " (٢)، وقال القرطبي: "ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث " (٣). وممن قال به أيضا وأقره الخازن، والشربيني. (٤) لكن بقي الكلام هنا ما لمراد بالطيب وما المراد بالخبيث حتى يعلم الفرق بين المكاسب؟

стр. 147

هناك قولان مشهوران لأهل العلم: القول الأول: وهو قول ابن عباس والجمهور: المراد بالطيب: جياده وخياره، أما الخبيث فالمراد رديئه. (١) ووافقه على ذلك جل المفسرين كالطبري، وابن القيم، والبيضاوي، والخازن، والنسفي، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (٢) والقول الثاني: وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام. (٣) مما سبق يرجح القول الأول، يؤيد هذا القول تتمة الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي تأبى أنفسكم أن تقبله وتأخذه لردائته، ولما أثر عن عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده عصا وأقناء معلقة في المسجد قنو منها حشف فطعن بذلك العصا في ذلك القنو ثم قال: (لو شاء رب هذه الصدقة فتصدق بأطيب منها إن صاحب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة). (٤) وبالقول الأول الراجح يتبين رجاحة استنباط السمعاني في القول بأن المكاسب تتنوع إلى طيب وخبيث. والله أعلم.

стр. 148

جواز الرهن في الحضر وعند وجود الكاتب . قال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣]. • قال السمعاني ﵀: " وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية ردًا على من استنبطوا بدلالة مفهوم المخالفة بأن الرهن لا يجوز في الحضر، وقد أبطل ذلك لأن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يكون الكلام خرج مخرج الغالب، وذلك متحققٌ في هذه الآية، لأنه يكون الغالب والأعم في السفر أنه لا يوجد فيه من يكتب أو يشهد. (٢) الموافقون: وافق السمعاني جمهور العلماء من الفقهاء وأهل التفسير على جواز الرهن في السفر والحضر وأنه لم يكن تخصيصه هنا في حال السفر، إلا لأنّه خرج مخرج الغالب، وإلا فليس شرطًا، قال الرازي: " اتّفق الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواءً في حال وجود الكاتب وعدمه، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ". (٣) وقال الجصّاص: " ولا خلاف

стр. 149

بين فقهاء الأمصار وعامّةِ السلف في جوازه في الحضر" (١). وممن قال به أيضاً، الكيا الهراسي، والقرطبي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والعثيمين. (٢) المخالفون: احتج الظاهرية على أن الرهن لا يجوز في الحضر بمفهوم قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾. وكان استنباطهم الخاطئ عن طريق مفهوم المخالفة من قبيل المفهوم بالشرط، ووجه استنباطهم هذا أن الله علق جواز الرهن بوجود السفر فدل على أنه لا يجوز في الحضر. بل وقد استنبط أيضًا استنباطًا باطلًا من هذه الآية بالقول بأن الرهن لا يجوز إلا في السفر شريطة أن لا يوجد كاتب قاله الظاهرية، وقد وافقوا بذلك ابن مجاهد والضحاك. (٣) النتيجة: بعد تتبع أقوال الفريقين يكون ما ذهب إليه السمعاني ومن وافقوه هو عين الصواب، وأما قول المخالفين فيبطله أيضا إضافةً لما سبق الحديثُ الصحيحُ المرويُ عن عائشةَ ﵂ قالت: " تُوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير ". (٤) وما كان ذلك إلا في دار إقامة رسول الله ﷺ وهي المدينة، ولم يكن ذلك في سفره، والله أعلم.

стр. 150

جواز تكليف العباد ما لا يطيقونه . قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦]. • قال السمعاني ﵀: " في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه". (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من هذه الآية استنباطاً أصولياً، مفاده أن الله يجوز عقلاً أن يكلف العباد ما ليس لهم طاقة به وذلك لأنه لا يطلب الدعاء إلا من شيء قد يجوز وقوعه على العبد، وذلك التجويز يكون عقلاً لا شرعاً. قال الآمدي عن الذين سألوا الله أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه: " سألوا دفع التكليف بما لا يطاق ولو كان ذلك ممتنعاً لكان مندفعا بنفسه ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة ". (٢) وقال البيضاوي: " ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من البلاء والعقوبة أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه ". (٣) وممن قال به من الأصوليين والمفسرين: الغزالي (٤)، وابن قدامة، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عاشور، وغيرهم. (٥)

стр. 151

وجواز التكليف عقلا لحكمة ابتلاء الانسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعاً لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون حكم العاصي. وخالف أكثر المعتزلة بأن منعوا التكليف بما لا يطاق وقالوا أنه لا فائدة فية فهو محال عقلا، ولأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلا. (١) وقد بين الشنقيطي في مذكرته في أصول الفقه أقسام المستحيل عقلا بنوعيه والتي مآل أحدها أن الله يجوز أن يكلف عباده عقلا. (٢)

стр. 152

النتيجة: تبين مما سبق صحة ماذهب إليه السمعاني ومن وافقوه من المفسرين والأصوليين لصراحة وقوة الأدلة عندهم لأنه لا يسأل الله سبحانه إلا بشيء يجوز عقلا التكليف به وإلا تكليف ما لا يطاق شرعا لم يحصل، قال الشاطبي: " والإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة ". (١) والله أعلم.

стр. 153

التزهيد في الحياة الدنيا لكونها متاع، وللترغيب في الآخرة دونها . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤] • قال السمعاني ﵀: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أنه متاع يفنى، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. الدراسة: استنبط السمعاني من قول الحق ﵎ ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بعد ذكره سبحانه لبعض ملذات الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام، أن هذا المتاع متاع زائل يفنى وأنه ما سمي متاعا إلا لأنه يستمتع به ثم يفنى ويبلى، ثم استنبط من فاصلة الآية وخاتمتها ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أن في ذلك تزهيد في هذا المتاع المذكور وغيره من أمور الدنيا كلها، وترغيب إلى ما لا يفنى عنده سبحانه في جناته جنات النعيم، نسأل الله من فضله. وقد وافق السمعاني على ذلك جل المفسرين قال القرطبي من بعده: "وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى، وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة" (١). وممن قال بذلك من المفسرين البغوي، وأبوحيان، وأبو السعود، وابن القيم،، ومحمد رشيد رضا، وحقي،

стр. 154

وغيرهم (١). بل قال بعض المفسرين أن ذكر المتاع إنما هو على سبيل الذم، قال الشنقيطي: "وقد سيق هذا، لا على سبيل الإخبار بالواقع فحسب، بل إن من ورائه ما يسمى لازم الفائدة، وهو ذم من كان حاله، فوجب البحث عن العلاج لهذه الحالة (٢) ". (٣) واستنبط بعض المفسرين من هذه الآية استنباطا آخر وهو أن في وصف الدنيا بالمتاع الزائل أن فيه ترويح، وتسلية لمن لم يستطع التمتع بهذه الملذات المذكورة في الآية إما لفقر أو لعجز، قال السعدي: "وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها، وتزهيد لأهل العقول النيرة بها ". (٤) واستنبط غيرهم أن وصف ما عند الله في آخرته ومآب العبد بالحسن دون ضده لبيان أن الجنة مقصودة بذاتها دون النار أجارنا الله وإياكم منها ومن غضبه سبحانه، قال الرازي: " والمآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن، والنار وهي خالية عن الحسن، ووصف المآب المطلق بالحسن. لأن المآب المقصود بالذات هو الجنة، أما النار فهي المقصود بالغرض، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب " (٥)، وممن وافقه على ذلك النيسابوري. (٦)

стр. 155

يؤيد ما قاله قوله سبحانه في الحديث القدسي (سبقت رحمتي غضبي). (١) مما سبق يتبين أنه لا تصادم بين الاستنباطات بل بعضها يقوي بعض، فوصف الدنيا بأنها متاعٌ زائل، وأن حسن المآب إنما يكون عند الوفود على الله، وغيرها، كلها تزيد العبد زهداً في هذه الدنيا الفانية، وقرباً إلى الله بأنواع الطاعات، والله أعلم.

стр. 156

عموم وشمولية التذكير دون التأنيث عند أمر الله لمريم بالركوع . قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣]. • قال السمعاني ﵀: وإنما قال: مع الراكعين، ولم يقل مع الراكعات، ليكون أعم وأشمل. (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من أمر الله لمريم ﵍ أن تركع مع الراكعين دون الراكعات لشمولية لفظ الراكعين وعموميته فهو يشمل ويعم على الغالب الرجال والنساء معا، كما هي عادة القرآن، بخلاف الراكعات فهو مقتصر على النساء فحسب. قال البغوي: " ولم يقل مع الراكعات ليكون أعم وأشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء " (٢). وممن قال به أيضا من المفسرين: الواحدي، والرازي، وأبو حيان. (٣) واستنبط الرازي أيضا معنى آخر غير الأول في أمر الله لمريم ﵍ أن تركع مع الراكعين وذلك بأن الإقتداء بالرجال حال الإختفاء أفضل من الإقتداء بالنساء، وممن قال به أيضا: الخازن، والنيسابوري، والألوسي، وابن عادل الحنبلي. (٤)

стр. 157

وقد ذكر ابن عاشور لفتة هنا قال: " وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل، إظهار لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير ". (١) مما سبق يتبين أنه لا منافاة ولا تعارض فيما استنبطه المفسرون فيما بينهم في تعبير الحق ﵎ بالراكعين دون الراكعات سواء من جهة عمومية اللفظ وشموليته، أو من جهة إخلاصها بأن تصلي مع الرجال مختفية خير من جموع النساء، أو من جهة فضيلتها باستثنائها ﵍ دون نساء بني إسرائيل بالصلاة مع الرجال كما ذكره ابن عاشور، والله أعلم.

стр. 158

بطلان معتقد من فرق بين أجل الميت والمقتول . قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] • قال السمعاني ﵀: " ومعنى قوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا عقديا فيه الرد على طائفة المعتزلة الذين يقولون: إن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين، أحدهما القتل والآخر الموت، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، ولو قتل لقطع عليه أجله الذي قدر الله أن يعيش حتى يصله. فاستنبط السمعاني من قول الحق ﵎: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أن من قدر الله عليه الموت بأحد أسبابه فإنه ملاقيه لا محالة، سواء كان سبب ذلك الموت قتلا أو مرضا أوغرقا أو بدون سبب، وقد أنكر السمعاني القول بأن للإنسان أجلين، وإنما هو واحد والقتل أحد أسبابه. قال ابن أبي العز: " والمقتول ميت بأجله فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بسبب الهدم وهذا بسبب الحرق

стр. 159

وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب والله سبحانه خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة، وقول المعتزلة باطل لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة أو يجعل أجله أحد الأمرين ". (١) وقال أبو حيان: " وفي هذا - أي هذه الآية - دليل على أن كل امرئ له أجل واحد لا يتعداه ". (٢) وقال الألوسي: " وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين بأن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة ". (٣) وقد وافق السمعاني في ذلك علماء العقيدة والمفسرين، وممن قال به أبو السعود، والسفاريني (٤)، والسعدي وغيرهم. (٥)

стр. 160

يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني وهذا أمر تنعقد عليه قلوب أهل السنة والجماعة بأن الله قد كتب الآجال وقدرها وأن من مات أو قتل فقد استوفى رزقه وأجله، كيف لا والحق يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بل وإن القول بقول المعتزلة يقدح في علم الله بتقديره لآجال عباده. ويؤيده أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وليس هذا بغريب من هذا العالم الجليل - السمعاني - فهو كعادته يسبر الدليل فيرد على من خالف معتقد أهل السنة والجماعة بنصوص القرآن والسنة. والله أعلم.

стр. 161

بيان القدرة، والمنة في خلق البشر من نفس واحدة قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١] • قال السمعاني ﵀: " ذكر هذا كله لبيان القدرة، وإظهار المنة ". (١) الدراسة: ذكر السمعاني أن ذكر الله سبحانه لخلق الناس كلهم من نفس واحدة، وخلق حواء من ضلع آدم، وانتشار هذا الخلق من الرجال والنساء من نسله، إنما هو مساق لبيان قدرته سبحانه، وإظهار لمنته على خلقه. وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال ابن عادل: " وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته ". (٢) وممن وافقه أيضا من المفسرين الرازي، والنسفي، وأبو السعود، والشوكاني، والزحيلي. (٣) وقد استنبط بعض المفسرين من هذه الآية استنباطا آخر، في أن خلق الناس من نفس واحدة فيه دليل على وجوب التواصل والتراحم والتآلف بين الناس لأن الأصل واحد وهو آدم.

стр. 162

قال ابن عاشور في هذا الاستهلال: " دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد ". (١) وقال الزحيلي: "وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته، كما يوجب شكر النعمة، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس لأنهم من أصل واحد وأب واحد، فهم إخوة، وما على الإخوة إلا التآلف، لا التناحر والتقاتل". (٢) وممن قال به أيضا أبو حيان، والماوردي، ومحمد أبو زهرة، والسعدي. (٣) واستنبط أيضا من هذه الآية بأن حصر الذرية في النوعين المذكورين في الآية يقال فيه بعدم نوعية الخنثى وأنها تندرج تحت أحد النوعين، ووجه الاستنباط أن الله سبحانه اقتصر خلق الذرية من الرجال والنساء فدل على عدم وجود نوع آخر، وأنه لو كان موجودا لذكر في الآية، قال ابن عطية: " وحصره ذريته إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين ". (٤) وممن قال به أيضا محمد رشيد رضا. (٥) لكن وفق ابن العربي فأجاد في الرد على هذا الاستنباط قائلا: " هذا جهل باللغة وغباوة عن مقطع الفصاحة وقصور عن معرفة سعة القدرة ... وأما ظاهر

стр. 163

القرآن فلا ينفي وجود الخنثى " (١)، ثم ذكر الآية وأجاب عنها بقوله " فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول، والوجود يشهد له والعيان يكذب منكره " (٢). وأيده على ذلك القرطبي ووافقه، (٣) وقال أبو حيان في سبب عدم الذكر: " ولما كانت الخنثى مما يحزن بوجوده لم يذكره تعالى ". (٤) يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني، وأن القول بأن خلق هؤلاء الناس من نفس واحدة فيه بيان لقدرة الرب - سبحانه -، حيث إنك ترى ملايين الخلق من عهد آدم ﵇ وحتى تقوم الساعة وأصلهم واحد هو آدم ﵇، فأي شيء أعظم من هذه القدرة وهذه المنة.

стр. 164

الربيبة تحرم على زوج الأم ولو لم تكن في حجره . قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣]. • قال السمعاني ﵀: " الربيبة: وهي ابنة الزوجة، وسُمّيت ربيبة لأن الزوج يربها في حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في حجر غيره ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني في هذه الآية بطلان إعمال مفهوم المخالفة في القول بأن الربيبة تحرم سواءً كانت في الحجر أو لم تكن، ووجه استنباطه الذي أبطل فيه إعمال مفهوم المخالفة أنّ الكلام خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كما بيّن ذلك الأصولييون. (٢) الموافقون: وافق السمعاني الجمهور بالقول بأنّ القيد هنا لا مفهوم له، لأنّ الكلام خرج مخرج الغالب، قال ابن كثير: " وأما قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرامٌ سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: (وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له) " (٣)،

стр. 165

وقال العثيمين مبينًا دليل عدم إعمال المفهوم هنا أيضًا: "إن الله تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وسكت عن مفهوم قوله ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فلمّا صرّح بمفهوم القيد الثاني وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ علِم أنّ مفهوم القيد غير مشترط، وإنما ذكِر لبيان العلة." (١) وممن قال بذلك من أهل التفسير: الجصّاص، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي، (٢). مبينين أنّ القيد هنا أيضًا لبيان أعلى صورِ المنهيِّ عنه. المخالفون: أعمل أهلُ الظاهر مفهوم المخالفة في هذه الآية، وقالوا بأنّ الربيبة التي لا تكون في حجر زوج أمّها لا تحرم على زوج الأم، وذلك لأنّ من شروط الحرمة أن تكون في الحجر لظاهر الآية، ونسبوا هذا القول إلى عليّ ﵁، والذي قد أبطله ابن مسعود رضي الله عن الجميع، قال الرازي مستحسناً هذا الاستدلال: " ونُقِل أنَّه رضوان الله عليه -أي علي- احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فإذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن ". (٣)

стр. 166

النتيجة: بعد معرفة أدلّة الموافقين والمخالفين وحججهم، ثبت القول بأنّ القيد المذكور في الربيبة لا مفهوم له، إضافةً إلى ما أخرجه البخاريُّ في صحيحه من أنّ النبي ﷺ دفع ربيبةً له إلى من يكفلها وقد حرمت عليه تلك الربيبة ﵇، (١) فلو كان التقييد بالحجر معتبراً وله تأثير في التحريم لصرّح به كما صرَّح بالدخول ولقال: "فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم فلا جناح عليكم، فلما لم يذكر التقييد بالحجر، دلّ على عدم اعتباره، وقد تقرر كذلك في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له (٢). وأما ما أُثِر عن علي ﵁ فلا يثبت، قال الشوكاني: " قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ، لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف ". (٣) وقد ذكر ابن القيم أن في ذكر هذا القيد فائدةً شريفةً، وهي جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك (٤). وبهذا وغيره من الاستنباطات التي ذكرت يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بأن هذا القيد إنما خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والله أعلم.

стр. 167

بطلان نكاح إماء أهل الكتاب . قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥]. • قال السمعاني ﵀: " ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية بطلان نكاح الأمة الكتابية، ووجه استنباطه هنا بدلالة مفهوم المخالفة، وذلك لأن إباحة نكاح الأمة المؤمنة عند عدم الاستطاعة على الحرة يدل على بطلان نكاح الأمة الكتابية. الموافقون: وافق جمهور العلماء من الفقهاء والمفسرين من التابعين أمثال مجاهد، ومالك، وسعيد بن جبير وغيرهم عين ما استنبطه السمعاني ﵀ على قوله ببطلان نكاح الأيامى الكتابيات وعدم جوازه وحجتهم دلالة المفهوم المخالف في تخصيص الفتيات بالمؤمنات، وعلى هذا فالمفهوم أن غيرهم لا يجوز نكاحه. قال الطبري بعد ذكر من قال بالتحريم ومن قال بالجواز: " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين، وذلك أن الله جل ثناؤه أحل نكاح الإماء بشروط، فما لم

стр. 168

تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، فغير جائز لمسلم نكاحهن". (١) وممن قال بهذا القول الجصاص، والكيا الهراسي، والبغوي، وابن العربي، والشنقيطي وغيرهم. (٢) المخالفون: خالف السمعاني جماعة بالقول بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهم من أصحاب الرأي من أهل العراق وأبي حنيفة وغيرهم (٣)، وحجتهم عموم الآيات ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، واحتجوا أيضا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا يمنع قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء. (٤) ومنهم من قال بأن الكلام خرج مخرج الغالب، وذلك بأن نكاح إماء المؤمنات أكثر من نكاح إماء أهل الكتاب، ولم أجد في كتب الأحكام والتفاسير أحد تكلم في هذا إلا جلال الدين المحلي، قال ﵀ مخالفا قول السمعاني والموافقين له: " ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ هو جري على الغالب، فلا مفهوم له ". (٥)

стр. 169

النتيجة: مما سبق يتبين بطلان أدلة المخالفين وذلك لأن هذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام، أما من جهة أن لفظ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنها على وجه الفاضل، ولا يمنع عداها فذلك لا يصح القول به لأن الله صرح بهذ القيد في الأيامى، وذاك لا ينطبق على أيامى أهل الكتاب فإنه لم يبح نكاحهن، مع أنه سبحانه أباح نكاح نساء أهل الكتاب، وأما من جعل من موانع الاعتبار بهذ المفهوم كون الكلام خرج مخرج الغالب فالصحيح أنه ليس كذلك لأنه قد كثر أيضا النكاح من إماء أهل الكتاب أيضا. (١) فيتبين بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني ومن وافقوه من قبله ومن بعده، والله أعلم.

стр. 170

سؤال الله من فضله يوجب حرمة الحسد . قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٢] • قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في هذا دليل على أن الحسد حرام، والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها". (١) الدراسة: استنبط السمعاني بدلالة الالتزام، من أن سؤال الله من فضله فيه تحريم للحسد، بمعنى أنه يلزم من سؤال الله عدم تمني ما عند المخلوقين الذي هو عين الحسد، لأن الله المتكرم على من فضلهم عليهم، وهذا يدل عليه صدر هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فهذا العطف ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ جاء بعد النهي ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقد وافقه على ذلك جمع من المفسرين، قال الألوسي: " قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ عطف على النهي بعد تقرير الانتهاء بالتعليل كأنه قيل: لا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد

стр. 171

وإنعامه المتكاثر فإن خزائنه مملوءة لا تنفد أبدا ". (١) وزاد الشوكاني: " وهذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله". (٢) وقال العثيمين: "واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله". (٣) وممن قال به أيضا من المفسرين القرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور، وحقي. (٤) يؤيد هذا الاستنباط سبب نزول الآية (٥)، وأيضا يؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ففيها دلالة على أن تمني ما عند الناس دون سؤال الله من فضله هو عين الحسد. والله أعلم.

стр. 172

فرضية الجهاد على الكفاية . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] • قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا فقهيا، بالقول بأن الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، ووجه الاستنباط أمره سبحانه بأن يكون النفير إما جماعات متفرقة أو جميعا، فلما كان على حسب الحالة التي يحتاج فيها لملاقاة العدو، خرجنا بأن الكفاية تسد الحاجة فلا يلزم أن يكون الخروج للجهاد عيني على كل أحد. وقد وافق السمعاني بهذا القول الجمهور وذلك لصراحة هذا الدليل وغيره من الأدلة الناسخة لفرضية العين بالجهاد وذلك بالقول بأنه على الكفاية لا على العين، قال الماوردي: " وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ يعني فرقا وعصبا، وقوله تعالى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي بأجمعكم فخيرهم الله تعالى بين الأمرين، فدل على أنه

стр. 173

فرضه لا يتعين على الكافة ". (١) وممن قال ذلك من الفقهاء، والمفسرين: الجصاص، وابن قدامة، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور. (٢) المخالفون: أما من قال بأن الجهاد فرض عين على كل أحد فليس لديهم حجة إلا الاستدلال بآيات النفير التي في التوبة، وهي قوله تعالى ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فيرون في الآية الأولى عدم النفرة والجهاد الموجب للعذاب فيه من التحريم المغلظ جزاء توعده سبحانه لمن تخلف عن ذلك، ويرون الأمر في الآية الأخرى موجبا للجهاد. (٣) النتيجة: أما ما ذكره القائلون بأن الجهاد فرض عين على كل أحد فاستدلالاتهم منسوخة بآية أخرى من نفس سورة التوبة، قال ابن عباس: نسخها قول الله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (٤).

стр. 174

وأن في فرضيته على عموم المسلمين تعطل للعلم وإعمار الأرض عموما، قال المقدسي " ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش والعلم فيؤدي إلى خراب الأرض وهلاك الخلق ". (١) وأيضا يؤيده وعده - سبحانه - للطائفة القاعدة عن الجهاد بالحسنى دون الذم، في آية ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، قال الجصاص: " فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما كان القاعدون موعودين بالحسنى بل كانوا يكونوا مذمومين مستحقين للعقاب بتركه ". (٢) يخلص الأمر إلى سلامة استنباط السمعاني للأدلة السابقة من النصوص الشرعية، وأقوال السلف، والله أعلم.

стр. 175

لا يلزم مضي الشفاعة للحصول على أجرها . قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء ٨٥] • قال السمعاني ﵀: " واعلم أن الإنسان يؤجر على الشفاعة، وإن لم يشفَّع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾، ولم يقل: من يُشَفَّع، وقد روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله أنه قال: " اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء " (١). (٢) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ من صريح الآية أن الإنسان يؤجر على شفاعته دون النظر في مضي تلك الشفاعة من عدمها، ووجه استنباطه هنا أن الله لم يشترط في الحصول على الأجر أن تمضي تلك الشفاعة أو ترد، فقد قال الحق: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ومن أوجه الاستنباط أيضا ما استدل به السمعاني من السنة المطهرة من قول النبي ﷺ (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء) (٣) لأن النبي ﷺ علق الأجر بالشفاعة ولم يعلق الأجر بقبولها.

стр. 176

وهذا الاستنباط مأثور عن الحسن بن علي ﵄، فقد روى الطبري بسنده عن الحسن ﵁ أنه قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجران، وإن لم يُشفّع لأن الله يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ولم يقل: من يُشفّع. (١) وممن قال بهذا الاستنباط وأيده من المفسرين: النحاس، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم. (٢) وبهذا يكون استنباط السمعاني موافقاً لنصوص القرآن والسنة، فيكون الاستنباط صحيحاً، والله أعلم. حجية الإجماع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥] • قال السمعاني ﵀: " واستدل أهل العلم (٣) بهذه الآية على أن الإجماع حجة". (٤) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطاً أصولياً بدلالة الاقتران، وذلك بالقول بأن الإجماع حجّة (٥)، ووجه استنباطه أنه لما كانت مشاقة الرسول محرمة

стр. 177

وقرن الله تلك المشاقة بعدم إتباع غير سبيل المؤمنين لزم أيضاً حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، ومن ثم كان إتباع سبيلهم حجةً وواجباً لا يجوز مخالفته. الموافقون: الصحيح أن هذا الاستنباط قد سُبق القول به من الإمام الشافعي وذلك للوجه السابق الذي ذكر آنفا (١)، وقال ابن كثير في هذا الاستنباط: " وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها-أي الآية- على ذلك ". (٢) وممن قال بذلك وأيده من الأصوليين والمفسرين: الجصّاص، والشيرازي، وابن قدامة، وابن كثير، والبيضاوي. (٣) المخالفون: ليس المقصود بالمخالفين هنا الذين خالفوا بالقول بعدم حجية الإجماع كليا، وإنما المقصود بالذين قالوا بأن هذه الآية ليس فيها مستدل بالقول بحجية الإجماع، وحجتهم أن الإجماع المعني هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في أي عصر على أي أمر، أما هذه الآية نزلت في عهده ﵇ ولأصحابه لا بعد عصره، وأنه يحتمل وجوهًا من التخصيص إما خروجهم من دين الإسلام إلى

стр. 178

غيره، أو عدم متابعتهم لرسول الله ﷺ ، ومناصرتهم له، ودفع الأعداء عنه. (١) قال الجويني (٢): "إن الربّ تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى ﷺ والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ". (٣) ومن حجج هؤلاء ما ذكره أبو حيان حيث قال: " وما ذكره ليس بظاهر الآية المرتب على وصفين اثنين، لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما، فالوعيد إنما ترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول وإتباع سبيل غير المؤمنين". (٤) وممن قال بعدم جواز الآية أن تكون حجة للإجماع ابن حزم، والغزالي، والبغدادي، والطوفي، وابن عاشور وغيرهم. (٥)

стр. 179

النتيجة: بعد تتبع أقوال الموافقين والمخالفين يخرج القول بدلالة الآية على حجية الإجماع، وأيضاً لدلالة الاقتران، فلمّا كانت مشاقة الرسول ﷺ محرّمة، وقرنت تلك المشاقّة بعدم إتباع سبيل غير المؤمنين لزِم تبعاً أن يكون محرماً مخالفة إتباع سبيل المؤمنين الذي هو الإجماع، ومن ثمّ كان إتباع سبيلهم حجّة لا يجوز مخالفته. وأما القول بأن علماء الأمة المجتهدين قد تحدث منهم مخالفة لمجتهدي ... عصرهم، فيكون في ذلك مخالفة لسبيل المؤمنين، فهذا غير وراد هنا لأن الكلام على الإجماع أما باب الاجتهاد فوارد الاختلاف فيه، ولايعد الاختلاف فيه مجانبة لسبيل المؤمنين. وأما ما قاله أبوحيان من أن الوعيد مرتب على اجتماع الأمرين مشاقة الرسول ومتابعة غير سبيل المؤمنين، فالجواب عليه أن الجمعَ بين أمرين في الوعيد عليهما دالٌ على أن كل واحد منهما يستحق ذلك الوعيد بمفرده، وليس هناك ما يدل على أن الوعيد مرتب على اجتماعهما إذ هو معلوم أن كل واحد من الأمرين معصية لوحدها، فاجتماعهما في هذه الآية بوعيد واحد لا يعني أن الوعيد مرتب على اجتماعهما. وبعد هذا يتبين دلالة الآية على حجية الإجماع، وأنّه ليس للمخالف دليلٌ واضح في ردِّ هذه النصوص، وأقوالِ الأئمة، التي تثبت دلالة هذه الآية على حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، الذي هو الإجماع بعينه. والله أعلم.

стр. 180

القعود مع المستهزئين مع الكراهية لا يوجب الكفر . قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠] • قال السمعاني ﵀: " ... وإن قعد - أي مع الخائضين - ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية أن القعود مع الذين يخوضون مستهزئين بآيات الله وهو لقعودهم كاره أن ذلك لا يوجب كفراً، بخلاف لو كان راضياً لما يقولون فإن ذلك كفرٌ واضحٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ وذلك لرضاه عن ما يقولون. ووجه استنباطه هنا أنه لما كان القعود مع الخائضين حال الرضا كفر، فإن ذلك لا يكون في حال الكراهة. قال البغوي: "وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة". (٢) وممن قال بهذا أيضا من المفسرين القرطبي، والبقاعي، وابن عاشور. (٣)
следующие страницы →