← Тафсир

Тафсир · id 13

استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها

فهد بن سعد القويفل

Полный текст (349 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهذا الاستنباط مأثور عن الحسن بن علي ﵄، فقد روى الطبري بسنده عن الحسن ﵁ أنه قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجران، وإن لم يُشفّع لأن الله يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ولم يقل: من يُشفّع. (١) وممن قال بهذا الاستنباط وأيده من المفسرين: النحاس، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم. (٢) وبهذا يكون استنباط السمعاني موافقاً لنصوص القرآن والسنة، فيكون الاستنباط صحيحاً، والله أعلم. حجية الإجماع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥] • قال السمعاني ﵀: " واستدل أهل العلم (٣) بهذه الآية على أن الإجماع حجة". (٤) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطاً أصولياً بدلالة الاقتران، وذلك بالقول بأن الإجماع حجّة (٥)، ووجه استنباطه أنه لما كانت مشاقة الرسول محرمة

стр. 177

وقرن الله تلك المشاقة بعدم إتباع غير سبيل المؤمنين لزم أيضاً حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، ومن ثم كان إتباع سبيلهم حجةً وواجباً لا يجوز مخالفته. الموافقون: الصحيح أن هذا الاستنباط قد سُبق القول به من الإمام الشافعي وذلك للوجه السابق الذي ذكر آنفا (١)، وقال ابن كثير في هذا الاستنباط: " وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها-أي الآية- على ذلك ". (٢) وممن قال بذلك وأيده من الأصوليين والمفسرين: الجصّاص، والشيرازي، وابن قدامة، وابن كثير، والبيضاوي. (٣) المخالفون: ليس المقصود بالمخالفين هنا الذين خالفوا بالقول بعدم حجية الإجماع كليا، وإنما المقصود بالذين قالوا بأن هذه الآية ليس فيها مستدل بالقول بحجية الإجماع، وحجتهم أن الإجماع المعني هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في أي عصر على أي أمر، أما هذه الآية نزلت في عهده ﵇ ولأصحابه لا بعد عصره، وأنه يحتمل وجوهًا من التخصيص إما خروجهم من دين الإسلام إلى

стр. 178

غيره، أو عدم متابعتهم لرسول الله ﷺ ، ومناصرتهم له، ودفع الأعداء عنه. (١) قال الجويني (٢): "إن الربّ تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى ﷺ والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ". (٣) ومن حجج هؤلاء ما ذكره أبو حيان حيث قال: " وما ذكره ليس بظاهر الآية المرتب على وصفين اثنين، لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما، فالوعيد إنما ترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول وإتباع سبيل غير المؤمنين". (٤) وممن قال بعدم جواز الآية أن تكون حجة للإجماع ابن حزم، والغزالي، والبغدادي، والطوفي، وابن عاشور وغيرهم. (٥)

стр. 179

النتيجة: بعد تتبع أقوال الموافقين والمخالفين يخرج القول بدلالة الآية على حجية الإجماع، وأيضاً لدلالة الاقتران، فلمّا كانت مشاقة الرسول ﷺ محرّمة، وقرنت تلك المشاقّة بعدم إتباع سبيل غير المؤمنين لزِم تبعاً أن يكون محرماً مخالفة إتباع سبيل المؤمنين الذي هو الإجماع، ومن ثمّ كان إتباع سبيلهم حجّة لا يجوز مخالفته. وأما القول بأن علماء الأمة المجتهدين قد تحدث منهم مخالفة لمجتهدي ... عصرهم، فيكون في ذلك مخالفة لسبيل المؤمنين، فهذا غير وراد هنا لأن الكلام على الإجماع أما باب الاجتهاد فوارد الاختلاف فيه، ولايعد الاختلاف فيه مجانبة لسبيل المؤمنين. وأما ما قاله أبوحيان من أن الوعيد مرتب على اجتماع الأمرين مشاقة الرسول ومتابعة غير سبيل المؤمنين، فالجواب عليه أن الجمعَ بين أمرين في الوعيد عليهما دالٌ على أن كل واحد منهما يستحق ذلك الوعيد بمفرده، وليس هناك ما يدل على أن الوعيد مرتب على اجتماعهما إذ هو معلوم أن كل واحد من الأمرين معصية لوحدها، فاجتماعهما في هذه الآية بوعيد واحد لا يعني أن الوعيد مرتب على اجتماعهما. وبعد هذا يتبين دلالة الآية على حجية الإجماع، وأنّه ليس للمخالف دليلٌ واضح في ردِّ هذه النصوص، وأقوالِ الأئمة، التي تثبت دلالة هذه الآية على حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، الذي هو الإجماع بعينه. والله أعلم.

стр. 180

القعود مع المستهزئين مع الكراهية لا يوجب الكفر . قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠] • قال السمعاني ﵀: " ... وإن قعد - أي مع الخائضين - ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية أن القعود مع الذين يخوضون مستهزئين بآيات الله وهو لقعودهم كاره أن ذلك لا يوجب كفراً، بخلاف لو كان راضياً لما يقولون فإن ذلك كفرٌ واضحٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ وذلك لرضاه عن ما يقولون. ووجه استنباطه هنا أنه لما كان القعود مع الخائضين حال الرضا كفر، فإن ذلك لا يكون في حال الكراهة. قال البغوي: "وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة". (٢) وممن قال بهذا أيضا من المفسرين القرطبي، والبقاعي، وابن عاشور. (٣)

стр. 181

واستنبط الجصاص أيضا من هذه الآية وجوب إنكار المنكر حتى لو بالكراهة حتى يتغير الحالة التي هو فيها، قال الجصاص: " وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهى ويصير إلى حال غيرها ". (١) وبعد ذلك يتبين سلامة استنباط السمعاني، لأن الكفر إنما يترتب على القعود في حال الرضا أما الكراهية فلا توجب كفراً، والله أعلم.

стр. 182

بلاغة التعبير بالضمير (مع) وذلك لإغاظة المنافقين . قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥ - ١٤٦] • قال السمعاني ﵀: " قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإنما لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما، غيظا على المنافقين ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني نكتة بلاغية بالقول بأن الله عبر بأن المنافقين بعد توبتهم يكونوا مع المؤمنين، ولم يقل سبحانه هم المؤمنون، وذلك بغضا، وغيظا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم. قال الشوكاني: " قال القتيبي (٢): حاد عن كلامهم غضباً عليهم، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل هم المؤمنون". (٣)

стр. 183

وممن قال بهذا وأيده الثعلبي، والسمرقندي، والقرطبي، وابن قتيبة، وابن عادل الحنبلي. (١) وذكر النيسابوري وجهًا آخر في استنباط لفظ المعية للمؤمنين أنها لتشريف المؤمنين لتبعية المنافقين لهم قال: " وعند حصول الشرائط (٢) قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون، والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم ". (٣) واستنبط بعض العلماء من آخر الآية استنباطًا يؤيد المعاني المستنبطة الأولى وذلك بإيقاع أجر المؤمنين بالتسويف لانضمام المنافقين لهم، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال القرطبي: "ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأً ومعاذًا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم". (٤) وممن قال به أيضا الرازي. (٥) وعليه يكون استنباط السمعاني سالماً من القدح لموافقة أهل التفسير له وللأوجه الأخرى المستنبطة عند بعض المفسرين، والتي لم تخالف استنباط السمعاني ﵀.

стр. 184

عدم المؤاخذة قبل الإنذار . قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٥] • قال السمعاني ﵀: " وهذا دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني استنباطا عقديا بأن الله لا يؤاخذ بالذنب إلا بعد الإنذار، وأن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل، ووجه الاستنباط أنه ليس للعبد حجة على الله بعد إرسال الرسل المبشرين والمنذرين، وذلك لأنهم قد قاموا بالبيان والإنذار، يؤيد ذلك الآيات التي توافق هذا القول في محكم التنزيل، كما ذكرها السمعاني في استنباطه هذا. قال الشاطبي: " فجرت عادته في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل ". (٢) وقال ابن عاشور: " فلما بعث الله الرسل لقطع الحجة علمنا أن الله حين بعث الرسل كان بصدد أن يؤاخذ المبعوث إليهم، فاقتضت رحمته أن يقطع حجتهم ببعثة الرسل وإرشادهم وإنذارهم، ولذلك جعل قطع الحجة علة غائية للتبشير والإنذار ... فهذه الآية ملجئة جميع الفرق إلى القول بأن بعثة الرسل تتوقف عليها المؤاخذة بالذنوب ". (٣) وقد ذكر ذلك جلُّ أهلِ التفسير في كتبهم لهذه الآية والآيات المؤيدة والموافقة لها. (٤)

стр. 185

المانع من عدم المغفرة للكفار قضاء الله، وإلا فرحمته وسعت كل شيء . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨]. • قال السمعاني ﵀: " في هذا إشارة إلى أن الله تعالى لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني ﵀ استنباطاً عقدياً بالقول بأن الله لو أراد أن يغفر لجميع الكفار ما كان ذلك شاقاً عليه ومعجزاً له، لكن المانع من عدم مغفرته لهم قضائه وقدره بأنه لا يغفر لمن كفر أو أشرك به، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ووجه الاستنباط هنا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أي ما كتبه وقضى به وقدره، وإلا فليس الأمر عدم الاستطاعة، فإن ذلك لا يعجزه شيء. يؤيد ذلك الكثير من نصوص القرآن والسنة الدالة على عموم رحمة الله وسعة مغفرته، فمما يدلّ على أنّ رحمته وسعت وشملت كلّ شيء، واختصاصها بمن يريد دون من لا يريد قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.

стр. 186

وأيضا ما ثبت في السنة المطهرة من حديث أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده، - أو والذي نفس محمد بيده - لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم (١)). (٢)

стр. 187

الابتداء بالرجال قبل النساء عند ذكر حد السرقة لقوتهم، وجراءتهم . قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] • قال السمعاني: " بدأ في حد السرقة بالرجل، لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة والجراءة ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني أن السبب في تقديم الرجل قبل المرأة عند ذكر حدهما، أن الرجال أقوى وأجرأ في تعديهم على حقوق الناس بسرقتهم واختلاسهم، فقدموا حتى يتأكد في حقهم أنهم سيقام عليهم الحد إن لم يرتدعوا. قال القاسمي: " ولما كانت غلبة السرقة في الرجال، لقوتهم بدأ بالسارق ". (٢) واستنبط بعض المفسرين استنباطا آخر، وذكروا أن سبب تقديم الرجل على المرأة، أن حب الرجال للمال أكثر من حب النساء لرغبتهم فيه، فلهذا قدموا، قال الماوردي: "إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب ". (٣)

стр. 188

وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: السمرقندي، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، والزحيلي. (١) والمتأمل في كلا الاستنباطين، يلحظ أنهم يتفقون في كثرة السرقة عند الرجال، بيد أن استنباط السمعاني يقول كثرة سرقتهم لجراءتهم وقوتهم، والآخرون يقولون كثرة سرقتهم لشدة حبهم للمال ورغبتهم فيه، وهذان الأمران متحققان في الرجال، والسببان مكملان لبعضهم، فلو كان هناك قوة وجراءة دون حب ورغبة في المال لما وقعت السرقة، ولو كان هناك رغبة في المال وحب له، دون قوة وجراءة، لما وقعت السرقة، فيتبين بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني، وأنه لا منافاة بين الاستنباطين. والله اعلم.

стр. 189

جواز الاجتهاد في الأحكام . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة ٩٥] • قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من ظاهر هذه الآية استنباطا أصوليا بالقول بأنه يجوز الاجتهاد في الأحكام ووجه الاستنباط أن الله أمر بمن يقتل الصيد حال إحرامه أن يحكم عليه حكمان عدلان باجتهادهما جزاء محظوره الذي فعله. وقد وافق السمعاني العلماء باستنباطه هذا، قال الجصاص: " وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى الاجتهاد ". (٢) وممن قال به من المفسرين والأصوليين: الشافعي، والقرطبي، وابن كثير، والزركشي، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي. (٣)

стр. 190

يؤيد هذا الاستنباط ويقويه قول النبي ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). (١) وقد أثر أن أبا حنيفة خالف مخالفة جزئية في الاجتهاد في الحكم بتعيين الفدي بقوله: بأن إيجاب القيمة والتقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتِهاد، وأما الخلقة والصورة فظاهرة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد، وأجيب عليه: بأن المشابهة بين الصيد وبين النعم مختلفة وكثيرة، فلا بد من الاجتِهاد في تمييز الأقوى عن الأضعف. (٢) وبهذا يتبين سلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.

стр. 191

تخصيص السموات والأرض لعظم خلقهما، وتعدد منافعهما . قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١] • قال السمعاني ﵀: " وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إنما خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ولأن فيهما العبر والمنافع للعباد". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من سبب تخصيص السموات والأرض دون سائر مخلوقاته لعظم هذا الخلق في أعين العباد، ولما يعتبر فيهما من الآيات الإعجازية والكونية، ولما ينتفع بهما العباد لقضاء أمورهم وسائر معاشاتهم. وقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط جل المفسرين، قال القاسمي: " خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات". (٢)

стр. 192

وممن قال بذلك ونحوه: البغوي، وجلال الدين المحلي، والخازن، والشهاب الخفاجي، والألوسي، والشنقيطي. (١) ويتبين لنا عيانا أن استنباط السمعاني ومن وافقوه يترتب عليه حكم أخرى، فبما أن هذا الخلق عظيم ومعجز فما سواه من خلق الناس وموتهم وبعثهم أهون من باب أولى، لأن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى. والله أعلم.

стр. 193

بلاغة التعبير باللمس دون الرؤية . قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧] • قال السمعاني ﵀: " فإن قال قائل: لم لم يقل: فرأوه بأعينهم؟ قيل: لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية، لأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس، لأن الملموس يصير مرئيا، والمرئي لا يصير ملموسا، فذكر اللمس ليكون أبلغ ... ومعناه: أنه لا ينفع معهم شيء فإنا وإن أنزلنا عليهم ما اقترحوا قالوا إن هذا إلا سحر مبين ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطاً بلاغياً، مفاده أن التعبير باللمس للكتاب أبلغ من التعبير بالرؤية والمعاينة له، وذلك أن كفار قريش نسبوا كل ما نُزِّل على محمد ﷺ إما بالسحر أو بالشعر أو بالكهانة أو غير ذلك، ومع ذلك أراد الله أن يبين بأنهم لو لمسوا الكتاب مع أن اللمس لا يجري فيه السحر لما زال جحدهم وكفرهم بالنبي ﷺ وبالكتاب المنزل عليه، ولما زال النسبة لهذا الكتاب بأنه سحر مستمر ودائم.

стр. 194

قال ابن عادل الحنبلي: " وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة، لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية، ولأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس". (١) وقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط: الماوردي، والزمخشري، وابن الجوزي، وأبو حيان. (٢) وقد ذكر استنباط آخر يؤيد المعنى المستنبط الأول، وذلك بأن التعبير باليد في الملامسة دون سائر الأعضاء فيه مبالغة في التأكيد باللمس لأن اليد أقوى في اللمس والإدراك من بقية الأعضاء، ومع ذلك لا يزيدهم هذا وغيره إلا عنادا واستكبارا. ذكره ابن الجوزي، وأبو حيان. (٣)

стр. 195

مشروعية حمد الله على هلاك الكفار . قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥]. • قال السمعاني ﵀: " وقوله تعالى ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمد الله نفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني في هذه الآية مشروعية حمد الله على ما يلحق بالكفار من العذاب وسوء المآل، ووجه الاستنباط أن الله أعقب بعد ذكر هلاك الكفار، وقطع دابرهم، ذكر حمده لذاته سبحانه، والذي يبنى عليه حمدنا له سبحانه على ما أنعم به علينا من دحر الظالمين، وإهلاك الكافرين بتسليط ألوان العذاب الدنيوي والأخروي عليهم. قال الزمخشري: " وفي هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم، وأجزل القسم، فهو إخبار بمعنى الأمر، تعليماً للعباد ". (٢) وقد وافق السمعاني بهذا القول: السمرقندي، وابن عطية، والبغوي، وابن الجوزي، والخازن. (٣) واستنبط القرطبي أيضا أن في هذه الآية حجة على الكافرين بوجوب الكف عن هذا الظلم لما فيه من سوم الله لهم بأفعالهم سوء العذاب وحمده سبحانه على ذلك، قال: " وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد ". (٤) والله أعلم.

стр. 196

التعبير بالذوق يدل على عدم التمتع بالأكل . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف ٢٢] • قال السمعاني ﵀: " قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ في هذا دليل على أنهما لم يمتَّعا في الأكل ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من التعبير بالذوق للشجرة الموجودة في الجنة من آدم ﵇ وزوجه دون الأكل منها أن في ذلك دليل على عدم تمتعهما بالأكل من الشجرة، وذلك لأن الذائق يذوق من دون تمتع بالأكل، يؤيد استنباط السمعاني ما ذكره ابن عاشور في أن بدو السوءة إنما ظهر عند بداية المخالفة ولا شك أن أولها الذوق، قال: "ودلت هذه الآية على أن بدو سوآتهما حصل عند أول إدراك طعم الشجرة، دلالة على سرعة ترتب الأمر المحذور عند أول المخالفة ". (٢) وممن قال بذلك من المفسرين الطبري، والنحاس، وابن الجوزي والنيسابوري،. (٣)

стр. 197

إلا أن الرازي ذكر أن الذوق هنا بمعنى تناول اليسير لقصد معرفة الطعم مستشهدا بقوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، وبين أنه لو لم يذكر الله لفظ الأكل في هذه الآية لكان المراد بالذوق هو الذوق من دون أكل. (١) وعلى كل حال فما ذكره الرازي لا ينافي ما استنبطه السمعاني لأن الأكل اليسير لقصد معرفة الطعم لا يتنافى ويتعارض مع عدم التمتع في الأكل، والله أعلم.

стр. 198

أسبقية ثبوت ستر العورة من عهد آدم ﵇ . قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف ٢٧]. • قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ هو ما ذكرنا من تهافت اللباس عند أكلها من الشجرة، وفيه دليل على أنَّهما ما كانا يريان عورتهما من قبل". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من تعبير الحق ﵎ عن كشف عورة آدم وزوجه بأنها من السوءات التي لم يحبوا ظهورها وأنَّ ستر العورة كان من عهد آدم ﵇، ووجه استنباطه هو ما ذكر بالتعبير عن العورة بأنها كانت تسوء آدم وزوجه. وقد وافق السمعاني على ذلك جمع من المفسرين، وبينوا أن ستر العورة من الواجبات من عهد آدم ﵇، قال السمرقندي: " وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي أقبلا وعمدا يلصقان عليهما من ورق الجنة ". (٢)

стр. 199

وقال الزمخشري: " وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول ". (١) وممن قال بذلك أيضا: الماوردي، والرازي، والخازن، وأبو السعود، والشنقيطي. (٢)

стр. 200

السواسية في الضلال للجاهل بكفره والمعاند . قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف ٣٠]. • قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وفي هذا دليل على أن المستبصر بالكفر الذي يحسب أنه على الحق مثل المعاند سواء ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من حسبان الكفار أنهم على الحق مع ضلالهم عنه، بأن مثلهم مثل الذي يعاند مع معرفته للحق ويعرض عنه، ووجه استنباطه هنا أن الله تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم وإلا لما ذمهم بذلك. قال الطبري: " وفي هذا أدل الدليل على تكذيبه تعالى قول القائلين: إن عقوبات الله لا يستحقها إلا المعاند ربه فيما لزمه من حقوقه وفروضه، بعد علمه وثبوت الحجة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إياه " (٢). وقال الخازن: " وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء ". (٣)

стр. 201

ومما لا شك فيه أن هذه عقيدة يعتقدها أهل السنة والجماعة، بأنه لا يعذر أحد بجهله في كفره بالله، يؤيد ذلك ذم الله للمغضوب عليهم والضالين، فهم اليهود والنصارى فقد ذمهم الله وفيهم طائفة عرفوا الحق فأعرضوا عنه وهم اليهود، وطائفة اعتقدوا أنهم على الحق فساروا وهم في ضلال وهم النصارى، ومع ذلك لم يفرق الله بينهم في غيهم وضلالهم، قال الشنقيطي: " هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبساً ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجاً في الباطل، وعناداً، فلذلك كان غير معذور ". (١) وممن أيَّد السمعاني على هذا الاستنباط من المفسرين وقال به: السمرقندي، والبغوي، والرازي، والبيضاوي، وابن كثير، والسعدي. (٢)

стр. 202

دلالة موت الجن كالإنس . قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨] • قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية بدلالة الالتزام بأن الجن مثلهم مثل الإنس في حياتهم وموتهم، ووجه الاستنباط هنا ذكره سبحانه لخلو الأقوام السابقة من الجن في النار والذي يلزم منه أنه يدل قطعيًّا على موتهم وانتهاء حياتهم، قال ابن عطية في تفسيره لهذه الآية: " ... وهذا يقتضي أن الجن يموتون كما يموت البشر قرناً بعد قرن ". (٢) وهو قول جمهور العلماء والمفسرين. (٣) وما ذكره السمعاني بقول الحسن البصري ﵀ عنه بأنهم لا يموتوا فقد خالف نصوص القرآن والسنة والإجماع، والذي مفاده أنه عندما حُجّ بهذه الآية سكت. (٤) ولا أصرح في سلامة هذا الاستنباط بعد هذه الآية من قول الحق ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ومن حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) (٥).

стр. 203

طلب غوث الكفار بإفاضة الماء دليل عذاب الجوع والعطش عليهم . قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف ٥٠] • قال السمعاني ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في هذا دليل على أنهم كما يعذبون بالنار، فيكون عليهم عذاب الجوع والعطش مع عذاب النار، حتى يسألوا الطعام والشراب ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من نداء أهل النار وسؤالهم للمؤمنين المتنعمين في الجنة بأن يفيضوا الماء عليهم، أو ما قد رزقهم الله من النعم، بأن في هذا دلالة على أنهم يعذبون بالجوع والعطش إضافة إلى ما يعذبون به من نار جهنم أجارنا الله من عذابها.

стр. 204

وقد أشار جمع من المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال النيسابوري: " فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم " (١)، وقال ابن عاشور: " والاستغاثة من شدة العطش الناشئ عن الحر فيسألون الشراب ". (٢) وممن قال بذلك أيضا من المفسرين: الطبري، والرازي، والقرطبي، وحقي. (٣) وقد استنبط بعض المفسرين استنباطاً آخر بأن معنى الإفاضة يستنبط منه أن أهل الجنة يكونون أعلى في المنزل والمكان من أهل النار، قال الرازي: " وفي قوله: أفيضوا دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار ". (٤) وممن ذكره وقال به أيضاً: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، ومحمد رشيد رضا. (٥)

стр. 205

تكرار الأربعين بعد ذكر الثلاثين والعشر لقطع الأوهام عن الزيادة . قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]. • قال السمعاني ﵀: " فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا التكرار؟ قيل: فائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قطع الأوهام عن الزيادة، لأنه لما وقت الثلاثين أولاً، ثم زاد عليه عشرا، ربما يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من أن سبب تكرار قوله تعالى أربعين ليلة بعد ذكر الثلاثين والعشر هو دفع التوهم من كون أن العشر سوى الثلاثين، وليست العشر هي المتممة للثلاثين، ووجه استنباطه أنه سبحانه كرَّرها لقوة الشك عند من يظن أن العشر متممة حتى بلغت ثلاثين ليلة. الموافقون: وافق السمعاني جمع من المفسرين في القول بأن سبب التكرار هو دفع التوهم، قال الرازي: " إنما قال أربعين ليلة لإزالة التوهم أن ذلك العشر من

стр. 206

الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإيهام ". (١) وممن قال بذلك أيضا: الماوردي، والقرطبي، والشهاب الخفاجي، والشوكاني، والألوسي. (٢) المخالفون: خالف بعض المفسرين في القول بأنها لدفع التوهم وقالوا بأنها للتأكيد، قال ابن عادل بعد أن ذكر القولين بأنها إما للتأسيس أو للتأكيد وباعد القول بالتأسيس: " وأظهرهما: أنها للتأكيد، لأن قوله قبل ذلك: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فُهِمَ أنها أربعون ليلة". (٣) وقد ذكر ابن عطية وابن الجوزي أنه قد يكون أحد أسباب التكرار هو التأكيد أيضا. (٤) النتيجة: يكون ما كان عليه السمعاني ومن وافقوه هو الأقرب إلى الصواب مع عدم استبعاد القول الآخر بالكلية، وذلك لأن ذكر العشر للإتمام يجعل المتأمل بين أمرين إما أنها المتممة للثلاثين بمعنى أن مناجاة موسى لربه كانت عشرين ليلة أولا، أو أن هذه العشر هي المتممة للأربعين بعد الثلاثين ليلة الأولى، فأتت الأربعين ليلة لتقطع وتدفع الأوهام تجاه التوقع الأول، والله أعلم.

стр. 207

جواز رؤية الله في الدنيا عقلا، ومنعها شرعا . قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣]. • قال السمعاني ﵀: " وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يرى، لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده، لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية جواز رؤية الله في الدنيا، ووجه الاستنباط أن الله علق رؤيته بأمر غير مستحيل وهو استقرار الجبل مستنداً السمعاني على القاعدة الأصولية " تعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه " (٢). الموافقون: وافق السمعاني على القول بجواز رؤية الله بعض المفسرين لما استند عليه السمعاني من تعليق الرؤية بأمر جائز غير مستحيل، قال الخازن: " وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى ﵊ فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى، وأيضاً فإن الله علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون

стр. 208

الرؤية في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ". (١) وممن قال بذلك أيضاً: الماوردي، والبيضاوي، وأبو السعود، والشنقيطي. (٢) المخالفون: خالف ابن عاشور السمعاني بالقول بعدم جواز رؤية الله بالكلية في الدنيا بحجة علم الله سبحانه بإنتفاء الجبل وعدم استقراره كلياً، قال ﵀: " وعلق الشرط بحرف (إن) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافاً لما اعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك ". (٣) وقد وافقه الألوسي، والشوكاني، ومحمد أبو زهرة على ذلك. (٤) النتيجة: ماذهب إليه السمعاني ومن وافقوه هو الأقرب للصواب، وذلك لأن حجة المخالف لا تعدو إلا أن تكون ظنية، وليس لها مستند ولا دليل، لأنها لما كانت الرؤية ممتنعة شرعا بينت نصوص القرآن كما في هذه الآية، وغيرها مما ثبت في السنة من أن رسول الله ﷺ قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (٤)، كما أنه لو كانت الرؤية ممتنعة عقلا لما جعل الله موسى أمام أمرين، بدا لموسى أنه قد يحصل هذا أو هذا (٥). والله أعلم.

стр. 209

إثبات صفة الكلام لله ، لأنها من خصائص الألوهية . قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف ١٤٨]. • قال السمعاني ﵀: " وهذا دليلٌ على أن الله متكلم لم يزل ولا يزال، لأنّه استدلّ بعدم الكلام من العجل على نفيِ الإلهية ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني بدلالة الالتزام صفة الكلام لله ، ووجه استنباطه هنا إنكارُه ونفيُه سبحانه لإلهية العجل عند عدم قدرته على الكلام، فدلّ ذلك أن صفة الكلام من خصائص الألوهية، وفي هذا ردٌ على من أنكر صفة الكلام للرب سبحانه. وقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط علماء العقيدة والتفسير، قال شيخ الإسلام عندما تعرض لتفسير هذه الآية، مثبتاً هذه الصفة لله سبحانه " .. بيان أن الله غير عاجز عنه وأنه متكلمٌ وقائلٌ لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه " (٢)، ... وممن قال بهذا أيضًا: أبو حيّان، والبقاعي، وابن عادل الحنبلي، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (٣)

стр. 210

وبعد التمعّن في هذه الآية، وما قد اُستنبط منها يلحظ أنّ من صفات كماله سبحانه صفة الكلام، وأنّ بانتفاء هذه الصفة يكون الخلل والنقص، تعالى الله سبحانه عن النقائص والعيوب، فسبحان من له الأسماء الحسنى، والصفات العلى في ذاته، وأقواله، وأفعاله. بل وفي هذا الرد الشافي والكافي لمن أنكر هذه الصفة التي أثبتتها نصوص القرآن والسنة. (١)

стр. 211

إبطال معتقد المرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه . قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢]. • قال السمعاني ﵀: " ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: يقينًا وتصديقًا؛ وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا بها ازدادوا إيمانًا وتصديقًا، وهذا دليل لأهل السنة على أنّ الإيمان يزيد وينقص ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا عقديًا يبطل ما كانت تعتقده طائفة المرجئة بقولهم: " إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الأعمال ليست من الإيمان، حتى يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها، فالإيمان هو إقرار القلب، والإقرار لا يزيد ولا ينقص"، لكن هذه الآية وغيرها من الآيات قد أبطلت معتقدهم الذي يخالف أصل من أصول أهل السنة والجماعة ما مفاده أن الإيمان إقرار بالقلب، وقول باللسان، وتصديق بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. (٢) ومما لا شك فيه أن الإيمان يزيد بفعل الطاعة، وينقص بضدها، وإذا كان يزيد فهو ينقص، لأن كل شيء يزيد فهو ينقص، فمن لازم الزيادة النقصان. قال الشيخ صالح الفوزان: " والإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين يقولون: (الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا

стр. 212

ينقص) .. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فدلّ على أنّ الإيمان يزيد، وإذا كان يزيد فهو ينقص فمن لازم الزيادة النقصان (١) ". (٢) فيتبين بذلك سلامة استنباط السمعاني لسبره للدليل، ورده على المخالف بنصوص القرآن والسنة، والله أعلم.

стр. 213

عدم الجواز لأي أحد بأن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً . قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال ٢ - ٤]. • قال السمعاني ﵀: " وفيه دليل لأهل السنة على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف ". (١) الدراسة: لما وصف الله سبحانه المؤمنين المتصفين بالصفات المذكورة في الآيات السابقة بأنهم مؤمنون حقا استنبط السمعاني أنه لا يجوز لأحد أن يقطع لنفسه أو لغيره بأنه مؤمنا حقا ووجه استنباطه هنا أن في وصفه سبحانه بحقيقة الإيمان لهؤلاء المتصفين بتلك الصفات دلالة على أن من سواهم لا يحق له شرعا أن يصف نفسه بأنه مؤمنا حقا. قال القرطبي: " إن المؤمن الحقيقي من كان محكوماً له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح ". (٢) وممن أيد السمعاني في استنباطه هذا ووافقه: البغوي وابن عادل الحنبلي. (٣)

стр. 214

وقد أشار البقاعي إلى لفتة بليغة في أن من قصَّر في تلك الصفات لا ينتفي منه الإيمان بالكلية، قال: " وفي هذا تنبيهاً على من قصَّر في هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره ". (١) وإن مما يؤيد ما استنبطه السمعاني ويؤكده، أن من تمعن في تلك الصفات يلحظ أن كلها أعمال قلبية لا يملك أحد فيها القطع بأن صاحبها مؤمنٌ حقا، فقل مثلا وجل القلب عند ذكر الله أو زيادة الإيمان عند سماع تلاوة القرآن أو التوكل على الله أو غير ذلك من باقي تلك الصفات والله أعلم.

стр. 215

شدة بصيرة الكفار في غيهم وضلالهم . قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الأنفال ٣٢]. • قال السمعاني ﵀: " وهذا يدل على شدة بصيرتهم في الكفر، وأنه لم تكن لهم شبهة وريبة في كذب الرسول، لأن العاقل لا يسأل العذاب بمثل هذا متردد في أمره، وهذا دليل على أن العارف ليست بضرورته ". (١) الدراسة: استنبط السمعاني من سؤال كفار قريش الرسول ﷺ أن ينزل عليهم العذاب بأن في هذا دلالة واضحة وبينة بشدة بصيرتهم وانعقاد قلوبهم على الكفر، وأنه ليس لديهم أدنى شك في كذب وافتراء ما جاء به النبي ﷺ ، ووجه استنباطه سؤالهم العذاب دون ترددهم بأن دعوا ربهم بأن يمطر عليهم حجارة من السماء إن صح ما جاء به محمد ﷺ . قال الشوكاني: " قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار ". (٢) ويبين حقيقة استنباط السمعاني ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة من عناد الكفار والمشركين واستكبارهم وانعقاد قلوبهم على صحة وسلامة الطريق الذي يسلكونه لجهلهم وعنادهم أعاذنا الله من إضلال الحق، وإحقاق الباطل، قال ابن كثير: " فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ". (٣)
следующие страницы →