← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14032

رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار

الجعبري

Полный текст (556 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مسجد الكوفة ونهاه عن القصص (١). وعن يحيى بن أكثم (٢) ﵀ قال: ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين من ناسخ القرآن, لأن الأخذ بناسخه واجب فرضًا، والعمل به واجب لازم دينًا، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهي إليه، فالواجب على كل عالم عِلْمُ ذلك لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرًا لم يوجبه الله أو يضع عنهم فرضًا أوجبه الله (٣). وقال الإِمام الزهري ﵀: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه" (٤). وقال بعض العلماء: لا يحل أن يفتي في دين الله إلَّا رجل عارف بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بصيرًا بحديث رسول الله ﷺ ، وباللغة، ويكون مشرفًا على اختلاف علماء الأمصار، وله قريحة، فإن كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام (٥). وقال ابن (٦) حزم: لا يجوز لمسلم يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يقول في شيء من

стр. 72

القرآن والسنّة: هذا منسوخ إلَّا بيقين (١). وساق الأدلة على ذلك. وقال أبو بكر الحازمي: معرفة ناسخ حديث رسول الله ومنسوخه علم جليل ذو غور وغموض، دارت فيه الرؤوس، وتاهت في الكشف عن مكنونه النفوس، وتوهم بعضهم ممن لم يحظ من معرفة الآثار, إلَّا بآثار أن الخطب فيه جلل يسير، والمحصول منه قليل غير كثير، ومن أمعن النظر في اختلاف الصحابة في الأحكام المنقولة عن النبي ﷺ اتضح له ما قلناه (٢). ثم قال: وهذا الفن من تتمات الاجتهاد، إذ الركن الأعظم في باب الاجتهاد ومعرفة النقل، ومن فوائد معرفة النقل -الناسخ والمنسوخ- إذ الخطب في ظواهر الأخبار يسير، وتجشم كلفها غير يسير، وإنما الإِشكال في كيفية استنباط الأحكام من خبايا النصوص، ومن التحقيق فيها معرفة أول الأمرين من آخرهما إلى غير ذلك من المعاني (٣). وقال القرطبي (٤): ومعرفة علم الناسخ والمنسوخ ركن عظيم لا يستغنى عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلَّا الجهالة الأغبياء، لما يترتب عليه من معرفة الحلال والحرام، ثم نقل قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥) فقال: معرفة الناسخ والمنسوخ (٦). وهذا ذكر نحوه الزركشي في البرهان (٧)، والسيوطي في الإِتقان (٨)، وغيرهم من علماء الإِسلام. والآن وقد اتضح لنا أن العلم بهذا الفن عظيم الشأن في فهم الأحكام، وتميز الحلال من الحرام، ومعرفة أول الأمرين من آخرهما وناسخهما من منسوخهما، وتشدد

стр. 73

السلف، واحتياطهم في هذا الباب حتى لا يتجرأ الجهّال على ادعاء النسخ، ولا يحكم به عن اجتهاد (١) , لأنه لا مجال للاجتهاد في هذا الباب. وعلمنا ما حظي به هذا العلم من العناية البالغة والدراسة الواسعة، وسنعرف بعد هذا من اعتنى بتدوينه من العلماء من أهل الحديث والفقه والأصول والتفسير وغيرهم، وبعد هذا أصبح من الضروري تعلم هذا العلم وفهمه على طلاب الدراسات الإسلامية، وعلى كل عالم ومتعلم متخصص وغير متخصص، ممن ولي من أمور الناس شيئًا من القضاء، أو الإفتاء، ومن له سلطان في تنفيذ الأحكام الشرعية. كما أنه يجب على الدعاة إلى الله أيضًا بأن يكونوا على علم به, لأنه ربما تعترضهم بعض الشبهات الواردة حول قضايا النسخ، فيقف الواحد منهم لا يدري ماذا يقول. فلا بدّ له من معرفة هذا العلم حتى يتمكن من دفع الشبهات والرد عليها وبيان بطلانها وزيفها، وإظهار ما هو الحق والصواب في قضايا النسخ.

стр. 74

الفصل الثاني تَعَريف النّسخ في اللّغَة وَفي الشّرع وَحِكمَة التشريع فيهِ وَالرّد عَلَى مَن أنكره تعريف النسخ: ١ - تعريف النسخ في اللغة: يدور معنى النسخ في اللغة على عدة معان: أ - بمعنى الرفع والإِزالة: والإِزالة نوعان: إزالة إلى بدل: وهي عبارة عن إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، كنسخت الشمس الظل: أذهبته وحلت محله. والشيب الشباب. وإزالة إلى غير بدل - أي من غير تعويض عن المنسوخ - وهي عبارة عن رفع الحكم وإبطاله. كنسخت الريح أثر القوم: أي أبطلتها وعفت عليها (١). ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٢). أي يبطل ما يلقي الشيطان ثم يثبت آياته. والنسخ بمعنى الإِزالة حقيقة عند جمهور أهل اللغة والأصول وهو اختيار أبي الحسين (٣) البصري المتوفى سنة ٤٣٦ هـ من أئمة الأصول. والإِمام الفخر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ (٤)، ورجحه سيف الدين الآمدي (٥) المتوفى سنة ٦٣١ هـ، ومال إليه أكثر

стр. 75

المتأخرين من أصحاب الأصول من الشافعية والمالكية والحنابلة (١). ب- وبمعنى النقل والتحويل: وهو نقل مع بقاء الأول: كنسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه، وليس المراد انعدام ما فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٣). وتحويل مع بقاء الشيء في نفسه، يقول أبي حاتم السجستاني (٤) من أئمة اللغة: النسخ أن يحول ما في الخلية من العسل والنحل إلى أخرى، ومنه تحويل المناسخات في المواريث، فإنها تنقل من قوم إلى قوم مع بقائها في نفسها، وتناسخ الأزمنة والقرون، وتناسخ الأرواح عند القائلين به (٥). والنسخ بمعنى النقل والتحويل مجاز عند الجمهور، حقيقة عند الأحناف والقفال من الشافعية (٦). وقال القاضي والغزالي مشترك بينهما (٧): ولم يرجح ابن الحاجب أحدًا منهما، ومثله

стр. 76

بن السبكي والإسنوي (١). والأول قول الأكثر من أئمة الأصول (٢). ٢ - تعريف النسخ الشرعي عند الأصوليين من المتكلمين: عرف القاضي والغزالي النسخ: بأنه الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه (٣). قال الحازمي وعلى هذا التعريف أطبق المتأخرون (٤). وذكره ورجحه على غيره من التعريفات. وقد وجه الإمام الرازي على هذا التعريف اعتراضات من أوجه كثيرة، ثم عدّله وهذّبه بعبارة أخرى في المحصول (٥). واختار هذا التعريف الآمدي، وابن الحاجب، وابن الصلاح وغيرهم (٦). وتعريف ابن الحاجب مستمد منه، لكنه اختصره فقال: "النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر". وتعريف ابن الصلاح نحوه وقال: "وقع لنا هذا التعريف سالمًا من الاعتراضات الواردة على غيره". قال العراقي عقبه: وفي كثير من اعتراضات الرازي على تعريف القاضي نظر.

стр. 77

واختار البيضاوي تعريفًا آخر للنسخ فقال: هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه (١). وارتضاه جماعة ومنهم المصنف (٢). وقد أعرضت عن ذكر بقية التعريفات الأخرى للنسخ وما وجه عليها من الاعتراضات خشية الإطالة (٣). تعريف الأحناف للنسخ: قالوا: النسخ هو أن يرد دليل شرعي متراخيًا عن دليل شرعي مقتضيًا خلاف حكمه (٤). وعرفه آخرون منهم بأنه: رفع تعلق مطلق بحكم شرعي ابتداء (٥). واستدل الجمهور للنسخ الشرعي بآيات، منها قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٦)، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٧)، وبقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٨)، ومن السنّة بأحاديث وآثار كثيرة ذكرها المصنف في مقدمته (٩)، وفيها غنى من التكرار (١٠).

стр. 78

حكمة التشريع في النسخ: تقدم أن قلنا إن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الأحكام الشرعية، ومعرفة الحلال والحرام، والآن نشير إلى بعض الحكم والأسرار المستفادة من تشريع الناسخ والمنسوخ. ١ - إن الأحكام التي ثبت نسخها بطرق النقل الصحيحة والتي كان عليها العمل في أول التشريع في عهد نزول الوحي والرسالة من نصوص الكتاب والسنّة، لتكشف النقاب عن سر التشريع ومرونته في سياسة البشرية وتربيتها على قبول الأحكام والتكاليف الشرعية بالتدريج والتخفيف حتى أذعن الناس لهذا الدين ودخلوا فيه راضين غير مكرهين ولا مجبرين, لأنهم لم يفاجأوا بالتكاليف دَفْعَةً واحدة. ٢ - إثبات النسخ على الوجه الصحيح دفع لتعارض الأدلة التي لا يزول إشكالها ولا يستقيم معناها ولا ينتظم سير التشريع بها على الوجه المطلوب منها إلَّا بإثباته. ٣ - في إثبات النسخ إظهار وإعجاز للنصوص الناسخة والمنسوخة معًا من الكتاب والسنّة، وعدم إثباته لا يحقق كثيرًا من دفع المفاسد ودرئها وجلب المصالح للعباد، ويضيق مقاصد ومرامي الشريعة السمحة الصالحة لنظم الحياة في كل زمان ومكان. ٤ - بالنسح يكشف الله تعالى لعباده عن علمه السابق الذي يظهر حكمته على مر العصور والأزمان، وفيه دلالة على بقاء هذه الشريعة وخلودها. ٥ - النسخ فيه رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا من الله تعالى، وفيه امتحان لهم بالامتثال للأوامر والنواهي، وهو يعلم المصلحة المترتبة على النسخ في الأحكام، ويعلم المفسدة، فإثبات الحكم ونفيه فيه مصلحة للعباد، يعلمها الذي خلقهم، ولا تنافر ولا تناقض في ذلك، بل فيه التعاضد، ومن تأمل سير التشريع علم الحكم والأسرار الكثيرة، وقد تكفلت كتب الناسخ والمنسوخ ببيان ذلك (١). أما النسخ بين الشرائع فإنه لم يقع في القواعد الكلية ولا في العقائد وأصول التوحيد، وإنما وقع في بعض الفروع مع جوازه في الجميع عقلًا، غير أنه لم يقع، وإذا قيل إن

стр. 79

شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع فمعناه في بعض الفروع خاصة، وهذا المعنى هو الذي يقصده الأصوليون بقولهم شريعتنا ناسخة لجمِيع الشرائع (١)، فدعوة الرسل واحدة والمنبع واحد والمصدر والمنهج واحد والرسل كلهم لبنات متصاعدة مرتبة لا تناقض في رسالاتهم ولا تنافر بل تعاضد وتضافر. وقد اقتضت حكمة الله تعالى بأن تكون هذه الشريعة هي الخاتمة، فجاءت شمولية في المنهج والنظام تفي بجميع مصالح البشرية في كل زمان ومكان، صالحة حتى تقوم الساعة، يجد فيها كل فرد حاجاته وكذلك الأسرة والمجتمع، فهي ملائمة للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها. والذي خلقهم هو أعلم بهم فشرع لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) سبحانه وهو القائل ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، فمن أراد بعد هذا من البشر أن يضع شرعًا فليخلق له خلقًا جديدًا يلائم تشريعه، وأنى له هذا، وأين يذهب أصحاب القوانين الوضعية الذين تركوا الشريعة الخالدة وما يدريهم أن سعادتهم فيها، فأغواهم الشيطان فزعموا أن التشريعات الوضعية هي المناسبة لروح العصر فطرحوا أحكام الشريعة ونور الله وهداه، اللهمّ اهدِنا إلى طريق الحق وإلى صراط مستقيم، وأعد لهذه الأمة أمر رشدها وعزها، يا عزيز، إنك على كل شيء قدير. النسخ بن مثبتيه ومنكريه: اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه سمعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني (٤)، فإنه منع وقوع النسخ سمعًا وجوز وقوعه

стр. 80

عقلًا. وقد اضطربت النقول في تحديد مذهبه في ذلك (١). وتحقيق مذهبه ما ذكره تاج الدين السبكي في رفع الحاجب عن ابن الحاجب فقال: "إن الخلاف بين الجمهور وأبي مسلم لفظي, فإن أبا مسلم يجعل ما كان مُغَيًّا في علم الله تعالى كما هو. مُغَيًّا باللفظ، ويسمي الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) أو أن يقول: صوموا مطلقًا، وعلمه محيط بأنه سينزل أن لا تصوموا وقت الليل، والجمهور يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا، ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى ﷺ ، وإنما يقول: كانت الشريعة السابقة مغياة إلى مبعثه ﵇، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصصة للشرائع أو ناسخة، وهذا معنى الخلاف (٣). وقد تشيع لهذا المذهب نفر من القدامى والمحدثين (٤). موقف اليهود من النسخ: أنكرت ثلاث فرق من اليهود النسخ: ١ - الفرقة الأولى: وهي الشمعونية: نسبة إلى شمعون بن يعقوب، فقد ذهبت إلى القول بامتناع النسخ عقلًا وسمعًا (٥).

стр. 81

٢ - الفرقة الثانية: وهي العنانية (١): نسبة إلى عنان بن داود، وهذه الفرقة ترى جواز النسخ عقلًا وامتناعه سمعًا. ٣ - الفرقة الثالثة: وهي العيسوية (٢): نسبة إلى أبي عيسى بن يعقوب الأصبهاني، ترى أن النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا. وحجة هذه الفرق أن النسح يدل على البداء في زعمهم في حق الله، وهي حجة باطلة لا أساس لها، وتعالى الله عن ذلك، وقد تكفل أئمة الأصول ببيان أدلة وقوع النسخ وردّ هذه الشبهة المزعومة، وقد أعرضت عن الرد عليها، كما قال الشوكاني (٣) ﵀: شبهة اليهود هذه لا تستحق الرد ولا الذكر ولا الاعتراض, لأنه ليس النسخ وحده الذي أنكرته اليهود، بل أنكرت أحكامًا كثيرة في التوراة، ولولا خشية الإِطالة بغير فائدة لذكرتها، ومن أحب الاطّلاع على هذه القضية فهده إشارة إلى المراجع (٤).

стр. 82

الفصل الثالث المؤلفوُن في نَاسِخ الحَدِيث وَمَنسُوخه المؤلفون في ناسخ الحديث ومنسوخه: تناول العلماء موضوع النسخ بالتأليف بشطريه في الكتاب والسنّة، إذ السنّة هي المصدر الثاني في التشريع، وألفت كتب في ناسخ القرآن ومنسوخه خاصة، كما ألّفت كتب أخرى في ناسخ الحديث ومنسوخه خاصة، ومن العلماء من جمع بينهما معًا، إلى جانب عناية علماء الأصول بهذا الفن في كتبهم وعلماء الحديث والتفسير والفقه. وما كتب في ناسخ القرآن ومنسوخه من المؤلفات كثير جدًا، حفظ لنا التاريخ أسماء عدد كبير من المؤلفين، ومن الكتب المؤلفة، غير أن الذين بقيت مؤلفاتهم وحفظت من عوارض الدهر قليلة بالنسبة لما فقد منها (١). وقد اختلفت أساليب ومناهج الكتّاب في تدوين النسخ، فمنهم المقتصر فيه، ومنهم المسرف المكثر في دعوى النسخ، ومنهم من شذ فأنكر وجوده، ومنهم من تأوله فحمله على أحد أوجه البيان الأخرى فسماه تخصيصًا، أو غير ذلك، ومنهم من توسع في مدلول النسخ حتى أدخل فيه تقييد المطلق وبيان المجمل والمبهم وتخصيص العام سواء كان التخصص متصلًا أم منفصلًا بصفة أو بشرط أو باستثناء أو بغير ذلك، فجعل الجميع من باب النسخ، وهذا هو مفهوم النسخ عند المتقدمين من الصحابة والتابعين وبعض الأئمة، فهم يرون أن النسخ مجرد مطلق التقيد الذي يطرأ على الحكم، سواء كان التقيد بالرفع أم بالتخصيص، وسواء كان متأخرًا في النزول أو متقدمًا، وهذا موجود في كتب التفسير المنقولة عن بعض الصحابة والتابعين (٢).

стр. 83

وتقدم بيان ما أولاه الصحابة والتابعون والعلماء من العناية بهذا الفن، وقد قام علماء الأصول بوضع القواعد والضوابط العامة في تعريفه واحكام شوارده، وإظهار غوامضه، وبيان معرفة طرقه وأركانه وشروطه، وحكمته، وبالرد على الشبه الواردة عليه، وفرقوا بينه وبين غيره من أوجه البيان في مباحث الأصول، كالفرق بين النسخ والتخصيص من ناحية البيان، وحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص فلا ناسخ ولا منسوخ بينهما، وتمييز المحكم الثابت، والمتشابه المنسوخ في عرف الأصوليين. وبيان النصوص التي يدخلها النسخ والتي لا يدخلها، وعملهم هذا أنار الطريق لمن أحب الاطّلاع والبحث في هذا الفن فهو أساس مهم لمعرفة الناسخ والمنسوخ، ولا يعرف النسخ في الكتاب والسنّة على حقيقته من لا علم له بهذه القواعد. وعلى هذا الأساس نبدأ في ذكر قائمة المؤلفين في ناسخ الحديث ومنسوخه وما كتبوا فيه من المؤلفات. ونقتصر على ذلك فقط, لأنني لم أر من استوفى ذكرهم من المتخصصين، إذ المقام لا يتسع لذكر المؤلفين الآخرين في ناسخ القرآن ومنسوخه وسرد ما كتبوه، وقد كفانا بعض الباحثين بدراسة ذلك فنشير إلى ما كتبوه (١). ١ - تكلم في الناسخ والمنسوخ في الأحاديث كثير من الصحابة والتابعين ولم يعرف لأحد منهم مؤلف خاص مشهور في ذلك غير ما حوته كتب التفسير والحديث وكتب الناسخ والمنسوخ في القرآن والسنّة، من أقوالهم المروية عنهم (٢). واستمر ذلك في القرنين الأول والثاني الهجريين حتى جاء الإِمام الشافعي المتوفى سنة

стр. 84

٢٠٤ هـ ﵀ فميز النسخ عن غيره من المباحث الأصولية، وعن المفهوم الواسع له عند المتقدمين وكان له السبق في وضع علم أصول الفقه. ولنا عودة مع الإِمام الشافعي حول تدوينه هذا الفن. ٢ - وقيل: إن أول من دون ناسخ الحديث ومنسوخه (١)، هو الإِمام الحافظ الحجة مجمد بن مسلم (٢) بن عبيد الله بن شهاب الزهري، فقد ذكر الحازمي في الاعتبار أهمية هذا الفن فقال: "ألا ترى الزهريّ وهو أحد من انتهى إليه علم الصحابة، ومدار حديث الحجازيين وهو القائل: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني، وكان إليه المرجع في الحديث، والمعول عليه في الفتيا، كيف استعظم هذا الشأن مخبرًا عن فقهاء الأمصار بقوله: أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه، ثم لا نعلم أحدًا جاء بعده تصدى لهذا الفن ولخصه وأمعن فيه وخصصه إلَّا ما يوجد من بعض الإِيماءات والإِشارات في عرض الكلام عن آحاد الأئمة، حتى جاء الشافعي ﵀ فخاض تياره، وكشف أسراره، واستنبط معينه، واستخرج دفينهُ، واستفتح بابه، ورتب أبوابه (٣).

стр. 85

٣ - وجاء الإمام الشافعي محمَّد (١) بن إدريس المتوفى سنة ٢٠٤ هـ ﵀ فكتب (رسالته) (٢) المشهورة التي ذكر فيها نبذة عن هذا الفن. وفي كلام الحازمي (٣) المتقدم ما يدل على أن الشافعي أفرد الناسخ والمنسوخ بالتأليف ولكنه عاد معقبًا بقوله: "وذكر الشافعي في كتابه (الرسالة) من هذا الفن أحاديث ولم يستنزف معينه فيها إذ لم يصنع (الرسالة) لهذا الفن وحده، غير أنه أشار إلى قطعة صالحة توجد في غضون الأبواب من كتبه، ولو كانت موجودة لأغنت الباحث عن الطلب، والطالب عن تجشم الكلف". ثم ساق ما يدل على أن الشافعي كانت له في هذا الفن اليد الطولى والسابقة الأولى بما رواه بسنده إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في قوله لمحمد بن مسلم بن وارة (٤)، أحد أئمة الحديث وحفاظه المتوفى سنة ٢٦٥ هـ، حينما قدم من رحلته من مصر إلى العراق قابله أحمد وقال له: هل كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا فقال له أحمد: فرطت ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ حديث رسول الله من منسوخه حتى جالسنا الشافعي ﵀ (٥). وهكذا أثنى العلماء على الإِمام الشافعي بمعرفة هذا الفن وتقدمه في توضيحه وإظهاره (٦).

стр. 86

٤ - وكتب فيه الإمام أحمد بن حنبل (١) بن هلال الشيباني أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام، إمام أهل السنة المتوفى سنة ٢٤١ هـ كتابًا، فقد ذكر في قائمة مؤلفاته اسم كتاب في الناسخ والمنسوخ في الحديث، ولكنه لم يصل إلينا، فقد نسبه له صاحب الرسالة المستطرفة ص ٨٠، ونسبه له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٩/ ٣٧٥ في ترجمة ولده عبد الله بن أحمد، ونقل ذلك محقق كتاب معرفة الصحابة لأحمد بن حنبل ١/ ٢٥ في المقدمة. ٥ - وممن كتب في ناسخ الحديث ومنسوخه: أبو بكر أحمد (٢) بن محمَّد بن هانئ الطائي المعروف بالأثرم الإِمام الحافظ المتوفى سنة ٢٦١ هـ أحد أصحاب الإِمام أحمد بن حنبل، وكتابه في الناسخ والمنسوخ في الحديث يوجد منه الجزء الثالث فقط في ١٢ ورقة في دار الكتب المصرية برقم (١٥٨٧) حديث، وهو آخر الكتاب، وتوجد منه نسخة أخرى ناقصة أيضًا في مكتبة صائب بأنقرة برقم (١٣٢٣) قسم ١ أصل ص ١٣٥ ورقة، كتبت عام ٥٥٠ هـ (٣). ٦ - وكتب فيه الإِمام الحافظ أبو داود السجستاني (٤) سليمان بن الأشعث الأزدي المتفق على جلالته، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ، وقد نسب له هذا الكتاب صاحب الرسالة المستطرفة ص ٨٠، والمعروف أن أبا داود كتب في ناسخ القرآن ومنسوخه، وذكر السخاوي في فتح المغيت ٣/ ٦٢ أن أبا داود كتب في ناسخ ومنسوخة الحديث.

стр. 87

٧ - وكتب فيه الإمام اللغوي أبو بكر محمَّد بن (١) عثمان بن الجعد الشيباني المتوفى سنة ٣٠١ هـ، وهو أحد أصحاب ابن كيسان النحوي، وكتابه لا يوجد اليوم، وقد نسب له هذا الكتاب صاحب كشف الظنون ٢/ ١٩٢٠. ٨ - وكتب فيه العلّامة الأديب اللغوي المحدث الفقيه أحمد (٢) بن إسحاق بن بهلول بن حسان بن سنان التنوخي الأنباري المتوفى سنة ٣١٨ هـ، قاضي الأنبار، وقال الخطيب البغدادي في تاريخه ٤/ ٣٠ - ٣٤ بأنه ألّف في الناسخ والمنسوخ وقال: كان ثقة ثبتًا في الحديث. وانظر: كشف الظنون ٢/ ١٩٢٠. ٩ - وكتب فيه الإمام الحافظ أحمد (٣) بن محمَّد بن سلامة بن عبد الملك ابن سلمة الأزدي الحجري الطحاوي الحنفي المصري المتوفى سنة ٣٢١ هـ، فقد نسب له الزيلعي في نصب الراية ٣/ ١٧٤ كتابًا فيه. ١٠ - وكتب في ناسخ الحديث ومنسوخه أبو جعفر النحاس أحمد (٤) بن محمَّد بن إسماعيل المرادي المصري المتوفى سنة ٣٣٨ هـ، المفسر الأديب اللغوي، ونسب له كتابًا فيه صاحب كشف الظنون ١/ ١٩٢٠ وكتابه ناسخ القرآن ومنسوخه مطبوع. ١١ - وكتب فيه الحافظ محدث الأندلس أبو محمَّد قاسم (٥) بن أصبغ بن محمَّد بن

стр. 88

يوسف الأموي القرطبي المتوفى سنة ٣٤٠ هـ، نسب له كتابًا فيه صاحب كشف الظنون ٢/ ١٩٢٠. ١٢ - وكتب فيه الإمام الحافظ عبد الله بن (١) محمَّد بن جعفر بن حيان الأصبهاني أبو محمَّد الأنصاري المتوفى سنة ٣٩٦ هـ المعروف بأبي الشيخ، نسب له صاحب الرسالة المستطرفة ص ٨٠ كتابًا فيه، وقد ذُكِرَ في ترجمة أبي الشيخ وآثاره في مقدمة طبقات علماء أصبهان القسم الأول ص ١٠٥، تحقيق زميلنا عبد الغفور عبد الحق حسين البلوشي. وتكلم غير هؤلاء جماعة من الحفاظ والأئمة عن الناسخ والمنسوخ في الحديث في الأمهات الست، وفي غيرها من كتب السنّة الأخرى، ومنهم الإِمام البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، والإِمام مسلم المتوفى سنة ٢٦١ هـ، والإِمام الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩ هـ، والإِمام ابن ماجه المتوفى سنة ٢٧٣ هـ، والإمام النسائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، والإِمام ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ، وابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤ هـ، والدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، والخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ، والحاكم أبو عبد الله المتوفى سنة ٤١٥ هـ، وأحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، والبغوي المتوفى سنة ٣١٧ هـ، والخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والإمام الحافظ ابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ. وكتب هؤلاء ومؤلفاتهم توجد فيها مباحث وشروح لكثير من الأحاديث التي ورد فيها الناسخ والمنسوخ، وقد رجعت إليها في تحقيق هذا الكتاب وأشرف إلى أماكن وجودها في كتبهم في عدة مواضع من هذا الكتاب. ١٣ - وكتب فيه الحافظ الواعظ أبو حفص (٢) عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين البغدادي محدث العراق المتوفى سنة ٣٨٥ هـ. وكتابه الناسخ والمنسوخ في الحديث لا يزال مخطوطًا في عدة مكتبات، فمنها نسخة

стр. 89

خطية بالأسكوريال وهي مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية برقم (١١٠٧) وهي في ٦٩ ورقة، والنسخة بها نقص من أولها. ونسخة أخرى بتركيا بمكتبة رشيد أفندي باستنبول، وأخرى في أنقرة، وأخرى في باريس. ذكرها كلها فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٥١٦. وقد اطلعت على نسخة الأسكوريال المصورة بمعهد المخطوطات، وبلغني بأن الكتاب بدأ العمل فيه من قبل طالب في جامعة الأزهر -كلية أصول الدين- ونسب هذا الكتاب. لابن شاهين السخاوي في فتح المغيث ٣/ ٦٢. ١٤ - وكتب فيه هبة الله (١) بن سلام أبو القاسم البغدادي الضرير المفسر اللغوي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ، نسب له صاحب كشف الظنون ١/ ١٩٢٠ كتابًا فيه، وتوجد منه نسخة في مكتبة الأزهر. انظر فهرس المكتبة الأزهرية ١/ ١٩٥، وأخرى في الخزانة التيمورية. انظر فهرس التيمورية ٢/ ٢٣١، وانظر الأعلام ٨/ ٧٢. ١٥ - وكتب فيه العلّامة الأستاذ أبو القاسم (٢) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري الفقيه الأصولي المتكلم المفسر النحوي المتوفى سنة ٤٦٥ هـ، وقد نسب له صاحب كشف الظنون ١/ ١٩٢٠ فيه كتابًا. ١٦ - وكتب فيه الإِمام الحافظ البارع النسابة محمَّد (٣) بن موسى بن عثمان بن حازم أبو بكر الهمداني المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، كتابه المعروف المشهور (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) وهو مطبوع عدة طبعات، ولا يزال بحاجة إلى دراسة وتحقيق علمي وعناية به. وهو من أهم الكتب وأجلّها في هذا الفن وأكثرها فوائد ونفعًا في موضوعه وفي بابه، فقد بذل فيه مؤلفه جهدًا عظيمًا واستوعب مادة الكتاب ومسائل النسخ في الأحاديث، فجاء

стр. 90

مستوفيًا لا يستغني عنه عالم ولا طالب علم، وهو مصدر عظيم أفاد منه كثير من المؤلفين بعده وشرّاح الحديث والفقهاء وغيرهم من الباحثين. وقد رتبه المؤلف على أبواب الفقه وعمل له مقدمة أصولية عرض فيها النسخ وبين أركانه وشروطه ومعرفة طرقه وأسباب التعارض والترجيح، وساق الأحاديث بأسانيدها، فاعتنى بالكتاب عناية بالغة وهذبه ونقحه. ١٧ - وكتب فيه العلّامة الحافظ الواعظ أبو الفرج جمال (١) الدين عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي البغدادي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ كتابًا سمّاة (أعلام العالم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه) وهذا الكتاب قد حققه الأخ أحمد عبد الله العماري الزهراني وقدمه لنيل درجة العالمية (الماجستير) بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام ٩٧/ ١٣٩٨ هـ وكتب له مقدمة بيّن فيها منهاج ابن الجوزي وأسلوبه في هذا الكتاب، انظرها ص ٥٨. وذكر نسخ الكتاب المخطوطة الموجودة في العالم من هذا الكتاب (٢). وابن الجوزي من المؤلفين المشهورين المكثرين في التأليف فقد كتب في نواسخ القرآن أيضًا، وله كتاب صغير جدًا سمّاه: (أخبار أهل الرسوخ في الفقه والحديث بمقدار المنسوخ من الحديث) ذكر فيه اثنين وعشرين حديثًا مما قيل إنها منسوخة. طبع بالقاهرة، نشرته مكتبة الكليات الأزهرية. ١٨ - وكتب فيه العلّامة بدر الدين أبو حامد أحمد (٣) بن محمَّد بن مظفر بن المختار الرازي، ويقال: أبو العباس، المتوفى بعد سنة ٦٣٠ هـ، وكتابه معروف بالناسخ والمنسوخ في الحديث، توجد منه نسخة خطية مصورة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة، مكروفيلم برقم (٢٥٨) وتقع النسخة في ٣٥ ورقة من ١٦٤/ ب - ١٩٩/ أ. انظر فهرس معهد المخطوطات ١/ ١١١ - ١٥٨، والأعلام ١/ ٢١٧، وقد صورت منه نسخة وهي لدي. ويقوم بتحقيقها في جامعة أم القرى الأخ علي عامر لنيل درجة "الدكتوراه".

стр. 91

١٩ - وكتب فيه برهان الدين الجعبري إبراهيم بن عمر المتوفى سنة ٧٣٢ هـ عالمنا، صاحب هذا الكتاب الذي نحن بصدد دراسته (١). ٢٠ - اختصر كتاب ابن شاهين العلّامة إبراهيم (٢) بن علي بن محمَّد بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم برهان الدين الكمال المشهور بابن عبد الحق الحنفي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ، كما في المنهل الصافي ١/ ١٠٩، وكشف الظنون ١/ ١٩٢٠. ٢١ - اختصر كتاب ابن الجوزي العلّامة السيد بدر (٣) الدين حسين بن عبد الرحمن بن محمَّد بن علي بن أبي بكر بن الشيخ علي الأهدل المتوفى سنة ٨٥٥ هـ، وسمّاه (عدة المنسوخ في الحديث)، كما في الضوء اللامع ٢/ ١٤٦، ومقدمة تحفة الأحوذي ٢/ ٢٩٣. أما المؤلفون حديثًا في الناسخ والمنسوخ في القرآن، فمنهم من تناول بعض الكلام على الأحاديث الوارد فيها ناسخ ومنسوخ، ومنهم: ١ - الأستاذ محمَّد عبد العظيم الزرقاني (٤)، من علماء الأزهر، المتوفى سنة ١٣٦٧ هـ، فقد تناول النسخ في كتابه (مناهل العرفان في علوم القرآن) ٢/ ٦٩ - ١٦٦، وعرفه وبين أركانه - وشروطه، وناقش شبه اليهود وغيرهم في قضايا النسخ. ٢ - الدكتور مصطفى زيد المتوفى سنة ١٣٩٩ هـ، فقد كتب (النسخ في القرآن) ثلاثة مجلدات، وبحث فيه قضايا النسخ في الشرعية والتاريخية، والنقدية، واستبعد فيه نسخ السنَّة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، ونسخ التلاوة دون الحكم، وجوز نسخ الإِجماع بإجماع آخر (٥).

стр. 92

٣ - وكتب فيه الدكتور علي حسن العريض كتابه (فتح المنان في نسخ القرآن) وسلك فيه مسلك المقتصد في النسخ. ٤ - وكتب فيه الدكتور شعبان محمَّد إسماعيل كتابه (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) وتناول تعريف النسخ وأركانه وشروطه والرد على الشبه الواردة حول النسخ. ٥ - وكتب فيه الدكتور محمَّد محمود فرغلي كتابه (النسخ بين الإِثبات والنفي) وناقش آراء المنكرين وحججهم والرد عليهم. ٦ - وكتب فيه الشيخ عبد الله مصطفى العريسي كتابه (الأدلة المطمئنة على ثبوت النسخ في الكتاب والسنّة) وهو كتاب قيّم فيه مباحث مفيدة، وتناول فيه مجموعة أحاديث ورد فيها النسخ. ٧ - وكتب فيه الأستاذ عبد المتعال محمَّد الجبري كتابه (النسخ في الشريعة الإِسلامية كما أفهمه)، ثم ذيله بقوله: لا منسوخ في القرآن، ولا نسخ في السنة المنزلة، أبدع تشريع فيما قيل إنه منسوخ. وهو متأثر برأي المنكرين للنسخ في الشريعة الإسلامية (١). وهذه هي الكتب التي تمكنت من العثور عليها والاستفادة منها والاطّلاع عليها ودراستها.

стр. 93

الفصل الرابع مقَارَنة بَين كتب نَاسِخ الحَدِيث ومَنسُوخه المَوجوُدة اليوم مقارنة بين كتب ناسخ الحديث ومنسوخه: تقدم أن ذكرت عددًا كثيرًا من الكتب التي ألّفت في ناسخ الحديث ومنسوخه، وتناولت وصف الموجود منها والذي تمكنت من الاطّلاع عليه. والاستفادة منه والرجوع إليه هو كتاب ابن شاهين المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، وكتاب الحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، وكتاب ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ، وكتاب الجعبري المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، وهو كتابنا هذا الذي أقوم بدراسته وتحقيقه. وكتاب أبي حامد الرازي المتوفى بعد سنة ٦٣٠ هـ. والأربعة الكتب الأولى هي التي يمكن تقسيمها إلى مجموعتين: المجموعة الأولى وهي تضم كتاب ابن شاهين وكتاب ابن الجوزي، والمجموعة الثانية وهي تضم كتاب الحازمي وكتاب الجعبري. وذلك لأن مادة كتاب ابن الجوزي الحديثية مقتبسة من كتاب ابن شاهين ومستمدة منه، فهو لم يغادر المسائل التي ذكرها ابن شاهين في كتابه فتبعه في إيرادها مع التعقيب عليه فيها بلهجة شديدة وإنكار لاذع لدعوى ابن شاهين النسخ في بعضها، اللهمّ إلَّا القليل النادر من المسائل أعرض عنها ابن الجوزي، وقد خالفه أيضًا في ترتيبها فقد رتب ابن الجوزي كتابه على أبواب الفقه. أما كتاب برهان الدين الجعبري هذا الذي أقوم بدراسته فهو أيضًا مستمد مادته الحديثية من كتاب الحازمي وهو تابع له في ذكر كل المسائل اللهمّ إلَّا في مسألتين أو ثلاث فقط انفرد بذكرها الجعبري. والحازمي معروف بشخصيته ومكانته العلمية في فن الحديث وفي ناسخ الحديث ومنسوخه خاصة، فكتابه منفرد في بابه، واف بالمطلوب - كما تقدم وصفه مفصلًا ص ٩٤ - ٩٥ - لكن هنا أحببت أن أشير إلى أنه لم يستمد مادته العلمية من كتاب معين، بل وضعه على نسق متميز عن غيره. فلم ينقل عن ابن شاهين المتقدم عليه ولا عن ابن الجوزي المعاصر له، ولكنه تلقى

стр. 94

معلومات الكتاب بالرواية والنقل عن شيوخه مع دقة الاختيار وحسن التنظيم. وابن الجوزي والحازمي تعاصرا وعاشا معًا في بغداد في وقت واحد، ولكل واحد منهما وجهة نظره، وفهمه المستقل، وأسلوبه ومنهجه في تدوين المعلومات وترتيبها في هذا الفن، إلى جانب اختلاف مذهب كل واحد منهما في الفقه، فابن الجوزي فقيه حنبلي، والحازمي فقيه شافعي، ولربما يميل الواحد منهما في بعض المسائل إلى دعم رأي إمامه ضمن قواعد مذهبه الفقهية. وهما ليسا كغيرهما من الفقهاء المتعصبين، بل كان رائدهما الحق، فكانا يسيران مع الدليل، وهما فقهاء المحدثين، ولعل هذا فيما أحسب عاملًا في اختلافهما وتباينهما في تدوين بعض مسائل النسخ، واختلاف وجهات النظر في قضاياه، ولذلك انفرد كل واحد منهما بذكر مسائل لا توجد لدى الآخر حتى حصل عند كل واحد منهما ما لم يحصل عند الآخر، وذلك بإيراد أحاديث الناسخ والمنسوخ في مسائل أبواب الفقه. فقد يرى ابن الجوزي حسب فهمه وما وصله أن بعض الأحاديث دخلها الناسخ والمنسوخ في حين أن الحازمي لا يرى ذلك، فيترك إيرادها وذكر ما قيل فيها من ناحية النسخ. والحاكم والضابط لهذا الاختلاف هو معرفة صحة طرق النقل التي تفيدنا بأن هذا ناسخ وأن هذا منسوخ، ومعرفة المتقدم من المتأخر من الأمرين وغير ذلك من قواعد معرفة طرق الناسخ والمنسوخ في هذا الفن. وكلاهما ممن يعرف ذلك ولا يجهله، ولكن ربما أن أحدهما قد اطّلع على ما لم يطلع عليه الآخر فيورد أحدهما بعض الأحاديث لا على سبيل وجود ناسخ ومنسوخ فيها, ولكن لبيان الصواب فيها ما دام قد قيل بأن فيها ناسخًا ومنسوخًا وهي ليست من بابه، وإنما يجيء ذكرها لمجرد التنبيه عليها فقط. وهذا وارد كثيرًا في كتاب ابن الجوزي والحازمي، فنراهما كثيرًا يذكران الأحاديث ثم يقولان عقبها بالجمع أو بالترجيح بينهما ويخرجانها من باب النسخ لأنه لم يثبت. وهذا ما أردت تقريره حول هذين الكتابين. أما كتاب أبي حامد الرازي فهو مختصر جدًا، وأسلوبه فيه هو اكتفاؤه بإيراد الحديث بغير سند، ثم الحكم بأن هذا منسوخ بحديث كذا، أو يقول: بأن النسخ غير صحيح وغير وارد، وقد رتبه على أبواب الفقه ولم يستوعب أبواب الفقه كلها، وهو مفيد من ناحية إعطاء الحكم الفوري عن المسائل والأحاديث.

стр. 95

والآن أحب أن أذكر هنا تكميلًا للفائدة، بأنه توجد كتب من كتب أئمة المذاهب الفقهية يكثر فيها دعوى النسخ في أحاديث الأحكام عند دراسة المذاهب المقارنة واختلاف الآراء، فبعض الفقهاء يحمل دليل الخصم الآخر على النسخ وهو غير وارد فلا تسلم له دعوى النسخ في الحديث، فمثلًا: عند فقهاء الشافعية: المعتمد في المذهب هو عدم الوضوء من أكل لحم الجزور، ويستدلون بأن الحديث الوارد فيه منسوخ (١)، لكن نجد من الشافعية أنفسهم جماعة ممن لهم علم بالفقه والحديث ومعرفة بقواعد المذهب ومعرفة الأدلة من يقول بنقض الوضوء من أكل لحم الجزور عملًا بالدليل (٢)، ومن هؤلاء الإمام النووي وهو معروف بمكانته الفقهية والحديثية وغيرهما، إلى جانب إلمامه الواسع وتبحره في الفقه على مذهب الشافعي ﵀. وكذلك القول في الجهر بالبسملة في فاتحة الكتاب أثناء قراءتها في الصلاة الجهرية (٣). أما عند الحنفية فقد نص أبو الحسن (٤) الكرخي المتوفى سنة ٣٤٠ هـ من أئمة الأحناف في كتابه (الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية) (٥) بأن قول أصحابه أصل يحكم أو يهيمن على الآية أو الخبر حتى ليبحث عن مخرج من التعارض، ويقرر أن الآية أو الخبر يحمل على النسخ أو على الترجيح أو على التأويل لتوافق قول أصحابه. مسائل في ناسخ الحديث ومنسوخه مما انفرد بذكرها بعض المؤلفين عن بعض: تقدم أن ذكرنا اختلاف وجهات النظر والفهم لقضايا الناسخ والمنسوخ، وخاصة الاختلافات في المذاهب الفقهية، والآن نورد بعض المسائل التي اختلفت فيها وجهات نظر

стр. 96

المؤلفين من أصحاب الكتب الأربعة التي تمّ تصنيفها إلى مجموعتين. وتقدم أن قلنا ان الغالب على ابن الجوزي إيراد معظم المسائل التي أوردها ابن شاهين مع التعقيب عليه في أكثرها، إن لم يكن في الجميع. وعلى سبيل المثال نذكر مسألتين من ذلك: المسألة الأولى: أورد ابن شاهين في كتابه (اللوحة) ص ٧ - ٨ الأحاديث الواردة في مسألة بول الرَّجل وهو قائم، فذكر حديث حذيفة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ (أتى أسباط قوم فبال وهو قائم) (١). ثم ساق عقبة الأحاديث التي تدل على نسخة من حديث جابر، وحديث أبي هريرة ﵄. وسياق حديث أبي هريرة: (نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرَّجل قائمًا) (٢)، وقال عقبة: وحديث أبي هريرة ﵁ يوجب النسخ، فتعقبه ابن الجوزي في كتابه ص ١٣ - ١٨ وساق المسألة بأدلتها ثم قال: عقب كلام ابن شاهين: ليس هذا القول يصح لأن بول القائم مباح، وإنما النهي عنه لئلا يعود رشاشه على الإنسان، وبين أسباب بول النَّبيّ ﷺ قائمًا بأنه عمل ذلك لوجع كات به، كما وردت بعض الروايات (٣) بذلك، ثم بين ضعف حديث جابر وحديث أبي هريرة ﵄ اللذين يدلان على النسخ (٣). المسألة الثَّانية: أورد ابن شاهين في كتابه اللوحة ص ١٤ - ١٥ حديث أبي هريرة ﵁ في سؤر الهرة وفيه: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه سبع مرات إحداهن بالتراب، والهرة مرة (٤). ثم ساق بعده ما يدل على نسخه من

стр. 97

حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ (تمر به الهرة فيصفي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها) (١). ثم ذكر من حديث جابر ﵁ نحوه. ثم تعقبه ابن الجوزي في كتابه ص ٣٠ في دعوى النسخ بعد إيراد المسألة بأدلتها وقال: من أين لهم تاريخ أن هذا بعد هذا؟. ثم بين أن الحديث الأول لم يصح بهذا اللفظ الذي ساقه ابن شاهين ومن هذه الطريق أَيضًا, لأن زيادة (والهرة) غير واردة في لفظ الحديث الصحيح عند الجماعة. وتعتبر هذه الزيادة شاذة لأن راويها قد خالف سياقه سياق الحفاظ الثِّقات، وفيه كلام يوجب رد روايته وإن لم يخالف، وقد بين ابن الجوزي ضعف هذه الطريق أَيضًا. هذا نموذج من المسائل التي انفرد بذكرها ابن شاهين وتعقبه عليها ابن الجوزي، وابن الجوزي قد رأى أن ابن شاهين أسرف في كتابه فأدخل فيه أحاديث ليس لها تعلق بالنسخ، وهي إما من باب التخصيص أو باب حمل المطلق على المقيد أو من باب حمل العام على الخاص مما يمكن الجمع بينهما، أو هي من باب الترجيح بين النصوص عند التعارض ومعرفة أقواها إذا لم يمكن الجمع بينهما أو معرفة المتقدم من المتأخر منهما، فلذلك كثر تعقب ابن الجوزي عليه وبين الصواب فيها. وأحب هنا أن أبين أن مفهوم النسخ عند ابن شاهين أوسع فهو من أولئك الذين تقدم ذكرهم وبيان مفهوم النسخ عندهم وإطلاق مدلوله الواسع، فمجرد تقييد النص يسمى عندهم نسخًا. أما الحازمي فإنَّه لم يذكر في كتابه من هذه المسائل شيئًا، إما لكونها ليست من شرط كتابه, لأن شرطه إيراد ما ثبت فيه النسخ أو هي من باب التخصيص، أو من باب حمل العام

стр. 98

على الخاص، والمطلق على المقيد، أو من باب التعارض والترجيح إلى غير ذلك فلم يدخلها في كتابه الخاص بالناسخ والمنسوخ، وعلى هذا فهو لم يدونها فيه. وتبعه الجعبري في هذا المنهج كما تقدم. أما أبو حامد الرَّازيّ فقد عقد في كتابه بابًا فيما يشبه النسخ وليس بنسخ، وساق هذه المسألة بعينها وما أشبهها وماثلها من المسائل الأخرى التي أدخلت في الناسخ والمنسوخ وهي ليست منه، ثم وجه الأحاديث الواردة في المسائل التي ظاهرها التنافي (١). أما بقية المسائل التي انفرد بذكرها ابن شاهين وتبعه ابن الجوزي في إيرادها وتعقبه في أغلبها، فقد رتبتها على أبواب الفقه على حسب ترتيب كتاب ابن الجوزي لأنه أسهل ترتيبًا من كتاب ابن شاهين ويمكن الرجوع إليه لأنه قد حقق، وأكتفي بذكر هذه المسائل سردًا فقط بدون مناقشتها وذكر أدلتها خشية الإطالة, لأن المقام لا يتسع لذلك. ثم أشير بعد ذكرها إلى ما لدى الحازمي والجعبري من المسائل أيضًا التي انفردا بذكرها أَيضًا. ١ - كتاب الطهارة: انفرد ابن شاهين بذكر مسائل فيها، منها مسألة بول الرَّجل قائمًا -كما تقدم-، ومسألة الوضوء بعد الغسل، والوضوء بالنبيذ، وغسل الرَّجل بفضل غسل المرأة، وغسل من غسل ميتًا، وغسل يوم الجمعة، ونوم الجنب بلا غسل ولا وضوء، والنوم على وضوء، وسؤر الهرة، وهي المسألة التي تقدم ذكرها. ومسألة الوضوء عند العود للجماع مرة أخرى، ومسح المتوضئ أعضاء الوضوء بالمنديل، ومسألة نقض الوضوء بالنوم، والوضوء على من نام ساجدًا. وتبعه ابن الجوزي في معظمها، وزاد عليه مسألة مسح الرأس بماء الذراعين، ومسألة ترك الاستعانة بأحد في الطهور، وكيفية مسح الخفين، ومقدار زمن المسح. أما الحازمي فلم يذكر من هذه المسائل شيئًا في كتابه وكأنه - كما تقدم بيان شرطه - أنَّه لا يرى فيها شيئًا من باب الناسخ والمنسوخ، واكتفى الجعبري بالإشارة إلى بعضها لا في باب النسخ، ولكن في باب التعارض والترجيح وفي مجال التخصيص. وانفرد الجعبري أَيضًا بذكر مسألة القلتين في المياه، ومسألة تغير الماء القليل والكثير

стр. 99

بأحد أوصافه، ولكنه ذكر ما قيل فيها من الناسخ والمنسوخ ثم رجح عدم ذلك، وجمع بين الأدلة وجعلها من باب حمل المطلق على المقيد، وانفرد الحازمي والجعبري أَيضًا عن ابن الجوزي وابن شاهين بذكر مسألة مسح الرجلين في الوضوء بدلًا عن الغسل. ٢ - ومن كتاب الصلاة ومواقيتها والمساجد والجنائز: انفرد ابن شاهين بمسألة قيام الإِمام من مكانه بعد فراغه من الصلاة، ومسألة رفع اليدين في الدعاء، ورفع اليدين إلى أعلى المنكبين عند الركوع والاعتدال والقيام من التشهد، وبمسألة قضاء الوتر والضحى، ومسألة سجود التلاوة في الصلاة، ومسألة الجمع بين الصلاتين من غير عذر، وإعادة الصلاة في اليوم الواحد مرتين، وصلاة النافلة بعد آذان المغرب، وصلاة ركعتين بعد العصر، والصلاة في داخل الكعبة وحضور العشاء وقت العشاء، وما يقال في الاعتدال، ودفن الميت ليلًا، وتعجيل دفنه، وغسل الرَّجل زوجته عند الوفاة، والصلاة على الميت في المسجد، وترك الصلاة على من قتل نفسه، وإنشاد الشعر في المسجد. وذكر ابن الجوزي معظمها وزاد عليه مسألة إعراء المناكب في الصلاة، ومسألة من أحق بالإمامة، ومسألة صلاة التطوع في السفر، وسجدة التلاوة في المفصل، والإعلام بالجنائز. ولم يذكر الحازمي والجعبري شيئًا من هذه المسائل، ولكنهما انفردا بذكر مسألة نسخ فضيلة الإسفار بالفجر، ومسألة نسخ صلاة المسبوق يدخل مع الإمام فيصلي ما فاته ثم يتابع الإِمام، ومسألة النهي عن القراءة خلف الإِمام، والجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، ومسألة الالتفات في الصلاة، ومسألة كيفية صلاة الخوف، ومن الجمعة تقديم الصلاة على الخطبة ثم نسخها، والنهي عن الصلاة نحو التصاوير. ٣ - ومن كتاب الزكاة: انفرد ابن الجوزي بذكر مسألة زكاة الركاز، ولم يذكر ابن شاهين شيئًا من مسائل الزكاة، وانفرد الحازمي والجعبري بذكر أخذ الشاة في زكاة البقر والخلاف فيها، ومن ادعى فيها النسخ. ٤ - ومن كتاب الصوم: انفرد ابن شاهين بذكر مسألة النهي عن الوصال في الصوم، والنهي عن صوم يومي

стр. 100

الفطر والأضحى، والنهي عن صوم يوم الجمعة وصوم يوم السبت مفردًا. ومسألة شهران لا ينقصان شهر ذي الحجة وشهر رمضان، ومسألة الإفطار من القيء، ومسألة النهي عن شد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد. وذكر ابن الجوزي معظمها وزاد مسألة القبلة للصائم، ولم يذكر الحازمي والجعبري من هذه المسائل شيئًا، وانفردا بذكر صيام ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخها برمضان، ومسألة السحور بعد طلوع الفجر الثاني، وانفرد الجعبري عن الحازمي بذكر مسألة الإفطار من القيء وجعلها في باب الطهارة على أساس أنَّه مما ينقض الوضوء ثم رجح عدم نسخ في الحديث الوارد فيها (١). ٥ - ومن كتاب الحج والعمرة والإحصار والفوات: انفرد الحازمي والجعبري بذكر مسائل منها مسألة الرَّجل يحرم وعليه أثر الطِّيب، وما كان في أول الإِسلام من منع دخول المحرم من الأبواب ومنها مسألة الاشتراط في الإحرام بالحج والعمرة، ومسألة استحلال حرمة - مكة - ثم عودة حرمتها. وزاد الجعبري مسائل فرضية العمرة والخلاف فيها. ٦ - ومن كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والأضحية والفرع والعتيرة: انفرد ابن شاهين بمسألة النهي عن الأكل متكئًا، والنهي عن أكل لحم الأرنب، وأكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير. وتبعه ابن الجوزي في بعضها، وزاد عليه مسألة النهي عن الشرب قائمًا ومسألة الشرب في نفس واحد. وانفرد الحازمي والجعبري بمسألة الأمر بتكسير القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الأهلية، ومسألة الفرع والعتيرة. ٧ - ومن كتاب البيوع: لم يذكر ابن شاهين فيه شيئًا من المسائل، وذكر ابن الجوزي مسألة الربا. وانفرد الحازمي والجعبري بذكر مسألة النهي عن كسب الحجام، والنهي عن بيع الكلاب، والنهي عن اللقاح للنخل، ومسائل النهي عن المزارعة والمخابرة والمحاقلة.

стр. 101

٨ - ومن كتاب النكاح والطلاق والعشرة والعدة والرضاع: انفرد ابن شاهين بذكر مسألة غلاء المهور، وتبعه ابن الجوزي، وانفرد الحازمي والجعبري بذكر مسألة المراجعة بعد الطلاق ثلاثًا، ومسألة عدة المتوفى عنها زوجها، ومسألة النهي عن ضرب النساء ثم الإذن فيه، ومسألة رضاع الكبير، ونسخ عشر رضعات بخمس رضعات معلومات، وبمسألة مقدار الرضعات التي يثبت بها التحريم. ٩ - ومن كتاب الحدود والجنايات: انفرد ابن شاهين وابن الجوزي بعقوبة الكافر الغادر، وحد اللوطي، ومن وقع على البهيمة، وقطع يد السارق في ثمن المجن قيمته ثلاثة دراهم، وحد الأمة، وقتل المملوك والتمثيل به، وقتل من قتل عبده. وانفرد الحازمي والجعبري بذكر جلد المحصن قبل رجمه، وحد من زنى بجارية امرأته، والنهي عن استيفاء القصاص قبل اندمال الجراح. ١٠ - ومن كتاب الجهاد والسير والغنائم: انفرد ابن شاهين بمسألة الخضاب بالسواد في الجهاد. وذكرها ابن الجوزي في كتاب الأدب. وانفرد ابن شاهين أَيضًا بمسألة هدية الكافر. وانفرد الحازمي والجعبري بالنهي عن قتال المشركين في الشهر الحرام، وبالاستعانة بالمشرك في الجهاد، وبوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وما قيل في قوله (لا هجرة بعد الفتح)، ومسألة مصافحة النساء في المبايعة، والهدنة مع الكفار، وأخذ القاتل سلب المقتول بغير بينة، ومنع الإمام دفع السلب للقاتل، وتخميس السلب. وزاد الجعبري مسألة هل على النساء جهاد، فذكره في باب الحج, لأن جهادهن الحج والعمرة. ١١ - ومن كتاب اللباس والزينة: انفرد ابن شاهين وابن الجوزي بذكر مسألة أفضل الثياب، ولبس المعصفر ولبس الأخضر من الثياب. وانفرد الحازمي والجعبري بذكر مسألة لبس الديباج والحرير في حال الجهاد والحروب بين المسلمين والكفار. ١٢ - ومن كتاب الإيمان: انفرد الحازمي والجعبري بذكر مسألة الحلف بغير الله كقوله: (لا وأبيك) ونسخها.

стр. 102

١٣ - ومن كتاب العلم والسفر: انفرد ابن الجوزي بذكر مسألة كتابة العلم، ومسألة النهي عن السفر إلى البادية، والنهي عن سفر المرأة بدون محرم. ١٤ - ومن كتاب الأدب: انفرد ابن شاهين بذكر النهي عن سب الأموات، والنهي عن سب تبع الحميري، ومسألة قتل الوزغ، والنهي عن المشي في النعل المقطوع، والنهي عن شدّ الخيط في الإِصبع لأجل الاستذكار به، والنهي عن الاستلقاء في المسجد ووضع الرَّجل على الأخرى، والبعد عن المجذوم، والشؤم في الدابة والفرس والمرأة والدار، والإذن في التسمية باسم الرسول ﷺ ، والنهي عن التكني بكنيته ﷺ . وانفرد الحازمي والجعبري بذكر مسألة النهي عن قتل حيات المدينة، ومسألة الأمر بقتل الكلاب، والنهي أن يقال ما شاء الله وشئت، والنهي عن دخول الحمام بدون مئزر.

стр. 103

البابُ الثالث دراسة الكتاب وَفيه ثلَاثة فصُول: دِرَاسَة منهج المؤلّف في الكِتَاب توْثِيق نسِبة الكِتَاب للمؤلف وَوصف نسخته الموجُوَدة عَملي في تحقِيق هَذا الكتِاب

стр. 104

الفصل الأول دراسة منهج المؤلّف في الكتاب منهج المصنف وأسلوبه في هذا الكتاب: لقد رسم المؤلف لنفسه في هذا الكتاب منهجًا سار عليه في تدوين المعلومات، وقد سلك فيه مسلك الإِيجاز والاختصار. ومنهجه هذا وأسلوبه هو الأسلوب الذي درج عليه كثير من علماء عصره من الفقهاء والمحدثين والأصوليين وغيرهم من المؤلفين. وقد جمع في هذا الكتاب بين طريقة الفقهاء والمحدثين والأصوليين ولم يلتزم بمنهج المحدثين فقط كغيره من المتقدمين الذين كتبوا في ناسخ الحديث ومنسوخه قبله كابن شاهين وابن الجوزي والحازمي، فهو لم يذكر الأحاديث بأسانيدها ولكن قد يكون له عذر في هذا لأن كثيرًا من المتأخرين في عصره لم يعد لديهم الاهتمام بذكر الأسانيد لطول سلسلة رجال الإسناد وعدم ضبط الرواة المتأخرين، فقد اكتفى المؤلف بالعزو في بعض المواطن إلى الأمهات من كتب السنّة المشهورة كالصحاح والمسانيد والسنن, وغيرها. كما أنَّه لم يسلك أَيضًا طريقة علماء الأصول في ترتيب مسائل النسخ في المقدمة التي عملها وجعلها مدخلًا للكتاب وهي مقدمة كلها مباحث أصولية في النسخ. ولم يسلك أَيضًا طريقة الفقهاء في تلك المسائل الفقهية والخلافية التي ذيل بها في آخر المسائل الواردة في النسخ، فهو يورد المذاهب المختلفة في القول بالنسخ أو عدمه بأدلتها ثم يبين الصواب أو الحق من ثبوت النسخ أو عدم ثبوته. وبهذا العمل جاء الكتاب جيدًا في بابه، حيث جمع مادة حديثية وأصولية وفقهية مبتكرة، ونظمه تنظيمًا تصاعديًا، فجعل كل موضوع مدخلًا لما بعده من المواضيع، فبدأ بذكر المقدمة وهي مشتملة على عدة فصول وفروع متابعة لها، وهي موجزة إيجازا شديدًا، وتحتوي على النقاط الآتية: ١ - ذكر فيها المصنف السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب، فذكر أنَّه شفع به كتابه

стр. 105

الذي قد تقدم تأليفه قبل هذا في ناسخ القرآن ومنسوخه تكميلًا لفائدة طلبة الحديث، لأن هذا من أهم مقاصد فن الحديث. ٢ - ثم تناول في المقدمة أَيضًا أهمية هذا الفني وعناية السلف به، والنهي عن الإقدام على الفتوى وتفسير النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والقصص على النَّاس إلَّا بعد معرفة الناسخ والمنسوخ، وتشديد الصَّحَابَة والتابعين والأئمة في ذلك. ٣ - ثم ذكر تعريف النسخ لغة وشرعًا، وذكر أكثر من تعريف لعلماء الأصول وأورد على بعضها اعتراضات، وأشار إلى خلاف أبي مسلم الأَصْبهانِيّ في النسخ وإلى إنكار اليهود للنسخ أَيضًا. ٤ - ثم ذكر أركان وشروط النسخ وما يتعلق به من المسائل كنسخ القرآن بالسنة والعكس. والخلاف فيه، ونسخ المتواتر بالأحاد، ونسخ المضيق والموسع، والنسخ قبل التمكن من الفعل، ونسخ الحرمة بالإباحة وبالعكس، ونسخ المنطوق والمفهوم، ونسخ جزء العبادة والزيادة عليها ونقصها بجزء أو بشرط، ونسخ الأخف بالأثقل وبمثله، والنسخ إلى بدل وبغير بدل. إلى غير ذلك من مسائل النسخ التي ذكرها الأصوليون. ٥ - ثم ساق فروعًا ذكر فيها الفرق بين النسخ والتخصيص. ٦ - ثم ذكر الأحكام الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وصيغ الأمر والنهي والطلب والإباحة وفروع العام والخاص والمطلق والمقيد وتعريف كل واحد منها. وتعريف القرآن والسنة، وبيان المحكم والمجمل والمؤول والمتشابه والمفسر، والنص والظاهر، وغير ذلك مما هو مذكور في المقدمة. ٧ - ثم ذكر بعد هذا أدلة التعارض والترجيح مع الأمثلة لذلك، وشدة الاختصار وقوة الإيجاز، حتَّى كادت أن تكون بعض العبارات ألغازًا، لا يتمكن القارئ العجل من فهمها لأول وهلة، إذا لم يكن لديه أدنى معرفة سابقة من علم أصول الفقه ومباحثه، وبعض المسائل لا يفهمها إلَّا المتخصصون في هذا الفن. والواقع أن هذه المقدمة هامة ومفيدة، وهي مدخل لمعرفة محتوى الكتاب، فقد استمدها المصنف من كتب الأصول وقواعد هذا الفن، وباقي الكتاب من الناحية الحديثية مستمد من كتاب الاعتبار للحازمي وتشتمل هذه المقدمة على خمس الكتاب وقد أخذت

стр. 106

مني وقتا كبيرًا في تحقيق مسائلها ومباحثها الأصولية. وقد رتب المؤلف كتابه هذا على نسق ترتيب كتب الفقه، وتبع في الغالب ترتيب الاعتبار للحازمي وترتيب فقهاء الشافعية في تنظيم الأبواب وعناوين المواضيع الفقهية، وقد أشار إلى ذلك في مقدمته بأن هذا أسهل للباحث للوقوف على المسائل والاستفادة منها، وهي طريقة ابن الجوزي أَيضًا على اختلاف في تقديم وتأخير العناوين حسب ترتيب فقهاء الحنابلة في ذلك. وبعد أن فرغ المؤلف من المقدمة التي تقدم وصفها، شرع في ذكر عناوين الكتاب، مبتدئًا بالعبادات وأولها كتاب الطهارة، وما يحتوي من أبواب ومسائل. ثم كتاب الصلاة، ثم ... على حسب ترتيب كتب الفقه. وقد سار المؤلف على طريقة الفقهاء في إيراد مسائل الكتاب فهو يذكر آراء العلماء في عصر الصَّحَابَة والتابعين، ثم الأئمة، ثم يعقب بعد ذلك برأي من قال بالنسخ في المسألة ومن قال بعدمه ويناقش الآراء، فإن ظهر له النسخ قواه، وإن لم يظهر له رده وبين الصواب إما بالجمع إذا أمكن وإمّا بالترجيح بين الأدلة. وقد يورد الحديث في مواضع متعددة حسب الشاهد منه أو شطره أو جملة منه، وقد يعزوه لأصحاب الكتب المشهورة، وقد لا يعزوه لأحد فيترك حتَّى اسم الصحابي راوي الحديث، ويكتفي بذكر جملة الشاهد منه، وقد يورده في بعض الأماكن بمعناه، أو يعزوه لأصحاب الكتب الستة أو لأحدهم فلا أجده فيها. أما عن ملاحظات سند الحديث فتقدم الكلام عنه أن المتأخرين في عصر المصنف لم يعد لديهم الاهتمام بذكر الإسناد في عزو الأحاديث لعدم ضبط الرواة المتأخرين في رجال الإسناد. وقد اعتنى المصنف بهذا الكتاب فذيله بذكر فوائد وتنبيهات مفيدة في بعض الأحكام وقضايا النسخ في آخر معظم المسائل وشرح بعض الكلمات الغريبة والمفردات، وبين بعض الأماكن الواردة في ألفاظ الأحاديث، وصرح بذكر أسماء الأعلام ممن نقل مذاهبهم من الصَّحَابَة والتابعين والأئمة وغيرهم ممن لهم آراء واردة في قضايا الناسخ

стр. 107

والمنسوخ كما صرح ببعض أسماء الكتب المؤلفة، ويرجح بعض الأحيان بين هذه المذاهب ويختار منها ما ظهر له أنَّه الصواب. وكثيرًا ما يرجح مذهب الإِمام الشَّافعيّ ويشير إلى بقية المذاهب، وقد يذكر بعض الأوجه والأقوال غير المشهورة والمعتمدة في مذهب الشَّافعيّ من أقوال الأصحاب وخلافاتهم. كما يشير إلى مخالفة الإمامين أبي يوسف، ومحمَّد بن الحسن صاحبي الإمام أبي حنيفة لما ذهب إليه الإِمام أبو حنيفة، كما يشير إلى تعدد الروايات من مذهب أَحْمد، كما يشير إلى الأقوال المتعددة التي ينقلها أصحاب مالك عن مالك في المسألة الواحدة. ثم ختم كتابه بخاتمة بيّن فيها أنواع النسخ في الكتاب والسنّة، من حيث نسخ اللفظ والحكم ونسخ الحكم دون اللفظ والعكس. وبهذه الأمور والميزات المذكورة جاء الكتاب من أجمع ما كتب في ناسخ الحديث ومنسوخه لتأخر زمن مؤلفه واطّلاعه على كتب المتقدمين مع ما انفرد به من جمع النوادر والفوائد والمسائل الدقيقة والمباحث الأصولية المتعلقة بالنسخ التي لم يتعرض لها كثير من المؤلفين في هذا الموضوع قبله، وبهذا الجهد والعمل اكتملت الفائدة في هذا الكتاب وبرزت فيه جوانب المؤلف الفكرية والثقافية والعلمية إلى جانب شموله لمعظم المباحث الفقهية والحديثية التي ذكر فيها ناسخ ومنسوخ، وبالجملة فهو كتاب مفيد في فنه. ولا ننسى أن نشير بأنه إلى جانب هذا المجهود العظيم قد شابت الكتاب بعض المآخذ، وهي لا تنقص من مكانة الكتاب وقيمته العلمية ومقدار فائدته، وقدرة مؤلفه، وإنما العصمة لله ولرسوله ﷺ ، ونجملها في النقاط الآتية: ١ - المبالغة في الاختصار والإيجاز حتَّى أصبح بعد ذلك لا يفهم المراد من بعض العبارات بسهولة، بل تحتاج إلى روية وتأمل، وتمهل، وقد يصل الاختصار إلى الإخلال بالمقصود منها، أو لا يستقيم إلَّا بتقدير أو حذف، وهذا متعب للقارئ. ويمكن أن يلتمس للمؤلف عذره في ذلك, لأنه عاش في عصر كان الغالب والطابع العام على التأليف هو الإيجاز والاختصار الشديد، وكتب المؤلفين في هذا العصر خير شاهد، فما كتبه ابن الحاجب والنووي وأمثالهما من فقهاء المذاهب الذين ولعوا بالاختصار هو شاهد على ذلك، ويعرف ذلك بالمقارنة بين كتاب المصنف وكتاب الاعتبار للحازمي، وتظهر الفوارق بين الكتابين وسهولة فهم ما في الاعتبار من العبارات

стр. 108

وكشف ما في هذا الكتاب من خلل من شدة الاختصار. ٢ - المؤلف سار على نهج الحازمي في الاعتبار حذو القذة بالقذة، واستفاد منه في كتابه هذا كثيرًا، ومع هذا لم يشر إلى كتاب الحازمي ولا مرة واحدة. ٣ - أكثر المؤلف من ترجيح ودعم مذهب الإمام الشَّافعيّ في أكثر المسائل، مع أنَّه قد يكون الصواب مع غيره، وما أدري إن كان تمذهبه هذا هو الذي غلب عليه في دعم هذا المذهب، وهو غير معيب إن كان القصد إظهار الحق، وإلَّا فهي زلة مغمورة في جملة محاسن الكتاب والمؤلف. ٤ - توجد هناك بعض الأخطاء، قاسيت فيها الأمرين، وأعتقد أنها من الناسخ - سامحه الله وعفا عنه -، وحملها على الناسخ أولى من حملها على المصنف, لأنه عالم إمام عرف بالإتقان والتحرير في مؤلفاته. وسوف أذكر الملاحظات مثل هذه عند وصف النسخة والتنبيه على ما فيها من ذلك.

стр. 109

الفصل الثاني توثيق نسبة الكتاب للمؤلف ووصف نسخته الموجودة توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه وتسميته: بعد أن قمت بدراسة وافية لهذا الكتاب واطلعت على مراجع متعددة نسبته إلى مؤلفه برهان الدين الجعبري، كما صرح هو أيضًا بنفسه في غير هذا الكتاب باسم هذا المصنف في ناسخ الحديث ومنسوخه، بعد ذلك اطمأننت بأن هذا الكتاب الموجود هو الذي ألّفه برهان الدين الجعبري، ويمكن أن ألخص ذلك فيما يلي: ١ - ذكره المصنف في رسالته (الهبات الهنيات في المصنفات الجعبريات) ق/٦٤/ ب، وسماه (رسوخ الْأَحبار في منسوخ الأخبار). ٢ - ذكره ابن جابر الوادي آشي في برنامجه ص ٥٢, ٢٩٥، وهو تلميذ المصنف وقد أجازه المصنف بجميع مؤلفاته وسماه ابن جابر بنفس الاسم المذكور. ٣ - ذكره السخاوي في فتح المغيث ٣/ ٦٢ أَيضًا ونقل عنه نصًا في تعريف النسخ اللغوي في ٣/ ٥٩. ٤ - ذكره ابن القاضي في درة الحجال ١/ ١٨٥ في ترجمة المؤلف وسماه بنفس الاسم. ٥ - وجد منسوبًا بتسميته المذكورة في فهرس دار الكتب القومية ضمن المكتبة التيمورية صنف الحديث. ٦ - ومما يؤكد صحة نسبة هذا الكتاب لبرهان الدين الجعبري أسلوبه المتميز، وهذا من أهم الدلالات على صحة ذلك، فالقارئ في أي كتاب من كتبه الأخرى المصنفة في الحديث وغيره يعرف ذلك، ويظهر له الأسلوب بالمقارنة ومنهج المؤلف واضح لمن تأمله فقد غلب عليه الاختصار. ٧ - وجد على ظهر اللوحة الأولى من النسخة الوحيدة في دار الكتب القومية ضمن كتب الخزانة التيمورية بالقاهرة عنوان الكتاب مكتوبًا بخط حديث رقعة (الناسخ والمنسوخ) للجعبري.

стр. 110

لعله كتبه أحد القائمين على تنظيم مكتبة الدار، والواقع أن هذا ليس هو اسم الكتاب الحقيقي الذي سمّاه به مؤلفه، ولكنها تسمية عامة للكتاب. معلومات عن النسخة ووصفها: عندما سجلت موضوع الدكتوراه في تحقيق هذا المخطوط، قمت بالبحث عن النسخ الموجودة منه، ولكن للأسف لم أعثر إلَّا على نسخة واحدة فريدة مخطوطة بالخزانة التيمورية حديث ١٥٣ بدار الكتب القومية بالقاهرة. ثم استمر البحث المتواصل خلال سنوات العمل والدراسة عن نسخ الكتاب أو عن نسخة على الأقل، ولكن لم أحظ بالمطلوب بعد جهد كبير ومراجعة فهارس المخطوطات العالمية الموجودة، حتَّى أصبح من المقطوع به لدي بأنه لا توجد للكتاب نسخ أخرى. ومع هذا فلم أنثنِ عن العمل والاستمرار في تحقيق الكتاب ودراسته وإخراجه. ١ - تقع هذه النسخة في (١١٩) ورقة ذات وجهين مقاس ١٨ × ١٢ سم وعدد أسطر كل صفحة ١٥ سطرًا، وكلمات كل سطر من ٨ - ٩ كلمات وكتب عليها: وقف صاحب الخزانة التيمورية في ٨ شوال عام ١٣٢٠ هـ، وخطها نسخي جيد في الظاهر، ويقرأ في الغالب بوضوح، والناظر فيها لأول مرة يعجب بها ويتفاءل، ولكن بعد الدراسة ظهرت لي أخطاؤها الفاحشة، والتحريفات الظاهرة حتَّى في ألفاظ النصوص، فقد ظهر من هذا الوصف بأن ناسخ النسخة لم يكن من أهل الخبرة بهذا الفن، وأنه من المحترفين المكتسبين بالنسخ. فظهرت أخطاء من نقص وزيادة لبعض الحروف وإهمال بعض النقط وعدم التحري في ضبط النصوص والكلمات الغامضة، وقد يكتب بعض الكلمات بدون معرفة المراد منها فتظل المشكلة كما هي. إلى جانب أنَّه قد صرح بأنه نقل هذه النسخة من أصل المؤلف، وذكر أن المؤلف فرغ من كتابتها عام ٧٢٥ هـ والناسخ لم يصرح متى فرغ من كتابة هذه النسخة الموجودة، ولم يصرح باسمه أَيضًا. ويوجد بالنسخة في بعض الكلمات في ورقتين أو ثلاث طمس بسبب رطوبة أصابت المخطوطة، فلم تظهر قراءاتها، فهي غير واضحة، ولكن بالرجوع إلى مصادر أخرى تبين لنا لفظها وحل إشكالها. وقد وجد على هامش بعض الصفحات أنَّه بلغ مقابلة النسخة حسب الطاقة. وأنا لا أشك بأن هذه الأخطاء المذكورة مصدرها الناسخ, لأن المؤلف ﵀-
следующие страницы →