← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 14045

إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - ت أحمد رمضان

المنهاجي الأسيوطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصلاتين وأول صلاة إلى الكعبة العصر وهذا هو الثابت في صحيح البخاري عن البراء، وقيل إنها نزلت قبل الظهر في أول صلاة صليت كذلك أخرجه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى والثابت أنها نزلت وقد صلى رسول اللَّه ﷺ من الظهر ركعتين وذلك بمسجد بني سلمة فاستداروا ووفى بهم الصلاة، فلذلك سمي مسجد القبلتين، قال: وقد خطر لي عند وصولي إلى هذا الموضع أن جميع الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين صلوا إلى بيت المقدس لكن لا بالمعنى الذي أراده الزهري بل لأنهم كلهم جمعوا له ﷺ ليلة الإسراء فأمهم وكان ذلك قبل الهجرة فهو قبل التحويل. انتهى كلام ابن جماعة رحمه اللَّه تعالى. وعلى ذكر تعارض الأدلة وتحقيق المناط في تحويل القبلة أقول حدث عطاء بن زيد عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال: لقد صلينا بعد قدوم النبي ﷺ المدينة نحو البيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا وكان اللَّه يعلم أنه يحب أن يوجه نحو الكعبة فلما وجه إليها صلى رجل معه ثم أتى قوما من الأنصار وهم ركوع: نحو بيت المقدس فقال لهم وهم ركوع أشهد أن رسول اللَّه قد وجه نحو الكعبة فاستداروا وهم ركوع فاستقبلوها رواه البخاري من حديث أبى إسحاق عن البراء، وروى عن طريق ابن سعد عن البراء وفيه أنه ﷺ أول صلاة صلاها العصر وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلى قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك وفيه أنه مات على القبلة قبل أن دخول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ

стр. 107

إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، وقد اتفق العلماء على أن صلاة النبي ﷺ بالمدينة كانت إلى بيت المقدس وإن تحويل القبلة إلى الكعبة كان بها. وعن الواقدي من طريق ابن سعد عن ابن عباس ﵁ قال ابن سعد: وأخبرنا عبيد اللَّه بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الأخنسي وعن غيرهما أن رسول اللَّه ﷺ لما هاجر إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة فقال: يا جبريل! وددت أن اللَّه صرف وجهي عن قبلة اليهود، فقال جبريل: إنما أنا عبد، فادع ربك وأسأله، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء فنزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، الآية فوجه إلى الكعبة إلى الميزاب رأسه ويقال: صلى ﷺ ركعتين من الظهر في مسجد المسلمين ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون ويقال: زار رسول اللَّه ﷺ أم بشر بن البراء بن معروف في بني سلمة فصنعت له طعامًا وحانت الظهر فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه ركعتين ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستقبل الميزابي فسمي المسجد وروى إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه عن السنري في كتاب الناسخ والمنسوخ له قال: قوله

стр. 108

تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] قال ابن عباس: أول ما نسخ اللَّه تعالى من القرآن حديث القبلة، ذلك أن اللَّه تعالى فرض على رسوله الصلاة ليلة أسري به إلى بيت المقدس صلى الظهر والعصر ركعتين وركعتين للعشاء والغداة والمغرب ثلاثا فكان يصلي إلى الكعبة ووجهه إلى بيت المقدس قال ثم زيد في الصلاة بالمدينة حين صرفه اللَّه تعالى إلى الكعبة ركعتين إلا المغرب فنزلت كما هي قال وكان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه يصلون إلى بيت المقدس وفيه قال فصلاها رسول اللَّه ﷺ بمكة سنة، حتى هاجر إلى المدينة وكان يعجبه أن يصلي قِبَل الكعبة: لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل وكانت صلاته إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينتظر لعل أن يصرفه إلى الكعبة وقال لجبريل: وددت أنك سألت اللَّه تعالى أن يصرفني إلى الكعبة فقال جبريل لست أستطيع أن أبتدئ اللَّه جل وعلا بالمسألة، ولكن إن سألني أخبرته قال فجعل رسول اللَّه ﷺ يقلب وجهه إلى السماء ينتظر جبريل ينزل عليه وقد صلى الظهر ركعتين الى بيت المقدس وهم ركوع فصرف اللَّه تعالى القبلة إلى الكعبة الحديث وفيه فلما صرف اللَّه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اختلف الناس في ذلك فقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. وقال بعض المؤمنين: فكيف بصلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس، هل قبل اللَّه منا ومنهم أم لا؟ وقال ناس من المؤمنين كان ذلك طاعة، قالت اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه ويريد أن يرضي

стр. 109

قومه ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون النبي ﷺ الذي كان ينتظر أن يأتي، وقال المشركون من قريش: تحير على محمد دينه فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم فأنزل اللَّه في جميع الفرق كلها بيان ما اختلفوا فيه فأنزل اللَّه في المنافقين وقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، إلى دين الإسلام. وأنزل اللَّه في المؤمنين ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إلا لنبتلي بها وإنما كانت قبلتك التي بعثت بها الى الكعبة ثم تلي ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال المؤمنون: كانت القبلة لأنكم الأولى طاعة وهذه طاعة فقال اللَّه تعالى، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم لأنكم كنتم مطعين في ذلك كله ثم قال لرسول اللَّه ﷺ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تنتظر جبريل حتى ينزل عليك ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تحبها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي نحو الكعبة وأنزل اللَّه في اليهود: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] يقول: لئن جئتهم بكل آية أنزل اللَّه في التوراة في بيان القبلة أنها إلى الكعبة لما تبعوا قبلتك. وأنزل اللَّه في أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ

стр. 110

الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧] أي من الشاكين. ثم أنزل في قريش وما قالوا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] يعني قريش حيث قالوا قد عرف محمد أنكم أهدى منه فاستقبل قبلتكم ثم قال فلا تخشوهم حيث قالوا يوشك أن يرجع إلى دينكم أي لا تخشوا أن أردكم في دينكم ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي أظهر دينكم على الأديان كلها قال السهيلى وكرر الباري الأمر بالتوجه على البيت الحرام في ثلاث آيات وذلك لأن المنكرين لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ثلاثة أصناف: من اليهود لأنهم لا يقبلون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل الريب والنفاق فاشتد إنكارهم لذلك لأنه أول نسخ نزل وكفار قريش قالوا: قدم محمد على فراق ديننا فكانوا يجتمعون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال اللَّه تعالى له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] على الاستثناء المنقطع إلى لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون في ذكر الآيات إلى قوله ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء. وروي من طريق أبي داود وفي كتاب الناسخ والمنسوخ عن يونس عن ابن شهاب قال كان

стр. 111

سليمان بن عبد الملك يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته فسره معه وهو ولي عهد ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيها واللَّه إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون وأهل الكتاب لعجبا قال خالد بن يزيد أما واللَّه لأقرأ الكتاب الذي أنزل اللَّه على محمد ﷺ وفيه من أمر القبلة ما علمت وأما اليهود فإنهم لم يجد ما هم عليه من ذلك في كتابهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة فلما غضب اللَّه تعالى على بني إسرائيل رفعه وكان صلاتهم إلى الصخرة على مشاورة منهم. روى أبو داود أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة فقال أبو العالية: إن موسى ﷺ كان يصلي عند الصخرة متجها إلى البيت الحرام فكانت والكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه، وقال اليهودي: بينى وبينك مسجد صالح النبي ﷺ فقال أبو العالية إني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة وصليت في مسجد ذي القرنين وقبلته الى الكعبة" انتهى واللَّه أعلم.

стр. 112

الباب السابع في ذكر السور المحيط بالمسجد الأقصى وما كان في داخله من المعابد والمحاريب المقصودة بالزيارة والصلاة فيها كمحراب داود ﵇ ومحراب زكريا ومحراب مريم ﵉ ومحراب سيدنا عمر بن الخطاب ومحراب معاوية ﵄، وما يشرع فيه من الأبواب وعدتها وأسمائها، وذكر الصخرات اللاتي فى أخريات المسجد وذكر ذرعه طولا وعرضا وحديث الورقات، وذكر وادي جهنم الذي هو خارج السور من جهة المشرق وما جاء فيه ومسكن الخضر ﵇ وإلياس ﵇ من ذلك المحل. اعلم أن الأصل في وضع سور المسجد الأقصى وتحيزه بحائط من كل جانب، وجهه ما قد بيناه آنفا لي باب ذكر مبدأ وضعه وبناء داود ﵇ له حين قال اللَّه تعالى له يا داود ابن لي بيتا في الأرض

стр. 113

المقدسة فقال: يا رب وأين أبنيه قال: حيث ترى هذا الملك شاهرًا سيفه فرآه داود ﵇ في ذلك المكان فبناه وأدار عليه سورا فلما تم السور سقط ثلاثا فشكى داود ﵇ في ذلك إلى اللَّه تعالى إليه أنك لا تصلح أن تبني لي بيتا قال: أي ربي ولم قال: لما جرى على يديك من الدماء قال: يا رب! أولم يكن ذلك في هواك ومحبتك قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحم بهم منك فشق ذلك على داود فأوحى اللَّه إليه لا تحزن فإني سأقضى بناءه على يد ابنك سليمان وعلى القول الآخر أن أصل وضع السور أن اللَّه تعالى لما أمر داود ﵇ ببناء بيت المقدس أسس قواعده وأدار سوره ورفع حائطه فلما ارتفع انهدم فقال داود ﵇: يا رب أمرتني أن أبني لك بيتا فلما ارتفع هدمته. فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي لتحكم بينهم بالحق فلم أخذته من صاحبه بغير ثمن وكان المكان لجماعة من بني إسرائيل. وقد تقدم الكلام على ما وقع له مع الرجل الذي قد ساومه عليه وقوله له إنما نشتريه للَّه تعالى فقال له لا تسأل شيئًا إلا أعطيك قال ابن لي عليه حائطًا قدر قامتي من كل جهة ثم املأه لى ذهبا، فقال داود ﵇ نعم وهو في اللَّه قليل، وقول الرجل قد جعلته للَّه تعالى فأقبلوا على العمل ثم لما صار الأمر إلى سليمان ﵇ وأراد أن يبنى مسجد بيت المقدس ساوم صاحب الأرض. فقال له: بقنطار من ذهب فقال له سليمان ﵇: قد استوجبتها بذلك فقال صاحب الأرض: هي خير أم ذلك قال: بل هي خير قال فإنه بدا لى قال: أو ليس قد أوجبتها قال بلى ولكن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا قال ابن المبارك وهذا أصل خيار

стр. 114

المجلس قال ولم يزل يزايده ويقول له مثل قوله الأول حتى استوجبها منه بسبعة قناطير ذهب وقيل بتسعة قناطير من ذهب فبناه سليمان وأدار سوره وعمل فيه الأعمال التي تقدم وصفها، قال صاحب مثير الغرام في مبايعة سليمان ﵇ لصاحب الأرض إشكال: لأنه تقدم على القول الثاني أنه جعلها للَّه تعالى فكيف يباع هذا الوقف ثانيا؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون داود ﵇ لما قيل له إنه سيبنيه رجل من صلبك اسمه سليمان ردها على صاحبها قبل قوله جعلتها للَّه تعالى ويحتمل أن يكون قد استولى على الأرض غير الرجل الأول ويحتمل أن يكون في شرعهم وأن هذا اللفظ ليس بتحبيس وأن التحبيس يجوز فيه الرجوع وهذا السور هو المراد بقول اللَّه ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] رواه أبو العوام مؤذن بيت المقدس عن عبد اللَّه بن عمر قال السور الذي ذكره اللَّه تعالى في القرآن بقوله ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وادي جهنم رواه الحاكم وقال صحيح وذكره في مثير الغرام وأقره في سنده إلى ابن العوام عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره اللَّه تعالى في القرآن ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣] فذكر مثله، وعن زياد بن أبي سودة قال روى عبادة بن الصامت ﵁ وهو على سور بيت المقدس يبكى فقيل له ما يبكيك يا أبا الوليد قال هنا أخبرنا رسول

стр. 115

اللَّه ﷺ أنه رأى جهنم. وعنه أنه سمع أخاه أبا عثمان بن أبي سودة قال رأيت عبادة بن الصامت واضعًا صدره على جدار المسجد مشرف، وفي رواية أبي الجديل يشرف على وادي جهنم يبكي فقال: يا أبا الوليد ما يبكيك قال هذا المكان الذي أخبرنا رسول اللَّه أنه رأى فيه جهنم. وعن أبي العوام قال: رأيت عبادة بن الصامت فذكره بلفظ ما يبكيك فقال: كيف لا أبكي وقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول هذا وادي جهنم وعن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة روى عبادة بن الصامت على شرقي بيت المقدس يبكي فقيل له ما يبكيك؟ فقال: ههنا حدثني حبيبي رسول اللَّه ﷺ أنه رأى مالكًا يقلب حجرًا كالعصف، وعن سعيد بن عبد العزيز عن أبي العوام قال: رأيت عبد اللَّه بن عمر قائما على سور بيت المقدس يبكي فقيل له ما يبكيك قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: في قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] الآية باطنه المسجد وما يليه وظاهره الوادي وما يليه فقال عبد اللَّه: هو سور بيت المقدس الشرقي وفي لفظ آخر وهو السور الشرقي باطنه المسجد وظاهره

стр. 116

وادي جهنم. وعن ابن عباس ﵁ أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي فقال من ههنا ينصب الصراط. وعن مجاهد عن ابن عمر قال: "قال: رسول اللَّه ﷺ جهنم محيطة بالدنيا والجنة من ورائها فلذلك صار الصراط على جهنم طريق إلى الجنة". وأما ما في داخل المسجد من المحاريب المقصودة بالزيارة والصلاة فيها فمحراب داود ﵇ على اختلاف فيقال إنه المحراب الكبير الذي في سور المسجد الشرقي ويقال إنه المحراب الكبير الذي بجوار المنبر وقال صاحب الفتح القدسي إنه محراب داود ﵇ في حصن بيت المقدس في موضع إقامته في سكنه كان في الحصن ومعبده فيه وكذلك محرابه الذي ذكره اللَّه تعالى في القرآن بقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] يحتمل أن يكون محرابه الذي كان يصلي فيه في الحصن في مكان متعبده فيه، وكان المحراب الكبير الذي في داخل المسجد وكان موضع صلاته إذا دخل المسجد ولما جاء عمر بن الخطاب ﵁ اقتقى أثره وصلى مكان متعبده فسمي محراب عمر، لكونه أول من صلى فيه يوم الفتح وهو في الأصل محراب داود ﵇ ويعضده ما كان من اجتهاد عمر ﵁ حين قال لكعب بن ماتع أن تجعل مصلانا في هذا المسجد فقال في مؤخره مما يلي الصخرة فتجتمع القبلتان قال يا أبا إسحاق ضاهيت اليهودية نحن قوم لنا مقدم المساجد ثم خط المحراب في ذلك المتعبد الذي كان له داود ﵇ إذا دخل المسجد فوافق رأيه واجتهاده اختيار داود ﵇ لذلك المكان قديما واتخاذه مصلى ومحراب

стр. 117

زكريا ﵇، والأكثر على أنه داخل المسجد في الرواق المجاور لبابه الشرقي ومحراب مريم ﵍ وهو موضع متعبدها ويعرف الأن بمهد عيسى ﵇ والمشهور أن الدعاء فيه مستجاب فينبغي للمصلي أن يصلى فيه ويقرأ سورة مريم لما فيها من ذكرها ويسجد فيها كما فعل سيدنا عمر ﵁ في محراب داود ﵇ فإنه قرأ في صلاته سورة الإخلاص لما فيها من ذكره وسجد فيها، والدعاء فيه مستجاب خبر به غير واحد من الناس فوجدوه كذلك وأفضل الدعاء فيه دعاء عيسى ﵇ الذي دعا به حين رفعه اللَّه تعالى إليه من طور زيتا ومحراب عمر ﵁ المجاور الآن للمنبر الشريف المقابل للباب الكبير الذي يدخل منه إلى المسجد الأقصى، وقائل يقول إنه المحراب الذي في الرواق الشرقي المتصل بجوار المسجد الأقصى باعتبار أن ذلك الرواق بما اشتمل عليه يسمى جامع وأن ذلك المكان هو الذي عزله هو ومن كان معه من الصحابة ﵃ من الزبالة وكنسوه وصلوا فيه فسمي بذلك جامع عمر. والأكثرون على أن محراب عمر هو المحراب الكبير المجاور للمنبر وسيأتي ذكر ذلك بمعناه في باب فتح بيت المقدس ودخول عمر بن الخطاب ﵁ يوم الفتح من هذا الكتاب المبارك إن شاء اللَّه

стр. 118

تعالى. ومحراب معاوية ﵁ ويقال: إنه المحراب اللطيف الذي هو الآن داخل مقصورة الخطابة وبينه وبين المحراب الكبير المنبر الشريف وفي داخل المسجد الأقصى وخارجه مما هو داخل السور محاريب كثيرة وضعها الناس على اختلاف طبقاتهم لمقتضيات اقتضت وضعها فمنها ما وضع برؤيا نبي من الأنبياء يصلي هناك أو ولى من الأولياء وكلها مقاصد خير وفيه الموضع الذي خرقه جبريل ﵇ وربط فيه البراق خارج باب النبي ﷺ وهو من المواضع الواجبة التعظيم وما شاكله من الآيات المقدسة والمشاهد التي هي على التقوى والرضوان مؤسسة، ومنها الصخور التي في مؤخر المسجد مما يلي باب الأسباط وعندها الموضع الذي يقال له كرسي سليمان الذي دعا عنده لما فرغ من بناء المسجد كما قدمنا فاستجاب اللَّه له فيه، والذي ينبغى لقاصد هذه المحاريب والمواضع المعروفة بإجابة الدعوات وجرت العادات أن يصلي فيها ما شاء اللَّه أن يصلي ويجتهد في الدعاء فيها بما قدمناه من الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ وما أحب أن يدعو به أمر دين ودنيا هذا مع تصحيح النية والتوبة إلى اللَّه تعالى والإقلاع عن الذنوب والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها والاشتغال بتعطم حرمات اللَّه وحرمات بيته المقدس الذي هو أكبر مساجد الإسلام وشكره على ما منحه من زيارته وتأهيله لذلك يجتهد في الطاعات والدعاء والصدقة في كل مكان منها ما أمكنه فإن ذلك فضل كبير وخير كثير فإذا فعل ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه إن شاء اللَّه تعالى وأما ما يشرع من الأبواب فأولها باب الرحمة وهو في المسجد من جهة السور الذي قال اللَّه تعالى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ

стр. 119

فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] فإن الوادي الذي وراءه وادي جهنم وهو من داخل الحائط مما يلي المسجد والباب المذكور في القرآن مما يلى وادي جهنم مغلوق لا يفتح إلى أن يأذن اللَّه بفتحه، والباب الذي من داخل الحائط مما يلي المسجد مقصود بالزيارة والدعاء والذي ينبغي لمن قصده أن يصلي في المكان الذي من داخله ويدعو ويجتهد في الدعاء، ويسأل اللَّه في ذلك الموضع الجنة ويستعيذ به من النار وأن يكثر من ذلك قال المشرف ﵀ تعالى وينبغي أن يجتهد في الدعاء من باب الرحمة ويكون أكثر دعائه أن يسأل اللَّه الجنة ويستعيذ به من النار وعن أنس ﵁ قال: "قال رسول اللَّه ﷺ من سأل اللَّه تعالى الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة فمن استعاذ من النار ثلاث مرات قالت: النار اللهم أجره من النار" قال: والأحسن موقعا من سؤال اللَّه الجنة والاستعاذة به من النار في باب الرحمة فإنه مظنة حصول إحدى الجهتين ونرجو من كرم اللَّه تعالى وإحسانه وجوده وامتنانه أن نكون من أهل الجنة الفائزين بها الداخلين إليها بسلام آمنين إن شاء اللَّه. وباب الأسباط وهو في مؤخر الجامع مما يلي الصخور التي هناك والمحراب الذي يقال له محراب داود ﵇ المقدم ذكره على الاختلاف فيه، وباب التوبة بين باب الرحمة وباب الأسباط مسكن الخضر وإلياس ﵉ كذا في كتاب الأنس وفي فضائل بيت المقدس للحافظ أبي بكر الواسطي الخطب بأن مسكن الخضر ﵇، ولم يبوب له صاحب مثير الغرام في كتابه بابا بل ذكر مسكنه في ترجمته عند ذكر من دخل بيت المقدس

стр. 120

من الأنبياء ﵈. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى شهر بن حوشب عن عبد اللَّه قال مسكن الخضر ببيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط قال وهو يصلي كل جمعة في بيت المقدس في خمسة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ويصلي في ليلة كل جمعة في مسجد الطور ويأكل كل جمعة أكلتين من كماة وكرفس ويشرب مرة من زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس المعروف بجب الورقة ويغتسل من عين سلوان وقال أيضا في كتاب الأنس حدثنا الوليد بن حماد وساق السند إلى ابن أبي داود وقال إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم كل عام وروى بسنده إلى عمه الحافظ أبي القاسم إلى علي بن أبي طالب ﵁ بينما أنا أطوف بالكعبة إذا رجل معلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لا يغلطه المسائل، يا من لا يبرمه إلحاح الملِّحين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك. قال علي ﵁: أعد علي هذه الكلمات يا عبد اللَّه فقال: أسمعتهن؟ قال: نعم والذي نفس الخضر بيده وكان هو مع الخضر ﵇ ما من عبد يقولوهن دبر كل مكتوبة إلا غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل رمل عاج أو مثل زبد البحر أو ورق الشجر وروى أيضا بسنده الى همام بن منبه قال هذا ما حدثنا

стр. 121

أبو هريرة قال: رسول اللَّه ﷺ إنما سمي الخضر خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضرا رواه البخاري ﵁ من حديث إلى عروة اليماني وبسنده إلى المشرف بن الرجاء الفقيه إلى أبي حفص الحمصي قال دخلت بيت المقدس قبيل أو قبل نصف النهار لأصلي فيه فإذا أنا بصوت يخافت أحيانًا ويجهر أحيانًا وهو يقول ربي إني فقير وأنا خائف مستجير يا رب لا تبدل اسمي ولا تغير جسمي ولا تجهد بلائي قال: فخرجت مذعورًا فمررت على ناس بباب المسجد فقالوا مالك يا عبد فأخبرتهم الخبر فقالوا لا تخف هذا الخضر ﵇ وهذه ساعة صلاته. قال وذكره المشرف في باب ما جاء في الصخرة التي تسمى نج نج وهي التي تحت المقام الغربي بما يلي باب قبة النبي ﷺ وإنها موضع الخضر ﵇، ثم قال: وهذا الدعاء يستحب أن يدعا به في ذلك الموضع في سائر المسجد فإنه دعاء مستجاب إن شاء اللَّه تعالى. انتهى كلامه وقال في مثير الغرام وذهب جماعة من العلماء ﵃ إلى أنه نبي واختاره الإمام القرطبي وهو المختار عند محققي شيوخنا، وذهب آخرون إلى أنه ولي، ومذهب الأكثرين أنه حيّ وروى الإمام أبو سعيد عبد الكريم بن السمعاني عن الشيخ يحيى بن عطاء الموصلي عن الشيخ الصالح الإمام أبي نصر البندينجي قال

стр. 122

سألت الخضر أين تصلي الصبح قال عند الركن اليماني، قال: وأقضي بعد ذلك شيئا كلفني اللَّه تعالى قضاءه ثم أصلي الظهر بالمدينة ثم أقضي شيئًا كلفني اللَّه تعالى قضاءه وأصلي العصر ببيت المقدس، حكاه صاحب مثير الغرام. وسبب حياته على ما حكاه البغوي في معالم التنزيل أنه شرب من عين الحياة لا يصيب ذلك الماء شيء إلا حي وقال آخرون إنه ميت، انتهى كلام البغوي. وفي الروضة الفردوسية بخط مؤلفها الشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري وكان رحل إلى الغرب وطالت مدته هناك وأخذ عن جماعة من أعيان علماء الأندلس وغيرهم وتوفي بالمدينة الشريفة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة والسلام سنة تسع وثلاثين وسبعمائة قال: أنبأنا جماعة وذكر بأسانيده إلى الفقيه الصالح أبي المظفر عبد اللَّه بن محمد الخيام الحربي، السمرقندي باموردة قال دخلت يوما مغارة فضللت الطريق فإذا أنا بالخضر ﵇ فقال بحد أي أمشي فمشيت معه ثم قلت ما اسمك قال أبو العباس ورأيت معه صاحبا له فقلت: ما اسمه؟ قال إلياس بن سام فقلت: رحمكما اللَّه تعالى هل رأيتما محمدا ﷺ قالا: نعم فقلت بعزة اللَّه تعالى وقدرته أخبراني بشيء أرويه عنكما، فقالا: سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: ما من مؤمن يقول صلى اللَّه على محمد إلا بصَّر اللَّه قلبه ونوره وذكر أحاديث قال: وسمعتهما يقولان كان في بني إسرائيل نبيّ يقال له إشمويل رزقه اللَّه النصر على أعدائه، وأنه خرج في جيشه فقالوا هذا ساحر يسحر أعيننا ويفسد عساكرنا فنجعله في ناحية البحر فقال:

стр. 123

احملوا وقولوا صلى اللَّه على محمد فحملوا وقالوها جملة فصارت أعداؤهم فى ناحية البحر فغرقوا أجمعين، قال الخضر وإلياس كان ذلك بحضرتنا، قال وسمعتهما يقولان: "سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: من قال ﷺ طهر قلبه من النفاق كما طهر الشيء بالماء" وقال "سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: على المنبر من قال صلى اللَّه على محمد فقد فتح اللَّه نفسه سبعين بابا من الرحمة" قال وسمعتهما يقولان قال النبي ﷺ : "ما من مؤمن يقول: صلى اللَّه على محمد سبع مرات إلا أحبه اللَّه وإن كانوا بغضوه، واللَّه لا يحبونه حتى يحبه اللَّه سبحانه" يقولان جاء رجل من الشام إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إن أبي شيخ كبير وهو يحب أن يراك فقال: ائتني به قال إنه ضرير البصر، قال قل له يقول في سبع أسابيع صلى اللَّه على محمد وسلم فإنه يراني في المنام، حتى يروي عني الحديث ففعل فرآه في المنام وكان يروي الحديث، قال وسمعتهما يقولان سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: إذا جلستم مجلسًا فقولوا بسم اللَّه الرحمن الرحيم صلى اللَّه على محمد يوكل اللَّه بكم ملكا يمنعكم عن الغيبة حتى لا تغتابوا وإذا أقمتم فقولوا بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه على محمد فإن الناس لا يغتابوكم ويمنعهم الملك عن ذلك، قاله الرواي عن أبي المظفر. وسمعنا عليه بعد الفراغ من إنشاده لنفسه حد والحديث فيما يروي بنيان عن نبي واستغنموها وعظموها فهي من المخزون الخفي انتهى ما ذكره الأقشهري حطه وهو

стр. 124

الذي ورد فيه من رواية ابن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قيل لموسى ﵇ قل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أسقاههم وقالوا حبة في شعره" وعن ابن عباس ﵁ فى قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] "يريد بيت المقدس" ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] يريد لا حساب عليكم. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] يريد باب بيت المقدس مسجد اللَّه تعالى ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] يريد لا إله إلا اللَّه لأنها كلمة تحط الذنوب ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] قالوا بالعبرانية حبة سمراء يريد الحنطة ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] أي عذابا ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] وكان يقال من صلى عند باب حطة ركعتين كان له من الثواب بعدد من قيل له من بني إسرائيل ادخل فلم يدخل. وعن علي بن سلام بن عبد السلام عن أبيه قال سمعت أبا محمد بن عبد السلام يقول: الباب النحاس الذي في المسجد باب الحمل الأوسط هو من متاع كسرى والباب النحاس الذي على باب المسجد باب داود الذي تخرج منه إلى سوق سليمان بن صهيون. والباب الذي يعرف بباب حطة هو الباب الذي كان بأريحا لما خربت نقل الباب إلى المسجد قال إنما سمى باب حطة لأن اللَّه تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا منه ويقولوا حطة. وحطة فعلة من الحط وهو وضع الشيء من أعلى إلى أسفل يقال حط الحمل عن الدابة والسيل حط الحجر من الجبل قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أي مغفرة فقالوا حنطة وقال مقاتل إنهم أصابوا خطة بإبائهم على موسى دخول الأرض المقدسة التي فيها الجبارين فأراد

стр. 125

اللَّه أن يغفر لهم فقيل لهم قولوا حطة وقال الزجاج معناه سألتنا حطة أي حط عنا ذنوبنا وقوله تعالى ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] قال ابن عباس ركعا وهو من شدة الانحناء والمعنى منحنيين متواضعين، قال مجاهد هو باب حطة من بيت المقدس طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا، وعن عبد الرحمن محمد بن منصور بن ثابت عن أبيه عن جده قال كان في زمن بني إسرائيل إذا أذنب أحدهم الذنب كتب على بابه أو جهته خطيئته أو على عتبة داره، ألا إن فلانا قد أذنب ليلة كذا وكذا فيبعدونه ويدحرونه. فيأتي باب التوبة، وهو الذي عند محراب مريم ﵍ الذي كان يأتيها رزقها منه، فيبكي ويتضرع ويقيم حينًا فإن تاب اللَّه عليه محي ذلك عن جبينه فيقربه بنو إسرائيل وإن لم يتب عليه أبعدوه ودحروه، وباب شرف الأنبياء وهو يعرف الآن بباب الدويدار وهو من جهة المسجد من الشمال، وباب الغوانمة وهو الذي عند النيابة في أول جهة والمسجد الغربية ويعرف هذا الباب قديمًا بباب الخليل كما قيل واللَّه أعلم. وباب الناظر ويقال إنه باب غير متجدد ويعرف قديما بباب ميكائيل ويقال إنه الذي ربط به جبريل ﵇ البراق ليلة الإسراء، وباب الحديد وهو مستجد ويعرف قديما بأرغون الكاملى صاحب المدرسة الأرغونية التي على يسار الخارج منه. "باب القطانين ويقال إنه مستجد" فتحه السلطان الملك الناصر

стр. 126

محمد بن قلاوون رحمه اللَّه تعالى وكان قد تلاشى حاله ولما عمر المرحوم تنكز الحسامي نائب الشام كان رحمه اللَّه تعالى رواق المسجد الذي في الجهة الغربية وسوق القطانين عمر الباب بعمارته المتقنة التي هي عليه الآن، وباب الساقية يقال إنه قديم وكان قد استهدم ولما عمَّر المرحوم علاء الدين البصير الميضاة المعدة للرجال عمَّر هذا الباب وَلَمَّ شعثه، وباب السكينة وهو مجاور لباب المدرسة المعروفة بالبلدية وهو الآن مجاور للمنارة القبلية والمدرسة الشريفة السلطانية الأشرفية من جهة الشمال واللَّه أعلم. وباب السلسلة وباب السكينة متحدان وباب السلسلة هذا يعرف قديما بباب داود ﵇ وباب المغاربة وسمي بذلك لمجاورته مقام المغاربة التي تقام فيه الصلاة الأولى ومحل هذا الباب آخر الجهة الغربية من المسجد إلى القبلة ويسمى هذا الباب باب النبي ﵇، وأما أذارعه وما اشتمل عليه من الطول والعرض فقد جعل صاحب مثير الغرام فصلا ذكر فيه ما أثره عبد الملك بن مروان وغيره في المسجد الأقصى وهو الفصل السابع.

стр. 127

وقال الحافظ ابن عساكر ﵁ وطول المسجد الأقصى سبعمائة ذراع وخمسة وستون ذراعًا بذراع الملك، وقال صاحب مثير الغرام: قلت وكذا قاله أبو المعالي المشرف في كتابه، قال: ولكن رأيت قديما بالحائط الشمالي فوق الباب الذي يلي الدويدارية داخل السور بلاطة فيها أن طوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعًا وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعًا وذلك مخالف لما ذكره قال: ووصف فيها الذراع لكني لم أتحقق ذلك هل هو الذراع وثلاثة وثلاثون ذراعًا خارج عن عرض أسوارها انتهى كلامه. وأما الورقات وما كان من أمرها على اختلاف في اللفظ وتوارد في المعنى على محل واحد فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليدخلن الجنة رجل من أمتى يمشي على رجليه وهو حي" فقدمت رفقة إلى بيت المقدس يصلون فيه في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فانطلق رجل من بني تميم يقال له شريك بن حباشة الثقفي يستقي فوقع دلوه في الجب فنزل ليأخذه فوجد بابا في الجب يفتح إلى جنان فدخل من الباب إلى الجنان يمشي فيها وأخذ من شجرها ورقة فجعلها خلف أذنه ثم خرج إلى الجب فارتقى، فأتى صاحب بيت المقدس فأخبره كما رأى من الجنان ودخوله فيها، فأرسل معه إلى الجب فنزل الجب ومعه أناس فلم يجدوا بابا ولم يصلوا إلى الجنان فكتب

стр. 128

بذلك إلى عمر فكتب عمر بصدق حديثه في دخول رجل من هذه الأمة الجنة يمشي على قدميه وهو حي، وكتب عمر أن انظروا إلى الورقة فإن هي يبست وتغيرت فليست هي من ورق الجنة فإن الجنة لا يتغير شيء منها وذكر في حديثه أن الورقة لم تتغير، وفي لفظ آخر من حديث ابن أبي تميم قال: أخبرني عطية بن قيس أن شريك بن حباشة النميري جاء إلى بيت المقدس يستسقي لأصحابه إذ خر منه الدلو فنزل إذ تبدى له شخص فقال له انطلق معي فأخذه بيده في الجب ثم أدخله الجنة فأخذ شريك ورقات ثم رده إلى موضعه فخرج فأتى أصحابه فأخبرهم، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال كعب إن رجلا من هذه الأمة سيدخل الجنة وهو حي بينكم، قال انظروا إلى هذه الورقات فإن تغيرت فليست من ورق الجنة وإن لم تتغير فهي من ورق الجنة. قال عطية فلم تكن الورقات يتغيرن. ومن طريق آخر قال الوليد أحد رواته، قال: حدثني أبو النجم إمام أهل سلمية ومؤذنهم في سنة أربعين ومائة ومات في سنة خمسين ومائة قال حدثني غير واحد من أهل سلمية من قبائل العرب أنهم أدركوا شريك بن حباشة يسكن سلمية قالوا فكنا نأتيه فنسأله فيخبرنا بدخوله الجنة وما رأى

стр. 129

فيها وعن أخذه الورقات منها وإنه لم يبق معه إلا ورقة واحدة ادخرها لنفسه، قال: فكنا نسأله يرينا إياها فيدعو بمصحفه فيخرجها من بين ورق المصحف خضراء فيأخذها ويقبلها وندفعها إليه فيضعها على عينيه ثم يردها ويضعها بين ورق المصحف، فلما احتضر أوصى أن يجعلها بين كفنه وصدره فكان آخر عهدنا بها أن وضعها على صدره ثم وضعوا أكفانه عليها، قال الوليد بن مسلم لأبي النجم هل وصفوها لك؟ قال: نعم شبهوها بورق الدراقن بمنزلة الكف محددة الرأس. وفي لفظ آخر من رواية إبراهيم بن أبي عبلة عن شريك بن حباشة النميري أنه ذهب يستقي من جب سليمان الذي في بيت المقدس فانقطع دلوه فنزل الجب ليخرجه فبينما هو يطلبه بذلك الجب إذ هو بشجرة فتناول ورقة من الشجرة وإذا هي ليست من شجر الدنيا فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁ فقال ﵁ أشهد أن هذا هو الحق سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يدخل الجنة رجل من أهل هذه الأمة الجنة قبل موته وأخذ الورقة وجعلها بين دفتى المصحف". وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر في فتوح بيت المقدس قال وكان في المسلمين رجل من بني تميم يقال له أبو المحشن وكان شجاعًا وكان الناس يذكرون منه إصلاحًا ففقدوه يوما وكانوا يسألون عنه ولا يخبرون عنه بشيء حتى أيسوا منه وظنوا أنه قد اغتيل فذهب به، فبينما الناس جلوس إذ طلع عليهم ومعه ورقتان لم ينظر الناس إلى مثل تلك الورقتين قط أخضر خضرة ولا أعرض ولا أطيب ريحا ولا أطول طولا ولا أحسن منظرا فقال به أصحابه أين كنت؟ فقال: وقعت

стр. 130

في جب فمكثت أمشى حتى انتهيت إلى جنة معروشة فيها من كل شيء فلم ترعني مثل ما فيها من نعيم في مكان قط ولا أظن اللَّه تعالى خلق مثل ما رأيت فلبثت هذه الأيام كلها فيها في نعيم ليس مثله نعيم وفي منظر ليس مثله منظر أو في ريح لم يجد أحد من الناس ريحا قط أطيب منه فبينما أنا كذلك إذ أتاني آت حتى أخذ بيدي فأخرجنى منها إليكم وقد أخذت هاتين الورقتين من سدرها أو من سدرة كنت تحتها جالسا فبقيتا الورقتان في يدي فأقبل الناس يأخذونها فيجدون لها ريحا لم يجدوا مثله قط لشيء. قال إسحاق فحدثني المصارب بن عبد اللَّه الشامى أن تلك الورقتين كانتا عند الخلفاء في الخزانة قال وأن أبا عبيد فأرسل أبا المخشن والورقتين إلى عمر بن الخطاب ﵁ فلما قص عليه القصة دعا عمر الناس ودعا كعب وقال له يا كعب هل بلغك في شئ من الكتب أن رجلا من هذه الأمة يدخل الجنة ثم يخرج منها قال نعم واللَّه إني لأعرفه بحليته وإنه يخرج بورقتين منها وذلك بعد فتح اللَّه الروم على هذه الأمة قال فانظر في هذا المجلس هل ترى ذلك الرجل قال فنظر وتصفح وجوههم ثم أخذ بيدي أبي المخشن وقال هو هذا. قال فحمد عمر اللَّه كثيرا. ويقال إن جب الورقة داخل المسجد الأقصى عن يسار الداخل من الباب المقابل للمحراب، وأما وادي جهنم فقد تقدم ذكره في أوائل هذا الباب عند ذكر السور وباب الرحمة. انتهى واللَّه أعلم.

стр. 131

الباب الثامن في ذكر عين سلوان والعين التي كانت عندها والبئر المنسوبة إلى سيدنا أيوب ﵇ وذكر البرك والعجائب التي كانت في بيت المقدس وما كان به عند قتل الإمام عليّ ﵁ وولده الحسين ﵁ ومن قال إنه كالأجمة ورغب عن أهله ، وذكر طلسم الحياة، وذكر طور زيتا والساهرة، وذكر جبل قاسيون بخصوصه وما جاء في ذلك على نحوه روينا بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إن اللَّه اختار من المدائن أربعة مكة وهي البلدة والمدينة وهي النخلة وبيت المقدس وهي الزيتونة ودمشق وهي التينة" واختار من الثغور أربعة إسكندرية مصر وقزوين خراسان وعبادان العراق وعسقلان الشام واختار من العيون أربعة يقول في محكم كتابه العزيز ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] أما اللتان تجريان فعين بيسان وعين سلوان وأما النضاختان فعين زمزم وعين عكا واختار من الأنهار أربعة سيحان وجيحان والنيل والفرات،

стр. 132

وعن أم عبيدة بنت خالد بن معدان عن أبيها أنه قال: زمزم وعين سلوان التي ببيت المقدس من عيون الجنة وفي رواية عنها عنه قال من عيون الجنة في الدنيا زمزم وعين سلوان وعنها أيضا عن أبيها أنه قال من أتى بيت المقدس فليأت محراب داود المشرف وليصل فيه ويسبح في عين سلوان فإنها من الجنة، ولا يدخل الكنائس ولا يشتر فيها بيعا فإن الخطة فيها ألف خطة في غيرها والحسنة فيها مثل ألف حسنة، وقال سعيد بن عبد العزيز كان في زمن بني إسرائيل في بيت المقدس عين عند عين سلوان وكانت المرأة إذا قذفت أتوا بها إليها فشربت منها فإن كانت بريئة لم يضرها وإن كانت غير بريئة طعمت فماتت فلما حملت مريم ﵍ أتوا بها وحملوها على بغلة فعثرت بها فدعت اللَّه تعالى أن يعقم رحمها فعقمت من يومئذ فلما أتتها شربت منها فلم تر إلا خيرا فدعت اللَّه تعالى أن لا يفضح بها امرأة مؤمنة ففارت تلك العين من يومئذ. وحكى كتاب الأنس في معنى ذكر البئر المنسوبة إلى سيدنا أيوب ﵇ قال قرأت بخط ابن عمي إلى محمد القاسم وأجازه لي قال قرأت في بعض التواريخ أنه ضاق الماء في بيت المقدس بالناس فاحتاجوا إلى بئر هناك نزلوها ثمانون ذراعًا وسعة رأسها بضعة عشر ذراعا في عرض أربعة أذرع وهي مطوية بحجارة عظيمة كل حجر منها خمسة أذرع وأقل وأكثر في سك ذراعين أو ذراع فعجبت كيف نزلت هذه الحجارة إلى ذلك المكان وماء البئر بارد خفيف ويستسقى منها الماء طول السنة من ثمانين ذراعا وإذا كان زمان الشتاء فاض ماؤها حتى يسيح على وجه الأرض في بطن الوادي ويدور عليه

стр. 133

أرحية تطحن الدقيق فلما احتج إليها وإلى عين سلوان نزلت إلى قرار البئر ومعي جماعة من الصناع لأنقبها فرأيت الماء يخرج من حجر يكون قدر ذراعين في مثلهما وبها مغارة فتح بابها ثلاثة أذرع في ذراع ونصف يخرج منها ريح بارد شديد البرودة وإنه حط فيه الضوء فرأيت المغارة مطوية السقف بحجر ودخل إلى قريب منها فلم يلبث له الضوء فيها من شدة الريح الذي يخرج منها وهذه البئر في باطن وادي المغارة في بطنها وعليها وحواليها من الجبال العظيمة الشاهقة ما لا يمكن الإنسان أن يرتقي عليها إلا بمشقة وهي التي قال اللَّه تعالى لنبيه أيوب ﷺ وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة وأتم السلام ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] انتهى كلامه. وأما النهي عن دخول الكنائس فقد روي عن سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى في الكنيسة التي في وادي جهنم ركعتين ثم قال بعد ذلك كنت غنيا أن أركع ركعتين على وادي جهنم، وعنه أن عمر ﵁ لما فتح بيت المقدس مر بكنيسة مريم التي في الوادي فصلى فيها ركعتين ثم ندم لقوله ﷺ : "هذا واد من أودية جهنم" ثم قال "ما كان أغنى عمر أن يصلي في وادي جهنم" وعن كعب قال لا تأتوا كنيسة مريم التي ببيت المقدس أي كنيسة الجسمانية والعمودين اللذين في كنيسة الطور فإنما من "الطواغيت" ومن أتاهم حبط عمله. وعن ثور بن يزيد

стр. 134

قال بلغني أن كعبا مر به ابن أخيه ورحل معه فسألهما أين تريدان قالا: إيليا قال كعب لا تقولا إيليا لكن قولا بيت المقدس، وقال بيت اللَّه المقدس لا تأتيا كنيسة مريم ولا العمودين فإنهما طاغوت من أتاها حبطت صلاته إلى أن يعود من ذي قبل قاتل اللَّه النصارى ما أعجزهم ما بنوا كنيستهم إلا في وادي جهنم وعن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي في كتاب البديع في تفضيل الإسلام أن قبر مريم ﵍ في الكنيسة المعروفة بالجسمانية، وكذا يقال الآن ولم تزل تسمع أن موضع قبرها تحت القبة التي في الكنيسة وحكي ذلك في مثير الغرام عند ذكر مريم ﵍ وذكر من دخل بيت المقدس من الأنبياء ﵈ وزاد وقال بالكنيسة المعروفة بالجسمانية بالسين بعد الجيم لا يجوز للمسلم دخول الكنيسة إلا بإذنهم لأنهم يكرهون دخوله إليها قال: ابن الملقن في عمدته وينبغي إذا كان فيها صورا أن يحرم على ما تقرر في باب الوليمة والذي قاله هناك وإذا منعنا الدخول فهل هو منع تحريم أو تنزيه قال الرافعي في

стр. 135

نظم الوجيز يقتضي ترجيح الحرمة ونقله في الذخائر عن الأكثرين قال ذخائر البيان عن عامة الأصحاب كذلك وهو النص لكن في الشرح الصغير مال الأكثرون إلى الكراهة وكلام صاحب الشرح الكبير يقتضي مرافقته. قال أبو منصور بن الصباغ في كتاب الأشعار باختلاف العلماء واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس والنواويس فحكى ابن المنذر عن ابن عباس ومالك ﵄ أنهما كرها ذلك لأجل الصور وعن أبي موسى الأشعري أنه صلى في كنيسة وعن الحسن والشعبي وغيرهما الترخيص في الصلاة في البيع والكنائس قال الزركشي فما كتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد وذاكرت شيخنا يعني أبا نصر في ذلك فأجاب إنه ينبغي أن يكره الصور التي فيها ولدخولها بغير إذن فقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد الأفقهشي في كتابه تسهيل المقاصد لزوار المساجد ويجوز الصلاة في كنائسهم بشروط أربعة: أحدها: أن يأذنوا له في الدخول إن كانت الكنيسة مما لا يقرون عليها ككنائس مصر جاز دخولها بغير إذن لأنها واجبة الإزالة فلا يد لهم عليها. ثانيها: أن لا يكون فيها تصاوير فإن كان فيها تصاوير على جدرانها كما هو الغالب حرم دخولها فإنه لا يحل دخول دار فيها تصاوير "وإن كان فيها تصاوير" لا يقدر على إزالتها نعم يجوز ذلك على قول الأصطخري وابن الصباغ أن النهي عن التصاوير منسوخ. ثالثها: أن يحصل من ذلك مفسدة كتكثير سوادهم وإظهار شعائرهم وإيهام صحة عبادتهم وتعظيم متعبداتهم. رابعها: أن لا يكون فيها نجاسة فإن كانت فلا تصح إلا بحائل انتهى. أقول: وهذا الشرط الأخير يحتاج إليه هنا

стр. 136

فإن الطهارة شرط في كل مكان. قال عمر بن عبد العزيز ﵁، لا تدخلوا على هؤلاء كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم وهذا إذا لم يكن فيها تصاوير فإن كانت حرم دخولها والصلاة فيها انتهى. وقضية تحريم دخول كنيسة بيت لحم فهو لما فيها من الصور وأما ما كان في بيت المقدس من البرك وما كان فيه عند قتل علي والحسين ﵄ ومن قال إنه كالأجمة ورغب عن أهله إلى غير ذلك فمنه ما رواه ضمرة عن ابن أبي سودة قال عمل ملك من ملوك بني إسرائيل يسمى حزقيل في بيت المقدس ست برك: منها ثلاث في المدينة بركة بني إسرائيل وبركة سليمان وبركة عياض، وثلاث خارج المدينة بركة ماملا وبركتا المرجيع جعل ذلك خزائن لأهل بيت المقدس، وحكى السري بن يحيى عن ابن شهاب الزهري أن عبد الملك بن مروان سأله ما كان بيت المقدس عند مقتل علي بن أبي طالب قال لم يرفع حجر إلا وجد تحته دم وقيل إن ذلك كان في قتل الحسين وروي أيضا عن الزهري أن أسماء الأنصارية قالت ما رفع حجر بإيليا ليلة قتل الحسين بن علي إلا وجد تحته دم عبيط، ورواه أبو بكر الهذلي عن الزهري قال لما قتل الحسين لم يرفع حصاه "بيت المقدس" إلا وجد تحتها دم عبيط وقال أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد أيكم يجمل ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم مثل الحسين بن علي فقال الزهري إنه لن يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط، وعن زيد بن عمر الكندي قال حدثتني أم حيان قالت يوم قتل الحسين أظلمت علينا ثلاث ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلا احترق ولم يقلب حجر بيت المقدس إلا أصبح تحته دم عبيط، وعن عياش عن صفوان إذ قال مثل بيت المقدس مثل الأجمة فيها الأسد من داخلها وإما أن يأكله وإما أن يسلم ويقال بيت المقدس

стр. 137

كأجمة الأسد إما إن يسلم وإما أن يدركه العطب. أقول قال في القاموس أجم الأسد دخل أجمة ثم قال والأجمة محركة الشجر الملتف وعن سليمان بن كيسان قال: لقيت أبا عيسى الخراساني بمصر فقلت له أرغبت عن القدس فقال: لم أرغب عن القدس ولكنني رغبت عن أهل القدس، وعن صفوان بن عمرو قال: مكتوب في التوارة ببيت المقدس كأس من ذهب مملوءة عقارب قال الفقيه أبو المعالى المشرف ويعني بالعقارب بنى إسرائيل الذين كانوا يعملون فيه بمعاصي اللَّه تعالى حتى عمهم من البلاء ما عمهم وليس لهذه الأمة في ذلك شيء لأنه قال مملوء عقارب وظاهر الخطاب يدل على الماضي لا على المستقبل. وكان في بيت المقدس من العجائب ما لا يوجد في غيره منها ما صنعه الضحاك بن قيس الأزدي قال أهل العلم لما توجه ذو القرنين إلى بيت المقدس وقد دانت له أهل الأرض وخضعت له الملوك رأى تلك العجائب التي صنعها الضحاك بن قيس في الزمان الأول، ومنها أنه صنع نارًا عظيمة اللهب فمن لم يطع اللَّه تلك الليلة أحرقته تلك النار، ومنها أن من رمى بيت المقدس بنشابة رجعت إليه، ومنها أنه وضع كلبا من خشب على باب بيت المقدس فمن كان عنده شئ من السحر إذا مر بذلك الكلب نبح عليه فإذا نبح عليه نسى ما كان عنده من السحر، ومنها أنه وضع بابا فمن

стр. 138

دخل منه إذا كان ظالما من اليهود والنصارى ضغطه ذلك الباب حتى يعترف بظلمه. ومنها أنه وضع عصا في محراب بيت المقدس فلا يقدر أحد أن يمس تلك العصا إلا من كان من أولاد الأنبياء عليهم ومن كان غير ذلك احترقت يده ومنها أنهم كانوا يحبسون أولاد الملوك عندهم في محراب بيت المقدس فمن كان من أهل المملكة إذا أصابوا يده مطلية بالذهب. ومما يلحق بهذه العجائب ما صنعه سليمان ﵇ وذلك أنه ﵇ جعل تحت الأرض بركة وجعل فيها ماء وكان على وجه ذلك الماء بساط ومجلس رجل عظيم أو قاض جليل فمن كان على باطل إذا وقع في ذلك الماء غرق ومن كان على حق لم يغرق فلما صار الإسكندر إلى بيت المقدس ورأى ما صنعه الضحاك من العجائب أوحى اللَّه تعالى إليه أنك ميت وإن أجلك قد حضر. وكان آخر من كان من الملوك في ذلك الزمان قد أوسع أهل الأرض عدلا وآخر من كان من الملوك من أهل الخير قد كبر سنه ودق عظمه ونحل جسمه وانقضى عمره بعد أن سار من المشرق إلى المغرب إلى البلاد التي لم يأتها أحد قبله وذلك بتمكين اللَّه له في الأرض كما بين في كتابه العزيز ومات ببيت المقدس، فزعم بعض أهل العلم أنه مات بدومة الجندل وأنه رجع إليها من بيت المقدس فأدركه أجله فمات بها، وكان ببيت المقدس حيات عظيمة قاتلة إلا أن اللَّه تعالى تفضل على عباده بمسجد كان على ظهر الطريق أخذه عمر بن الخطاب ﵁ من كنيسة هناك تعرف بقمامة وفيه اسطوانتان من حجارة على رأسهما صورة حيات يقال إنها طلسم فمتى لسعت حية إنسانا لم تضره شيئًا فإن خرج من بيت المقدس شبرا من الأرض مات فى الحال ودواؤه في ذلك أن يقيم ببيت

стр. 139

المقدس ثلاثمائة وستين يوما بعدد أيام السنة فإن خرج منه وقد بقي من العدد يوم واحد هلك، وحكى صاحب مثير الغرام عن الحافظ أبي محمد القاسم وذكر السهروردي تحو هذا فى كتاب الزيارات وأخبر الفقيه محمد بن علي بن عقبة عدل فاضل ثقة إنه اتفق ذلك لشخص سماه هو ونسيت اسمه كان يلعب بالحيات فلدغته حية فخرج من القدس فمات. وعن مكحول عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية ثم خروج الدجال ثم ضرب على فخذه أو قال منكبه ثم قال إن هذا الحق كما أنك قاعد". وعن مكحول يحدث جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ عن النبي ﷺ وسلم نقله بلفظه ثم ضرب بيده على فخذه الذي حدثه أو منكبه ثم قال إن هذا لحق كما أنك ههنا أو كما أنك قاعد يعني معاذا، وفي لفظ ثم ضرب على فخذ الرجل الذي حدث معاذا، ورواه في مثير الغرام عن مالك بن يخامر عن معاذ بلفظه ورواه الوليد عن جابر عن مكحول عن عبد اللَّه بن مجيرين عن معاذ بن جبل أنه حدث عمر بن الخطاب ﵁ عن الملاحم فقال عمر إن بيت المقدس خراب يثرب الحديث انتهى كلامه. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال أتيت النبي ﷺ وهو في بناء له فسلمت

стр. 140

عليه فقال عوف بن مالك فقلت نعم فقال ادخل فقلت: بكلي أو ببعضي فقال: بكلك فقال لي: يا عوف اعدد سنينا بين يدي الساعة أولهن موتي، فاستبكيت حتى جعل يسكتني ثم قال قل إحدى فقلت إحدى والثانية فتح بيت المقدس ثم قال قل ثنتان والثالثة موتان يكون في أمتي يأخذهم، مثل قعاص الغنم قل ثلاث فقلت ثلاث والرابعة تكون فتنة في أمتي وعظمها قل أربع فقلت أربع والخامسة يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار فيسخطها قل خمس والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيسيرون إليكم على ثمانين من غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها دمشق صحيح أخرجه البخاري في بعض ألفاظه اختلاف وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : "بين الملحمة الكبرى وفتح المدينة ست سنين ويخرج المسيح الدجال في السابعة"، وعن معاذ عن رسول اللَّه ﷺ يقول: "الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر" وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : "تقبل رايات سود من قبل خراسان فلا يردها شيء حتى تنصب بإيليا" وأما اتصال حوضه ﷺ ببيت المقدس فمنه ما روى أبو سعيد

стр. 141

الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لي حوض طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس أشد بياضا من اللبن آنيته بعدد نجوم السماء وكل نبي يدعو أمته ولكل نبي حوض فمنهم من يأتيه "الغام" ومنهم من يأتيه "القضة" ومنهم من يأتيه النفر ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل ومنهم من لا يأتيه أحد فيقال قد بلغت وإني أكثر الأنبياء وعن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بقي لأمتي من الدنيا -أو قال: في الدنيا- إلا كمقدار الشمس إذا صليت العصر وإن حوضي ما بين إيليا إلى المدينة -أو قال: ما بين المدينة-" إلى بيت المقدس فيه عدد نجوم السماء أقداح الذهب للفتنة. وأما طور زيتا والساهرة وكونهما في بيت المقدس فمنه ما رواه خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁: أقسم ربك بالتين والزيتون وطور زيتا وفي رواية عنه أقسم ربنا بأربعة أجبل فقال: والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين فالتين مسجد دمشق والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس وطور سنين حيث كلم اللَّه تعالى موسى ﵇ والبلد الأمين مكة، وعن سعيد بن عبد العزيز أن صفية زوج النبي ﷺ أتت بيت المقدس فصعدت إلى طور زيتا فصلت فيه، وروى خليد بن دعلج نحوه وزاد فقامت على طرف الجبل وقالت من ههنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة والنار وعن إبراهيم بن أبي شيبان قال: قال لي زيادة بن أبي سودة كان صاحبكم يعني ابن أبي زكريا إذا قدم ههنا يعني بيت المقدس صعد الجبل يعني طور زيتا وعن حذيفة وابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ قالوا كنا ذات يوم جلوسا عند

стр. 142

رسول اللَّه ﷺ فقال: "يحشر الناس فوجا لفيفا إلى قوله، فينتهون إلى الأرض التي يقال لها الساهرة وهي ناحية بيت المقدس تسع الناس وتحملهم بإذن اللَّه تعالى" وعن إبراهيم بن أبي عبلة في قوله تعالى ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال البقيع الذي إلى جانب طور زيتا قريب من مصلى عمر معروف بالساهرة وفي حديث ابن عمر أن أرض المحشر تسمى الساهرة وفيه فصل الساهرة الغلاة ووجه الأرض وقيل الأرض العريضة البسيطة والساهرة، عند العرب الأرض التي تبعث ساكنها على السهر للسري فيها لينجو منها ومعنى الساهرة أرض لا ينامون عليها ويسهرون وعن ابن عباس ﵁ الساهرة الأرض وعن سهيل بن أمين سعد الساعدي أنها أرض بيضاء عفراء كخبرة من نقى وعن الزهري الأرض كلها تسمى ساهرة وعن مجاهد الساهرة أعلى الأرض كانوا في أسفلها فجعلوا في أعلاها. وقال النخعي الساهرة فوق الأرض سميت ساهرة لأن فيها سهر الحيوان ونومهم وقال وهب بن منبه الساهرة جبل عند بيت المقدس يبسط للحشر لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، قال قتادة ما نقص من الأرضين زاد في فلسطين وما نقص في فلسطين زاد في بيت المقدس وبها أرض المحشر والمنشر وبها يجمع اللَّه الناس وبها تهلك الضلالة ويرفع الهدى، أقول: وطور زيتا مما يلى الساهرة مزارات يزورها الناس منها قبر رابعة بنت إسماعيل أم الخير العدوية البصرية الزاهدة مولاة أبي عتيك قيل كانت تقول في مناجاتها إلهي تحرق قطيا بحبك بالنار فهتف بها هاتف ما كنا نفعل هذا

стр. 143

فلا تظني بنا ظن السوء وكانت تقول ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئًا، قدمت بيت المقدس وماتت به وقبرها بظاهر القدس الشريف على رأس طور زيتا ظاهر يزار توفيت رحمها اللَّه تعالى سنة خمس وثلاثين ومائة ذكرها صاحب مثير الغرام في من دخل بيت المقدس من التابعين ومنها من بعد عيسى ﵇ قال أبو زرعة الشيباني رفع عيسى ابن مريم ﵊ من طور زيتا وحكاه أبو الفرج بن الجوزي في كتابه فضائل بيت المقدس، وذكرها صاحب مثير الغرام في أوائل الفصل الأول من القسم الثاني ثم قال الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن مرجان في تفسيره ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] جبل بيت المقدس وموضع ظهور عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلم ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١] الجبل الذي بدمشق موضع نزوله وقد تقدم عن وهب أنه ﵊ رفعه اللَّه تعالى من طور زيتا، وروى صاحب الأنس عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع اللَّه تعالى عيسى ﵇ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وأما الجبال المقدسة التي أقسم اللَّه تعالى في كتابه العزيز كما قدمنا من رواية خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁ قال: أقسم ربنا عز وجل بأربعة أجبل الحديث، ويقال إن التين جبل عليه دمشق، والزيتون: جبل عليه بيت المقدس وطور السنين حيث كلم اللَّه موسى ﵇ والبلد الأمين

стр. 144

مكة وقال قتادة والتين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس لأنهما بيتان التين والزيتون وقيل التين مسجد دمشق كان بستانا لهود ﵇ فيه تين والزيتون مسجد بيت المقدس. وعن كعب قال: أربعة أجبل جبل الخليل ولبنان والطور والجوزي. يكون لمحل منهم يوم القيامة كلؤلؤة بيضاء تضيء السماء والأرض يرجعن إلى بيت المقدس حتى يجعلن في زواياه ويوضع عليه كرسيه حتى يقضي بيت أهل الجنة والنار ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وعن معمر عن أيوب قال: بنيت الكعبة من خمسة أجبل لبنان وطور زيتا يعنى مسجد بيت المقدس وطور سيناء والجودي وكان ربضه من حراء وعن هشام الدستوائي عن أبي عمران قال: أوحى اللَّه إلى الجبال إني نازل على جبل منكم فتطاولت الجبال، وتواضع طور زيتا وقال إن قدر شيء فسيصيبني فأوحى اللَّه تعالى إليه إني نازل عليك لتواضعك لي ورضاك بقدري. وعن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى اللَّه تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك لجبل بيت المقدس ففعل فأوحى اللَّه تعالى إليه أما إذا فعلت فإني سأبنى في حصتك بيتا قال عبد الرحمن قال الوليد: في حصتك أي وسطك وهو هذا المسجد يعنى مسجد دمشق أعيد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما ولا تذهب الأيام، والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك. قال فهو عند اللَّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتفرغ انتهى.

стр. 145

الباب التاسع في ذكر فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس، وما فعله من كشف التراب "والزبل" عن الصخرة الشريفة وذكر بناء عبد الملك بن مروان وما صنعه فيه وذكر الدرة اليتيمة التي كانت في وسط قبة الصخرة وقرنا كبش إبراهيم وتاج كسرى وتحويلهم منها إلى الكعبة الشريفة حين صارت الخلافة لبني هاشم وذكر تغلب الفرنج على بيت المقدس وأخذه من المسلمين بعد فتح "سيدنا عمر بن الخطاب ﵁" وذكر مدة مقامه في أيديهم وذكر فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب له واستنقاذه من أيدي الفرنج وإزالة آثارهم منه، وإعادة المسجد الأقصى والصخرة الشريفة إلى ما كان عليه واستمراره على ذلك حتى الآن وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى. اعلم أن فتح عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس قد ورد في كتب الفضائل المعتمد عليها من طرق عديدة ورواياتها مختلفة وقد أحببت أن أجمع بين طرقها وإيراد كل طريق منها بلفظه تيمنا وتبركا بهذا الفتح المبين الواقع على يد هذا الخليفة أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين الذين أعز اللَّه تعالى به الدين وعادت بركة خلافته وعدله على كافة الإسلام والمسلمين، فمنها ما رواه صاحب مثير الغرام بسنده إلى الوليد قال: أخبرني
следующие страницы →