Полный текст (374 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لي حوض طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس أشد بياضا من اللبن آنيته بعدد نجوم السماء وكل نبي يدعو أمته ولكل نبي حوض فمنهم من يأتيه "الغام" ومنهم من يأتيه "القضة" ومنهم من يأتيه النفر ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل ومنهم من لا يأتيه أحد فيقال قد بلغت وإني أكثر الأنبياء وعن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بقي لأمتي من الدنيا -أو قال: في الدنيا- إلا كمقدار الشمس إذا صليت العصر وإن حوضي ما بين إيليا إلى المدينة -أو قال: ما بين المدينة-" إلى بيت المقدس فيه عدد نجوم السماء أقداح الذهب للفتنة.
وأما طور زيتا والساهرة وكونهما في بيت المقدس فمنه ما رواه خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁: أقسم ربك بالتين والزيتون وطور زيتا وفي رواية عنه أقسم ربنا بأربعة أجبل فقال: والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين فالتين مسجد دمشق والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس وطور سنين حيث كلم اللَّه تعالى موسى ﵇ والبلد الأمين مكة، وعن سعيد بن عبد العزيز أن صفية زوج النبي ﷺ أتت بيت المقدس فصعدت إلى طور زيتا فصلت فيه، وروى خليد بن دعلج نحوه وزاد فقامت على طرف الجبل وقالت من ههنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة والنار وعن إبراهيم بن أبي شيبان قال: قال لي زيادة بن أبي سودة كان صاحبكم يعني ابن أبي زكريا إذا قدم ههنا يعني بيت المقدس صعد الجبل يعني طور زيتا وعن حذيفة وابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ قالوا كنا ذات يوم جلوسا عند
стр. 142
رسول اللَّه ﷺ فقال: "يحشر الناس فوجا لفيفا إلى قوله، فينتهون إلى الأرض التي يقال لها الساهرة وهي ناحية بيت المقدس تسع الناس وتحملهم بإذن اللَّه تعالى" وعن إبراهيم بن أبي عبلة في قوله تعالى ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال البقيع الذي إلى جانب طور زيتا قريب من مصلى عمر معروف بالساهرة وفي حديث ابن عمر أن أرض المحشر تسمى الساهرة وفيه فصل الساهرة الغلاة ووجه الأرض وقيل الأرض العريضة البسيطة والساهرة، عند العرب الأرض التي تبعث ساكنها على السهر
للسري فيها لينجو منها ومعنى الساهرة أرض لا ينامون عليها ويسهرون وعن ابن عباس ﵁ الساهرة الأرض وعن سهيل بن أمين سعد الساعدي أنها أرض بيضاء عفراء كخبرة من نقى وعن الزهري الأرض كلها تسمى ساهرة وعن مجاهد الساهرة أعلى الأرض كانوا في أسفلها فجعلوا في أعلاها.
وقال النخعي الساهرة فوق الأرض سميت ساهرة لأن فيها سهر الحيوان ونومهم وقال وهب بن منبه الساهرة جبل عند بيت المقدس يبسط للحشر لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، قال قتادة ما نقص من الأرضين زاد في فلسطين وما نقص في فلسطين زاد في بيت المقدس وبها أرض المحشر والمنشر وبها يجمع اللَّه الناس وبها تهلك الضلالة ويرفع الهدى، أقول: وطور زيتا مما يلى الساهرة مزارات يزورها الناس منها قبر رابعة بنت إسماعيل أم الخير العدوية البصرية الزاهدة مولاة أبي عتيك قيل كانت تقول في مناجاتها إلهي تحرق قطيا بحبك بالنار فهتف بها هاتف ما كنا نفعل هذا
стр. 143
فلا تظني بنا ظن السوء وكانت تقول ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئًا، قدمت بيت المقدس وماتت به وقبرها بظاهر القدس الشريف على رأس طور زيتا ظاهر يزار توفيت رحمها اللَّه تعالى سنة خمس وثلاثين ومائة ذكرها صاحب مثير الغرام في من دخل بيت المقدس من التابعين ومنها من بعد عيسى ﵇ قال أبو زرعة الشيباني رفع عيسى ابن مريم ﵊ من طور زيتا وحكاه أبو الفرج بن الجوزي في كتابه فضائل بيت المقدس، وذكرها صاحب مثير الغرام في أوائل الفصل الأول من القسم الثاني ثم قال الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن مرجان في تفسيره ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] جبل بيت المقدس وموضع ظهور عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلم ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١] الجبل الذي بدمشق موضع نزوله وقد تقدم عن وهب أنه ﵊ رفعه اللَّه تعالى من طور زيتا، وروى صاحب الأنس عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع اللَّه تعالى عيسى ﵇ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وأما الجبال المقدسة التي أقسم اللَّه تعالى في كتابه العزيز كما قدمنا من رواية خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁ قال: أقسم ربنا عز
وجل بأربعة أجبل الحديث، ويقال إن التين جبل عليه دمشق، والزيتون: جبل عليه بيت المقدس وطور السنين حيث كلم اللَّه موسى ﵇ والبلد الأمين
стр. 144
مكة وقال قتادة والتين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس لأنهما بيتان التين والزيتون وقيل التين مسجد دمشق كان بستانا لهود ﵇ فيه تين والزيتون مسجد بيت المقدس.
وعن كعب قال: أربعة أجبل جبل الخليل ولبنان والطور والجوزي. يكون لمحل منهم يوم القيامة كلؤلؤة بيضاء تضيء السماء والأرض يرجعن إلى بيت المقدس حتى يجعلن في زواياه ويوضع عليه كرسيه حتى يقضي بيت أهل الجنة والنار ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وعن معمر عن أيوب قال: بنيت الكعبة من خمسة أجبل لبنان وطور زيتا يعنى مسجد بيت المقدس وطور سيناء والجودي وكان ربضه من حراء وعن هشام الدستوائي عن أبي عمران قال: أوحى اللَّه إلى الجبال إني نازل على جبل منكم فتطاولت الجبال، وتواضع طور زيتا وقال إن قدر شيء فسيصيبني فأوحى اللَّه تعالى إليه إني نازل عليك لتواضعك لي ورضاك بقدري.
وعن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى اللَّه تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك لجبل بيت المقدس ففعل فأوحى اللَّه تعالى إليه أما إذا فعلت فإني سأبنى في حصتك بيتا قال عبد الرحمن قال الوليد: في حصتك أي وسطك وهو هذا المسجد يعنى مسجد دمشق أعيد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما ولا تذهب الأيام، والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك. قال فهو عند اللَّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتفرغ انتهى.
стр. 145
الباب التاسع
في ذكر فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس، وما فعله من كشف التراب "والزبل" عن الصخرة الشريفة وذكر بناء عبد الملك بن مروان وما صنعه فيه وذكر الدرة اليتيمة التي كانت في وسط قبة الصخرة وقرنا كبش
إبراهيم وتاج كسرى وتحويلهم منها إلى الكعبة الشريفة حين صارت الخلافة لبني هاشم وذكر تغلب الفرنج على بيت المقدس وأخذه من المسلمين بعد فتح "سيدنا عمر بن الخطاب ﵁" وذكر مدة مقامه في أيديهم وذكر فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب له واستنقاذه من أيدي الفرنج وإزالة آثارهم منه، وإعادة المسجد الأقصى والصخرة الشريفة إلى ما كان عليه واستمراره على ذلك حتى الآن وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى.
اعلم أن فتح عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس قد ورد في كتب الفضائل المعتمد عليها من طرق عديدة ورواياتها مختلفة وقد أحببت أن أجمع بين طرقها وإيراد كل طريق منها بلفظه تيمنا وتبركا بهذا الفتح المبين الواقع على يد هذا الخليفة أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين الذين أعز اللَّه تعالى به الدين وعادت بركة خلافته وعدله على كافة الإسلام والمسلمين، فمنها ما رواه صاحب مثير الغرام بسنده إلى الوليد قال: أخبرني
стр. 146
شيخ من آل شداد بن أوس الأنصاري أنه سمع أباه حدث عن جده شداد ﵁ أنهم لما فرغوا من قتال اليرموك سار جماعة من المسلمين إلى ناحية فلسطين والأردن وأنه كان فيمن سار، قال: فحاصرنا مدينة المقدس فتعذر علينا فتحها حتى قدم علينا ابن الخطاب ﵁ في أربعة آلاف راكب فنزل على جبل بيت المقدس الشرقي -يعني جبل طور زيتا- ونحن على حصارها محيطون بها فانحدر علينا من أصحاب عمر ﵁ قوم يقاتلون بنشاطٍ وأحدث لنا مجيئهم وقدوم عمر ﵁ جدا ونشاطًا رجونا بذلك الفتح فقاتلناهم مليًا إذ أقبل وأشرف علينا منهم مشرف يسأل الأمان حتى يكلمنا ففعلنا فقال: ما هذا العسكر الذي نزل؟ فقلنا هذا عسكر أمير المؤمنين "قال وأرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁" يأمرنا بالكف عن القتال وقال إن رسول اللَّه ﷺ أخبرني أني أفتحها بغير قتال وأشرف علينا رسول بطريقها يسأل الأمان لرسوله ليبلغ رسالته إلى عمر ففعلنا فأتاه بالترحيب وقال: إنا سنعطي بحضوركم ما لم نكن نعطيه لأحد دونك وسأله أن يقبل منه الصلح والجزية، ويعطه الأمان على دمائهم وأموالهم وكنائسهم فأنعم له عمر بذلك فسأله الرسول الأمان لصاحبه ليتولى مصالحته ومكاتبته فأنعم عليه وخرج إليه بطريقها في جماعة فصالحهم. وأشهدنا على ذلك فقال الوليد: فحدثني شيخ من الجند عن عطاء الخراساني أن المسلمين لما نزلوا على بيت المقدس
قال لهم رؤساؤهم إنا قد أجمعنا على مصالحتكم وقد عرفتم منزلة بيت المقدس وإنه المسجد الأقصى الذي أسري بنبيكم إليه ونحن نحب أن يفتحها ملككم، وكان الخليفة إذ ذاك عمر بن الخطاب ﵁ فبعث المسلمون إليه وفدا وبعث الروم وفدا مع المسلمين حتى أتوا المدينة فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين فقال:
стр. 147
الروم لترجمانهم عمن يسألون؟ فقال: عن أمير المؤمنين فاشتد عجبهم وقال هذا الذي غلب الروم وفارس وأخذ كنوز كسرى وقيصر وليس له مكان يعرف.
بهذا غلب الأمم فوجدوه قد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائما فازدادوا تعجبا فلما قرأ كتاب أبي عبيدة منا حتى أتى بيت المقدس وفيها اثنا عشر ألفا من الروم وخمسون ألفا من أهل الأرض فصالحهم على أن يسير الروم منها وأجلهم ثلاثة أيام عليه بعد ثلاث فقد برئت منه الذمة وأمن من بها من أهل الأرض وفرض عليهم الجزية على القوي خمسة دنانير، وعلى الذي يليه أربعة دنانير وعلى الذي يليه ثلاثة وليس على "فان كبير" شئ ولا على طفل. ثم أتى محراب داود ﵇ فقرأ فيه "ص" وروينا عن طريق آخر أيضا أن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ أتى إلى لأرض فعسكر بها وبث الرسل إلى أهل إيليا وسكانها وكتب إليهم: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيليا وسكانها سلام على من اتبع الهدى وآمن باللَّه تعالى ورسوله أما بعد: فإني أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن اللَّه يبعث من في القبور فإذا شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنتم لنا إخوانا وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإن أنتم أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبا للموت منكم لشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء اللَّه أبدا حتى أقتل مقاتليكم،
стр. 148
وأسبي ذراريكم".
قال: ثم إن أبا عبيدة بن الجراح انتظر أهل إيليا فأبوا أن يأتوه وأن يصالحوه فأقبل سائرًا حتى نزل بهم فحاصرهم محاصرة شديدة وضيق عليهم فخرجوا إليه ذات يوم ليقاتلوا المسلمين، ثم إن المسلمين سدوا عليهم من كل جانب فقاتلوهم حتى دخلوا حصنهم وكان الذي ولي قتالهم يومئذ خالد بن الوليد ﵁ ويزيد بن أبي سفيان كل رجل منهم في جانب قالوا فبلغ ذلك سعيد بن يزيد وهو على أهل دمشق فكتب:
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم إلى أبي عبيدة بن الجراح من سعيد بن يزيد سلام عليك فإني أحمد اللَّه تعالى الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني لعمري ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي ولا على ما يدنينى من مرضات اللَّه تعالى فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليَّ عاملك بمن هو أرغب فيه وأعلمه ما به بذلك فإني قادم عليك وشيكا إن شاء اللَّه تعالى والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته".
قالوا: فقال أبو عبيدة حين جاء الكتاب: لنتركها خلوفا ثم دعا بيزيد بن أبي سفيان فقال له اكفني دمشق، فقال له يزيد: أكفيكها إن شاء اللَّه تعالى وسار إليها فولاها له، قالوا: ولما حضر أبو عبيدة أهل إيليا ووجدوا أنه غير مقلع عنهم لم يجدوا لهم طاقة بحربه فقالوا: نحن نصالحك، قال: فإني قابل منكم، قالوا فأرسل إلى خليفتكم عمر فيكون هو الذي يعطينا هذا العهد ويكتب لنا الأمان فقبل أبو عبيدة ذلك وهمَّ أن يكتب وكان أبو عبيدة ﵁ قد بعث معاذا "على" الأردن، ولم يكن سار بعد فقال معاذ لأبي عبيدة: أتكتب لأمير المؤمنين تأمره بالقدوم عليك فلعله يقدم ثم يأبى هو إلا الصلح فيكون مجيئه فضلًا وعناءً فلا تكتب إليه حتى يوثقوا إليك واستحلفهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة إن أنت بعثت إلى أمير المؤمنين فقدم عليهم وأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وكتب لهم بذلك كتابا ليقبلن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام فبعث أبو عبيدة
стр. 149
إليهم بذلك فأجابوا إليه فلما فعلوا ذلك كتب أبو عبيدة إلى عمر ﵁: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم لعبد اللَّه عمر بن الخطاب ﵁ من أبي عبيدة بن الجراح سلام فإني أحمد اللَّه تعالى إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا أقمنا على أهل إيليا وظنوا أن لهم في مطاولتهم فرجا فلم يزدهم اللَّه إلا ضيقا ونقصا وهزلا وذلا فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم أمير المؤمنين فيكون هو الموثق لهم والمكاتب فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيعذر القوم ويرجعوا فيكون سيرك أصلحك اللَّه عناءً وفضلًا فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم ليقبلن وليؤدون الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة ففعلوا فإن رأيت أن تقدم فافعل فإن في سيرك أجرًا وصلاحًا أتاك اللَّه تعالى ورشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته".
فلما قدم الكتاب على عمر ﵁ دعا رؤساء المسلمين إليه وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة ﵁ واستشارهم في الذي كتب إليه فقال له عثمان ﵁: إن اللَّه تعالى قد
أذلهم وحصرهم وضيق عليهم وهم في كل يوم يزدادون نقصًا وهزلًا وضيقًا ورعبًا فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخفًا ولشأنهم حاقرًا غير معظم فلا يلبثون إلا قليلًا حتى ينزلوا عن الحكم ويعطوا الجزية فقال عمر ﵁ ماذا ترون عند أحدكم رأي غير هذا الرأي؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁ نعم عندي غير هذا الرأي قال: ما هو؟ قال: إنهم قد سألوا المنزلة التي فيها الذل لهم والصغار وهو على المسلمين فتح ولهم فيه عز يعطونكها الآن في العاجل في عافية وليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم ذلك في القدوم عليهم الأجر في كل ظماء ومخمصة وفي كل واد وفي كل نفقة حتى تقدم عليهم، فإذا أنت قدمت عليهم كان الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن إن يئسوا من قبولك الصلح منهم أن يتمسكوا بحصنهم فيأتيهم عدو لنا أو يأتيهم منهم مدد فيدخل
стр. 150
على المسلمين "بلاء ويطول" بهم حصار فتصيب المسلمين من الجهد والجزع ما يصيبهم ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرشقونهم بالنشاب ويقذفونهم بالمناجيق فإن أصيب بعض المسلمين تمنيتم أنكم افتديتم قتل رجل واحد من المسلمين بمسيرك إلى منقطع التراب وكان لذلك من إخوانه أهلًا فقال عمر ﵁ قد أحسن عثمان النظر في مكيدة العدو وأحسن علي النظر لأهل الإسلام سيروا على اسم اللَّه تعالى فإني سائر فخرج فعسكر خارج المدينة ونادى في الناس بالعسكر والمسير فعسكر العباس بن عبد المطلب بأصحاب النبي ﷺ ووحدة قريش والأنصار ﵃ والعرب حتى إذا تكامل عنده الناس استخلف على المدينة علي بن أبي طالب ﵁ وساروا فأقبل على المسلمين بوجهه، وقال: "الحمد للَّه الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه محمد ﷺ فهدانا من الضلالة وجمعنا به من بعد الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على الأعداء ومكَّن لنا في البلاد وجعلنا إخوانًا متحابين فاحمدوا اللَّه عباد اللَّه على هذه النعمة وسلوه المزيد من المن راغبين" ويتم نعمته على الشاكرين". قالوا: وكان لا يدع هذا القول في كل غداة في سفره كله فلما دنى من الشام عسكر وأقام يعسكر حتى قام إليه من تخلف من العسكر فما هو إلا أن طلعت الشمس فإذا الرايات والرماح والجنود قد أقبلوا على الخيول يستقبلون عمر بن الخطاب ﵁ فكان أول من
стр. 151
"تضنن تيفنا" من الناس فنادى "أهل لكم يا أمير المؤمنين من علم" فسكتوا ومضوا فأقبل آخرون فسلموا ثم سألوا
عن أمير المؤمنين هل لنا به علم؟ فقال لنا: لا تخبروا القوم عن صاحبكم فقلنا هذا أمير المؤمنين فذهبوا يقتحمون عن خيولهم فناداهم عمر لا تفعلوا ورجع الآخرون الذين مضوا فساروا مضيًا وأقبل المسلمون يصفون الخيل ويشرعون الرماح في طريق عمر حتى "طالع" أبو عبيدة في عظم الناس فإذا هو على "قلوص" "يكشفها" "بعباده" خطامهما من شعر لابس سلاحه متنكب قوسه فلما نظر إلى عمر أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره فنزل أبو عبيدة وأقبل إلى عمر وأقبل عمر على أبي عبيدة فلما دنى "إلى" أبي عبيدة مد أبو عبيدة يده إلى عمر ليصافحه فمد عمر يده فأخذها أبو عبيدة وأهوى ليقبلها يريد أن يعظمه في العامة فأهوى عمر إلى رجل أبي عبيدة ليقبلها فقال أبو عبيدة "مه" يا أمير المؤمنين تنحى فقال عمر مه يا أبا عبيدة فتعانق الشيخان ثم ركبا يتسايران وسار الناس أمامهما وزعم بعض أهل الشام أنهم تلقوا عمر "ببرذون"
стр. 152
وثياب بعض وكلموه أن يركب البرذون ليراه العدو فهو أهيب له عندهم وأن يلبس الثياب ويطرح الفروة فأبى ثم ألحوا عليه فركب البرذون بفروته وثيابه "فهملج" البرذون به "وخطام" ناقته في يده فنزل وركب راحلته وقال لقد غيرني هذا حتى خفت أن أتكبر وأن أنكر نفسي فعليكم يا معشر المسلمين بالقصد وبما أعزكم اللَّه به.
وروى طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر ﵁ الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع "جرموقية" فأمسكها بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال لأبي عبيدة لقد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض فضحك عمر في صدره وقال: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام ومهما تطلبوا العز بغيره يذلك اللَّه تعالى وعن يوسف عن أبي حازم عن عثمان عن خالد وعبادة قال: صالح عمر بن الخطاب ﵁ عن أهل إيليا بالجابية وكتب لهم فيه الصلح لكل كورة كتابا واحدا ما خلا أهل إيليا "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا
ما أعطى عبد اللَّه أمير المؤمنين عمر أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم مقيمها وبريها وسائر ملتها إنها لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من جزها ولا من "صليبهم" ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيليا أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن
стр. 153
وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وعلى صليبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليهم مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أرضه، وإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا عهد اللَّه تعالى وذمته وذمة رسوله ﷺ وذمة الخلفاء "الراشدين"، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن سفيان، ورواه أيضا بسنده من طريق آخر عن خالد بن أبي مالك عن أبيه قال: لما نزل المسلمون مقامهم بعثوا إليهم أن افتحوها لنا على أن نؤمنكم على دمائكم وأموالكم فبعثوا إليهم إنا لا نثق بأمانكم إلا أن يأتينا خليفتكم عمر بن الخطاب فإنه يذكر لنا عنه فضل وخير صلاح فإن جاء وآمننا ووثقنا بأمانه فتحناها لكم، قال: فكتبوا إلى عمر يخبرونه بذلك فركب عمر من المدينة حتى قدم عليهم وظهر على أماكن لم يكونوا ظهروا عليها قبل ذلك وظهروا يومئذ على كرم كان في أيديهم لرجل منهم له ذمة مع المسلمين فيه عنب فجعلوا يأكلونه فأتى الذمي إلى عمر بن الخطاب ﵁، وقال: يا أمير المؤمنين كان في أيديهم ولم يعرضوا له وأنا رجل لي ذمة مع المسلمين، فلما ظهروا عليه المسلمون وقعوا، قال: فدعى عمر بن الخطاب ﵁ ببرذون له فركب عريانًا من العجلة ثم خرج يركض في عراض المسلمين،
стр. 154
وكان أول من لقيه أبو هريرة يحمل فوق رأسه عنبا، فقال: وأنت أيضا يا أبا هريرة: فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مخمصة شديدة وكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا من ماله من قاتلنا من ورائه، قال: فتركه عمر ومضى حتى أتى الكرم فنظر فإذا الناس قد أسرعوا فيه فدعى عمر الذمي وقال له كم كنت ترجو من غلة كرمك هذا؟ فقال
كذا وكذا وسمى له شيئا، قال: فخل سبيله ثم أخرج عمر الثمن الذي سماه الذمي وأعطاه إياه ثم أباحه للمسلمين، وعن عبد الرحمن بن غنم قال كتب لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى أهل الشام "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد اللَّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصارى مدينةكذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألنا كم الأمان لأنفسنا وأموالنا وذرارينا وأهل ملتنا وشرطنا لكم علينا وعلى أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نحي ما كان في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسهم "أن ينزل" بها أحد من المسلمين في ليل أو نهار وأن نوسع أبوابها للمار وابن السبيل" وأن ينزل من يريد من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نأوي في منازلنا ولا كنائسنا جاسوسًا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شركًا ولا ندعو إليه أحدًا من ذوي قربانا الدخول في الإسلام إن أراده وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فراق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقاوم رؤوسنا وأن نلتزم زيًّا حيث ما كنا وأن
стр. 155
نشد "زنانيرنا" "على" أوساطنا ولا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شئ من طرق المسلمين ولا في أسواقهم ولا نضرب في كنائسنا إلا ضربًا "خفيًا" ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين "ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين" ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت عمر بن الخطاب ﵁ بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك في أنفسنا وأهل ملتنا وقد "بينا" عليه الأمان فإن نحن خالفنا شيئًا مما شرطناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما حل من أهل المعاندة والشقاق رواه الإمام البيهقي وغيره، له طرق جيدة إلى عبد الرحمن بن غنم استقصاها القاضى أبو محمد بن رزين في جزء جمعه وقد اعتمد أئمة الإسلام هذه
الشروط وعمل بها الخلفاء الراشدون ورواه ابن عمر ﵁ عن نافع عن مسلم أن عمر أمر في أهل الذامة أن يجزوا نواصيهم وأن يركبوا على الأكف عرضًا، ولا يركبوا" كما يركب المسلمون وأن يوثقوا المناطق أي الزنانير.
روي عن شداد بن أوس أنه حضر عمر بن الخطاب ﵁ حين دخل مسجد بيت المقدس يوم فتحها اللَّه تعالى بالصلح فدخل من باب محمد ﷺ حبوًا هو ومن دخل معه حتى ظهر إلى صحنه ثم نظر يمينًا وشمالًا ثم كبر ثم قال هذا واللَّه أو هذا والذي نفسي بيده مسجد داود ﵇ الذي
стр. 156
أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أنه قال أسري به إليه وتقدم إلى مقدمه مما يلي الضرب فقال: تتخذ ههنا مسجدًا رواه الوليد بن مسلم عن شيخ من ولد شداد بن أوس عن أبيه عن جده أن عمر لما فرغ من كتاب الصلح بينه وبين أهل بيت المقدس قال لبطريقها: دلني على مسجد داود قال نعم وخرج عمر متقلدًا سيفه في أربعة آلاف من أصحابه الذين قدموا معه متقلدين سيوفهم "وطائفة منا ممن كان عليها ليس علينا من السلاح إلا السيوف والبطريق بين يدي عمر في أصحابه ونحن نخلف عمر حتى دخلنا مدينة بيت المقدس فأدخلنا الكنيسة التي يقال لها كنيسة القيامة. وقال: هذا مسجد داود، قال ونظر عمر وتأمل وقال له: كذبت، ولقد وصف لى رسول اللَّه ﷺ مسجد داود بصفة ما هي هذه قال: فمضى بهم إلى كنيسة يقال لها صهيون، وقال: هذا مسجد داود فقال له: كذبت قال فانطلق به إلى مسجد بيت المقدس حتى انتهى به إلى بابه الذي يقال له باب محمد، وقد انحدر ما في المسجد من الزبالة على درج الباب حتى خرج إلى الزقاق الذي فيه الباب وكثر على الدرج حتى كاد يلصق بسقف الزقاق فقال له لا تقدر أن تدخل إلا حبوا فقال عمر ولو حبوا فحبى بين يدي عمر وحبوا خلفه حتى أفضينا إلى صحن مسجد بيت المقدس واستوينا فيه قياما فنظر عمر وتأمل مليًا ثم قال: هذا والذي نفسي بيده الذي وصفه لنا رسول اللَّه ﷺ .
ورواه أيضا بسنده من طريق آخر عن هشام بن عمار الهيثم بن عمران العبسي قال: سمعت جدي عبد اللَّه يقول لما ولي عمر بن الخطاب زار أهل الشام فنزل الجابية وأرسل رجلا من جديلة إلى بيت المقدس فافتتحها صلحا ثم جاء عمر ﵁ ومعه كعب فقال له يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: أذرع من الحائط الذي يلي
وادي جهنم كذا وكذا ذراعًا ثم احفر فإنك تجدها قال وهي يومئذ مزبلة فحضروا فظهرت لهم فقال عمر لكعب أين ترى
стр. 157
أن نجعل المسجد أو قال القبلة فقال اجعله خلف الصخرة فتجتمع القبلتان قبلة موسى وقبلة محمد ﷺ فقال له عمر ضاهيت اليهودية يا أبا إسحاق خير المساجد مقدمها، وبنى في مقدم المسجد وروي أيضا بسنده من طريق آخر بزيادة على ما تقدم من رواية إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي عن أبيه قال قدم عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس وعسكر في طور زيتا ثم انحدر فدخل المسجد من باب النبي ﷺ فلما استوى فيه قائمًا نظر يمينًا وشمالًا ثم قال: هذا والذي لا إله إلا هو مسجد سليمان بن داود الذي أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أنه أسري به إليه ثم أتى غربي المسجد فقال لي: نجعل لمسجد المسلمين ههنا مصلى يصلون فيه. وعن سعيد بن عبد العزيز قال: لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ بيت المقدس وجد على الصخرة زبلا كثيرا مما طرحته الروم غيظا لنبي بني إسرائيل فبسط عمر ﵁ رداءه وجعل يكنس ذلك الزبل وجعل المسلمون يكنسون معه.
وقال الوليد: قال سعيد بن عبد العزيز جاء كتاب رسول اللَّه ﷺ إلى قيصر وهو ببيت المقدس وعلى صخرة بيت المقدس مزبلة عظيمة قد حاذت محراب داود ﵇ مما ألقته النصارى عليها مضارة لليهود حتى إن كانت المرأة لتبعث بخرق دمها من رومية فتلقى عليها فقال: قيصر حين قرأ "الكتاب أي" كتاب رسول اللَّه ﷺ إنكم يا معشر الروم لخلقا أن تقتلوا على هذه المزبلة في انتهاككم من حرمة هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دمي يحيي بن زكريا وأمر بكشفها فأخذوا في ذلك فقدم المسلمون الشام ولم يكشفوا منها إلا ثلثها
стр. 158
فلما قدم عمر ﵁ بيت المقدس وفتحها ورأى ما كان عليها من المزبلة أعظم ذلك وأمر بكشفها وسخر لها أنباط فلسطين.
وروى جبير بن نفير قال لما جلى عمر المزبلة عن الصخرة قال لا تصلون فيها حتى يصيبها ثلاث مطرات قال الوليد: وحدثنى شداد عن أبيه أن عمر مضى إلى مقدمه مما يلي الغرب، "فحثى" في ثوبه الزبل وحثونا معه في ثيابنا ومضى ومضينا معه حتى ألقيناه في الوادي الذي يقال له وادي جهنم ثم عاد وعدنا بمثلها حتى صلينا فيه موضع مسجد يصلى فيه جماعة صلى عمر بنا فيه.
وعن أبي مريم مولى سلامة وهو من بيت المقدس قال شهدت فتح إيليا مع عمر
ثم مضى حتى دخل المسجد ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه فصلى فيه ثم قرأ سورة (ص) وسجد وسجدنا معه وقال صاحب كتاب الأنس في ذكر قصة المحراب عن الوليد بن مسلم قال: حدثني بعض شيوخنا أن رسول اللَّه ﷺ لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به فإذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، قال: فقلت يا جبريل ما هذا النوران فقال: أما الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود، والذي عن يسارك فهو "قبر" أختك مريم ﵍.
وروى صاحب كتاب الأنس ذكر الفتح بسنده "إلى" طريق آخر إلى عبيد بن آدم وإلى شعيب أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالجابية فقدم خالد بن الوليد
стр. 159
إلى بيت المقدس، قال: ما اسم صاحبك؟ قال: عمر بن الخطاب قالوا ابعثه لنا فبعثه إليهم، وقيل فقالوا له: أما أنت فلست تفتحها ولكن عمر هو الذي يفتحها وإنا نجد قيسارية تفتح قبل بيت المقدس فافتحوها ثم تعالوا بصاحبكم قال فكتب خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فشاور عمر الناس وقال إنهم أصحاب كتاب، عندهم علم فما ترون ثم ذهبوا إلى قيسارية ففتحوها وجاءوا إلى بيت المقدس فصالحهم عمر ودخل عليهم وعليه قميصان سنبلانيان فصلى عند كنيسة مريم ثم بصق في إحدى قميصيه، فقيل له ابصق فيها فإنه موضع يشرك باللَّه فيه فقال إن كان يشرك فيها ففيها يذكر اسم اللَّه تعالى لقد كان عمر غنيا أن يصلي عند وادي جهنم، قال صاحب مثير
стр. 160
الغرام وكان الفتح في سنة ست عشرة من الهجرة في ربيع الأول.
وروى الحافظ أبو محمد القاسم بسنده إلى عثمان وأبي حارثة قالا: افتتحت فلسطين وأرضها على يد عمر في ربيع الأول سنة ست عشرة وروي عن إسحاق بن بشر قال خرج عمر إلى الشام تلك السنة وهي سنة ست عشرة فنزل الجابية وفتحت عليه إيليا وهي مدينة بيت المقدس، قال: وحدث عبد الأعلى بن سهرانة قرأه في كتاب أبي عبيدة قال: فتحت بيت المقدس سنة سبع عشرة وفيها هلك معاذ بن جبل ﵁ وقال الزركشي في إعلام الساجد وفي صحيح البخاري إنه فتحه بين يدي الساعة ووقع ذلك ففتحه، عمر ﵁ لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد وفاة النبي ﷺ بخمس سنين وأشهر.
وفي فضائل بيت المقدس لابن الجوزي فتح عمر بيت المقدس سنة خمس عشرة
من الهجرة وعن رجاء بن حيوة عن مَنْ شهد الفتح قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيليا قصد محراب داود ﵇ "ليلًا" فصلى فيه ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة وتقدم وصلى بالناس وقرأ بهم (ص) وسجد فيها ثم قال فقرأ بهم الثانية و ﴿طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الصف: ١٤] ثم ركع ثم انصرف فقال عليَّ بكعب فأتي به فقال: أين ترى نجعل المصلى فقال: إلى الصخرة فقال: ضاهيت واللَّه اليهودية يا كعب بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول اللَّه ﷺ قبلة مساجدنا صدورها اذهب أو قال اليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكن أمرنا بالكعبة.
وفي رواية أبي شيبان قال: حدثنى عبيد بن آدم قال: سمعت عمر يقول لكعب أين ترى أن أصلى؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكأن القدس كلها بين يديك يعني المسجد الحرام فقال: ضاهيت اليهودية ولكن أصلي حيث صلى رسول اللَّه ﷺ ليلة أسري به فتقدم
стр. 161
إلى قبلة المسجد فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة برادئه وكنس الناس معه، قال: في مثير الغرام وهذه الآثار المذكورة في الفتوح والشروط على اختلاف طرقها وتغاير ألفاظها وإن كان فيها مقال فهي متلقاة بالقبول، لأن فتوح الشام والقدس الشريف في زمن الصحابة ﵃ مستفيض ولم يزل القدس الشريف من لدن الفتح العمري في أيدي المسلمين أيام الخلفاء الراشدين فمن بعدهم إلى سنة سبعين من الهجرة النبوية.
وكان بناء عبد الملك بن مروان -رحمه اللَّه تعالى- قبة الصخرة ومسجد بيت المقدس يقال: إنه حمل إلى بنيانه خراج مصر سبع سنين وسبط بن الجوزي في كتاب "مرآة الزمان" إن عبد الملك بن مروان ابتدأ بنيانه في سنة تسع وستين وفرغ منه سنة اثنين وسبعين من الهجرة ويقال: إن الذي بنى قبة بيت المقدس وجددها سعيد بن عبد الملك بن مروان وروي عن جابر بن رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولى عبد الملك بن مروان إن عبد الملك حين هم ببناء صخرة المقدس والمسجد الأقصى قدم من دمشق إلى بيت المقدس وبث الكتب في جميع عمله وإلى سائر الأمصار أن عبد الملك قد أراد أن يبني قبة بيت المقدس، تكن المسلمين من الحر والبرد وكره أن يفعل ذلك دون رأي رعيته فكتبت الرعية إليه برأيهم وما هم له عليه فوردت الكتب عليه من عمال الأعمال برأي أمير المؤمنين رأيه موفقًا رشيدًا، ونسأل اللَّه تعالى أن يتم له ما
نوى من بنايته وصخرته ومسجده ويجري ذلك على يديه ويجعله مكرمة له ولمن مضى من سلفه قال فجمع الصناع من عمله كلهم وأمرهم أن يصنعوا له صفة القبة وسمتها من قبل أن يبنيها فكرست له في صحن المسجد، وأمر أن
стр. 162
يبنى بيت المال شرقي الصخرة وهو الذي على حرف الصخرة فبنى وأشحن بالأموال، ووكل على ذلك رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام وأمرهما بالنفقة عليها والقيام بأمرها وأن يفرغوا المال عليها إفراغا دون أن ينفقوه إنفاقا وأخذوا في البناء والعمارة حتى أحكم العمل وفرغ البناء ولم يبق لمتكلم فيه كلام وكتب إليه بدمشق "قد أتم اللَّه تعالى ما أمر به أمير المؤمنين من بناء قبة الصخرة ييت المقدس والمسجد الأقصى ولم يبق لمتكلم فيه كلام وقد بقي مما أمر به أمير المؤمنين من النفقة عليه بعد فرغ البناء مائة ألف دينار فيصرفها أمير المؤمنين في أحب الأشياء إليه. فكتب إليهما قد أمر أمير المؤمنين لكما جائزة لما قمتما به من عمارة ذلك البيت الشريف المبارك فكتبا إليه نحن أولى أن نزيد "من حلي" نسائنا فضلًا عن أموالنا، فاصرفها في أحب الأشياء إليك فكتب إليهما بأن "تسبك" وتفرغ على القبة فسبكت وأفرغت فما كان أحد يقدر أن يتأملها مما عليها من الذهب، وهيأ لها "جلالين" من لبود "وأدم" من فوقها فإذا كان الشتاء ألبستهما لتكنها من الأمطار والرياح والثلوج وكان رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام قد حفا الحجر "بدرابزين من ساسم" ومن خلف الدرابزين ستور ديباج مرخاة يين العمد، وكان كل يوم اثنين وخميس يأمرون بالزعفران
стр. 163
فيدق ويطحن ثم يعمل من الليل ويخمر بالمسك والعنبر "والماورد الجوري" ثم يأمر الخدم بالغداة فيدخلون حمام سليمان يغتسلون ويتطهرون ثم يأتون على الخزانة التي فيها "الخلوق" فيلقون أثوابهم عنهم ثم يخرجون من الخزانة أثوابا جددًا موريا وهرويا "وشيا" يقال له "العصب" ومناطق مجلاه يشدون بها أوساطهم ثم يأخذون سفول الخلوق ويأتون به حجر الصخرة فيلطخون ما قدروا أن تناله أيديهم حتى يغمروه كله وما لم تنله أياديهم غسلوا أقدامهم ثم يصعدون على الصخرة حتى يلطخوا ما بقي منها وتفرغ آنية الخلوق ثم يأتون بمجامر الذهب والفضة والعود القماري والند مطرى بالمسك والعنبر فترخى الستور حول الأعمدة كلها ثم يأخذون البخور ويدورون حولها حتى يحول بينهم وبين القبة من كثرته ثم تشمر الستور فيخرج البخور وتفوح رائحته حتى تبلغ رأس السوق فيشم ريحه من يمر
وينقطح البخور عندهم ثم ينادي مناد في صف الدرابزين: ألا إن الصخرة قد فتحت للناس فمن أراد الصلاة فيها فليأت، فيقبل الناس مبادرين إلى الصخرة فأكثر الناس من يدرك أن يصلى ركعتين وأقلهم أربعًا ثم يخرج الناس فمن شم رائحة من الناس قالوا هذا ممن دخل الصخرة وتغسل آثار أقدامهم بالماء وتمسح "بالآس الأخضر" وتنشف بالمناديل وتغلق الأبواب وعلى كل باب عشرة من الحجبة، ولا يدخل إلا يوم الاثنين والخميس ولا يدخلها في غيرها إلا الخادم، وعن أبي بكر بن الحارث قال كنت أسرج الصخرة في خلافة عبد الملك
стр. 164
بن مروان كلها بالبان المديني والزنبق الرصاصي، قال: وكانت الحجبة يقولون له: يا أبا بكر من لنا بقنديل ندهن منه ونطب به فكان يجيبهم إلى ذلك هذا ما كان يفعل به في خلافة عبد الملك بن مروان.
قال الوليد: وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال حدثني أبي عن أبيه عن جده قال كان في السلسلة التي في وسط القبة درة يتيمة وقرنا كبش إبراهيم ﵇ وتاج كسرى معلقان فيها أيام عبد الملك فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوها إلى الكعبة حرسها اللَّه.
وروى الحافظ ابن عساكر -رحمه اللَّه تعالى- بسنده إلى أبي المعالي المقدس فذكر حديث بناء عبد الملك بن مروان قبة الصخرة والمسجد الأقصى ذكره صاحب مثير الغرام في الفصل السابع وروى ما أثبته الحافظ ابن عساكر قال: عقبة وكان في ذلك الوقت ليس من الخشب السقف سوى أعمدة خشب ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا ومن العمد ستمائة عمود رخاما وفيه من المحاريب سبعة ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمس عشرة منها مائتان سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد والباقي في قبة الصخرة، وذرع السلاسل أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان يسرج فيه مع القناديل ألفا شمعة في ليال الجمع، وفي ليلة نصف رجب وشعبان ورمضان وفي ليلتي العيدين. وفيه من القباب خمس عشرة قبة سوى قبة الصخرة وعلى سطح المسجد من سقف الرصاص سبعة آلاف شقفة "وسبعمائة شقفة وزن الشقفة سبعون رطلًا غير الذي على قبة الصخرة.
وكل ذلك عمل في أيام عبد الملك بن مروان ورتب له من الخدم القوام ثلاثمائة خادم اشتريت له من خُمس بيت المال، كلما مات منهم ميت
стр. 165
قام مكانه ولد وولد ولده أو من يكن من أهليهم يجري ذلك أبدا ما تناسلوا، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجا كبارا وفيه من المنابر أربعة منها ثلاثة صف واحد غربي المسجد وواحد على باب الأسباط وكان لهم من الخدم اليهود الذين لا يؤخذ منهم جزية عشرة رجال وتوالدوا فصاروا عشرين لكنس أوساخ الناس في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجوامع وله من الخدم النصارى عشرة أهل بيت يتوارثون خدمته لعمل الحصر وكنس حصر المسجد وكنس القنى التي تجري إلى صهاريج الماء وكنس الصهاريج أيضا وغير ذلك، وله من الخدم اليهود جماعة يعملون الزجاج للقناديل والأقداح "والبزقات" وغير ذلك مما تدعو إليه الحاجة لا يؤخذ منهم جزية ولا من الذين يحملون القش لفتايل القناديل جاريا عليهم ولا على أولادهم أبدا ما تناسلوا من عهد عبد الملك بن مروان وهلم جرا.
وروى عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت عن أبيه عن جده أن الأبواب كلها كانت ملبسة بصفائح الذهب والفضة في زمن خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي وكان شرقي المسجد وغربيه قد وقع فقيل له يا أمير المؤمنين قد وقع شرقي المسجد وغربيه زمن الرجفة في سنة ثلاثين ومائة ولو أمرتنا ببناء هذا المسجد وعمارته فقال ما عندي شيء من المال ثم أمر بقلع الصفائح الذهب والفضة "التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دنانير ودراهم وأنفقت عليه حتى فرغ منه، ثم كانت الرجفة الثانية
стр. 166
فوقع البناء الذي كان قد أمر أمير المؤمنين أبو جعفر به ثم قدم المهدي من بعده وهو خراب فرفع ذلك وأمر ببنائه، وقال دق هذا
المسجد وطال وخلى من الرجال، أنقصوا من طوله وزيدوا في عرضه فتم البناء في خلافته وفي سنة اثنين وخمسين وأربعمائة سقط تنور قبة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل فتطير المقيمون به من المسلمين وقالوا: ليكونن في الإسلام حادث عظيم عن عطاء عن أبيه قال: كانت اليهود تسرج بيت المقدس فلما ولى عمر بن عبد العزيز ﵀ أخرجهم وجعل فيه من الخمس فأتاه رجل من أهل الخمس وقال له: أعتقني فقال: كيف أعتقك ولو ذهب انظر ما كان لي شعرة من شعر كلبك قال: ثم إن بيت المقدس لم يزل بأيدي المسلمين من لدن فتح عمر بن الخطاب ﵁ إلى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وفي سنة اثنتين وثمانين أقام عليه الفرنج نيفا وأربعين يوما فملكوه ضحى نهار الجمعة من سنة اثنتين وثمانين "في تاريخ الحنبلي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ويدل له ما يأتي في كلام المصنف وفي مثير الغرام مثل ما في هذا الكتاب وقد اتفقوا على إقامته في ايدي الفرنج نيفًا وتسعين سنة وعلى كلام مثير الغرام وهذا الكتاب فيكون إقامته في أيديهم أكثر من مائة لأن الملك
стр. 167
صلاح تسلمه في سنة خمسمائة وثلاث وثمانين" وقتل فيه من المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع وقتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة مالا يضبطه الحصر، وانزعج بسببه المسلمون في سائر "البلاد" غاية الانزعاج وكان الأفضل ابن أمير الجيوش قد تسلمه من سقمان بن أرتق في يوم الجمعة لخمس بقين من رمضان سنة إحدى وتسعين وقيل في شعبان سنة تسع وثمانين، وولى من قبله فيه فلم يكن لمن ولاه عنه طاقة للفرنج فتسلموه منه ثم استولى الفرنج على كثير من بلاد الساحل في أيامه فملكوا يافا في شوال سنة ثلاث وتسعين وقيسارية في أربع وتسعين واستولوا على بلاد الساحل وما فيها من القلاع والحصون وعاشوا فيها وفيما والاها من النواحى والأعمال والضياع حيث "رحل وذكوان" في سرح المدينة ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] فظلوا في طغيانهم يعمهون ولم يزل بيت المقدس وما ولاه من بلاد السواحل وغيرها في أيدي الفرنج المخذولين نيفًا وتسعين من السنين إلى أن جاءت الساعة التي جلاها اللَّه تعالى لوقتها وأظهر الآية التي لا أخت لها فنقول هي أكبر من أختها وأفضت الليلة الظلماء المعتمة إلى فجرها ووصلت الدنيا الحامل بجنين هذه الجنايات
إلى تمام شهرها وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد ومالكها الذي له السماء خيمة "والحبك" أطناب والأرض بساط والجبال أوتاد والشمس دينار والقمر دراهم والأفلاك خدم والنجوم أولاد وهو السلطان المعظم مالك زمام الفضل الكامل العامل فيما تولاه من أمور الأمة بما لا يضيع معه أجر عامل المعتصم بالرأي الرشيد
стр. 168
المتوكل على اللَّه فيما هو عليه مأمون من مصالح العبيد الواثق باللَّه في دفع كل شيطان مريد "المستعين" بالعد العديد الحاكم بأمر اللَّه في القريب والبعيد الأمين في حقوق المرابطة وجهاد الطغاة والمتمردين مرغم معاطس الكفرة والمشركين عن زمانه البصيرة ولمعته البارقة المنيرة السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب سقى اللَّه عهده بجهاد الرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان ويسر اللَّه تعالى على يديه من الفتوح وأنزل به الملائكة والروح في أيام مولانا وسيدنا الإمام الناصر لدين اللَّه أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن الإمام المستضيء باللَّه أبي محمد الحسن المستنجد باللَّه أبي المظفر يوسف ابن الإمام المقتفى لأمر اللَّه أبي عبيد اللَّه محمد بن الإمام المستظفر باللَّه أبي العباس أحمد بن الإمام المقتدي باللَّه عبد اللَّه بن الدخيره محمد عبد اللَّه ابن الإمام القائم بأمر اللَّه بن الإمام القادر باللَّه أبي العباس أحمد بن الموفق باللَّه أبي أحمد طلحة ابن الإمام المتوكل على اللَّه أبي الفضل جعفر ابن الإمام المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد ابن الإمام الرشيد باللَّه أبي جعفر هارون ابن الإمام المهدي باللَّه أبي عبد اللَّه محمد ابن الإمام المنصور باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الطاهرين والخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين وهي الأيام التي زواهر أيامها زواه وقضاء، مضاربها للفضاء فما أجلها فضلًا وما أفضلها إجلالا وأقبلها جدا وأحدها إقبالا وما أعلى بناء مجدها وأحلى حبار قدرها وأسمح سماحتها أمطارا أو أصبح جناح نجاحها مطارا أو كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين ناصر دعوته وداعى نصرته، ووليه الطائع وسيفه القاطع جار في مصالح العباد على رسمه حاكم بأمره مؤثر بحكمه
стр. 169
فندبه لهذا الفتح المبين.
فكان هجرة للإسلام إلى القدس ثانية وبيعة رضوان شهدها مزيد عزمه لأيدي أهل التثليث والكفر ثابتة أحسن اللَّه له عن الإسلام وأهله أحسن الجزاء ومنحه من
فضل اللَّه وكرمه في الدار الآخرة أو في الأقسام "ووانو" الأجزاء كانت هذه الهجرة أبقى الهجرتين وهذه الكرة بقوة اللَّه أقوى الكرتين وذلك أنه أقوى الآمال بما بذله من الأموال وحقق في إنجاز وعد اللَّه وإنجاح المقاصد رجاء الرجال وجمع العدد وفرق العدد ووهب الجياد وأجاد المواهب ورغب في الخطايا وأعطى الرغائب "ونثر الخزائن وبيت الكنائن" وأنفق الذخائر وأنفذ كرائمها للأخاير ونهض لاستنقاذ بيت المقدس من أيدي الكفار نهوض الأسد واشتعال النار.
وخرج من دمشق حين دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في مستهل المحرم وقد أيقن بالظفر وظفر باليقين وبايع اللَّه ورسوله على نصرة الإسلام واقتضى في الدين وكتب إلى الأقطار والبلاد يستدعي من جميع الجهات جموع الجهاد وأهل الاستدعاء أهل الاستعداد وسار والعزم يستنهضه والعز يحسر منه والدين يستنبله والنصر يستعطيه وقدم بجحافله الحافلة وجيوشه الصائلة وعساكره المتواصلة وسلك في جهاد المشركين أعداء الدين أعدل السبل وأقوم المناهج وقدم على قصد بيت المقدس طويل الشرح فحصل من تلك المقدمات على نتائج ألحق بها من أهل الشرك الموجود بالمعدوم وأرعد في متملكي القلاع والحصون وبلاد الساحل بصاعقة بأسه إرعادًا ساقهم به إلى الأجل المحتوم ونثر الثرى ونشره وحسن الردى ونشره وقد ظهرت راياته "وبهرت آياته" وجالت خيوله وسالت سيوله والتوفيق يسايره
стр. 170
والتأييد يؤازره والتمكين يظافره والسعد يظاهره والعز يسامره والظفر يجاوره والإسلام شاكره واللَّه ناصره حتى انتهى الفتح به إلى عسقلان واستولى على جميع ما كان في أيدي الكفار من القلاع والضياع والأموال والأعمال والحصون والنواحي والبلدان وانمحى منها بالسعود رسم النحوس وأقام جاه الأذان أنكر ناموس الناقوس وخمدت ثوران القسوس.
قال صاحب الفتح القدسي عند ذكر فتح بيت المقدس: ثم رحل السلطان من عسقلان للقدس الشريف طالبًا وللنصر العزيز مصاحبًا ولذيل العز ساحبا وسنا عسكر قد فاض بالفضاء فضاء وملأ الملاء بما فاض الآلاء وقد يسط عنبره فيلقه ملاته على الفلق وكأنما أعاد العجاج على ردى الضحى جنح الغسق وسار مسارا بالأحوال الحوالى مروية وأحاديث فتوحاتة الغوالي من الطرق العوالي مطوية مدارج مناحيه، وعلى ما تنشره الآمال من الأماني، وقد جلت وعلت من مغارس النصر ومطالعة المجاني
والمجابي.
والإسلام يخطب من القدس عروسًا ويبذل لها من المهر نفوسًا ويحمل إليها نعمى ليصرف عنها بؤسي ويهدي بشري ليذهب عبوسًا وصرخه الصخرة المستدعية المستعذبة لأعدايها على أعدائها وإجابة دعائها وتلبية ندائها واطلاع زهر المصابيح في سمائها وإعادة الإيمان الغريب إلى وطنه ورده إلى سكونه وسكنه وإقصاء الذين أقصاهم اللَّه بلعنه من الأقصى وجذب قياد فتحه الذي استعصى وإسكات الناقوس بإنطاق الأذان وكف الكفر عنه بأمان الإيمان وتطهيره من أنجاس تلك الأرجاس وإدناس أدنى الناس وجاء الخبر إلى القدس الشريف بوصول السلطان فطارت قلوب من به رعبًا
стр. 171
وطاشت وخففت أفئدتهم خوفًا من جيش الإسلام وجاشت وتلفت الفرنج باليان بن بارزان والبطرك الأعظم ومن كلا الطائفتين الإسبتار والداوية مقدم واشتغل بالباليان واشتعل بالنيران وخمدت كنار بطرك البطرك ضاقت بالقوم منازلهم فكان كل دار فيها شرك لمن أشرك وقاموا بالتدبير في مقام الإدبار وانقسمت أفكار الكفار.
ويأس الفرنج من الفرج وأجمعوا على إتلاف النفوس النفيسة وبذل المهج وقالوا ههنا نطرح الرؤوس ونسفك النفوس وتسفك الدماء ويهلك الدهماء ونصبر على اقتراح القروح واجراح الجروح سحا محل الروح فهذه قمامتنا ومنها تقوم قيامتنا وتصح مدامتنا وبإكرامها كرامتنا وسلامتها سلامتنا وباستقامتها استقامتنا وفي استدامتها استدامتنا وإن تخلينا عنها ملامتنا ووجبت ندامتنا ففيها المطلب والمصلب والمذبح والمضرب والمجمع والمعبد والمهبط والمصعد والمرقب والمرقد والمشرب والملعب والمموه والمذهب والمطلع والمقطح والمرعى والمرتع والمرحم والمحزم والمحلل والمحرم والصور والأشكال والأنظار والأمثال والأرشاد والأشبال والأشباح والأعمدة والألواح والأجساد والأرواح.
ومنها: صور الحواريين في حوارهم والأحبار في أحبارهم والرهابين في صوامعهم والأقساس في مجامعهم والسحرة وحبالها والكهنة وجبالها ومثال السيدة والسيد هيكل والمولد والمائدة والحوت والمنعوت والنحوت والتلميذ والمعلم والمهد والصبي المتكلم وصورة الكبش والحمار
стр. 172
والدم والنار والنواقيس والنواميس قالوا وفيها صلب المسيح وقرب الذبيح وتجسد اللاهوت وتأله الناسوت واستقام التركيب وقام
الصليب ونزل النور وزال الديجور وازدوجت الطبيعة بالأقنوم وامتزج الموجود بالمعدوم وعمدت معمودية المعبود ومخضت البتول بالمولود وأضافوا إلى متعبدهم من هذه الضلالات فأضلوا فيه عن نهج الدلالات.
وقالوا دون مقبرة ربنا نموت وعلى جرف فوهتها نفوت وعنها ندافع وإلى ما فيه بقاؤنا نسارع وما لنا لا نقاتل وكيف لا ننازع ولا ننازل ولأي معنى نتركهم حتى يأخذوا وندعهم حتى يستخلصوا ما استخلصناه منهم ويستنقذوا.
وتأهبوا وتناهوا وما انتهوا وصبوا المنجنيقات واستشاطت شياطينهم وسرحت سراحينهم وطغت طواغيتهم ودعت دواعيهم وهاج هائجهم وماج مائجهم وعدت عوائدهم وسعت أفاعيهم وحضهم قساوسهم وحرضتهم رؤوسهم وحركتهم نفوسهم نجوى السوء جواسيسهم، وأحزنهم ما عاينوه من إقبال العساكر الناصرية منصورة الجنود منشورة البنود مشهورة القواضب مشهورة الكتائب معقودة الضوامر بنار الهدى مسلولة. الظبا مطلوبة الربا مطلقة أعنة جيادها محققة مظنة طرادها أعنقها لها محققة مظنة طردها موئلة من اللَّه الظفر بلوغ مرادها قد سالت الوهاد بأكمامها وجالت الأعلام في أعلامها وسدت الفجاج أفواجها ومدت العجاج أمواجها وحجبت الغزالة عتباها وألهت الزبالة صرخاتها وجرت بالحمال
стр. 173
رياحها وحكمت كالجبال رياحها واشتملت على الضراغم غيلها وأقبل بالعظائم قيلها ووافى كل واف بعهد ربه.
وكان لكف خطبه شاف لهم لقلبه خاف في لبوسه وأضل بيض الهند سواعده وفاضل خطاب الخطوب بوارقه ورواعده قال وأقبل السلطان بإقبال سلطانه وأبطال شجعانه وإقبال أولاده وإخوانه وأشبال مماليكه وغلمانه وكرام أترابه وعظام أوليائه وغيلانه في تعاقب بالمناقب مغتبة وكتائب المواكب مكتبة وألوية صفر للاذا ببني الأصفر وبيض وسمر تزرق زرق العدى بالموت الأحمر وفوارس فوارس وكل من يبذل الشح بدينه النفوس والنفائس، وأصبح يسأل عن الأقصى وطريقه الأدنى وفريقه الأسنى ويذكر ما فتح اللَّه عليه بحسن فتحه من الحسنى، وقال: إن أسعدنا اللَّه تعالى وأعاننا على إخراج أعدائه من بيت المقدس فما أسعدنا، وأي يدله عندنا إذ أيدنا فإنه مكث في يد الكفر إحدى وتسعين سنة لم يقبل اللَّه تعالى فيه من عامل حسنة، وكان هم الملوك دونه متوسنة وخلت القرون وخلت الأعوام وهي عنه متخلية وغلف الفرنج
عليه متولية فما ادخر اللَّه فضيلة فتحه إلا لآل أيوب، ليجمع لهم بالقبول القلوب وخص به عصر الإمام الناصر الدين ليفضله به على الأعصار ولتفخر به مصر وعسكرها على سائر الأمصار، وكيف لا يهتم وبافتتاح البيت المقدس والمسجد الأقصى الذي هو على التقوى والرضوان مؤسس، وهو مقام الأنبياء وموقف الأولياء ومعبد الأتقياء ومراد أبدال الأرض وملائكة السماء وفيه المحشر والمنشر يتوافد أولياء اللَّه تعالى المعشر بعد المعشر وفيه الصخرة التي صيغت ابتهاجها من الأبهاج،
стр. 174
ومنها كان منهاج المعراج ولها القبة وفيه البارق ومعنى البراق وأضاءت ليلة الإسراء بحلول السراج المنير فيه الآفاق ومن أبوابه باب الرحمة الذي يستوجب داخله إلى الجنة بالدخول الخلود وفيه كرسي سليمان ومحراب داود ﵇ وبه عين سلوان التي يمثل واردها بالكوثر الحوض المورود.
وهو أول القبلتين وثاني البيتين وثالث الحرمين وأحد المساجد الثلاثة الذي جاء في الخبر النبوي أنها تشد الرحال ويعقد الرجاء بها الرجال، ولعل اللَّه يعيده بنا إلى أحسن صورة كما شرفه بذكره مع أشرف خلقه في أول سورة، وقال عزَّ من قائل ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، إلى غير ذلك مما له من الفضائل والمناقب التي لا تحصى، وإليه ومنه الإسراء ولأرضه فتحت السماء ومنه تؤثر أنباء الأنبياء الأولياء ومشاهد الهدى وكرامات الكرماء وعلامات العلماء وفيه بارك المنار ومسارح المسار وفيه الصخرة الطولى وكانت القبلة الأولى، منها تعالت القدم النبوية وتوالت البركة العلوية وعندها صلى نبينا ﷺ بالنبيين وصحب الروح الأمين فصعد منها إلى أعلى عليين فما أجله وأعظمه وما أشرفه و "أفحمه" وما أعلاه وما أغلاه وما أسماه وما أسناه وأيمن بركاته وأبرك ميامنه وأحسن حلاوته وأحلى محاسنه.
وقد ظهر اللَّه فيه منه وطوله بقوله جل وعلا: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وكم فيه من الآيات التي أراها اللَّه نبيه وجعل مسموعاتنا من فضائله مرئية ووصف السلطان من خصائصه ومزايا بما وثق على استعادته مواثيقه
стр. 175
وأقسم لا يبرح حتى بر قسمه ويرفع بأعلى علمه ويخطو إلى زيارة موضع القدم النبوية قدمه وصار واثقًا بكمال النصر وزوال العسرة مصغيًا إلى صرخة الصخرة وأقسم أن يسقى الفرنج من الحسرة كأسا مرة.
قال: ونزل السلطان غربي المسجد يوم الأحد خامس عشر رجب وقلب الكفر قد وجب وحرب الكفر قد شارف السبحى والشجب، والقدر قد أظهر العجب وكان في القدس حينئذ من جموع الفرنج ستون ألف مقاتل بين رامح ونابل قد وقفوا دون البلد يبارزون ويذبون ويحاجزون ويفاجرون ويناجزون ويدورون ويذبون ويحرضون ويصرخون ويلهثون وينفرثون ويحرنون ويقدمون ويحججون ويتململون ويقابلون ويتعاونون ويتضاعفون ويحزنون البلايا ويقتحمون المنايا، وقاتلوا أشد قتال ونازلوا أحدّ نزل وطافوا بصحاف الصفاح الظباء الظمأ من ماء الأرواح وجالوا بالأوجال وأجالوا أقداح الآجال وصالوا لقطح الأوصال والتهوا واستوقفوا وناشبوا ونشبوا واستهدفوا للسهام واستوقفوا للحمام.
وقالوا كل واحد منا بعشرين وكل عشر بمائتين ودون القمامة تقوم القيامة وبحب سلامتها نعلو السلامة ودامت الحرب واستمر الطعن والضرب قال: وانتقل السلطان يوم الجمعة العشرين من رجب إلى الجانب الشمالي وخيم هناك وضيق على الفرنج المسالك ووسع عليهم مهامه المهالك ونصب المجانيق وفر من آفاتها الأفاريق، وأصرح الصخرة بالصخور وحشر السوء منهم وراء السور فما عادوا يخرجون من السور الرؤوس إلا ويلقون البؤس والبوم اليؤس ويلقون على الردى النفوس والوجوه لقبل النضال مكشوفة، والقلوب للوجد بالقتال
стр. 176
ملهوفة والأيدي على قوائم السيوف المفتوحة مضمومة والنفوس لاستبطاء الهمم في الاهتمام مهمومة وقواعد السور ونواجد شراريفه بالأحجار الخارجة من الكفار مهدومة مهنوم، فكان المجانيق مجانين يركبون ومنتجد ولا يرامون وجبال يجذبها حبال ورجال ينجدها جال وأمان الدواهي والمنايا وحوامل فرد البلايا ولا يخطر سهام القسى إلا بالخطر ولا يفطر مروها إلا مرارات ذي لفظ، فكم نجم من سمائها ينقض وصخر من أرضها يرفض وحجر من شرارها ينفض إلى أن عاد العدو يعد نظمه البتور البتور فصولا وخرق الخندق وحضر الرجف وظهر من أفق الفتح نورا وسهل الصعب واتبع النقب وبذل المجهود وحصل المقصود وأسلم البلد وقطع زناد خندقه وبرز ابن بارزان ليأمن من السلطان بموثقه وطلب الأمان لقوم فتمنع السلطان وتسامى في شومة وقال لا أمن لكم ولا أمان إلا أن نديم لكم الهوان ونزلكم من الخزي والذل والصغار على حكم القرآن وغدا
نملككم قسرا ونوسعكم قتلى وأسرى ونسفك من الرجال الدماء ونسلط على الذرية والنشابا لمسى المصيبة العظمى وأبامنيهم فتعرضوا للتضرع وتخوفوا وخوفوا عاقبة التضرع لما عن الأمان حرفوا وقالوا إنا أيسنا من أمانكم وخفنا من سلطانكم وخبنا من إحسانكم وأيقنا أنه لا نجاة ولا نجاح ولا صلح ولا صلاح ولا سلم ولا سلامة ولا نعمة ولا كرامة فالسبيل أن نقاتل قتال الدم، ونقابل الوجود بالعدم ونلقي أنفسنا على نهار ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة والعار ولا يخرج واحد منا حتى يخرج عشرة ولا تضمنا يد القتل حتى نرى أيدينا بالقتل منتشرة، وإما نحرق الدور ونخرب القبة وننزل عليكم في سبيلنا السبة ونقلع الصخرة
стр. 177
ونوجلكم عليه الحسرة ونقتل كل من عندنا من أسارى المسلمين وهم ألوف، وقد عرف أن كلامنا للذل والهوان عيون وللفر ألوف، وأم الأموال نعطها ولا نعطها وأم الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبقيها، فأي فائدة لكم بالشح علينا بالأمان وكل حشرة لكم في الإباء وعدم الامتنان ورب خيبة جاءت من قبل الشح ولا يصلح السوء سوء الصلح وربَّ كلام الليل قبل أسفار الصبح.
قال فعقد السلطان مجلسًا للمشورة وأحضر كبراء عساكره المنصورة وشاورهم في الأمر واستطلع خفايا ضمائرهم واستكشف خبايا سرائرهم واستورى زندهم وتعرف ما عندهم وزاد منهم على المصلحة المتزحمة وفاوضهم في أمر المصلحة المربحة، وقال إن الفرصة قد أمكنت فنحرص على انتهازها وأن الحصة قد حصلت ونستخير اللَّه تعالى في إحرازها، وإن هي فاتت لا تستدرك وإن أفلتت لا تستمسك فقالوا قد خصك اللَّه تعالى بالسعادة وأخلصك بهذه العبادة ورأيك أرشد وعزمك لضالة النصر ناشد وأمرك مصاع الأمة نافذ.
كلنا لك في اغتنام فتح هذ الموضع الشريف مناشد واستقر الحال بعد مراودات ومعاودات وخداعات من القوم وشفاعات على قطعة تكمل بها الغبطة ويستردوا بها أنفسهم وأموالهم ويخلصون بها نساءهم ورجالهم وأطفالهم، على إنه من عجز بعد أربعين يومًا عما لزمه وامتنع منه وما سلمه ضرب عليه الرق وثبت في تملكه لنا الحق ومكابدة الأمر المشق، وهو على كل رجل عشرة دنانير وعلى كل امرأة خمسة، وكل صغير وصغيرة ديناران، ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتارية في
الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وقام بالأداء، ولم ينكل عن الوفاء فمن سلم خرج من بيته آمنًا ولم يعد إليه ساكنًا وأسلمو البلد يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب على
стр. 178
هذه القطعة ورده بالرغم منهم رد الغصب لا رد الوديعة، وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من رجال ونساء وصبيان فأغلقت دونهم الأبواب، ورتب عرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب ووكل بكل باب أمير ومقدم كبير يحصر الخارجين، فمن استخرج منه خرج ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج، ولو حفظ هذ المال حق حفظه لما وسعه بيت.
لكن لما تم التفريط وعم التخليط فكل من وشي بشيء وتنكب الأمناء، نهج الرشد بالرشا، فمنهم من أدلى من السور بالحبال، ومنهم من حمل بخفيا في الرجال، ومنهم من غيرت فخزج بزي الجند، ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة ثم يقابل بالرد.
وكان في القدس ملكة رومية مترهبة في عبادة الصليب متصلبة وعلى مصابها متلهبة وفي التمسك عليها متعصبة أنفاسها متصاعدة للحزن وعبراتها تنحدر نحو العطرات من المزن، ولها حال ومال وأشياع وأتباع فمن عليه السلطان وعلى كل من معها بالإفراج، وأذن في إخراج كل ما في الأكياس والأخراج فراحت فرحى وإن كانت جفونها من الشجى والنحيب قرحى، وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أماري مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخدم والخور والخوار فخلصت هي بمن معها، ومن ادعى أنه ممن صحبها وشيعها، وكذلك الإبرنسيسة
стр. 179
ابنة فليب أم هنفر عفيت من الوزن وتوفر مالها عليها في الخزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني ذكر أنهم من بلده، وأن الواصل منهم إلى القدس إنما وصل لأجل متعبده.
وطلب مظفر الدين على بن كوجك زهاء ألف أرمني ادعى أنهم من الرها فأجراه السلطان في إطلاقهم على ما اشتهى ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار وهي من بقي تحت رق وأسر ينتظر به انقضاء المدة المقروبة والعجز عن الوفاء بالقطعة المطلوبه.
اسمه:
قال العماد -رحمة اللَّه تعالى- واتفق فتح بيت المقدس في اليوم الذي كانت في
مثل ليلته المعراج، وتم بما وضح من منهاج الصبر والابتهاج، وزاد في الألسنة بالدعاء الابتهال والابتهاج وجلس السلطان على هيئة المتواضع وهيئة الوقار للهناء ولقاء الأكابر والأمراء والفقهاء والعلماء والمتصوفة وغيرهم من الأخيار الأبرار ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بغد النصر ظاهر وبابه مفتوح ورفده ممنوح وحجابه مرفوع وخطابه مسموع ونشاطه مقبل
стр. 180
وسماطه مقبل ومحياه يلوح ورياه يفوح، ويده ظاهرها قبله القبل وباطنها لعبة الأمل والقراء جلوس يقرءون، والشعراء وقوف ينشدون والأعلام تنشر والأقلام تسرر لتبثر والعيون من فرط المسرة تدمع والقلوب للفرحة بالنصر تخشع والألسنة بالابتهال إلى اللَّه تعالى تتضرع والكاتب ينشي ويوشي ويوسع والبليغ يسهب وهو جزء يضيق ويوسع.
قال العماد -رحمه اللَّه تعالى- وكتبت من البشائر بهذ الفتوح بما يفوح أرج نشره، ويحيى بحياة هذ السلطان آثار بره، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى: وتلوت على الملة المحمدية شرع لكم من الدين ما وصى وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء ومنزل الوحى بمحل الإسراء ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء ومقام إبراهيم الذي وفَّى بموضع قدم محمد المصطفى ﷺ قال: وتسامع الناس بهذ النصر الكريم والفتح العظيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق وتزهوا من أزهار كراماته الروض الأنيق.
قال العماد وشرع الفرنج في بيع ما عندهم من الأمتعة واستخراج ذخائرهم المودعة وباعوها بأبخس الأثمان في سوق الهوان وباعوا بأقل من دينار ما يساوي عشرة وجدوا في ضم ما وجدوا من أمور لهم متيسرة وكنسوا كنائسهم وأخذوا منها نفائسهم ونقلوا منه الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل ونفضوا من الكنائس الكناين واستخرجوا من الخزائن الدفائن وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر العسجد اللجين وجميع
следующие страницы →