← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 14045

إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - ت أحمد رمضان

المنهاجي الأسيوطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال يا رسول اللَّه أي الخلق "أولى" دخولا إلى الجنة؟ قال: الأنبياء قال ثم قال: الشهداء قال: ثم قال: مؤذنوا بيت المقدس، قال: ثم قال مؤذنوا المسجد الحرام، ثم قال مؤذنوا مسجدي، قال: ثم قال: سائر المؤمنين. وفي رواية "على قدر أعمالهم" قال العلاء بن بردن قال: بلغني أن الشهداء يسمعون أذان مؤذن بيت المقدس لصلاة الغداة يوم الجمعة. وعن كعب قال: لم يستشهد عبد قط في بر ولا بحر إلا وهو يسمع أذان "مؤذن" بيت المقدس "وأنه ليسمع أذان بيت المقدس من السماء. وعن أبي العوام مؤذن بيت المقدس إن كان يوذن لصلاة الصبح ثم ينصرف ويقول واللَّه الذي لا إله إلا هو ما على وجه الأرض شهيد إلا وقد "يسمع" أذاني وفي لفظ له ما على الأرض شهيد إلا يسمع أذاني لصلاة الغداة وإن كان بسمرقند أو غيرها تنبيه في معنى المضاعفة قال صاحب "مثير الغرام" في الباب الأول من كتابه المذكور ومضاعفة الصلاة يعني المسجد الأقصى ومضاعفة كل "بر" "حاصلة" إذ لا فرق بين الصلاة وبينه، ثم قال بعد ذلك: ومذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك أن المضاعفة في المساجد الثلاثة تختص بصلاة الفرض بل تعم صلاة النفل والمرجو من كرم اللَّه تعالى أن كل "حمل" بركة لك انتهى كلامه. وفي "المناسك الكبرى" للنووي رحمه اللَّه تعالى أن الصلاة،

стр. 72

"تتضاعف" الأجر فيها بمكة وكذا سائر أنواع الطاعات فالحق سائر الطاعات هناك بالصلاة فليكن هما ذلك إن شاء اللَّه تعالى. وحكى المحب الطبري عن ابن عباس ﵁ أن حسنات المحرم كلها بمائة ألف ثم قال: وأقول بموجبه وأقره قاضي القضاة عز الدين بن جماعة في مناسكه الكبرى ثم حكى في فضل الصوم كلام ابن عباس وأقره لكن خالف في الباب العاشر من مناسكه فقال تقدم في الفضائل قول ابن عباس والحق أنَّ الحسنة فيها ألف والأكثرون على امتناع القياس في هذا الباب، إذ لا مجال للعقل فيه مطلقا بمائة ألف إنما ثبت ذلك في الصلاة بالمسجد الحرام خاصة انتهى. فبمقتضى هذا لا مضاعفة هنا في غير الصلاة وقول صاحب "مثير الغرام" مذهب الإمام الشافعي ﵁: "إن المضاعفة في المساجد الثلاثة لا تختص بصلاة الفرض بل تعم صلاة النفل" كذا قاله النووي في "شرح مسلم" إنه المذهب. وحديث "إن فضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" متفق عليه وغيره مما تقدم من أحاديث المضاعفة يقضي أن النافلة

стр. 73

تضاعف في المساجد الثلاثة وفي القوت الأوزاعي عقب قول صاحب المنهاج (وأفضله في بيته أي "التنفل" ما نصه "وسوى" فى ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما) ثم حكى عن تعليق القاضي أبي الطيب (أنه استثنى ما إذا خفي صلاته في المسجد فإن نفل النافلة فيه أفضل وإطلاق الحديث والجمهور ينازعه لكن ما ذكره ظاهر من حيث المعنى إذ وثق بعدم ظهور ذلك) انتهى كلامه. واعلم أن المراد بالنافلة التى تفضل في البيوت ما رواء ركعتي الطواف فإن فعلهما في المسجد الحرام أفضل، والتنفل يوم الجمعة قبل الزوال في المسجد قبل الجمعة "في المسجد" أفضل وحكاه الجرجاني في "الشافي" عن أصحابنا، لفضيلة البكور في الشعائر الظاهرة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء وكالتراويح على ما يقتضي كلام النووي ترجيحه ونازع بعض المتأخرين في التراويح فقال الذي يظهر من حيث الدليل أنها بالبيت أفضل وينبغي أن يكون هو الأصح لحديث أنه ﷺ اتخذ حجرة في رمضان

стр. 74

فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج عليهم فقال قد عرفت الذي رأيته من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. متفق عليه ويستثنى ركعتي الإحرام ففي زيارة الروضة هناك قال أصحابنا: إذا كان في الميقات مسجد استحب أن يصليهما فيه. وأما تضاعف الحسنات والسيئات. والمراد بتضعيف السيئات فدليله حديث ابن عمر السابق في قوله لنافع يا نافع اخرج بنا من هذا البيت وكان بيت المقدس، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات وحديث كعب السابق وهو إنه إذا خرج من حمص يريد الصلاة في مسجد إيليا إلى آخره. وهو قوله: أنا أحب أن لا يكون مني إلا حسنات حتى أنصرف واعلم أن الحافظ أبا محمد القاسم حكى عن المشرف له قال عقب كلام كعب وغيره: الخطيئة فيه كألف خطيئة ونحو ذلك معناه أن من اقترف ذنبا في بيت المقدس أو في الحرم أو في مسجد الرسول ﷺ أعظم عقوبة ممن اقترف ذلك في غيرهم بشرفهم وفضلهم فالذنب الواحد في أحدهم أعظم من ذنوب كثيرة في غيرهم من المواضع فيكون "المكتب" لذنب واحد في إحدى هذه المواضع كالمكتب "لذنوب كثير في غيرها فلذلك قال: تضاعف فيه السيئات ومعناه تغلظ عقوبتها، إلا أن الإنسان يعمل ذنبا فيكتب عليه عشرة واللَّه تعالى يقول: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها". وقد غلظ الفقهاء الدية على من قتل في الحرم ومن قتل ذا رحم لحرمتهم وعظم محلهم وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، لا يرى إلا من رأى المعاصي

стр. 75

في المسجد أعظم خطر من الذي يعملها في غير المسجد، والمقت إلى فاعلها في المسجد أسرع وإن كانا جميعا قد اشتركا في المعصية، لكن هذا في المعنى اكتسب ذنبين أحدهما هتك حرمة المسجد وقد حماه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، (إلا منه) والذنب الآخر المعصية، فهذا معنى التضعيف. وفي أعلام المساجد عقب أثر كعب السالف نصّه أن يزداد قبحا وفحشا لأن المعاصي في زمن أو مكان شريف أشد جرأة أو أقل خوفا من اللَّه تعالى انتهى. وأما فضائل الإهلال بالحج والعمرة من بيت المقدس فمنه ما رواه محمد بن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن يحيى بن أبي سفيان عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس غفر اللَّه له" وأخرجه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن إسحاق وزاد في آخره "فركبت أم حكيم إلى بيت المقدس حتى أهلت منه بعمرة. وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أهل ببيت المقدس غفر اللَّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأدخل الجنة". وروى أبو داود بسنده على أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ : يقول: "من أهل من بيت المقدس بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى" "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة". وفىِ حديث آخر (من أحرم من بيت المقدس غفر "اللَّه" له) (وقد أحرم "منه") عمر بن الخطاب ﵁ بعمرة ثم قال: لوددت أني جئت بيت المقدس. وعن نافع أن ابن عمر

стр. 76

-﵁: أحرم عام الحكمة من بيت المقدس في موطأ مالك عن الثقة عنده: أن عبد اللأه بن عمر أهلَّ من إيلياء. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه أحرم بالعمرة من بيت المقدس وروى معمر أنَّ الزهري حدثه قال: أخبرني محمود بن ربيع أنه رغم أنه عقل حجة حجها رسول اللَّه ﷺ من دلو، كانت في دراهم قال: سمعت عتبان بن مالك فذكر حديثا وذكر في آخره قال محمود: فأهللت من إيليا بحج أو عمرة قال أبو داود: وأحرم وكيع من بيت المقدس وفيه جواز الإحرام من المكان البعيد وفعله وفضله عن غير واحد من الصحابة -رضى اللَّه عنهم- وكرهه جماعة وقد أنكر عمر بن الخطاب ﵁ على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة وكرهه الحسن وعطاء بن رباح ومالك. وقال أحمد: وجه العمل المواقين وقال بعضهم: وجه الكراهة أنه ربما عرض للمحرم ما يفسد. روي عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه قال: "من أحرم معتمرًا في شهر رمضان من بيت المقدس عدلت عشر غزوات مع رسول اللَّه ﷺ . وعن يوسف بن مالك عن أبي عمارة قال أهللت من بيت المقدس مع معاذ بن جبل: ورجال فيهم كعب الأحبار ﵁ فأهلوا بالعمرة. وأما فضل إسراجه عند الفجر "عن" الوصول إليه

стр. 77

وأنه يقوم مقام الصلاة فيه فمنه ما رواه زياد بن أبي سودة عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة بنت سعد مولاة رسول اللَّه ﷺ أنها قالت: يا رسول اللَّه أفتنا في بيت المقدس فقال: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة قلنا: يا رسول اللَّه فمن لم يستطع أن يتحمل إليه؟ قال: فمن لم يستطع أن يأتيه فليهد إليه زيتا يسرج في قناديله فإن من أهدى إليه زيتا كان كمن أتاه" وفي لفظ آخر قالت: قلت أرأيت إن لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال فاهدوا إليه زيتا وعنها أنها قالت قلت: يا رسول اللَّه أفتنا في بيت المقدس قال ائتوه فصلوا فيه فقلت: يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليك فكيف والروم إذ ذاك فيه قال: فإن لم تستطعوا فلتبعثوا بزيت يسرج في قناديله وقال رسول اللَّه ﷺ "من أسرج في بيت المقدس سراجا لم تزل الملائكة تسغفر له مادام ضوؤه في المسجد" انتهى. واللَّه أعلم.

стр. 78

الباب الخامس في ذكر الماء الذي يخرج من أصل الصخرة وأنها على نهر من أنهار الجنة وأنها انقطعت في وسط المسجد من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وفي أدب دخولها وما يستحب أن يدعى به عندها، ومن أين يدخلها إذا أراد الداخل الدخول إليها، وما يكره من الصلاة على ظهرها وذكر السلسلة التي كانت عندها ولسبب دفعها وذكر البلاطة السوداء التي على باب الجنة واستحباب الصلاة عليها والدعاء بالدعاء المعين. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس". عن أبي بن كعب

стр. 79

في قوله ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قال: الشام وما من ماء عذب إلا ويخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. وعن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: قال كعب: ما شرب من ماء عذب إلا ويخرج من تحت الصخرة هذه. وعن أبي العالية قال من بركتها -يعني صخرة بيت المقدس- أن كل ماء يخرج من أصلها. وعن الصلت بن دينار عن أبي صالح عن نوف البكالى قال: الصخرة يخرج من تحتها أربعة أنهار من الجنة سيحان جيحان والفرات والنيل. قال صاحب الأنس عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الأنهار أربعة سيحان وجيحان والنيل والفرات فأما سيحان فنهر بلخ فأما جيحان فدجلة وأما النيل فنيل مصر وأما الفرات ففرات الكوفة وكلما يشرب ابن آدم فهو في هذه الأربعة ويخرج من تحت الصخرة) وعن كعب أنه قال ما من نقطة من عين عذبة إلا ومخرجها من تحت صخرة بيت المقدس قال كعب: عساك تعنى عين سماهيج فواللَّه

стр. 80

إن مخرجها من تحت صخرة بيت المقدس قال محمد بن عثمان أحد رواة هذا الأثر وأخبرت أن عين سماهيج نحو البحرين في وسط البحر. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "أنزل اللَّه تعالى من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو بحر الهند وجيحون وهو بحر بلخ ودجلة والفرات وهو بحر العراق والنيل وهو نيل مصر أنزلها اللَّه -تعالى- من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجتها على جناحي جبريل ﵇ واستودعها الجبال وأخرجها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم" وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللَّه جبريل ﵇ فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم ﵇ وتابوت موسى ﵇ بما فيه وهذه الأنهار الخمسة يرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا ارتفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلما الدين والدنيا". عن قتادة عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ "رفعت إلى السدرة فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فأما الظاهران فالنيل والفرات فأما الباطنان فنهران في الجنة وذكر تمام الحديث". وعن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة" وقد تقدم هذا الحديث وتقدم أيضًا أن الصخرة صخرة بيت المقدس في وسط المسجد انقطعت

стр. 81

من كل جهة لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. وعلى ذكر السلسلة التي كانت على ظهر الصخرة ببيت المقدس أقول: روى ابن عباس ﵁ قال إنما الصخرة التي ببيت المقدس إنما كانت لبني إسرائيل طشت فيه سلسلة وكان في الصخرة ثقب وكانوا يعلقون به السلسلة وهي في وسط الطشت ثم يقبربون قربانهم فما تقبل منه أخذ ومالم يتقبل منه ألصق إلى الأرض ولبسوا المسوح إلى مثلها. وقال على بن أبي طالب ﵁ ما كان الناس قط أحوج إلى السلسلة منهم اليوم قيل له: وما السلسلة؟ قال: سلسلة أعطاها اللَّه داود ﵇ وفيها فصل الخطاب لا يأتيها رجلان إلا نالها المحق منهما وإن كان قصيرا فاستودع رجل رجلا لؤلؤا أو قال ذهبا فأخذ عصا فثقبها وجعل اللؤلؤ فيها أو قال فسبك الذهب وجعله فيها وجحد صاحبها وجاء إلى داود ﵇ فقال اذهبوا بهما إلى السلسلة فقال الرجل اللهم إن كنت تعلم أني دفعت إليه لؤلؤًا أو قال ذهبا فجحدنيه فأسألك أن أنالها فنالها فقال الآخر للأول: امسك عصاي حتى أحلف ودفع إليه العصا الوديعة وهو لا يعلم ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني قد دفعت إليه وديعته فأسألك أن أنالها فنالها فقال داود ﵇: يا رب ما هذا نالها الظالم والمظلوم فأوحى اللَّه تعالى أن ماله كان في العصا التي دفعها إليه. قال: ورفعت السلسلة من حينئذٍ. وقيل كانت السلسلة آية من آيات النبي داود ﵇ وكان إذا حكم بين اثنين من بني إسرائيل بحكم اللَّه سأل اللَّه تعالى أن يريه برهانا يعرف الصادق من الكاذب فأنزل اللَّه عليه سلسلة من نور من السماء معلقة في الموضع الذي عند صخرة بيت المقدس بين السماء والأرض فإذا حكم بحكم بعث ناسا إلى الموضع الذي فيه السلسلة فمن كان كاذبا لم ينلها حتى وقع المكر بين الناس وخبثت البواطن فارتفعت السلسلة من ذلك الوقت. وهذه السلسلة كانت من العجائب وكانت معلقة بين السماء إلى الأرض

стр. 82

شرقي الصخرة مكان قبة السلسة الموجودة الآن وهي التي بناها عبد الملك بن مروان وفيها يقول الشاعر: لقد مضى الوحي ومات العلى ... وارتفع الجود مع السلسلة وملخص حكايتها مع اختلاف فيه على ما حكاه صاحب مثير الغرام أن رجلا يهوديا كان قد استودعه رجل مائة دينار فلما طلب الرجل وديعته جحده ذلك اليهودي وارتفعا الى ذلك المكان عند السلسلة وكان اليهودي بمكره وخبثه ودهائه قد سبك الدنانير فحفر لها في عصا وجعلها فيها فلما أتى ذلك المقام دفع العصا إلى صاحب الدنانير وقبض على السلسلة وحلف باللَّه لقد أعطاه دنانيره ثم دفع إليه صاحب الدنانير العصا وأقبل حتى أخذ السلسلة وحلف أنه لم يأخذها منه ومس كل منهما السلسلة فعجب الناس من ذلك فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم. وكان الناس قبل ذلك من كان محقا مس السلسلة، ومن كان مبطلا ارتفعت فلم ينلها. وأما ما يستحب أن يدعى به عند دخول الصخرة وآداب دخولها ومن أين يدخلها الداخل إذا أراد الدخول إليها فمن ذلك ما رواه أبو المعالي المشرف بن المرجا عند قوله وما يستحب من الدعاء لمن دخل الصخرة المقدسة قال: ويستحب لمن دخل الصخرة أن يجعلها عن يمينه حتى تكون بخلاف الطواف حول البيت الحرام، ويجيء إلى موضع يدعو الناس فيضع يده عليها ولا يقبلها ثم يدعو بما شاء

стр. 83

ويستحب أن يدعو بدعاء سليمان ﵊ الذي دعا به لما فرغ من بنائه وقرب القربان وهو قوله ﵊ "اللهم من أتاه من ذي ذنب فاغفر ذنبه أو ذي ضر فاكشف ضره" الحديث المتقدم ثم يدعو بما شاء من حصول خيري الدنيا والآخرة، وإن أحب أن ينزل تحت الصخرة فليدخل وليقدم النية ويعقد التوبة بالإخلاص مع اللَّه تعالى ويجتهد في الدعاء فإذا نزل بأدب وخضوع وصلى ما بدا له قال: وأحب له أن يجتهد في الدعاء تحت الصخرة فإن الدعاء في ذلك الموضع مقطوع له بالإجابة إن شاء اللَّه تعالى. وحكى صاحب كتاب الأنس وصاحب كتاب باعث النفوس أن الأدعية التي يدعو بها فيها خصوصية بهذا الموضع فإن الإنسان مأمور بالدعاء موعود عليه بالاستجابة لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، والمراد من الأدعية ما ورد في السنة الشريفة النبوية منها ما رواه أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ "أنه قال لأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي الذي رآه يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا حنان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام فقال رسول اللَّه ﷺ لقد دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى". وعن عبد اللَّه بن يزيد عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت اللَّه الأحد الصمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوًا أحد قال ﷺ : "لقد دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" رواه أيو داود والترمذي والنسائى وقال حسن غريب. وعن علي

стр. 84

بن عروة عن جدته أن عمار بن ياسر صلى بقوم فاستخفوا صلاته فقال واللَّه ما انصرفت حتى دعوت اللَّه بدعاء كان النبي ﷺ يدعو به ويقول إنه لن يدعوه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح إلا كان من دعائه "اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم! زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". وعن الحسن بن الحسن قال أظنه ذكر عبد اللَّه بن مسعود قال كان إدريس النبي ﷺ يدعو بدعوة كان يأمر أن لا يعلموها للسفهاء فيدعو بها وكان يقول: "يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين اللهم إن كنت عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مقترا علي في رزق فامح شقائي وحرماني وإقتار رزقي واكتبني سعيدًا مرشدا موفقا إلى الخيرات مستورا مكفيا مؤنة من يؤذيني أنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على نبيك المرسل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أقول وقد رأيت بعض السلف الصالحين بمكة المشرفة يكثر من هذا الدعاء خصوصا في ليلة النصف من شعبان وأخبرني بعضهم أنه تلقى ذلك عن جماعة من أشياخه وإنه حصل له بدعائه النفع. وأقول والذي ينبغي أن الزائر إذا دعا عند موضع السلسلة وتحت الصخرة بين الصلاة والدعاة فقد حصل على

стр. 85

كثير وأخذ بحظ وافر من الأجر والثواب، فقد روي عن أبي ذر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من صلى عند موضع السلسلة ركعتين كانت له بألف صلاة قال كعب: من صلى في موضع السلسلة ودعا وتصدق ما أمكن، أجاب اللَّه تعالى دعاه وكشف حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإن سأل اللَّه الشهادة أعطاه إياها" والذي ذهب إليه كثير من أهل الخير والصلاح والمواظبة عند دخول الصخرة الشريفة على الكلمات التى عملها الشيخ الذي كان جليا لداود ﵇ لولده سليمان ﵇ حين عسر عليه الباب، وهي: اللهم بنورك اهتديت إلى آخرها. وقد تقدم ذكرها ويستحب أن يدعو بهذا الدعاء إذا دخل من باب الصخرة فإذا دخلها فليضع يده عليها ولا يقبلها كما قدمناه ولقد رأيت من يستلم أطراف الصخرة ويقبلها وخصوصًا لسانها الذي عند باب المغارة ولم أر نصا في ذلك. وأما كراهة الصلاة على ظهر الصخرة فقد قال صاحب باعث النفوس والإقليد ما يتعلق به وساق بسنده إلى أبي البحتري القاضي فقال تكره الصلاة في سبعة مواطن: على سطح الكعبة، وعلى ظهر الصخرة صخرة بيت المقدس، وطور زيتا وطور سيناء والصفا والمروة وجبل عرفة. لكن قال في الإقليد جزم أصحابنا بصحة الصلاة على سطح الكعبة إذا استقبل من بناها قدر ثلثي ذراع واستدلوا بحديث بلال أنه ﷺ صلى داخل الكعبة وفيه نظر ففي الحديث "وأن لا يصلى على ظهر بيت اللَّه تعالى" وهو ظاهر في النهى معتمد في الاستقبال الاتباع ولم ينقل ولأن الترقي على ظهر بيت اللَّه تعالى ينافي تعظيمه انتهى. قال ابن عباس ﵁ إنه كان في السلسلة التى وسط القبلة على الصخرة درة يتيمة وقرنا كبش إسماعيل وتاج كسرى معلقا فيها فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوها إلى الكعبة. وأما البلاطة

стр. 86

السوداء والصلاة عليها والدعاء عندها فمنه ما رواه إبراهيم بن مهران، قال: حدثنا نخيلة وكانت ملازمة لصخرة بيت المقدس قالت: دخل يوما من الباب الشامي رجل عليه هيئة السفر فقلت الخضر ﵇، فصلى ركعتين أو أربعا ثم خرج فتعلقت بطرف ثوبه وقلت له يا هذا رأيتك فعلت شيئًا لم أدر لأي شيء فعلته فقال: أنا رجل من أهل اليمن وإني خرجت أريد أهل هذا البيت فمررت بوهب بن منبه ﵁ فقال لي: "أين تريد؟ فقلت: بيت المقدس قال: إذا دخلت المسجد فادخل الصخرة من الباب الشامى ثم تقدم إلى القبلة فإن على يمينك عمودًا وإسطوانة وعن يسارك عمومًا وإسطوانة فانظر بين العمودين والإسطوانتين رخامة سوداء فإنها على باب من أبواب الجنة فصل عليها وادع اللَّه فإن الدعاء عليها مستجاب" أقول هذه البلاطة المذكورة خضراء. وأطلق عليها سوداء: لأن الخضرة تظهر من بعد سوداء كما قالوا سواد العراق أطلقوا عليه سوادا لخضرته بالأشجار والزرع على أحد الأقوال ذكره في كتاب الأنس قال: ويستحب أن يصلي على البلاطة السوداء ركعتين أو أربعا أو ما أحب، ثم بالدعاء الذي كان النبي ﷺ إذا صلى بأصحابه أقبل على القوم فقال: "اللهم إني أعوذ بك من عمل يخزينى اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغيني، اللهم إلى أعوذ بك من صاحب يرديني، اللهم إني أعوذ بك من أمر يلهيني، اللهم إني أعوذ بك من فقر ينسيني" انتهى واللَّه أعلم.

стр. 87

الباب السادس في الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس ومعراجه إلى السماء وذكر فرض الصلوات الخمس وذكر قصة قبة المعراج والدعاء عندها وفي مقام النبي ﷺ ، وفضل قبته وصلاته ﷺ بالأنبياء والملائكة ليلة أُسري به عندها واستحباب قصد القبلتين الشريفتين المذكورتين، والصلاة فيهمها، والاجتهاد في الدعاء المعين عندهما واستحباب الوقوف في موضع العروج به وفي مقامه ﷺ والدعاء بالدعاء المعين والكلام على صلواته إلى القبلتين، وما جاء في ذلك من الأخبار والآثار" رويناه في كتاب دلائل النبوة للبيهقي من حديث حبيشى بن شريف قال. حدثنا شداد بن أوس قال: "قلنا يا رسول اللَّه! كيف أُسري بك قال: "صليت بأصحابي صلاة العتمة بمكة مغتما فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب فاستصعب علي فسارها في أذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك

стр. 88

طرفها حتى بلغنا أرضًا ذات نخل فأنزلني. فقال لي صلِّ فصليت، ثم قال: أتدري أين صليت؟ قلت: اللَّه أعلم قال: صليت بمدين ثم صليت بطيبة، ثم ركبت عند صخرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصورًا فقال: انزل فنزلت فقال: صلِّ فصليتا، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت اللَّه أعلم قال "ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني وأتى قبلة المسجد فربط فيها الدابة، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت في المسجد ما شاء اللَّه فأخذني العطش أشد ما أخذني فأتيت بإناءين في أحداهما لبن والآخر عسل أرسل بهما جميعا فعدلت بينهما ثم هداني اللَّه فأخذت اللبن فشربتا منه حتى قرعت به جبيني وبين يدي شيخ متكئ على متكإٍ له فقال أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدي ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، وإذا جهنم تتكشف عن مثل الروابي" قلت: يا رسول اللَّه! كيف وجدتها، قال: "مثل الحمة السخنة ثم انصرف بي فمررنا بعير من قريش بمكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر، فقال: يا رسول اللَّه! أين كنت الليلة فقد التمستك في مكانك فلم أجدك فقال: أعلمت أني أتيت بيت المقدس الليلة"، فقال: يا رسول اللَّه! إنه مسيرة شهر فصفه لي قال: "ففتح لي صراطا كأني أنظر إليه لا يسألني أحد عن شيء إلا أنبأتهم عنه" فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللَّه فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة قال: فقال: "إن من آية ذلك أني مررت ببعيركم بمكان كذا

стр. 89

وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم وإنهم ينزلون اليوم بكذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا آدم عليه مسح أسود عليه غرارتان سودوان" فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون، فما مر عليهم قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول اللَّه ﷺ : وأخرجه أبو الحسين على بن بشران في الثاني من فوائده من رواية جبير وفي لفظ آخر في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "وقد رأيت في جماعة من الأنبياء" وفيه "فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام" وروينا في سنن النسائي عن طريق يزيد بن مالك قال: حدثنا أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتيت بدابة دون البغل، وفوق الحمار خطوتها عند منتهى طرفها فركبتها ومعي جبريل ﵇ فسرت فقال: انزل فصلِّ ففعلت فقال: تدري أين صليت بطيبة وإليها المهاجرة، ثم قال: انزل فصلِّ ففعلت. فقال: تدري أين صليت؟ بطور سيناء حيث كلم اللَّه موسى ﵇ ثم قال: انزل فصلِّ فنزلت فصليت فقال: تدري أين صليت؟ ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇، ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء، فقدمني جبريل حتى أممتهم، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا" الحديث وإسناده صحيح وعن عبد اللَّه بن المبارك عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما أسري بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل على قبر إبراهيم فقال: انزل فصلِّ ههنا ركعتين فإن ههنا ولد أخوك عيسى ﵇، ثم أتى

стр. 90

إلى الصخرة فصليت بالنبيين ثم عرج بي إلى السماء" وروينا من طريق آخر: "أن جبريل ﵇ قام أمامه ﷺ حتى كان من شامى الصخرة فأذن جبريل ﵇ ونزلت الملائكة من السماء وحشر اللَّه المرسلين وأقام جبريل الصلاة وصلى النبي ﷺ بالملائكة والمرسلين ثم تقدم به إلى الكعبة التى عن يمين الصخرة فوضعت له مرقاة من ذهب، ومرقاة من فضة، وهو المعراج ثم عرج جبريل ﵇ والنبي ﷺ إلى السماء فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من أنت؟ قال: جبريل قيل ومن معك؟ قال محمد فقيل: وقد بعث إليه؟ ففتح لنا، فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية واستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل ومن معك؟ فال محمد قيل: وقد بعث إليه قال نعم قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات اللَّه عليهما فرحبا بي ودعيا لي بخير ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه قال قد بعث إليه؟ ففتح فإذا أنا بيوسف ﷺ إذا هو قد أعطي شطر الحسن قال فرحب ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من "هو"؟ فقال جبريل وقيل من معك؟ قال محمد قيل: وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم عرج إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال

стр. 91

محمد قيل وقد بعث إليه قال بعث إليه ففتح لنا فإذا بهارون ﷺ فرحب بي ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل ومن معك قال: محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﷺ فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل ومن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسند ظهره إلى البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلا في يوم القيامة ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا لفرها كالقلال وقد غشيها من أمر اللَّه ما غشى فما أحد من خلق اللَّه يستطع أن ينعتها من حسنها فأوحى اللَّه إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا قال: إن أمتك لا يطقون ذلك فارجع إلى ربك فسله التخفيف وإني لم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى حتى قال يا محمد انهض خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى أتيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال: رسول اللَّه ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه. قال: كعب لصفية

стр. 92

زوج النبي ﷺ يا أم المؤمنين صلي ههنا فإنَّ النبي ﷺ صلى بالنبيين حين أسري به إلى السماء. وأشار على القبة القصوى دبر الصخرة ويُروى من أتى القبة قاصدا وله حاجة من حوائج الدنيا والأخرة فصلى ركعتين أو أربعًا تبينت له سرعة الإجابة وعرف بركة الموضع لأن النبي ﷺ صلى بها وتسمى قبة النبي ﷺ أعني القبة التي شرقي الصخرة، وتسمى الآن قبة السلسلة وهى التي بناها عبد الملك بن مروان وتقدم ذكرها وهي التي لقي النبي ﷺ فيها حور العين ليلة أسري به، كما رواه عبد اللَّه بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن أبي زكريا قال: "حدثنا بعض إخواننا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن رأى الحور العين عيانا حتى كان ليلة أسري به، فبينما هو يمشي في صحن المسجد إذ لقيه جبريل ﵇ فقال أتحب أن ترى الحور العين قال نعم فادخل الصخرة ثم اخرج إلى الصفة فخرج عليهن فإذا نسوة جلوس فسلم عليهن فقلن وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته قال: من أنتن رحمكن اللَّه؟ قلن خيرات حسان أزواج قوم أبرار قاموا فلم يضعفوا فلم يكبروا "وأبقوا" فلم يذهبوا". عن سليمان بن عامر قال: لما أسري برسول اللَّه ﷺ قال له جبريل ﵇: "أتريد يا محمد أن تنظر إلى الحور العين؟ قال نعم. قال فادخل هذا الباب وعليه ستر فانظر عن يمينك فإنك ستراهن قال فدخلت فنظرت عن يمينى فإذا بنسوة قعود فقلت؟ السلام عليكن ورحمة اللَّه وبركاته فأجبننى وقلن وعليك السلام ورحمة اللَّه" فقلت من أنتن رحمكن اللَّه؟ فقلن نحن خيرات

стр. 93

حسان أزواج أخيار أبرار ينظرون إلى قرة أعيان" أقول: وهذه منقبة عظيمة لهذا المسجد المشرف باجتماع هذا الجمع الكبير والجمع الغفير من الأنبياء والمرسلين والملائكة وصلاتهم به مأمومين يؤمهم المصطفى ﷺ ، آدم فمن دونه وهذا لم يتفق في سائر الأرضين. واختلف العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم في صلاته ﷺ بالأنبياء تلك الليلة فقال بعضهم إنها صلاة لغوية وهى دعاء وذكر وقيل هي الصلاة المعروفة وهذا أصح القولين لأن اللفظ يحمل على حقيقته الشرعية وقد جاء في رواية في الأحاديث الطوال "أنه ذهب به جبريل إلى بيت المقدس عقب صعوده إلى السماء وأنه أم النبيين فصلى بهم الظهر والعصر والعشاء". وقد صح أن جبريل أذن وأقام ثم صلى بهم رسول اللَّه ﷺ وهذا صريح في أن المراد بالصلاة حقيقتها الشرعية لأن الدعاء لا أذان له "قال المشرف: ويستحب أن يقصد فيه المعراج ويصلى فيها ويجتهد في الدعاء فإن موضعه مجمع على إجابة الدعاء فيه قال: ويستحب أن يدعو بدعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به فى جوف الليل وهو ما رواه بسنده إلى ابن عباس ﵁ قال: بعثني العباس إلى النبي ﷺ فأتيته وهو في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث قال فقام النبي ﷺ يصلي من الليل فلما صلى الركعتين قبل الفجر قال: "اللهم إني أسألك رحمة من

стр. 94

عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها شملي وتلم بها شعثي وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غايتي، وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطنى إيمانا صادقا، ويقينا ليس بعده كفر ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة اللهم أسألك الفوز عند القضاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء، اللهم أنزل بك حاجتي وإن قصر رأيي وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملى ولم تبلغه أمنيتى". أو قال: "منيتي -شك عاصم أحد رواته-" من خير وعدته أحدا من عبادك أو خيرا أنت معطيه أحدا من خلقك فإني أرغب إليك فيه وأسألك هو يا رب العالمين اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين حربًا لأعدائك، سلما لأوليائك، نحب بحبك الناس، ونعادي بعداوتك من يخالفك من خلقك، اللهم! هذا الدعاء دعائى وعليك الإجابة ولك الحمد وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا باللَّه اللهم يا ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود الركع السجود الموفون بالعهود، إنك رحيم ودود وأنت تفعل ما تريد، سبحان الذي تعطَّف بالعزة وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي القوة والكرم، سبحان الذي أحصى

стр. 95

كل شيء بعلمه، اللهم! اجعل لى نورا في قلبي ونورا في سمعي، ونورا في بصري، ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في عظامي، ونورا من بين يدي، ونورا من خلفي، ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي، اللهم! أعطني نورا، وزدني نورا، واجعل لي نورا" قال ويستحب أن يقصد قبة النبي ﷺ وراء قبة المعراج ويصلي فيها ويجتهد في الدعاء وإن أحب دعا بالدعاء الذي علمه اللَّه لنبيه ﷺ حين قال له "فيمَ يختصم الملأ الأعلى" ثم يدعو بما شاء من الدعوات المأثورة. والذي أقول: إنه ليس في المسجد الأقصى وراء قبة المعراج اليوم إلا قبتان إحداهما على طرف الأقصى والصخرة من جهة الغرب عن يمين السلم الشمالي الواصل إلى طرف سطح الصخرة الغربي وأظنها اليوم بيد خدام المسجد ينتفع بها ولم يذكر أحد ببيت المقدس أنها قبة النبي ﷺ والقبة الأخرى في آخر باب المسجد من جهة الشمال بالقرب من باب الدوادارية تسمى قبة سليمان وليس هو سليمان النبي ولعله سليمان بن عبد الملك بن مروان، وأما قبة المعراج فهي ظاهرة في سطح الصخرة معروفة مقصودة بالزيارة، ولعل المراد من قول المشرف وصاحب المستقصى وصاحب كتاب الأنس وصاحب كتاب باعث النفوس بقبة النبي ﷺ قبة السلسلة التي بناها عبد الملك بن مروان الموجودة الآن، والمقام الذي صلى فيه النبي ﷺ بالأنبياء والملائكة فإنه يقال إنه كان إلى جانب قبة المعراج في سطح الصخرة قبة لطيفة فلما بلط صحن الصخرة أزيلت تلك

стр. 96

القبة وجعل مكانها محراب لطيف في الأرض محوط بالرخام الأحمر في دائرة على سمت بلاط صحن الصخرة، ويقال إن موضع ذلك المحراب موضع صلاة النبي ﷺ بالأنبياء والملائكة ثم تقدم قدام ذلك الموضع فوضعت له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة وهو المعراج كما قدمناه، ويوافقه قول كعب من أنه ﷺ تقدم حتى كان من شامي الصخرة فصلى بالمرسلين والملائكة ثم تقدم قدام ذلك الموضع فوضعت له مرقاة من ذهب وهو المعراج قال وهى القبة التي عن يمين الصخرة ثم قال مر إلى القبة يعني قبة المعراج، ويوافقه قوله لصفية زوج النبي ﷺ يا أم المؤمنين صلِّ ههنا فإن النبي ﷺ صلى بالنبيين ههنا حين أسري به إلى السماء، فعلى هذا تكون قبة المعراج هي قبة النبي ﷺ وهو ينافي ما تقدم، وعن المشرف عن صاحب المستقصى قال المشرف رحمه اللَّه تعالى لم يختلف اثنان أنه عرج به ﷺ من عند القبة التي يقال لها قبة المعراج وحكاه في مثير الغرام وأقره والذي يستحب من الدعاء فيه ما قاله النبيّ ﷺ ما رواه نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جلس مجلسا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات وزعم أن النبيَّ ﷺ كان يدعو بهذه لجلسائه وهي: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا والآخرة، اللهم! أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوينا أبدًا ما حيينا

стр. 97

واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على ما عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. وفي لفظ النسائي عن ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ لا يكاد أن يقوم من مجلس إلا دعا بهذه الدعوات وعن المشرف ﵁ ويستحب أن يقف على مقام النبي ﷺ ويدعو بهذا الدعاء الذي كان رسول اللَّه ﷺ لا يكاد يقوم من مجلس إلا دعا به اقتداء به ﷺ (انتهى واللَّه أعلم).

стр. 98

ومن فوائده المتعلقة بالكلام على القبلتين وما جاء في ذلك من الأخبار والآثار ما حكاه الإمام العلامة قاضي القضاة خطب الخطاء جمال الدين بن جماعة الشافعي رحمه اللَّه تعالى حيث قال: وقد تنازع عندنا رجلان زعم أحدهما أن بيت المقدس لم يستقبله أحد من الأنبياء إلا محمد ﷺ ، وزعم الآخر أن جميع الأنبياء استقبلوه ولم يستقبل الكعبة أحد منهم إلا محمد ﷺ وقيل في الصواب وبيان ذلك وإيضاح القول فيه فقال رحمه اللَّه تعالى: ولا شك أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم وسمع الثاني قول الزهري لم يبعث اللَّه منذ أهبط آدم إلى الدنيا نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس ومعلوم أن القولين متعارضين وشأن العلماء فيما يبدأ سبيله سلوك سبيل التأويل إلا أن يحصل به الجمع فإن تعذر أجروها مجرى البيتين المتعارضين في التساقط وأقبلوا على كلام غيرهما من علماء المحققين وها أنا إن شاء اللَّه تعالى أوقفك على كلامهم على ما هو حق اليقين وأسوقه لك سياق التاريخ المرتب على السنين فأقول وباللَّه التوفيق. أول من خصه اللَّه تعالى بشرف النبوة ومنحه رتبه

стр. 99

الاصطفاء أبونا آدم عليه السلام ولا يعلم أنه كان لبيت المقدس في حياته وجود أصلا إلا في علم اللَّه ويدل لذلك ما أسنده الحافظ أبو محمد القاسم بن عساكر في كتابه: "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" عن كعب الأحبار أنه قال: الأساس القديم الذي كان لبيت المقدس إنما وضعه سام بن نوح ثم بناه داود وسليمان على ذلك الأساس، وقد ثبت في الصحيح أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون هذا أقدم ما بلغنا في تأسيس بيت المقدس منقولا، أما ما ذكره القرطبي من أنه يجوز لبعض أولاد آدم وضعه ويجوز أن يكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت الحرام فمراده أنه لم يرد ما يخالفه أما الوقوع فإنه لم يأت فيه شيء وأما البيت الحرام فإنه كان موجودًا ظاهرا لمن يقصده بالحج والزيارة آدم ﵇ ممن حجه وطاف به ففي كتاب الأم لإمامنا الشافعى ﵁ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن آدم لما حج والبيت تلقته الملائكة وقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام" وفي تاريخ ابن جرير بإسناده عن ابن عباس ﵄:

стр. 100

"أن آدم حج البيت على قدميه من الهند أربعين حجة" وفي تاريخ الأزرقى أنه أقام بمكة حتى مات وأنه كان يطوف بالبيت سبعة أسابيع بالليل وفي النهار جميعه وهذه الآثار لا يدفعها إلا من يرى أن الكعبة لم تكن قبل إبراهيم، وأنه الذي أنشأها بعد أن لم تكن وهذا اختيار بعض المتأخرين لكن الأكثرين على خلافه فإن قلت هل كانت الصلاة مشروعة في زمن آدم ﵇؟ قلنا: نعم وما خلا شرع قط من صلاة. وقد روى عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زيادات المسند عن أبي بن كعب: "أن آدم لما احتضر اشتهى قطعا من عنب الجنة" فذكر الحديث إلى أن قال في آخره: "فغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ﵇ ودفنوه". وفي تاريخ مكة للفاكهي عن عروة بن الزبير أن الملائكة حملته حتى وضعته بباب الكعبة وصلى عليه جبريل وفي تاريخ ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كبرت الملائكة على آدم أربع". في تاريخ ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أيضا أن شيثا ﵊ قال لجبريل صل على آدم فقال تقدم أنت فصل على أبيك فكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأما خمس فهي للصلاة وحفس وعشرون تفضيلا لآدم وهذه آثار متعاضدة على أن صلاة الجنائز كانت مشروعة ويبعد أن يكون قد شرع سواها قال ثم رأيت في شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي أن صلاة الصبح صلاة آدم والظهر لداود والعصر لسليمان والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس وورد فيه خبر بعيد من الصحة لكن إلى الآن لم أقف في كلام أحد من الأئمة على تعيين ما كانوا يستقبلونه والذي يقع في ظني أنهم كانوا يستقبلون الكعبة لأن اللَّه

стр. 101

تعالى يقول: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] قال مجاهد وغيره لكل أهل ملة أو لكل قوم ولا شك أن آدم أول داخل في هذا العموم إذا كانت له قبلة مخصوصة فالظاهر أنها الكعبة فإنه لم يكن إذ ذاك موضع معظم مقصود بالزيارة، منسوب إلى اللَّه تعالى نسبة ظاهرة سواها وقد قدمنا أنه كان يحج إليها ويطوف بها ولا يبعد أنه كان يصلي إليها وقال: وأما الأنبياء الذين كانوا من بعده إلى زمان إبراهيم الخليل ﵇ فإنه لم يبلغنا عنهم في الاستقبال إلا ما قدمنا عن أبي العالية، ومعلوم أنهم كانوا يعظمون البيت ويحجونه ويطوفون به ويصلون عنده ويدعون، وقد جاءت الروايات بذلك صريحة عن نوح وهود وصالح وشعيب وقصة عاد وفي إرسالهم من يستسقي لهم بالحرم مشهورة وقد روي ما من نبي هلك قومه إلا وذهب بعدهم إلى مكة فأقام بها يعبد اللَّه حتى دموت وقبورهم حول البيت فبمقتضى هذا لا يبعد أنهم كانوا يصلون إليه وقد ذكر أبو العالية أنه رأى مسجد صالح وهو منحوت وقبلته إلى البيت الحرام وكذا قبلة دانيال، وإن قلت أنى يكون هذا وقد خرب الطوفان ما في البيت وأزال رسومه قلت: قد قال مجاهد: خفي موضع الكعبة ودرس من الغرق وبقي مكانه أكمة حمراء لا تعلوها السيول غير أن الناس كانوا يعلمون أن موضع البيت فيما هناك فكان يأتيه المظلوم والمعبود من أقطار الأرض ويدعو عنده المكروب فيستجاب له،

стр. 102

وهذا أصح مما رواه الفاكهي عن حذيفة أنه رفع ولم يحجه أحد بين نوح وبين إبراهيم ﵉، قال: وأما أبونا إبراهيم ﵇ فإنه لما بعثه اللَّه تعالى إلى نمرود وهو بأرض بابل وكان من أمره ما قصه اللَّه تعالى في كتابه العزيز حين نجاه منه وخلصه من كيده ومكره هاجر عند ذلك إلى الشام واستقر بالأرض المقدسة متخليا لعبادة اللَّه متوجها إليها وأهل الكتاب يزعمون أنه خرب قبته شرقي بيت المقدس وفي هذه المدة حملت منه هاجر وولدت إسماعيل وكان من أمرها مع سارة ما هو مشهور فنقلها إبراهيم بابنها إلى وادي مكة شرفها اللَّه تعالى وكان يزورهم على السراق المرة بعد المرة ثم يرجع إلى الأرض المقدسة وفي هذه المدة لم يبلغنا أين كان يستقبل فلما أمره اللَّه تعالى ببناء البيت الحرام بناه واستقبله بنوه بعده إلى زمن موسى ﵇ لا أعلم في ذلك خلافا بين الممسلمين وإنما خالف اليهود، ففي تفسير الواحد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، أن ضمير قبلتهم وكانوا يعودون إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط لأنهم كانوا يزعمون أن قبلة إبراهيم كانت بيت المقدس وليس ذلك بأول فريتهم ومكابرتهم قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] قالوا الكعبة لأنها كانت قبلة إبراهيم فإني قلت لو كان إبراهيم وبنوه يستقبلون الكعبة لدفنوا

стр. 103

إليها وها أنت ترى نصائب قبورهم الشريفة دالة على أنهم موضوعون إلى الصخرة قلت الظاهر أنهم موضوعون على صفة الاستلقاء كما يوضع المحتضر في أحد الوجهين وقد قيل إن شخصا نزل المغارة ووصل إليهم فوجد سيدنا الخليل ﵇ مستلقيا على سريره قال: وأما موسى ﵇ فالروايات عنه مضطربة وحاصل ما وقفت عليه من كلام الناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان يصلي للصخرة ويدل لذلك ما روى في فتح بيت المقدس أن عمر ﵁ استشار كعبا أن يضع المسجد فقال اجعله خلف الصخرة فتجتمع القبلتان قبلة موسى وقبلة محمد ﷺ فقال: ضاهيت اليهودية. الثاني: أنه كان يستقبل الكعبة وهذا قول أبي العالية في مناظرته لبعض اليهود قال اليهود: كانوا يستقبلون الصخرة وقال أبو العالية: بل كان يصلي إلى المسجد الحرام وبهذا جزم بعض أئمة النقل ممن عاصرنا عنه الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والقولان عندي محتملان لأنه ﵇ كان يعظم المكانين قطعا أما تعطمه الكعبة فيما ثبت من حجه إليها وأما تعظمه لبيت المقدس فلسؤاله ﵇ عند الموت إلا دنا منه ولو رمية بحجر. والثالث: أنه كان يستقبل قبة الزمان وتسمى قبة العهد وهي التي أمر اللَّه تعالى بعملها من خشب السمار مزينة بالحرير والذهب والفضة، فلما توفي وقام بالأمر بعده فتاه يوشع بن نون واستقرت يده على بيت المقدس نصب القبة المذكورة على الصخرة هو وجميع بني إسرائيل يصلون اليها وجرى عكس ذلك من بعدهم جيل بعد جيل فلما بادت لطول الزمان صلوا إلى مكانها الذي كانت فيه وهو الصخرة، والظاهر أن ذلك كان بوحي من اللَّه تعالى وإلا لم يوافقهم سيدنا رسول اللَّه ﷺ . فمن ثمَّ كان قبلة الأنبياء الذين سكنوا الأرض

стр. 104

المقدسة وكانوا مع ذلك يعظمون البيت الحرام ويحجونه، كما قال ابن إسحاق ما بعث اللَّه نبيا بعد إبراهيم ﵊ إلا وقد حج البيت وقد جاء في كثير من الروايات التنصيص على موسى وعيسى ويونس ﵈ تلبيتهم صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وأما محمد ﷺ فقد جمع اللَّه تعالى له بين القبلتين قطعا. وإنما كان وقع الخلاف في كيفية ذلك والذي صححه الإمام أبو عمر بن عبد البر أنه ﷺ كان بدء مقامه بمكة يستقبل الكعبة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم تحول إلى الكعبة، فيكون النسخ قد وقع مرتين وفي تفسير الطبري عن ابن جريج أنه أول ما صلى بمكة إلى الكعبة ثم صرف عنها إلى بيت المقدس فصلت فيه الأنصار بالمدينة ثلاث حجج وفي رواية أخرى له عن قتادة حولين. فلما هاجر صلوا معه تلك المدة ثم تحولوا إلى الكعبة والصحيح الذي أطبق عليه الأكثرون أنه لم يصل بمكة إلا إلى بيت المقدس. ولكنه كان يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود فتكون الكعبة أمامه فيظن من يراه أنه يصلي إليها ولعله إنما كان يفعل ذلك حبًا لاستقبالها لكونها قبلة أبيه إبراهيم أو تألفا لقريش. فلما قدم المدينة والجمع بين القبلتين فيها متعذر صلى إلى بيت المقدس تألفا لليهود، فلما رآهم على غيهم لا ينزعون تحول إلى الكعبة، ثم القائلون بهذا اختلفوا فأكثرهم على أن استقبالهم بيت المقدس وهو بالمدينة كان حتما من اللَّه تعالى ويدل له قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالت طائفة إنه لما قدم المدينة خيره اللَّه تعالى بين القبلتين وقيل بين الجهات كلها يتوجه حيث شاء فاختار بيت المقدس ثم وجه إلى الكعبة واستشهد ابن زيد على هذا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ

стр. 105

اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقد انعقد الإجماع على أن استقبال الكعبة إلا في شدة الخوف وثقل السفر حسبما هو مقرر بأدلته في كتب الفقه وأجمعوا على أن آية التحويل إليها قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية واختلفوا في أيام نزولها فقيل في رجب أو شعبان من السنة الثانية وبسبب ذلك وقع الشك في مدة استقبال بيت المقدس هل كان ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرا، وقد رواه البخاري في صحيحه عن البراء هكذا بصيغة الشك وأسنده الدارقطني عنه فقال ستة عشر عن غير شك وكذلك جزم به الشافعي ﵁ في أحكام القرآن، وزعم ابن أبي حاتم أنها سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام فقال لأن التحويل كان يوم النصف من شعبان. قال الواقدي وكان يوم الثلاثاء قال وأما وقت نزولها فقيل نزلت بين

стр. 106

الصلاتين وأول صلاة إلى الكعبة العصر وهذا هو الثابت في صحيح البخاري عن البراء، وقيل إنها نزلت قبل الظهر في أول صلاة صليت كذلك أخرجه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى والثابت أنها نزلت وقد صلى رسول اللَّه ﷺ من الظهر ركعتين وذلك بمسجد بني سلمة فاستداروا ووفى بهم الصلاة، فلذلك سمي مسجد القبلتين، قال: وقد خطر لي عند وصولي إلى هذا الموضع أن جميع الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين صلوا إلى بيت المقدس لكن لا بالمعنى الذي أراده الزهري بل لأنهم كلهم جمعوا له ﷺ ليلة الإسراء فأمهم وكان ذلك قبل الهجرة فهو قبل التحويل. انتهى كلام ابن جماعة رحمه اللَّه تعالى. وعلى ذكر تعارض الأدلة وتحقيق المناط في تحويل القبلة أقول حدث عطاء بن زيد عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال: لقد صلينا بعد قدوم النبي ﷺ المدينة نحو البيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا وكان اللَّه يعلم أنه يحب أن يوجه نحو الكعبة فلما وجه إليها صلى رجل معه ثم أتى قوما من الأنصار وهم ركوع: نحو بيت المقدس فقال لهم وهم ركوع أشهد أن رسول اللَّه قد وجه نحو الكعبة فاستداروا وهم ركوع فاستقبلوها رواه البخاري من حديث أبى إسحاق عن البراء، وروى عن طريق ابن سعد عن البراء وفيه أنه ﷺ أول صلاة صلاها العصر وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلى قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك وفيه أنه مات على القبلة قبل أن دخول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ

стр. 107

إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، وقد اتفق العلماء على أن صلاة النبي ﷺ بالمدينة كانت إلى بيت المقدس وإن تحويل القبلة إلى الكعبة كان بها. وعن الواقدي من طريق ابن سعد عن ابن عباس ﵁ قال ابن سعد: وأخبرنا عبيد اللَّه بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الأخنسي وعن غيرهما أن رسول اللَّه ﷺ لما هاجر إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة فقال: يا جبريل! وددت أن اللَّه صرف وجهي عن قبلة اليهود، فقال جبريل: إنما أنا عبد، فادع ربك وأسأله، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء فنزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، الآية فوجه إلى الكعبة إلى الميزاب رأسه ويقال: صلى ﷺ ركعتين من الظهر في مسجد المسلمين ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون ويقال: زار رسول اللَّه ﷺ أم بشر بن البراء بن معروف في بني سلمة فصنعت له طعامًا وحانت الظهر فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه ركعتين ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستقبل الميزابي فسمي المسجد وروى إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه عن السنري في كتاب الناسخ والمنسوخ له قال: قوله

стр. 108

تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] قال ابن عباس: أول ما نسخ اللَّه تعالى من القرآن حديث القبلة، ذلك أن اللَّه تعالى فرض على رسوله الصلاة ليلة أسري به إلى بيت المقدس صلى الظهر والعصر ركعتين وركعتين للعشاء والغداة والمغرب ثلاثا فكان يصلي إلى الكعبة ووجهه إلى بيت المقدس قال ثم زيد في الصلاة بالمدينة حين صرفه اللَّه تعالى إلى الكعبة ركعتين إلا المغرب فنزلت كما هي قال وكان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه يصلون إلى بيت المقدس وفيه قال فصلاها رسول اللَّه ﷺ بمكة سنة، حتى هاجر إلى المدينة وكان يعجبه أن يصلي قِبَل الكعبة: لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل وكانت صلاته إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينتظر لعل أن يصرفه إلى الكعبة وقال لجبريل: وددت أنك سألت اللَّه تعالى أن يصرفني إلى الكعبة فقال جبريل لست أستطيع أن أبتدئ اللَّه جل وعلا بالمسألة، ولكن إن سألني أخبرته قال فجعل رسول اللَّه ﷺ يقلب وجهه إلى السماء ينتظر جبريل ينزل عليه وقد صلى الظهر ركعتين الى بيت المقدس وهم ركوع فصرف اللَّه تعالى القبلة إلى الكعبة الحديث وفيه فلما صرف اللَّه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اختلف الناس في ذلك فقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. وقال بعض المؤمنين: فكيف بصلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس، هل قبل اللَّه منا ومنهم أم لا؟ وقال ناس من المؤمنين كان ذلك طاعة، قالت اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه ويريد أن يرضي

стр. 109

قومه ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون النبي ﷺ الذي كان ينتظر أن يأتي، وقال المشركون من قريش: تحير على محمد دينه فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم فأنزل اللَّه في جميع الفرق كلها بيان ما اختلفوا فيه فأنزل اللَّه في المنافقين وقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، إلى دين الإسلام. وأنزل اللَّه في المؤمنين ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، إلا لنبتلي بها وإنما كانت قبلتك التي بعثت بها الى الكعبة ثم تلي ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال المؤمنون: كانت القبلة لأنكم الأولى طاعة وهذه طاعة فقال اللَّه تعالى، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم لأنكم كنتم مطعين في ذلك كله ثم قال لرسول اللَّه ﷺ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تنتظر جبريل حتى ينزل عليك ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تحبها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي نحو الكعبة وأنزل اللَّه في اليهود: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] يقول: لئن جئتهم بكل آية أنزل اللَّه في التوراة في بيان القبلة أنها إلى الكعبة لما تبعوا قبلتك. وأنزل اللَّه في أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ

стр. 110

الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧] أي من الشاكين. ثم أنزل في قريش وما قالوا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] يعني قريش حيث قالوا قد عرف محمد أنكم أهدى منه فاستقبل قبلتكم ثم قال فلا تخشوهم حيث قالوا يوشك أن يرجع إلى دينكم أي لا تخشوا أن أردكم في دينكم ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي أظهر دينكم على الأديان كلها قال السهيلى وكرر الباري الأمر بالتوجه على البيت الحرام في ثلاث آيات وذلك لأن المنكرين لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ثلاثة أصناف: من اليهود لأنهم لا يقبلون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل الريب والنفاق فاشتد إنكارهم لذلك لأنه أول نسخ نزل وكفار قريش قالوا: قدم محمد على فراق ديننا فكانوا يجتمعون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال اللَّه تعالى له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] على الاستثناء المنقطع إلى لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون في ذكر الآيات إلى قوله ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء. وروي من طريق أبي داود وفي كتاب الناسخ والمنسوخ عن يونس عن ابن شهاب قال كان
следующие страницы →