Полный текст (374 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ملهوفة والأيدي على قوائم السيوف المفتوحة مضمومة والنفوس لاستبطاء الهمم في الاهتمام مهمومة وقواعد السور ونواجد شراريفه بالأحجار الخارجة من الكفار مهدومة مهنوم، فكان المجانيق مجانين يركبون ومنتجد ولا يرامون وجبال يجذبها حبال ورجال ينجدها جال وأمان الدواهي والمنايا وحوامل فرد البلايا ولا يخطر سهام القسى إلا بالخطر ولا يفطر مروها إلا مرارات ذي لفظ، فكم نجم من سمائها ينقض وصخر من أرضها يرفض وحجر من شرارها ينفض إلى أن عاد العدو يعد نظمه البتور البتور فصولا وخرق الخندق وحضر الرجف وظهر من أفق الفتح نورا وسهل الصعب واتبع النقب وبذل المجهود وحصل المقصود وأسلم البلد وقطع زناد خندقه وبرز ابن بارزان ليأمن من السلطان بموثقه وطلب الأمان لقوم فتمنع السلطان وتسامى في شومة وقال لا أمن لكم ولا أمان إلا أن نديم لكم الهوان ونزلكم من الخزي والذل والصغار على حكم القرآن وغدا
نملككم قسرا ونوسعكم قتلى وأسرى ونسفك من الرجال الدماء ونسلط على الذرية والنشابا لمسى المصيبة العظمى وأبامنيهم فتعرضوا للتضرع وتخوفوا وخوفوا عاقبة التضرع لما عن الأمان حرفوا وقالوا إنا أيسنا من أمانكم وخفنا من سلطانكم وخبنا من إحسانكم وأيقنا أنه لا نجاة ولا نجاح ولا صلح ولا صلاح ولا سلم ولا سلامة ولا نعمة ولا كرامة فالسبيل أن نقاتل قتال الدم، ونقابل الوجود بالعدم ونلقي أنفسنا على نهار ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة والعار ولا يخرج واحد منا حتى يخرج عشرة ولا تضمنا يد القتل حتى نرى أيدينا بالقتل منتشرة، وإما نحرق الدور ونخرب القبة وننزل عليكم في سبيلنا السبة ونقلع الصخرة
стр. 177
ونوجلكم عليه الحسرة ونقتل كل من عندنا من أسارى المسلمين وهم ألوف، وقد عرف أن كلامنا للذل والهوان عيون وللفر ألوف، وأم الأموال نعطها ولا نعطها وأم الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبقيها، فأي فائدة لكم بالشح علينا بالأمان وكل حشرة لكم في الإباء وعدم الامتنان ورب خيبة جاءت من قبل الشح ولا يصلح السوء سوء الصلح وربَّ كلام الليل قبل أسفار الصبح.
قال فعقد السلطان مجلسًا للمشورة وأحضر كبراء عساكره المنصورة وشاورهم في الأمر واستطلع خفايا ضمائرهم واستكشف خبايا سرائرهم واستورى زندهم وتعرف ما عندهم وزاد منهم على المصلحة المتزحمة وفاوضهم في أمر المصلحة المربحة، وقال إن الفرصة قد أمكنت فنحرص على انتهازها وأن الحصة قد حصلت ونستخير اللَّه تعالى في إحرازها، وإن هي فاتت لا تستدرك وإن أفلتت لا تستمسك فقالوا قد خصك اللَّه تعالى بالسعادة وأخلصك بهذه العبادة ورأيك أرشد وعزمك لضالة النصر ناشد وأمرك مصاع الأمة نافذ.
كلنا لك في اغتنام فتح هذ الموضع الشريف مناشد واستقر الحال بعد مراودات ومعاودات وخداعات من القوم وشفاعات على قطعة تكمل بها الغبطة ويستردوا بها أنفسهم وأموالهم ويخلصون بها نساءهم ورجالهم وأطفالهم، على إنه من عجز بعد أربعين يومًا عما لزمه وامتنع منه وما سلمه ضرب عليه الرق وثبت في تملكه لنا الحق ومكابدة الأمر المشق، وهو على كل رجل عشرة دنانير وعلى كل امرأة خمسة، وكل صغير وصغيرة ديناران، ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتارية في
الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وقام بالأداء، ولم ينكل عن الوفاء فمن سلم خرج من بيته آمنًا ولم يعد إليه ساكنًا وأسلمو البلد يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب على
стр. 178
هذه القطعة ورده بالرغم منهم رد الغصب لا رد الوديعة، وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من رجال ونساء وصبيان فأغلقت دونهم الأبواب، ورتب عرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب ووكل بكل باب أمير ومقدم كبير يحصر الخارجين، فمن استخرج منه خرج ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج، ولو حفظ هذ المال حق حفظه لما وسعه بيت.
لكن لما تم التفريط وعم التخليط فكل من وشي بشيء وتنكب الأمناء، نهج الرشد بالرشا، فمنهم من أدلى من السور بالحبال، ومنهم من حمل بخفيا في الرجال، ومنهم من غيرت فخزج بزي الجند، ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة ثم يقابل بالرد.
وكان في القدس ملكة رومية مترهبة في عبادة الصليب متصلبة وعلى مصابها متلهبة وفي التمسك عليها متعصبة أنفاسها متصاعدة للحزن وعبراتها تنحدر نحو العطرات من المزن، ولها حال ومال وأشياع وأتباع فمن عليه السلطان وعلى كل من معها بالإفراج، وأذن في إخراج كل ما في الأكياس والأخراج فراحت فرحى وإن كانت جفونها من الشجى والنحيب قرحى، وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أماري مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخدم والخور والخوار فخلصت هي بمن معها، ومن ادعى أنه ممن صحبها وشيعها، وكذلك الإبرنسيسة
стр. 179
ابنة فليب أم هنفر عفيت من الوزن وتوفر مالها عليها في الخزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني ذكر أنهم من بلده، وأن الواصل منهم إلى القدس إنما وصل لأجل متعبده.
وطلب مظفر الدين على بن كوجك زهاء ألف أرمني ادعى أنهم من الرها فأجراه السلطان في إطلاقهم على ما اشتهى ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار وهي من بقي تحت رق وأسر ينتظر به انقضاء المدة المقروبة والعجز عن الوفاء بالقطعة المطلوبه.
اسمه:
قال العماد -رحمة اللَّه تعالى- واتفق فتح بيت المقدس في اليوم الذي كانت في
مثل ليلته المعراج، وتم بما وضح من منهاج الصبر والابتهاج، وزاد في الألسنة بالدعاء الابتهال والابتهاج وجلس السلطان على هيئة المتواضع وهيئة الوقار للهناء ولقاء الأكابر والأمراء والفقهاء والعلماء والمتصوفة وغيرهم من الأخيار الأبرار ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بغد النصر ظاهر وبابه مفتوح ورفده ممنوح وحجابه مرفوع وخطابه مسموع ونشاطه مقبل
стр. 180
وسماطه مقبل ومحياه يلوح ورياه يفوح، ويده ظاهرها قبله القبل وباطنها لعبة الأمل والقراء جلوس يقرءون، والشعراء وقوف ينشدون والأعلام تنشر والأقلام تسرر لتبثر والعيون من فرط المسرة تدمع والقلوب للفرحة بالنصر تخشع والألسنة بالابتهال إلى اللَّه تعالى تتضرع والكاتب ينشي ويوشي ويوسع والبليغ يسهب وهو جزء يضيق ويوسع.
قال العماد -رحمه اللَّه تعالى- وكتبت من البشائر بهذ الفتوح بما يفوح أرج نشره، ويحيى بحياة هذ السلطان آثار بره، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى: وتلوت على الملة المحمدية شرع لكم من الدين ما وصى وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء ومنزل الوحى بمحل الإسراء ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء ومقام إبراهيم الذي وفَّى بموضع قدم محمد المصطفى ﷺ قال: وتسامع الناس بهذ النصر الكريم والفتح العظيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق وتزهوا من أزهار كراماته الروض الأنيق.
قال العماد وشرع الفرنج في بيع ما عندهم من الأمتعة واستخراج ذخائرهم المودعة وباعوها بأبخس الأثمان في سوق الهوان وباعوا بأقل من دينار ما يساوي عشرة وجدوا في ضم ما وجدوا من أمور لهم متيسرة وكنسوا كنائسهم وأخذوا منها نفائسهم ونقلوا منه الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل ونفضوا من الكنائس الكناين واستخرجوا من الخزائن الدفائن وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر العسجد اللجين وجميع
стр. 181
ما كان في قمامة من الجنسين والنسجين.
قال: فقلت للسلطان هذه أموال وافرة وأحوال ظاهرة تبلغ مائتى ألف دينار. والأمان إنما كان على أرواحهم وأموالهم النفائس، لا على أموال الكنائس فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار.
أو كما أشار فقال: إذا أنار لنا عليهم نسبونا إلى الغدر وهم جاهلون بسر هذا الأمر، فنحن نجريهم على ظاهر الأمان ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الأيمان بل يتحدثون بما أفضاه من الإحسان فتركوا ما ثقل ويحملوا ما عز وخف ونفضوا من ترابهم وقمامة قمامتهم الكف، انتقل معظمهم إلى صور وبقى منهم زهاء خمسة عشر ألف امتنعوا عن مشروع الحق فاختصموا بمشروط الرق.
ولما تقدس القدس من رجس الفرنج أهل الفسق وخلع لباس الذل ولبس خلع العز أبى النصارى بعد أدء القطيعة أن يخرجوا، وتضرعوا في أن يسكنوا ولا يزعجوا وبدلوا حملًا من المال وقابلوا كل ما ألزموا به بالتزام وقبول وامتثال وأعطو الجزية عن يد وهم صاغرون وإنا فوقهم قاهرون ودخلوا في الذمة وخرجوا إلى العصمة وشغلوا بالخدمة واستعملوا في المهنة وعدوا المحنة في تلك المحنة.
قال صاحب الفتح القدسي: وكبر ما أظهر السلطان من الحسنات ومحاه من السيئات، وإنه لما تسلمه أمر بإظهار المحراب وحتم به أمر الإيجاب وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه للغلة هراء وقيل: كانوا اتخذوه مستراحا عدوانا وبغيا وبنوا في غربي القبلة دارا وسيعة وكنيسة رفيعة فأمر برفع ذلك الحجاب وكشف النقاب عن عروس المحراب وهذا ما قدامه من الأبنية، وأمر بتنطف ما حوله من الأفنية بحيث يجتمع الناس في الجمعة في العرصة
стр. 182
المتسعة ونصب المنبر وأظهر المحراب المطهر، ونقض ما أحدثوه بين السواري وبسطوا تلك البسيطة بالبسط الرفيعة عوض الحصر والبواري وعلقت القناديل وتلى التنزيل وحق الحق وبطلت الأباطيل، وتولى الفرقان وعزل الانجيل، وصفت السجادات وصفت العبادات وأقيمت الصلوات وادعيت الدعوات وتجلت البركات وانجلت الكربات وانجابت الغايات وتليت الآيات وأعليت الرايات، ونطق الأذان وخرس الناقوس وحضر المؤذنون وغاب
القسوس وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس وعاد الإيمان الغريب منه إلى وطنه وطلب الفضل من معدنه وقويت الأوراد واجتمع الزهاد والعباد والأبدال والأوتاد، وعبد الواحد ووحد العابد وتوافد الراكع والساجد والخاشع والواحد والحاكم والشاهد والجاهد والمجاهد والقائم والقاعد المتهجد الساهد والزائر والواجد، وصدع البشر وصدح المفكر وانبعث المنشر وذكر البعث والمحشر، وتذاكر العلماء وتناظر الفقهاء وتحدث الرواة وروى المحدثون وأخلص الداعون ودعا المخلصون وأخذ بالعزيمة المترحضون ولخص المفسرون وانتدب الخطاء وكثر المترشحون للخطابة المعرفون بالفصاحة والعرابة فما منهم إلا من خطب الرتبة ورتب الخطة وأنشأ معنى سابقًا ووشى لفظًا رائقًا، وسوى كلامًا بالوضع لائقًا وروى مبتكرًا من البلاغة فائقًا وكلهم طال الالتهاء بها عنقه وسال من الالتهاب عليها عرقه، وما منهم إلا من يتأهب ويترقب ويتوسل ويتقرب ومنهم من يتعرض ويتضرع ويتشوق ويتشفع وكلهم قد لبس وقاره ووقر لباسه وضرب في أخماسه أسداسه ورفع لهذه الرياسة رأسه، والسلطان لا يعين ولا يلين ولا يخص ولا ينص.
فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان أصبح الناس يسألون في تعين
стр. 183
الخطيب السلطاني وامتلأ الجامع واختلفت المجامع وتوجست الأبصار والمسامع وفاضت لرقة القلوب المدامع وتوسمت العيون وتقسمت الظنون وتكلموا فيمن يخطب ولمن يكون المنصب وتفاوضوا في ذلك وأطالوا التفويض وتحدثوا بالصريح والتعريض وإعلان تعلي المنبر يكسي ويجلي، والأصوات ترتفع والجماعات والأفواج تزدحم والأمواج تلتطم وللعارفين من الصحيح ما في عرفات الحجيج حتى حان الزوال وزال الاعتدال وصعد الداعي وأعجل الساعى نصب السلطان الخطب بنصبه وأبان عن اختياره بعد فحصه وأشار إلى القاضي محيي الدين أبي المعالي محمد أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن عفان ﵁ ويعرف بابن الزكي عثمان القرشي، ورسم له السلطان أن يرقى ذلك المرقى بتقديمه عرقى فرقى ذلك العود، ولقي السعود واهتزت أعطاف المنبر واعتزت أطراف المعشر فخطب وأنصتوا ونطق وسكتوا وأفصح وأعرب وأبدع وأغرب وأبان عن فضل بيت المقدس وتقديسه
وتطهيره بعد تنجيسه وإخراس ناقوسه وإخراج قسسه، وكان أول ما بدأ في خطبته بعد أن استوى قائمًا من جلسته أن استفتح بقراءة سورة الفتح إلى آخرها ثم قال ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥].
ثم قرأ أول سورة الأنعام إلى قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
ثم قرأ من سورة سبحان الذي: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١] إلى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١] ثم قرأ أول سورة الكهف ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] الآيات الثلاث ثم قرأ من النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] الآية ثم قرأ
стр. 184
أول سورة سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١] الآية وكان في قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن فخشي من الإطالة.
وقال: الحمد للَّه معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره ومستدرج الكفار بمكره الذي قدر الأيام دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين بفضله وأفاء على عباده من فضله وأظهر دينه على الدين كله القاهر فوق عباده فلا يمانع والظاهر على خليقته فلا ينازع والآمر لما يشاء فلا يراجع والحاكم بما يريد فلا يدافع أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره وتطهيره لبيته المقدس من أدناس الشرك وآثاره حمد من استشعر الحمد باطن شره وطاهر أطهاره وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد شهادة من أظهر بالتوحيد قلبه وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك وقامع الإفك الذي أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٥: ١٧] صلى اللَّه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت المقدس شعار الصلبات وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مبيد الكفر ومزلزل الشرك ومكسر الأوثان وعلى آله وأصحابه
والتابعين لهم بإحسان، أيها الناس: أبشروا برضوان اللَّه الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا واشكروه على ما يسر على أيديكم من استرداد هذه الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي
стр. 185
المشركين قريبًا من مائة عام وتطهير البيت الذي أذن اللَّه أن يرفع ويذكر فيه اسمه وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستمر فيها رسمه ورفع قواعده بالتحميد، "والتوحيد فإنه يبني عليه وشيد بنياونه بالتحميد" والتمجيد فإنه أساس بنيانه على التقوي من خلفه ومن بين يديه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد ﷺ وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء "ومقعد الأولياء" ومدفن الرسل ومهبط الوحي ومنزل به الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر، وصعيد المنشر وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه المبين وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه نبي رب العالمين بالنبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث اللَّه إليه عبده ورسوله كلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي كرمه اللَّه برسالته وشرفه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته" فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] كذب العادلون باللَّه وضلوا ضلالًا بعيد ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] إلى آخر الآيات من المائدة.
وهو أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تقعد الحناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم من اختاره اللَّه من عباده واصطفاك من سكان بلاده لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبارى فطوبى
стр. 186
لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدرية والضربات الصديقية والفتوحات العمرية
والجيوش العثمانية والفتكات العلوية جددتم الإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية والمنازلات الخيبرية والحملات الخالدية فجزاكم اللَّه عن نبيكم محمد أفضل الجزاء،
стр. 187
وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من إهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعد فقدِّروا رحمكم اللَّه هذه النعمة حق قدرها وقوموا للَّه بواجب شكرها فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء وبلجت بأنواره وجوه الظلماء وابتهج به الملائكة المقربون وقرب أعين الأنبياء والمرسلين فماذا من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح اللَّه على أيديكم أمثاله وأن تكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من التهاني لأهل الغبراء البيت الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه ونص عليه في محكم خطابه ومنحكم به منته وطوله.
فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، وهو الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسل وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من اللَّه تعالى، لأجله الشمس ردت على يوشع بن نون بن يعرب وباعد بين جوانبها ليتبين فتحه ويقرب، أليس هو البيت الذي أمر اللَّه أن يأمر قومه باستيطانه فلم يجبه إلا رجلان وغضب عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان.
فأحمد اللَّه الذي
стр. 188
أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت على العالمين ووفقكم، لما خذل فيه أمما كانت قبلكم الأمم الماضيين وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى وأغناكم بما أمقبه كان وقد عي وحتى وليهنكم أن اللَّه تعالى قد ذكركم به فيمن عنده وجملكم بعد أن كنتم جنودًا لا تستهويه جنده وشكرتكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتحميد، وما أمطتم عن طريقه من أذى الشرك والتثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث، والآن تستغفر لكم أملاك السموات وتصلى عليكم الصلوات المباركات.
فاحفظوا رحمكم اللَّه هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى اللَّه الذي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بغزوتها نجا واعتصم، واحذروا اتباع الهوى
وموافقة الردى ورجوع القهقرى والتوالي العدى، وجدُّوا في انتهاز الفرصة وإزالة ما بقي من القصة، وجاهدوا في اللَّه حق جهاده وبيعوا عباد اللَّه أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خير عباده.
وإياكم أن يشتريكم الشيطان وأن يدخلكم الشيطان فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد وخيولكم الجياد ونجلائكم في مواطن الجلاد، لا واللَّه العظيم ما النصر إلا من عند اللَّه العزيز الحكيم. واحذروا عباد اللَّه بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل وخصكم بنصره المبين أن تقترفوا كثيرًا من نواهيه وأن تأتوا عظيمًا من معاصيه فتكونوا ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] أو ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] والجهاد هو أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم، انصروا اللَّه ينصركم اذكروا اللَّه يذكركم اشكروا للَّه يشكركم جدوا في حسم الداء وقلع شأفة الأعداء وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت
стр. 189
اللَّه ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام بالتارات الإسلامية والملة المحمدية، اللَّه أكبر فتح اللَّه ونصر وغلب اللَّه وقهر وأخذل من كفر، واعلموا رحمكم اللَّه تعالى أن هذه فرصة فانتهزوها وفريسة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها فالسعادة "بأمايرها" والمكاسب بذخائرها وقد ظفركم اللَّه -تعالى- بهؤلاء الأعداء المخذولين، وهم مثلكم أو يزيدون فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منكم عشرون وقد قال اللَّه تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥، ٦٦]، أعاننا اللَّه وإياكم على اتباع أوامره والانزجار بزواجره وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
إنه أشرف مقال يقال لي مقام وأنفذ سهام تمزق عن قسي الكلام وأمضى قول
تحلى به الأفهام الواحد الفرد العزيز العلام ثم استعاذ وبسمل وقرأ أول سورة الحشر ثم دعا للخليفة أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه تعالى وللسلطان فقال: اللهم أدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك المعترف بموهبتك سيفك القاطع وسهمك اللامع المحامى عن ذنبك الدافع الذاب عن حرمك الممانع السيد الملك الأجل جامع كلمة الإيمان وقامع عبده الصلبان صلاح الدين والدنيا سلطان الإسلام مطهر بيت المقدس من أيدي المشركين بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين.
اللهم عم بدولته البسيطة واجعل ملائكتك براياته محيطة وأحسن عن الدين الحنيفي واشكر عن الملة المحمدية حزبه وقضاه. اللهم زين للإسلام مهجته ووف للأنام حوزته وانشر في المشارق والمغارب دعوته. اللهم فكما
стр. 190
فتحت على يديه بيت المقدس بعد أن ظنت الظنون فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها وملك صلبان الكفرة ونواقيسها فلا تلقى منهم كنيسة إلا مزقتها ولا جامكة إلا فرثتها ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقتها بمن سبقها، اللهم اشكر عنه سيدنا محمد ﷺ سعيه ذا القدر والقد في المشارق والمغارب، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها.
اللهم. . . الفجار وانشر دوابر ملكه على الأمصار اللهم ثبت فيه وفي عقبته. . . اليأس وشد عضده. . . بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وصلى في المحراب وافتتح بسم اللَّه الرحمن الرحيم وقرأ أم الكتاب وأم بذلك الأمة وتم نزول الرحمة وكمل حصول النعمة، ولما أتت الصلاة انتشر الناس وانتهى الإيناس وانعقد الاجتماع واطرد القياس وجرت حالات وتوالت مسرات، وصلى السلطان في قبة الصخرة والصفوف بها على سعة الصحن متصلة والأمة على اللَّه تعالى بدوام نصر السلطان الملك الناصر مبتهلة والأيدي مرفوعة والدعوات لديه مسموعة، ثم رتب السلطان في المسجد الأقصى خطبًا، استمرت خطبته واستقرت رتبته.
قال العماد رحمه اللَّه تعالى: وأما الصخرة فكان الفرنج قد بنوا عليها كنيسة ومذبحًا ولم يبغوا ولم يتركوا للأيدي المتبركة
стр. 191
للعيون المدركة ملمسًا ولا مسطحًا،
وقد زينوها بالصور والتماثيل وعينوا بها مواضع الرهبان ومحط الإنجيل، وكملوا بها أسباب التعظيم والتبجيل، وأفردوا بها لموضع القدم قبة صغيرة مذهبة على أعمدة الرخام منتصبة وقالوا محل قدم المسيح وكان فيها صور لأنعام مثبتة والصخرة المقصودة المزورة بما عليها من الأبنية مستورة وتلك الكنيسة المعموة، فأمر السلطان بكشف نقابها ورفع حجابها وحسر لثامها وقسر رخامها وفض بنائها وقض عطابها وإبرازها للزائرين وإظهارها للناظرين ونزع لبوسها وزفاف عروسها وإخراج درها من الصدف واطلاع بدرها من السدف وهدم سجنها وفك رهنها وإبداء وجهها الصبيح وجلاء شرفها الصريح وردها إلى الحالة الحالية والقيمة الغالية والرتبة العالية فعادت كما كانت في الزمن القديم، واستجلى الناظرون وجه حسنها الوسيم وما كان يظهر منها قبل الفتح إلا قطعة من تحتها قداسا أهل الكفر في تحتها فظهرت الآن أحسن ظهور وسفرت أيمن سفور وأشرقت القناديل من فوقها فكانت نورًا على نور وعمل عليها حظيرة من شبابيك حديد والاعتناء من ذلك الوقت، وإلى الآن بحمد اللَّه تعالى في كل يوم يزيد.
ورتب السلطان في قبة الصخرة إماما من أحسن القراء تلاوة وأنداهم صوتا وأسماهم في الديانة صيتا وأعرفهم بالقراءات السبع بل العشر وأطيبهم
стр. 192
في الراوية والنشر، وأغناه وأقناه وأولاه ما أولاه ووقف عليه دارًا وأرضًا وبستانًا وأسدى إليه معروفا زائدًا وإحسانًا وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات معظمات لا تزال بين يدي الزائرين على كراسيها مرفوعة وعلى أسرتها موضوعة، ورتب لهذه القبة خاصة وللمسجد عامة قومه هممهم على شمل مصالحها ملتئمة وأمورهم في الحزمة منتظمة في أبهج ليلها.
وقد حضرت الجموع وازدهرت الشموع، وبان الخشوع ودان الخضوع وذرفت من عيون المتقين الدموع، واستقرت من العارفين الضلوع فلا ترى في تلك الحضرة المقدسة إلا كل ولي يعبد ربه ويؤمل بره وكل أشعث أغبر لو أقسم على اللَّه لأبره، وكل من يحيي الليل ويقوم ويسمو بالحق ويسود وكل من ختم القرآن ويرتله ويطرد الشيطان ويدحض كيده ويبطله، ومن عرفته لمعرفته الأسحار ومن ألفته لتهجده الأمداد والأفكار وما أسعد نهارها حين استقبل الملائكة زوارها وتجمل القلوب إليها أسوارها وتضع الجناة عندها أوزارها وتستهوي صبيحة كل يوم منها
أسفارها وما أطهر من تولى إطهارها وأظهر من باشر إظهارها.
وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعًا وحملوا منها إلى القسططنية ونقلوا منها إلى صقلية وقيل باعوها بوزنها ذهبًا، واتخذوا ذلك مكسبًا، ولما ظهرت مواضعها وقطعت القلوب لما بانت معا فهي الآن مبرزة للعيون باقية على الأيام مصونة للإسلام في حذرها وحرزها المصون.
ثم أمر السلطان بالشروع في العمران وترخيم محراب الأقصى وأمر أن يبالغ فيه ويستقي، وتنافس فيه ملوك بنى أيوب فيما يورث
стр. 193
من الآثار الحسنة وفيما يجمع لهم ود القلوب وشكر الألسنة فما منهم إلا من أجمل وأحسن وفعل ما أمكن من كل فعل جميل ورفد جميل، وفاوض السلطان جلساءه من العلماء والأبرار والأتقياء الأخيار في بناء مدرسة للفقهاء الشافعية فأشاروا عليه بذلك وكذا رباط للصلحاء الصوفية، وله في ذلك حسن النية فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة "بصيد حنا" عند باب الأسباط وعين دار البطرك وهي قرب كنيسة قمامة للرباط، ووقف عليهما وقوفًا كثيرة وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفًا، هممه العالية بها جديرة وارتاد أيضا مدارس الطوائف ليصفها إلى ما أولاه لأهل العلم والخير والدين والصلاح من العوارف، وأمر بإغلاق أبواب كنيسة قمامة وحرم على النصارى زيارتها حتى والإطاحة.
وتفاوض الناس عنده فيها، فمنهم من أشار بهدم مبانيها وتصفية آثارها وتعمية منهج مزارها وإزالة تماثيلها وإزاحة أباطيلها وإطفاء قناديلها وإذهاب تقاويلها وإكذاب أقاويلها، وقالوا: إذا هدمت مبانيها وألحقت بأسافلها أعاليها ونبشت المقبرة وعفيت وأخمدت نيرانها وأطفيت ومحيت رسومها ونسيت وحرثت أرضها ودمر طولها وعرضها وانقطعت عنها إمداد الرواد وانحسمت عن قصدها مواد وأطماع أهل النار، ومهما استمرت العمارة واستمرت الزيارة.
وقال أكثر الناس: لا فائدة في هدمها ولا هدها ولا داعية لصد الكفرة عن أبواب الزيارة بسدها؛ فإن متعبدهم موضع الصليب والنفير لا ما يشاهد من البناء ولا ينقطع عنها قصد أجناس النصرانية ولو نسفت أرضها في السماء ولما فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ القدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان، ولم يأمر بهدم البنيان وكان ذلك سببًا في إبقائها وعدم التعرض إلى هدمها، حيث وافق ذلك رأي السلطان، ومن ثم
كتبت البشائر بهذا الفتح المبين لأبواب الناصر لدين اللَّه الخليفة أمير المؤمنين، قال العماد ﵀: وقال بعض
стр. 194
العلماء: رأيت في بعض المجاميع أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه اللَّه تعالى لما كثرت في البلاد الساحلية فتوحاته وأوجعت في أهل الكفر سهامه وسطواته، كان لا يجاسر على فتح بيت المقدس لكثرة ما فيه من الأبطال والعدد والرجال ونبال وكونه كرسي دين النصرانية وأيدي غلبة الفرنج عليه إذ ذاك مختومة قوية، وكان ببيت المقدس يومئذ شاب مأسور من أهل دمشق فكتب أبياتًا على لسان القدس الشريف وأرسلها إلى السلطان صلاح الدين.
يأيها الملك الذي ... لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة ... تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت ... وأنا على شرفي منجس
فأخذته غيرة الإسلام وكانت الأبيات هي الداعية له على فتح بيت المقدس، ويقال: إن السلطان وجد في الشاب صاحب الأبيات أهلية فولاه الخطابة واستمر به فيها، وتوفي السلطان صلاح الدين في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة وقد سطرت مثوبة هذا الفتح المبين في صحائف حسناته. وأرجو أن يسكنه اللَّه تعالى في أعلى غرفات جناته، وهذا البيت المقدس من لدن فتحه العزيز في أيدي المسلمين مقصود بالزيارة والتعظيم على مر السنين، وبقاؤه في أيدي أهل الإسلام من الكرامة المستمرة إن شاء اللَّه تعالى إلى يوم القيامة انتهى.
وهنا تزيل الفتح أحب المؤلف أمتع اللَّه تعالى بفوائده وأجراه في الطاقة الخفيفة على أجمل عوائده إثباته في هذا الكتاب تبصرة وذكرى
стр. 195
لأولي الالباب المعلقين من أهداب الآذان بأوثق الأسباب وجعله خاتمة لهذا الباب وهو من الإتحاف الذي يحصل به المقصود وتحلو به الفائدة ومن الكلام الذي يحسن السكوت عليه وتتم به الفائدة فقال: "ولما أنقذ اللَّه تعالى بيت المقدس من أيدي النصارى وطهره من أرجاسهم وأدناسهم وتم الفتح وانضم الأمر وانتهى الحال على ما تقدم شرحه، أخذ السلطان صلاح الدين ﵀ في أسباب إتمام ما أقامه اللَّه تعالى من إعلاء كلمة الدين وابتهاج خواطر الموحدين واستئصال شأفة المعاندين وشرع في بقية سنة ثلاث وثمانين
وخمسمائة في بذل الأموال عودا على بدء وكتب إلى أهل الأقطار وسكان الأمصار يستدعي الأجناد إلى الجهاد ويندبهم إلى إتمام ما هو بصدده من قطح دابر أهل الغي والزيغ والعناد فأجابوه وتواردوا عليه من كل جهة.
وفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة رحل السلطان صلاح الدين عن القدس وترك المدينة وما ولاها من البلاد الساحلية التي كان قد افتتحها في طريقه حين خرج من الشام عامرة أهلها "بأهلها"، وقصد حصن الأكراد ونزل عليه وبعث العساكر في تخريب ضياع الفرنج وقطح أشجارهم ونهبهم وأعمال النكاية فيهم، ثم سار إلى طرسوس ففتحها عنوة، ثم سار إلى جبلة فأخذها عنوة ثم سار إلى اللاذقية فحاصرها أيامًا ثم افتتحها وأخذ منها غنائم كثيرة، ثم سار إلى أنطاكية فرغب صاحبها وهو البرنس في الهدنة ثم سار إلى صهيون وهي حصينة إلى الغاية فحاصرهم ثم أخذها بالأمان بعد ثلاثة أيام ثم بث عسكره وأولاده وسراياه فأخذوا حصون تلك الناحية مثل بلاطنس وقلعة الجماهير وبكاس والشعر ونزمانة ودربساك وبغراس، ثم سار إلى الشوبك وأخذها بالأمان ثم سار إلى صفد ونازلها، فوصل إليه أخوه الملك العادل أبو بكر بمن معه من عساكر مصر ودام الحصار على صفد إلى ثامن من شوال
стр. 196
أخذت بالأمان، ثم سار إلى حصن كوكبة ونازله وحاصره ثم أخذه بالأمان في نصف ذي القعدة من سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فيالها من سنة ما كان أبركها على المسلمين وفي سنة خمس وثمانين حشد الفرنج وجيشوا واستحاشوا وخرجوا من مدينة صور قاصدين عكا "واجتمعت الرهبان" والقسوس وجماعة من المشهورين" ولبسوا السواد وأظهروا الأسف والحزن على بيت المقدس وأخذهم بطرك القدس الذي أخذ السلطان بيته المشرف على كنيسة قمامة وجعله خانقاه للصوفية "يقرأ فيها القرآن العظيم ويجهر فيها الأذان والذكر الحكيم"، ورحل بهم إلى بلاد الإفرنج وجعلوا يطوفون البلاد ويستغيثون ويستنصرون بالملوك والأكابر من أهل الملة المسيحية وصوروا صورة المسيح وقد جرحه وأسال دمه النبي ﷺ على وجهه، فعظم ذلك على الفرنج وأخذتهم الحمية حمية الجاهلية وحشدوا حتى انتهى إليهم من الرجال والأموال ما لا يحصى.
وذكر بعض من كان معهم أنهم انتهى بهم الطواف إلى رومية "المدائن" الكبرى
فخرجنا
стр. 197
منها وقد ملأنا "الشواني" نفره ابن الأثير وخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا وجاءوا من كل فج عميق، وفي زعمهم أنهم يملكون بيت المقدس وينزعونه من أيدي المسلمين ويعيدونه إلى الحالة الأولى التي كان عليها حين كان في أيديهم ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. ثم إن الفرنج نازلوا عكا في منتصف رجب من السنة المذكورة وأحاطوا بها حتى لم يبق للمسلمين إليها طريق، وجاء السلطان صلاح الدين ومن معه من عسكره الموحدين ووقعت بينهم حروب كثيرة.
وفي بعضها حمل تقي الدين
стр. 198
ابن أخي السلطان صلاح الدين على منجعة الفرنج حملة منكرة أزاحهم ومن معهم بها عن مواقفهم.
وملك تقي الدين مواقعهم والتصق بعكا "ودخل المسلمون البلد" وأدخل إليهم السلطان صلاح الدين ما أرادوا من الرجال والعدد فلما كان العشرون من شعبان اجتمع الفرنج للمشهورة قالوا: الرأي أن نلقى المسلمين غدًا على حين غفلة لعلنا نظفر بهم قبل أن يأتيهم الإمداد، فإن أكثر عسكر المسلمين كان إذ ذاك غائبًا بعضهم مقابل أنطاكية وبعضهم مقابل صور وعسكر مصر بالإسكندرية ودمياط، وأصبح الفرنج متعينين للقتال وأصبح السلطان على غير أهبة وخرج الفرنج كأنهم الجراد المنتشر قد ملأوا الأرض بالطول والعرض وحملوا حملة رجل واحد فانهزم المسلمون وثبت بعضم واستأسروا جماعة.
ثم تراجع بعض المسلمين وحمل بهم السلطان حملة صادقة فقتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة وأسروا جملة وكانت عدة القتلى يومئذ عشرة آلاف فأمر بهم السلطان فألقوا في النهر الذي يشرب منه الفرنج، قال العماد الكاتب -رحمه اللَّه تعالى- إن الذين ثبتوا من المسلمين ردوا مائة ألف من الكفار، وكان الواحد يقول قتلت ثلاثين قتلت أربعين وجافت الأرض من نتن القتلى وانحرفت الأمزجة ومرض السلطان صلاح الدين فأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الظرف وترك مضايقة الفرنج فرحل إلى
"الخروبة" وأخذ الفرنج في محاصرة عكا وكان الذين بها من المسلمين يخرجون إليهم كل يوم ويقاتلونهم إلى نصف شوال، ووصل العادل أبو بكر بالمصريين ومعه من آلات الحصار شيء كثير، فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة وذهب الشتاء وجاءت إلى الإمداد من كل جهة ورحل من الخروبة إلى نحو عكا ودام القتال بين
стр. 199
المسلمين وبين الفرنج ثمانية أيام متتابعة وخرج ملك الألمان وهو نوع من أكثر الفرنج عددًا وأشدهم بأسًا وعددًا.
وكان قد أزعجه أخذ بيت المقدس غاية الإزعاج فأظهر الأسف والحزن فجمع العساكر وصار قاصدًا بلاد المسلمين طامعًا في نصر أهل ملته وأخد بيت المقدس ممن هو في يده من المسلمين، وكانوا نحو من مائتى ألف وستين ألفًا فنزل ملكهم يومًا يغتسل في نهر قريب من أنطاكية فغرق في مكان لا يبلغ الماء فيه وسط الرجل وتولى بعده ولده، وأبادتهم يد القدرة الإلهية والعناية الربانية في الطريق فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل وصلوا إلى عكا وغادروا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد، وللَّه الحمد والمنة لا راد لأمره ولا معقب لحكمه وهو الحكم العدل.
واشتد القتال بين الفرنج الذين كانوا في عكا وأتتهم أمداد المشركين في البحر من الجزائر البعيدة حتى ملأوا البر والبحر، وجاءت السلطان أيضًا الأمداد وحرَّم بطركهم عليهم كل مباح وغلق الكنائس ولبس وألبس الحداد. وحكم عليهم أن لا يقربوا النساء، ولا يزالوا كذلك إلى أن يفتح عليهم ويصلوا إلى مقصودهم فلما كان في بعض الأيام خرجوا على حين غفلة فرجع عليهم السلطان وطحنهم طحنًا، ثم خرجوا مرة أخرى وعملوا فيها برجين عظيمين من أخشاب عاتية يشمل كل برج منها على سبع طبقات وعملوا كبشا هائلًا عملوه من خشب وجعلوا في رأسه قناطير من حديد على صفة قرون محدودة لينطحوا بها السور فينهزم فخرج عليهم المسلمون ورموا الأبراج بالأحجار وقدور النفط فاحترقوا.
وأما الكبش فإنه ساخ في الرمل لثقله، وعجزوا عن تخليصه وجرت بينهم أمور
طويلة مذكورة في كتب التواريخ وتم الحصار على عكا نحو السنتين، وقتل من الفرنج ما يزيد على مائة ألف، وفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وقع الصلح بين السلطان صلاح الدين وبين الفرنج مع كراهيته.
وفي أواخر السنة
стр. 200
المذكورة مرض السلطان واشتد به المرض فحمل إلى دمشق ثم توفي في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة ونقل اللَّه روحه الزكية إلى مستقرها من جنات النعيم ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ودفن -رحمه اللَّه تعالى- في الجانب الشمالي من الجامع الأموي في الرواق الغربي من "الكلاسة"، وقبره الآن ظاهر هناك مقصود بالزيارة، ولما تسامع أهل الآفاق بوفاته كثر فيها وفيما والاها من النواحي النواح والعويل والضجيج وعظم الأسف واشتد القلق وهو واللَّه بذلك حقيق.
وخلف من الأولاد سبعة عشر ذكرًا منهم العزيز صاحب مصر والأفضل صاحب دمشق والظاهر صاحب حلب وغيرهم وبنتا واحدة، فأما ولده العزيز فإنه قدم دمشق ومعه "عمه الملك العادل أبو بكر فنازل دمشق وحاصر أخاه الأفضل فحاصر العسكر على الأفضل وفتحوا دمشق"، ودخلها العزيز هو وعمه العادل ثم رجع العزيز إلى مصر وأقام العادل بدمشق واستولى عليها وأخرج منها أولاد أخيه صلاح الدين وأعطى الأفضل صرخد ثم هدم العادل يافا بعد أن أخذها بالسيف
стр. 201
في شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فنزلت الفرنج بيرون ثم ملكوها بغير كلفة وفي سنة أربع وتسعين جاء الخبر بوفاة طغتكين وهو أخو السلطان صلاح الدين وكان صاحب اليمن وملك بعده ولده إسماعيل فظلم وغشم وأساء السيرة ورام الخلافة ولقب نفسه بالهادي ولم يتم له أمر، وفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة مات العزيز فبادر أخوه الأفضل وتوجه على مصر وملك ولد أخيه العزيز وكان الولد صبيًا وكان الأفضل أتابكة ثم أخذ الأفضل جيوش مصر.
وأقبل إلى دمشق وحاصرها وبالغ وأحرق الحواضر وفعل كل قبيح ثم دخل البلد
ووصل إلى باب البريد فحمل عليه وعلى من معه من أصحاب الملك العادل وكسرهم كسرة شنيعة فرجعوا من حيث جاءوا، وضعف الأفضل وطال الحصار ودخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة والأفضل وأخوه الظاهر بعساكرهم ظاهر دمشق قد حفروا عليهم خندقًا من عندهم إلى "بلداو" خوفًا من كبسة عمهم العادل وعظم الغلاء بدمشق ونفدت خزائن العادل "بمصر" على جنده وبدَّل المسلمون
стр. 202
بحرب الفرنج حرب بعضهم بعضًا ثم رحلا وقوي الشتاء وأنجد الكامل والده العادل بأربعمائة ألف دينار فتقوى بها ورجع الأفضل إلى مصر "فأسرع العادل وتبعه فلحقه عند الغرابي.
ودخل العادل مصر وقد ملكها الظاهر" فرجع الأفضل إلى صرخد ثم سلطن العادل ولده الكامل بمصر وخطوا له بها ثم رجع الأفضل والظاهر إلى محاصرة دمشق سنة سبع وتسعين وخمسمائة وبها المعظم عيسى بن العادل وزحفوا عليها وبقي الحصار شهرًا ثم وقع الخلاف بين الأخوين المذكورين ورحلا عن دمشق ثم مات الظاهر في سنة ثلاث عشرة وستمائة بالأشهاد ثم مات العادل في سنة خمس عشرة وستمائة في جمادى الآخرة خارج دمشق، "وحمل في محفة" إلى دمشق ودفن بها ثم نقل من القلعة بعد أربع سنين إلى تربته بالعادلية الصغرى ودفن بها.
وخلف العادل من الأولاد اثني عشر ذكرا منهم الكامل محمد صاحب مصر والمعظم عيسى صاحب دمشق والأشرف موسى والناصر داود
стр. 203
وغيرهم.
ولما ملك المعظم دمشق اقتضى رأيه تخريب قلعة الطور وقلعة بنين وبانياس في أول سنة ست عشرة خوفا من استيلاء الفرنج عليه وصدا لهم عن قصده لتعذر التحصين عليهم فيه أخذا في ذلك بالحزم، وكانت مدينة القدس حين هدم المعظم أسوارها من أحصن المدائن فنزح منها أكثر أهلها وعاد المعظم إلى دمشق.
وأما الكامل محمد بعد أن ملك مصر أخذت الفرنج دمياط في شعبان سنة ست
عشرة وستمائة وكانوا أهلها قد هلكوا من القحط والوباء فسلموها للفرنج بالأمان، ثم غدرت الفرنج بهم وقتلوا وأسروا وعملوا جامع البلد كنيسة، وكان الكامل إذ ذاك مشغولًا بقتال التتار وكسرهم في وقعة "البركس" فانهزموا ومن انضم إليهم إلى دمياط، وكانت بينه وبينهم وقعات هائلة أنزل اللَّه فيها النصر على المسلمين ومازال الكامل مشغولًا بقتال الفرنج الذين أخذوا دمياط، وبنى مدينة إذ ذاك سماها "المنصورة" عند مفرق البحر الحلو وسكنها بجيشه وتواردت عليه الجيوش والعساكر من كل جهة وعظم الخطب واشتد البلاء، ثم استرد الكامل دمياط من الفرنج سنة ثماني
стр. 204
عشرة وستمائة وذلك أن الفرنج خرجوا يوما في أهبة كاملة ليغيروا على الغربية في زيادة النيل ففتح الكامل عليهم سدا فأحاط بهم الماء من الجهات الأربع بحيث أنهم لا يقدرون على الوصول إلى دمياط.
قال ابن الأثير: ولو طول الكامل روحه يومين لأسرهم عن آخرهم بعد أن الكامل بعث إليهم ولده المكمل الصالح نجم الدين أيوب وصالحهم فجاءت ملوكهم إلى خدمته فأنعم عليهم، وكن قد وصل إليه أخواه السلطانان وهما المعظم عيسى والأشرف موسى بجيوشهما وعساكرهما فمد السلطان الكامل حينئذ سماطا عظيمًا حضره ملوك الفرنج، ووقف أخوه عيسى وموسى المشار إليهما في خدمته وكان يومًا مشهودًا حضره الخاص والعام وكان وقع فيه من غرائب الاتفاق غريبة وهي أن الكامل اسمه محمد والمعظم اسمه عيسى والأشرف اسمه موسى فقام راجح الحلي الشاعر وأنشد بين الكامل في تلك الحضرة العظيمة قصيدة عظيمة منها:
وبدا لسان الحال في الأرض رافعا ... عفيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إنَّ عيسى وحزبه ... وموسى جميعًا ينصران محمدا
وجرت فيما بين سنة تسع عشرة وستمائة وبين سنة خمس وعشرين منها بين الكامل وإخوته وأولادهم ومن تابعهم من أولاد عمه وبين الفرنج والتتار وغيرهم من الخوارج وقائع كثيرة وحروب متعددة ومنزلات ومحاصرات وتنقلات يطول شرحها. ومات المعظم وجاء التقليد بالسلطنة بالشام من الكامل لابن أخيه الناصر داود بن
المعظم في صفر من السنة المذكورة ثم قدم الكامل فى آخر العام إلى دمشق وجاءه أسد الدين صاحب حمص، فأغلق الناصر داود دمشق واستنجد بعمه الأشرف موسى فقدم من
стр. 205
"خلاط" فتأخر الكامل وأمسك يده ولم يجد شيئًا وقال: أنا ما أقاتل أخى يعني الأشرف وبلغ الأشرف ذلك فقال للناصر داود: إن أخي قد "حرووا" والمصلحة تقتضي استعطافه ثم سار إليه واجتمع به فصار نجده على الناصر لا له.
ثم اتفق الأخوان وهما الكامل والأشرف على ترحيل الناصر من دمشق واستنجد الكامل حينئذ بالفرنج وبالأنبروز ملك الفرنج في جيش كثيف فأعطاه الكامل القدس وهي مخربة الأسوار فشق ذلك على المسلمين، وبقي أهل بيت المقدس مع الفرنج في الدار، ونطق الناقوس وصمت الأذان وعد الناس ذلك وصمة في الدين وتوجهت به الأئمة من الخلافة قاطبة على الكامل، وخرج الناصر داود لتلقي عمه فبلغ اتفاقه هو والكامل عليه فبادر وحض البلد وجاء الأخوان فأحاط به وحاصره شهرًا، وقطعوا بانياس والقنوات ونهبوا البساتين وأحرقوا غالبها وتمت بينهم وقعات وقتل جماعة من الفريقين وأحرقت الحواضر واشتد البلاء.
وعظم الخطب شهرا وفي آخر الأيام أبرم الصلح في أول شعبان على أن يعوض الناصر بالكرك فتحول إليها وبقي سلطانها بيده، ودخل الملك قلعة دمشق ثم وجه عسكره لمحاصرة حماة ثم أعطى أخاه الأشرف دمشق بعد شهر وأعطى الأشرف عوضها حران والرها
стр. 206
ورأس العين
والرقة ثم سار الكامل إلى هذه البلاد ليتسلمها فخرج صاحب حماة إلى خدمته ثم حاصر الأشرف بعلبك وبها الأمجد في الآخر، وجاء الأمجد إلى دمشق وأقام بداره التي كانت له بها وأعطى الأشرف أخاه الصالح إسماعيل بعلبك في سنة سبع وعشرين وستمائة فتسلمها وأدخل إليها وأما الملك الكامل فإنه حاصر آمد ونصب عليها المجانيق ونازلها في سنة ثلاثين وستمائة ثم أخذها من صاحبها الملك المسعود مودود الأتابكى واستناب الكامل في آمد ولده الصالح نجم الدين أيوب.
وفي أول سنة خمس وثلاثين وستمائة مات الملك الأشرف موسى صاحب دمشق وملك أخوه الكامل البلد بعده ثم مات الكامل بالقلعة بعد ستة أشهر من موت أخيه الأشرف، وتسلطن بدمشق بعد الكامل الملك الجواد بن داود بن العادل فأنفق الأموال وبدد وأسرف، وسارع الناصر فأخذه على غرة، وأما مصر فسلطوا بها العادل بن الكامل ثم قايض الجواد بدمشق سنجار وعانه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل فكانت صفقة الجواد فيما قايض فيه صفقة خاسرة ثم تجهز الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل إلى مصر ثم أرسل لطلب عمه الملك الصالح إسماعيل بن بعلبك ثم مضى إلى نابلس وكاتب عمه الأمراء واستمالهم إليه.
ثم هجم الصالح عماد الدين إسماعيل على دمشق، وتملكها وتفرقت الأمراء على الصالح نجم الدين أيوب ونزل إليه من الكرك أصحاب ملكها الناصر داود فقبضوا عليه ومضوا به الى الكرك فاعتقله
стр. 207
الناصر صاحب الكرك يسأله في إطلاق أخيه نجم
الدين أيوب وبذل له فيه مائة ألف دينار وبعث عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق إلى الناصر أيضًا يطلب نجم الدين أيوب، وبلغ فيه مبلغًا كبيرًا فأبى الناصر أن يرسله إلى الصالح إسماعيل صاحب دمشق ولم يقبل شيئًا مما بذل له فيه، واتفق مع نجم الدين أيوب وقصد به مصر ليملكه إياها ويشاركه في المملكة فحاصرت الأمراء الكاملية على العادل بن الكامل صاحب مصر وكاتبوا أخاه نجم الدين الصالح أيوب وحثوه على سرعة الحضور فوصل وقبض على أخيه العادل.
واستولى على الديار المصرية بغير كلفة ولا مشقة ولا تعب وذلك في ذي القعدة وأعرض عن الناصر داود ولم يعبأ به ولم يلتفت إليه فرجع خائبًا إلى الكرك، ولما وصل الناصر داود إلى الكرك همته نفسه إلى استنقاذ بيت المقدس من أيدي الفرنج وتطهيره من أرجاسهم وأدناسهم، وأظهر ما كان كامنًا في نفسه من ناحية الكامل بسبب استغاثته عليه واستنجاده في أمره بالفرنج وإعطائهم بيت المقدس هذا ما كان من أمر الناصر داود صاحب الكرك.
وأما ما كان من أمر الفرنج فإنه لما أعطاهم الكامل بيت المقدس وسمح لهم تراجعوا إليه ودخلوه وقاموا به وفيه المسلمون وكل طائفة منهما فيما هم فيه هؤلاء في عبادتهم وصلواتهم وأذكارهم وهؤلاء في كفرهم وشركهم والدار جامعة لهم واحدة، فالمسلمون من أجل ذلك في غاية الحصرة والضر والضنك والتشوش واتفق أن ملك الفرنج حين أعطاه الكامل بيت المقدس وتوجه إليه ليدخله "عارضه في الطريق شخص قيل إنه من نابلس وكان قاضيا بها وبالشام وتقرب إلى ملك الفرنج وتوصل إليه بما أوجب إقباله عليه ولم يزل في صحبته إلى أن دخل معه القدس، فأخذ ذلك القاضي
стр. 208
يدور بالملك وعيَّن معه من خواصه ويزورهم الأماكن الفاضلة والمعاهد المعظمة والمشاهد المحترمة، وجعل يوجه الخطاب إلى الملك بما يرغبه في الإقامة بالقدس "الشريف" واستيطانه وعدم الخروج عنه، ودخل المسجد الأقصى وصعد المنبر ومنع القاضى المذكور المؤذنين من الجهر بالأذان والتسبيح في أوقات السحر في تلك الليلة.
ولما أصبح الملك وحضر إليه القاضى فسأله عن المؤذنين وذكر أنه لم يسمع في هذه الليلة في منارات هذا المعبد أذان ولا تسبيح فقال له القاضي: أنا منعهتم من ذلك إجلالًا للملك فكان من جوابه: لا جزاك اللَّه خيرًا ولما صرف الملك الناصر داود
صاحب الكرك نفسه عن الشواغل العارضة من جهة المماليك وتضييع الزمان في الاشتغال لما هناك اقتضى رأيه السعيد المبادرة إلى استنقاذ بيت المقدس من أيدي النصارى الطائفة الفاجرة رجاء ثواب الدنيا والآخرة، جمع جمعًا عظيمًا وأعده للهجمة على الفرنج في عقر الدار على حين غفلة منهم وقسم جمعه الذي جمعه وجعله فرقة.
وعقد لكل فرقة راية، وأعد لكل طائفة جانبًا في جوانب البلد يتداعون منه عند اللهجة برفع الأصوات بالتكبير، وانتصر الناصر على الكفرة والمشركين أعداء الدين يوم "عيدهم الأكبر" الذي يجتمعون فيه على الكفر وشرب الخمر ورفع الصليب على عاداتهم في أيام أعيادهم.
ووصل الناصر من معه ليلة العيد ورتب كل فرقة في مكانها الذي أعده لها.
هذا والنصارى في غيهم ولهوهم ولعبهم وكفرهم وشركهم وسكرهم ثم إن المسلمين أشعلوا النيران ورفعوا الأعلام والرايات فكبروا وهجموا قبيل الصبح على النصارى في مواطن كفرهم وشركهم فدهشوا وحاروا حين سمعوا التكبير من كل جانب من جوانب البلد،
стр. 209
ووضع المسلمون فيهم السيف واستمروا يقتلون ويأسرون وينهبون، وجاء ملك الفرنج إلى الناصر وماشاه وجعل يخاطبه في معنى ما وقع من الناصر فجرد سيفه وضرب عنق ملك الفرنج، وضج المسلمون بالتكبير والتهليل وكانت وقعة هائلة وما طلع النهار إلا وقد قويت شوكة المسلمين وانصرفت هممهم إلى تتبع آثار النصارى في كل فج عميق.
يالها واللَّه من هجمة أتم اللَّه بها النعمة على الأمة وناداهم منها الإحسان لا يكن أمركم عليكم غمة واعتنى الناصر حينئذ بإقامة الشعائر التي كان عمه السلطان صلاح الدين ﵀ أقام بها، وأمر بكتابة البشائر للممالك بهذا الفتح المبين والنصر العزيز فكتب وعادت الأجوبة عنها، وفي جملتها قصيدة لابن نباتة المصري يمدح فيها الناصر وهي قصيدة طويلة مشتملة على أبيات كثيرة منها:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلًا سائرا
إذا عاد بالكفر مستوطنًا ... أن يبعث اللَّه له ناصرا
فناصر طهره أولا ... وناصر طهره آخرا
ثم رجع الناصر بعد لقام هذا الفتح المبين إلى الكرك وقد سطرت هذه المثوبة في صحائف حسناته وتواردت الألسن بالدعاء له وشكر مساعيه المثوبة المحمودة الأثر المقترنة بالنصر والتأييد والظفر على واحد وهذا بيت المقدس مقصود بالزيارة والتعظيم على مر السنين.
стр. 210
الباب العاشر
في ذكر من دخل بيت المقدس من الأنبياء الكرام وأعيان الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين-، ومن غيرهم ومن توفي منهم ودفن فيه وإجماع الطوائف كلها على تعظيمه ما خلا السامرة قال في مثير الغرام: وعددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف بدليل ما رواه أبو ذر ﵁ قال: قلت يا رسول اللَّه كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: كم أرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمٌ غفير". قلت: كثير طيب، فمن كان أولهم؟ قال: آدم، قلت نبي مرسل، قال: أربعة سريانيون آدم وشيث وأخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم ونوح وأربعة من العرب، هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر. أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين، قلت: يا رسول اللَّه! كم كتاب أنزل اللَّه؟ قال: مائة وأربعة كتب أنزلت على شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة.
стр. 211
وعلى إبراهيم عشر صحائف
وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان".
ورواه البيهقي عن أبي ذر عن طريق آخر وسنده لا بأس به، وروى صاحب كتاب الأنس بسند إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: وأول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون، وعند ذكر إبراهيم الخليل ﵇ روى بسنده عن عمه الحافظ إلى أبي أيوب بن عتبة قاضي اليمامة قال: بين آدم ونوح عشر آباء فذلك ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعة آباء، ولم يسم السنين، وبين موسى وعيسى ألف وخمسمائة سنة، وبين عيسى ومحمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين ستمائة سنة، وهي الفترة.
قال: وقرأت بخط ابن عمي الحافظ ابن محمد قبيل ذكر الإسراء قال: وبلغنى أن من زمن آدم إلى سبي بابل أربع آلاف سنة وتسعمائة وثماني عشرة سنة، وجميع ما ملك بخت نصر خمس وأربعون سنة، منها تسع عشرة سنة قبل خراب بيت المقدس وسبي بابل، وست وعشرين سنة بعد الخراب.
آدم ﵇: وروي أنه مات وعمره ألف سنة وقيل: إلا سبعين سنة، وقيل: ثمانمائة سنة ودفن في أبي قبيس فأخرجه نوح ﵇ زمن الطوفان وحمل تابوته في السفينة، ثم أعاده إلى مكانه وقيل: إلى "بيت المقدس" في مسجد إبراهيم ﵇ ورجلاه عند الصخرة ورأسه
стр. 212
عند مسجد إبراهيم ﵇، وبينهما عشرون ميلًا، وقيل: إن قبر آدم من بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم مطوي، ورواه ابن عمر بزيادة فيه.
فإذا كان يوم القيامة أقامه اللَّه على رجليه، ثم يحشر ذريته إليه، ويقول اللَّه: يا آدم، إليك أحشر ذريتك ولا أحشرك فيمن أحشر لكرامتك علي.
نوح ﵇: قيل: إن السفينة طافت بالبيت الحرام أسبوعًا، ثم طافت ببيت المقدس أسبوعًا، ثم استقرت على الجودي.
إبراهيم خليل الرحمن ﵇: وروى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض أكرمهم مهاجرًا إبراهيم فهو
مهاجره".
قال أهل التاريخ: لما قدم إبراهيم ﵇ فلسطين ولم يمت إبراهيم، حتى بعث إسحاق إلى أرض الشام، وبعث يعقوب إلى أرض كنعان، وإسماعيل إلى جرهم، ولوط إلى سدوم، فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم ﵇.
وذهب كعب، وعبيد اللَّه بن عمر، إلى أن قصة الذبيح كانت بالشام على صخرة بيت المقدس كما نقل في التوراة.
يعقوب ﵇ وهو إسرائيل: قال وثيمة: قيل سُمى إسرائيل لأنه أسري به فى سبع سماوات وصح عن اين عباس أنه قال: كان الأنبياء كلهم من بني إسرائيل إلا عشرة: هود، ونوح، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد صلى اللَّه عليهم أجمعين، وقيل إنه لما سافر إلى خاله وكان أبوه إسحاق وصى إليه أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأن ينكح بنات خاله وكان مسكنه القدس فتوجه إليه يعقوب فأدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدًا حجرًا فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل إليه وتعرج، فأوحى اللَّه إليه: "إني إلهك وإله آبائك، إبراهيم، وإسحاق، وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة لك ولذريتك من بعدك، وباركت فيك وفيهم، وجعلت لك الكتاب والحكم والنبوة، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا
стр. 213
المكان فاجعله بيتًا تعبدني فيه أنت وذريتك".
وأقول: وهذا منشأ الخلاف المنقول في باعث النفوس عن صاحب المستقصي في باب بناء بيت المقدس على أساس قديم وأن الأساس القديم الذي كان لبيت المقدس أسسه سام بن نوح ثم بناه داود ﵇، وسليمان على ذلك الأساس، وقيل: أول من بناه وأري موضعه يعقوب لما رويناه في هذا الأثر، وليس لبسط القول فيما في ذلك من الخلاف محل هنا فإن الأكثرين على أن أول من أسسه وبناه داود، ثم من بعده ولده سليمان ﵈ كما قدمناه في باب مبدأ وضعه واللَّه أعلم.
وقال وهب بن منبه لما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده وولد ولده وأوصاهم
وعهد إليهم وأوصى يوسف ﵇ أن يحمل جسده حتى يقبر مع أبويه إبراهيم وإسحاق في الأرض المقدسة فحمله يوسف ﵇ على عجلة من أرض مصر حتى أورده الأرض المقدسة ووضعه في موضعه الذي أمره به، ثم رجع إلى أرض مصر، وقال: واللَّه إنه مات هو وأخوه عيصو في يوم واحد، وكان عمر يعقوب وعيصو مائة سنة وسبع وأربعين سنة.
يوسف الصديق ﵇: روى أبو عبيد اللَّه الهروي بسنده إلى معمر قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] بئر بيت المقدس في بعض نواحيها.
قال أبو عبد اللَّه القضاعي: كانت النبوة والملك متصلين بالشام ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال عنهم بالقرس والروم بعد يحيى بن زكريا وعيسى ﵉.
موسى بن عمران ﵇: قال جماعة من العلماء: هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم الصلاة والسلام وقد ذكره اللَّه تعالى في القرآن في مواضع كثيرة متعددة ولم يذكر نبي باسمه في القرآن كما ذكر هو ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ
стр. 214
رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣] وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن موسى ﵇ كان رجلًا حسيبًا مستترًا لا يرى من جلده شيئًا من شدة استحيائه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما إدرة وإما آفة، وأن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وأن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول ثوبي
حجر حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر وأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] وبعثه اللَّه إلى فرعون ولم يكن من الفراعنة أعتى منه ولا أقسى قلبا ولا أطول منه عمرا في الملك ولا أسوأ ملكا لبني إسرائيل فكان يعذبهم ويستعبدهم وجعلهم له خدمًا وخولا وعاش فيهم أربعمائة سنة فبعث اللَّه تعالى إليه موسى ﵇ وكان من أمره معه ما قصه اللَّه تعالى في كتابه العزيز في غير موضع مبسوطًا،
стр. 215
وقد تقدم أن الصخرة كانت قبلته كذا ذكره في مثير الغرام ولعله يريد قول كعب لعمر بن الخطاب ﵁: اجعل القبلة خلف الصخرة فتجتمع قبلة موسى وقبلة محمد ﷺ .
وما رواه الزهري أنه لم يبعث اللَّه نبيًا منذ هبط آدم ﵇ إلى الأرض إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس، ومر به النبي ﷺ وهو يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، وفي لفظ في الصحيحين أن موسى ﵇ سأل اللَّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر أي مقدار فهو منصور عليه ظرف مكان، وإنما سأل موسى ﷺ ذلك متبركًا بالكون في تلك البقعة المقدسة وليدفن مع من فيها من الأنبياء والأولياء، وقوله ﷺ : "فلو كنت لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" المراد بهذه الطريقة التي سلكها ﷺ ليلة أسري به من مكة المشرفة إلى بيت المقدس، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "مررت على موسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلى في قبره عند الكثيب الأحمر" وقد اشتهر أن قبره قريبًا من أريحا وهي من الأرض المقدسة وهو ظاهر يزار، ويقال: إنه قبر موسى وعنده كثيب أحمر وطريق وعلى هذا القبر الشريف الآن قبة مبنية بناها الملك الظاهر بيبرس رحمه اللَّه تعالى بعد سنة ستين وستمائة وقد رأى الشيخ عبد اللَّه الأموي القبة على هذه الصفة قبل بنائها بأكثر من
عشرين سنة، وحديث الشيخ عبد اللَّه أنه زار هذا القبر، وأنه نام فرأى في منامه قبة في هذا الموضع ورأى فيها شخصًا أسمر فسلم عليه وقال: أنت موسى كليم اللَّه أو قال: نبي اللَّه قال: نعم، فقلت: قل لي شيئًا فأومأ إلي بأربع أصابع، ووصف طولهن، فانتبهت ولم أدر ما قال: فجئت إلى الشيخ ديال فأخبرته بذلك فقال يولد لك أربعة أولاد وكنت قد تزوجت فولد لي أربعة أولاد فكانت وفاة هذا الرائى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وذكر الثعلبي وغيره أن عمر موسى ﷺ كان لما قبضه اللَّه تعالى إليه، مائة وعشرين سنة. ولذلك قال وهب بن منبه، لما قبض هارون ﵇ كان لموسى ﷺ مائة وعشرين سنة وسبع عشرة سنة وعاش موسى ﵇ بعد
следующие страницы →