وعلى إبراهيم عشر صحائف
وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان".
ورواه البيهقي عن أبي ذر عن طريق آخر وسنده لا بأس به، وروى صاحب كتاب الأنس بسند إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: وأول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون، وعند ذكر إبراهيم الخليل ﵇ روى بسنده عن عمه الحافظ إلى أبي أيوب بن عتبة قاضي اليمامة قال: بين آدم ونوح عشر آباء فذلك ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعة آباء، ولم يسم السنين، وبين موسى وعيسى ألف وخمسمائة سنة، وبين عيسى ومحمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين ستمائة سنة، وهي الفترة.
قال: وقرأت بخط ابن عمي الحافظ ابن محمد قبيل ذكر الإسراء قال: وبلغنى أن من زمن آدم إلى سبي بابل أربع آلاف سنة وتسعمائة وثماني عشرة سنة، وجميع ما ملك بخت نصر خمس وأربعون سنة، منها تسع عشرة سنة قبل خراب بيت المقدس وسبي بابل، وست وعشرين سنة بعد الخراب.
آدم ﵇: وروي أنه مات وعمره ألف سنة وقيل: إلا سبعين سنة، وقيل: ثمانمائة سنة ودفن في أبي قبيس فأخرجه نوح ﵇ زمن الطوفان وحمل تابوته في السفينة، ثم أعاده إلى مكانه وقيل: إلى "بيت المقدس" في مسجد إبراهيم ﵇ ورجلاه عند الصخرة ورأسه
стр. 212
عند مسجد إبراهيم ﵇، وبينهما عشرون ميلًا، وقيل: إن قبر آدم من بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم مطوي، ورواه ابن عمر بزيادة فيه.
فإذا كان يوم القيامة أقامه اللَّه على رجليه، ثم يحشر ذريته إليه، ويقول اللَّه: يا آدم، إليك أحشر ذريتك ولا أحشرك فيمن أحشر لكرامتك علي.
نوح ﵇: قيل: إن السفينة طافت بالبيت الحرام أسبوعًا، ثم طافت ببيت المقدس أسبوعًا، ثم استقرت على الجودي.
إبراهيم خليل الرحمن ﵇: وروى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض أكرمهم مهاجرًا إبراهيم فهو
مهاجره".
قال أهل التاريخ: لما قدم إبراهيم ﵇ فلسطين ولم يمت إبراهيم، حتى بعث إسحاق إلى أرض الشام، وبعث يعقوب إلى أرض كنعان، وإسماعيل إلى جرهم، ولوط إلى سدوم، فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم ﵇.
وذهب كعب، وعبيد اللَّه بن عمر، إلى أن قصة الذبيح كانت بالشام على صخرة بيت المقدس كما نقل في التوراة.
يعقوب ﵇ وهو إسرائيل: قال وثيمة: قيل سُمى إسرائيل لأنه أسري به فى سبع سماوات وصح عن اين عباس أنه قال: كان الأنبياء كلهم من بني إسرائيل إلا عشرة: هود، ونوح، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد صلى اللَّه عليهم أجمعين، وقيل إنه لما سافر إلى خاله وكان أبوه إسحاق وصى إليه أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأن ينكح بنات خاله وكان مسكنه القدس فتوجه إليه يعقوب فأدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدًا حجرًا فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل إليه وتعرج، فأوحى اللَّه إليه: "إني إلهك وإله آبائك، إبراهيم، وإسحاق، وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة لك ولذريتك من بعدك، وباركت فيك وفيهم، وجعلت لك الكتاب والحكم والنبوة، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا
стр. 213
المكان فاجعله بيتًا تعبدني فيه أنت وذريتك".
وأقول: وهذا منشأ الخلاف المنقول في باعث النفوس عن صاحب المستقصي في باب بناء بيت المقدس على أساس قديم وأن الأساس القديم الذي كان لبيت المقدس أسسه سام بن نوح ثم بناه داود ﵇، وسليمان على ذلك الأساس، وقيل: أول من بناه وأري موضعه يعقوب لما رويناه في هذا الأثر، وليس لبسط القول فيما في ذلك من الخلاف محل هنا فإن الأكثرين على أن أول من أسسه وبناه داود، ثم من بعده ولده سليمان ﵈ كما قدمناه في باب مبدأ وضعه واللَّه أعلم.
وقال وهب بن منبه لما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده وولد ولده وأوصاهم
وعهد إليهم وأوصى يوسف ﵇ أن يحمل جسده حتى يقبر مع أبويه إبراهيم وإسحاق في الأرض المقدسة فحمله يوسف ﵇ على عجلة من أرض مصر حتى أورده الأرض المقدسة ووضعه في موضعه الذي أمره به، ثم رجع إلى أرض مصر، وقال: واللَّه إنه مات هو وأخوه عيصو في يوم واحد، وكان عمر يعقوب وعيصو مائة سنة وسبع وأربعين سنة.
يوسف الصديق ﵇: روى أبو عبيد اللَّه الهروي بسنده إلى معمر قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] بئر بيت المقدس في بعض نواحيها.
قال أبو عبد اللَّه القضاعي: كانت النبوة والملك متصلين بالشام ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال عنهم بالقرس والروم بعد يحيى بن زكريا وعيسى ﵉.
موسى بن عمران ﵇: قال جماعة من العلماء: هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم الصلاة والسلام وقد ذكره اللَّه تعالى في القرآن في مواضع كثيرة متعددة ولم يذكر نبي باسمه في القرآن كما ذكر هو ﷺ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ
стр. 214
رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣] وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن موسى ﵇ كان رجلًا حسيبًا مستترًا لا يرى من جلده شيئًا من شدة استحيائه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما إدرة وإما آفة، وأن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وأن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول ثوبي
حجر حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر وأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] وبعثه اللَّه إلى فرعون ولم يكن من الفراعنة أعتى منه ولا أقسى قلبا ولا أطول منه عمرا في الملك ولا أسوأ ملكا لبني إسرائيل فكان يعذبهم ويستعبدهم وجعلهم له خدمًا وخولا وعاش فيهم أربعمائة سنة فبعث اللَّه تعالى إليه موسى ﵇ وكان من أمره معه ما قصه اللَّه تعالى في كتابه العزيز في غير موضع مبسوطًا،
стр. 215
وقد تقدم أن الصخرة كانت قبلته كذا ذكره في مثير الغرام ولعله يريد قول كعب لعمر بن الخطاب ﵁: اجعل القبلة خلف الصخرة فتجتمع قبلة موسى وقبلة محمد ﷺ .
وما رواه الزهري أنه لم يبعث اللَّه نبيًا منذ هبط آدم ﵇ إلى الأرض إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس، ومر به النبي ﷺ وهو يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، وفي لفظ في الصحيحين أن موسى ﵇ سأل اللَّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر أي مقدار فهو منصور عليه ظرف مكان، وإنما سأل موسى ﷺ ذلك متبركًا بالكون في تلك البقعة المقدسة وليدفن مع من فيها من الأنبياء والأولياء، وقوله ﷺ : "فلو كنت لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" المراد بهذه الطريقة التي سلكها ﷺ ليلة أسري به من مكة المشرفة إلى بيت المقدس، كما أشار إليه ﷺ بقوله: "مررت على موسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلى في قبره عند الكثيب الأحمر" وقد اشتهر أن قبره قريبًا من أريحا وهي من الأرض المقدسة وهو ظاهر يزار، ويقال: إنه قبر موسى وعنده كثيب أحمر وطريق وعلى هذا القبر الشريف الآن قبة مبنية بناها الملك الظاهر بيبرس رحمه اللَّه تعالى بعد سنة ستين وستمائة وقد رأى الشيخ عبد اللَّه الأموي القبة على هذه الصفة قبل بنائها بأكثر من
عشرين سنة، وحديث الشيخ عبد اللَّه أنه زار هذا القبر، وأنه نام فرأى في منامه قبة في هذا الموضع ورأى فيها شخصًا أسمر فسلم عليه وقال: أنت موسى كليم اللَّه أو قال: نبي اللَّه قال: نعم، فقلت: قل لي شيئًا فأومأ إلي بأربع أصابع، ووصف طولهن، فانتبهت ولم أدر ما قال: فجئت إلى الشيخ ديال فأخبرته بذلك فقال يولد لك أربعة أولاد وكنت قد تزوجت فولد لي أربعة أولاد فكانت وفاة هذا الرائى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وذكر الثعلبي وغيره أن عمر موسى ﷺ كان لما قبضه اللَّه تعالى إليه، مائة وعشرين سنة. ولذلك قال وهب بن منبه، لما قبض هارون ﵇ كان لموسى ﷺ مائة وعشرين سنة وسبع عشرة سنة وعاش موسى ﵇ بعد
стр. 216
هارون ﵇ ثلاث سنين رواه الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
يوشع بن نون ﵇: وروى أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى- في مسنده عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لم تحبس الشمس على بشر إلا ليوشع ليال سار إلى بيت المقدس" وصحح الحاكم في المستدرك أن يوشع بن نون هو الذي دعا لحبس الشمس عليه فحبسها اللَّه ، قال القضاعي: بعث اللَّه يوشع بن نون بعد موسى، وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب من فيها من الجبارين فسار إليهم مع بنى إسرائيل، فقاتلهم يوم الجمعة حتى أمسوا، ودخل السبت فدعا اللَّه تعالى ليرد عليه الشمس، وزيد في النهار يومئذ نصف ساعة، فهزم الجبارين واقتحم عليهم الباب وقتلهم وكان من أمرهم كما ذكره علماء السير والأخبار فيما نقوله عن شيوخهم.
داود ﵇: كان بيت المقدس دار ملكه وقد تقدم أنه شرع في بنائه فمات، ولم يتمه، وكان له فيه من الأعمال الصالحة، والمواعظ النافعة عند قراءة الزبور، ما هو مشهور في الكتب المطولات، وروى "ابن أبي الدنيا" بسنده إلى يزيد الرقاشي قال: بلغنى أنه كان في بني إسرائيل زمن داود ﵇ أربعمائة جارية عذراء، وكن يجئن إلى داود ﵇ يوم نوحه فيقمن حتى يسمعن الصوت، ولا يرين الشخص، فإن
أحسن الأصوات ما سمع من وراء حجاب، قال: ويرفع صوته بقراءة الزبور والنياحة على نفسه فما برحن حتى متن عن آخرهن ويقال: إن قبره بكنيسة صهيون لأنها كانت داره، وفي كنيسة صهيون موضع يعظمه النصارى ويذكرون أن قبر داود فيه.
قال المشرف: "سمعت جماعة يقولون ذلك لا يختلفون فيه" وذكر "أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن البنا" في "كتاب البديع" أن "قبر داود ﵇ في كنيسة صهيون " وكذا "ذكر صاحب كتاب الأنس" بسنده
стр. 217
إلى أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دعا داود ﵇: رب أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، رب اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي، ومن أهلي ومن مالي، ومن الماء البارد" قال: فكان رسول اللَّه ﷺ : إذا ذكر داود ﵇ وحدث عنه قال: وكان أعبد البشر، وعن أبي المنهال عن عبد اللَّه بن الحارث قال: أوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇ أن اذكرني وأحبنى وأحب أحبائي وحببني إلى عبادي قال: يا رب كيف أحببك إلى عبادك، قال: اذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون منى إلا الحسن" وعن ابن عباس ﵁ قال: "أوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇ أن قل للظلمة لا يذكروني فإنه حق عليّ أن أذكر من يذكرني وإن ذكري إياهم أن ألعنهم فأقول ألا لعنة اللَّه على الظالمين".
سليمان بن داود ﵉: تقدم أنه لما فرغ من بناء المسجد سأل اللَّه تعالى خلالًا ثلاثًا وهو صحيح خرج في السنن، قيل: إنه دعا على الصخور التي في مؤخر المسجد مما يلى باب الأسباط قاله المشرف في كتابه، وعن ابن رجاء بن حيوة عن أبيه قال: قدم كعب إيليا من الموات فرشًا حبرًا من أحبار اليهود ببضعة عشر دينارًا ليدله على الصخرة التي قام عليها سليمان يوم فرغ من بناء المسجد وهو مما يلي باب الأسباط، وروى شهاب بن حرسى وهو ثقة مشهور، عن بكر بن حبيش قال: كان سليمان ﵇ إذا دخل بيت
стр. 218
المقدس وهو ملك الأرض يقلب بصره إلى أن يجلس، وكان يرى المساكين والحرس والمجزومين فيدع الناس، وينطلق يجلس معهم تواضعًا ولا يرفع طرفه إلى السماء ثم يقول مسكين مع المساكين، وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: قال أهل التواريخ: كان عمر سليمان ﵇ ثلاثًا وخمسين سنة وهو
ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ ببناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين، واللَّه أعلم.
شعيبا ﵇: وهو الذي بشر بعيسى ﵇، ومحمد ﷺ ولما قتله بنو إسرائيل سلط اللَّه عليهم عدوهم فشردهم وأفناهم، وأقام الشام خرابًا ليس فيه غير السامرة سبعين سنة، والملك لأهل بابل.
أرميا ﵇: لما أحدث بنو إسرائيل البدع ورغبوا عن دينهم ورغب بعضهم عن بيت المقدس وصارعوه "لمسجد صراط فنزل بهم المسجد" غزاهم بخت نصر "فتابوا إلى اللَّه فرده عنهم ثم أحدثوا بعد ذلك أحداثًا كثيرة فبعث اللَّه تعالى إلى أرمي ﵇ ليخبرهم بغضب اللَّه تعالى عليهم فضربوه وقيدوه فبعث اللَّه بخت نصر، فقتل منهم وحرق وسبى الذراري وخرب بيت المقدس وخرج أرميا إلى مصر، فأقام بها ثم أمره اللَّه تعالى بالعود إلى إيليا، فلما أشرف على خراب بيت المقدس قال أنى يحيي هذه اللَّه بعد موتها فأماته اللَّه مائة عام ثم أحياه بعد أن عمر بيت المقدس يقال: أنه قام خرابًا سبعين سنة، وقيل: أن الذي مر على قرية
стр. 219
هو عزير قاله قتادة ولم يكن نبيًا، وكان ممن سباهم بخت نصر، فلما عاد عزير إلى بيت المقدس أقام لبني إسرائيل التوراة من حفظه بعد أن حرقت وكان من علمائهم، وقالوا في آخر أيام عزير: زال ملك الفرس عن الشام وصار لليونانين من ولد يونان.
زكريا ﵇: قال تزوج زكريا ﵇ بامرأة، وتزوج عمران بأختها وهي أم مريم ﵍، فلما ولدت مريم ﵇ وكان قد مات أبوها، كفلها زكريا، فلما كبر زكريا رزقه اللَّه تعالى من زوجته ولده يحيى ﵇ وكانت عاقرًا ولم يرزق ولدًا غيره وولدت مريم عيسى ﵇ بعد ولادة يحيى بثلاث سنين، وقيل ستة أشهر فاتهم بنو إسرائيل زكريا بمريم فهرب منهم ودخل في جوف شجرة فقطعوها بالمنشار.
وقال ابن إسحاق: ذكر لي بعض أهل العلم أن زكريا مات موتًا، وروى
صاحب كتاب الأنس بسنده إلى وهب، أن زكريا هرب ودخل جوف شجرة فوضع على الشجرة المنشار فقطع نصفين فلما وقع المنشار على ظهره أنَّ فأوحى اللَّه إليه إما أن تكف عن أنينك وإما أن أقلب الأرض ومن عليها فسكت حتى قطع نصفين يحيى بن زكريا ﵉.
وقيل: هو ابن خالة مريم بنت عمران، وقيل ابن أختها ويعضده الحديث في عيسى ويحيى وهم ابنا الخالة قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] قال قتادة: لا يأتي النساء مع القدرة وهو قول ابن عباس وابن مسعود. قال سعيد بن المسيب والضحاك: إنه العنين وقال في كتاب الأنس: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] يعنى بعيسى، ويحيى أول مصدق بعيسى وهو ابن ثلاث سنين وبينهما ثلاث سنين وهما ابنا خالة، وفي مستدرك الحاكم من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا يحيى بن زكريا ثم أخذ الرسول من الأرض عودًا صغيرًا فقال وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود ولذلك سماه سيدًا وحصورًا". وقال على شرط مسلم ويقال أنه صنيع
стр. 220
عيسى بنهر الأردن.
ويقال أن عيسى بعث يحيى في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس.
ويقال أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل شاور يحيى في تزويج امرأة فقال إنها بغي فاحتالت المرأة عليه حتى قتله الملك، وبقي دمه يغلي وكان ذلك قبل رفع عيسى ولما رفع غزاهم ملك من ملوك بابل وظهر عليهم بذلك ورأى دم يحيى يغلي فقتل عليه خلقًا من الناس وخرب بيت المقدس، وقيل أنه أفتى في امرأة أب لا تحل لابن زوجها فضربت رقبته لذلك وكان رأسه بعد أن انقطع يقول لا تحل لها ولا تحل لك، وزعم قوم أن بخت نصر هو الذي غزاهم وقتلهم على دم يحيى بن زكريا، وليس بصحيح لأن بخت نصر خرب بيت المقدس قبل ولادة يحيى بنحو أربعمائة سنة وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى عبد اللَّه بن مسلم، عن مرة قال: "ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي ﵉ وحمرتها بكاؤها، وسنده إلى ابن عباس ﵄ قال أوحى اللَّه إلى محمد ﷺ أني
قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفًا، وإنِّي قاتل بابن بنتك سبعين ألفًا وبسنده إلى عبد اللَّه بن عمر، قال: دخل يحيى بن زكريا بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج، ونظر إلى أهل بيت المقدس قد لبسوا مدارع الشعر، وبرنس الصوف، ونظر إلى مجتهديهم، فذكر الراوي من حالهم ثم قال فأتى أبويه فسألهما أن تدرعاه الشعر ففعلا ثم رجع إلى بيت المقدس فكان يخدم فيها نهارًا ويسبح ويصلي ليلًا حتى أتت عليه خمس وعشرون سنة فذكر سياحته وجلوسه على بحيرة الأردن وقد نقع قدميه في الماء من العطش وقد كاد أن يذبحه، وفيه أنه قال للَّه تعالى: "وعزتك لا أذوق (*) بارد الشراب حتى أعلم أين مصيري إلى الجنة أم إلى النار فبكى أبواه وسألاه أن يأكل قرصًا من شعير كان معهما ويشرب من ذلك الماء"
стр. 221
[فرق لهما وفعل، فكفر عن يمينه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤]] (*) فرده أبواه إلى بيت المقدس فكان إذا كان في صلاته بكى فيبكي زكريا لبكائه حتى يغمى عليه وتبكي أهل المنازل، ومن كان من العباد حولهما لبكائهما فلم يزل كذلك حتى خرقت دموعه خديه فاتخذت أمه قطعتين من لبد وألصقتهما إلى خديه تستنقع دموعه إذا بكى في القطعتين فتقوم أمه فتعصرهما فكان يحيى إذا نظر إلى دموعه تجري على ذراعي أمه قال: "اللهم هذه دموعي وهذه أمي وأنا عبدك وأنت أرحم الراحمين" أورده المشرف بسنده فيه إلى ابن لهيعة والرازي عن الغافقي.
عيسى ﵇ -: جاء في حديث المعراج أن النبي ﷺ صلى تلك الليلة حيث ولد عيسى، وهو حديث قوي، وكان عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يبعث بزيت يسرج في بيت لحم حيث ولد عيسى ﵇، وعن هلال بن دنيا قال: دخل عيسى ابن مريم بيت المقدس وبنو إسرائيل يتبايعون فيه فجعل ثوبه مخرقًا وجعل يضربهم به ويفرقهم ويقول: يا بني أولاد الحيوة والأفاعي اتخذتم مساجد اللَّه أسواقًا.
وقيل: لما تم لعيسى ثمانية أيام من يوم ولد ختن على سنة موسى ﵇ وسموه اليشوع، وهربت به أمه إلى مصر، فأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم رجعت به إلى الشام
فلما بلغ ثلاثين سنة جاءه الوحي.
قال القضاعي ويقال: إنه رفع ليلة القدر من جبل بيت المقدس قال وهب: وتوفى اللَّه عيسى ﵇ ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه اللَّه تعالى إليه قال: وكانت بيت المقدس حين رفع عيسى للروم، فلما بلغ ملك الروم ما فعل به، وجه فأنزل المصلوب وأخذ جثته أو قال خشبته فأكرمهما، وقتل من بنى إسرائيل قتلًا كثيرًا وأجلاهم من فلسطين ومن هناك كان أصل النصرانية في الروم، واسم هذا الملك قسطنطين وهو الذي بنى قسطنطنية.
وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى معروف الكرخي، قال: اجتمع اليهود على قتل عيسى ابن مريم ﵉ فأهبط اللَّه عليه جبريل ﵇ في باطن جناحه مكتوب: (اللهم إني أعوذ بك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الأحد
стр. 222
الصمد، وأدعوك اللهم باسمك العظيم الوتر وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملك الأكوان كلها أن تكشف عني ضرر ما أمسيت وأصبحت فيه فأوحى اللَّه جبريل أن ارفع عبدي إلي) وقال النبي ﷺ لأصحابه: عليكم بهذا الدعاء ولا تستبطئوا الإجابة فإن ما عند اللَّه خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، ومن مواعظه ﵇ حديث معاوية أن أبا فروة حدثه أن عيسى ﵇ كان يقول لا تمنع العلم من أهله فتأثم ولا تنشره عند غير أهله فتجهل، وكن طبيبًا رفيقًا يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع.
وعن دريد عن أبي محمد قال: قال عيسى ابن مريم: من سره أن يكون مؤمنًا حقًا فلا يجمعن لغده فإنه من جمع شيئًا بالأمل حال دونه الأجل ويحاسب بالفضل ويأكل كده غيره هنيئًا.
وعن محمد ابن الحنفية قال: قال عيسى ﵇: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللَّه تعالى فتقسوا قلوبكم، وإن كانت لينة فإن القلب القاسي بعيد من اللَّه تعالى ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كهيئة الأرباب، وانظروا في ذنوب أنفسكم كهيئة العبيد فإنما الناس مبتلى ومعافى فاحمدوه على العافية وارحموا المبتلى) وعن أبي
هريرة ﵁ قال: قال عيسى ﵇ لأصحابه: (اتخذوا المساجد مساكن والبيوت منازل وكلوا من بقل البرية وانجوا من الدنيا بسلام) قال شريك: فذكرت
стр. 223
ذلك للأعمش فقال: واشربوا الماء الصراح، وعن ميمون بن سنا قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: (يا بنى إسرائيل اتخذوا مساجد اللَّه بيوتًا، واتخذوا بيوتكم منازل للضيفان مالكم في العالم من منازل إن أنتم إلا عابري سبيل) وعن عمارة بن غرية قال: كان عيسى ﵇ يقول لأصحابه (الحق أقول لكم حب الدنيا رأس كل خطيئة وبالنظر تزرع الشهوة في القلب وكفى بها خطيئة) وعن مجاهد قال: قالت مريم ﵍: (إذا خلوت حدثني عيسى ﵇ وحدثته، وإذا كان عندي إنسان سمعت تسبيحه في بطني).
الخضر ﵇ -: ذهب جماعة من العلماء ﵃ إلى أنه نبي وهو اختيار الإمام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-، وذهب آخرون إلى أنه ولي ومذهب الأكثرين أنه حي وهو المختار عند محققي شيوخنا وللعلماء -رحمهم اللَّه تعالى- مصنفات فيما يتعلق بأحواله وقد تقدم ذكره وإن مسكنه بيت المقدس فيما بين باب الرحمة، وباب الأسباط.
مريم الصديقة ﵍: تقدم أن قبرها في الكنيسة المعروفة بالجمسانية وموضع متعبدها بمسجد بيت المقدس وهو الموضع الذي يعرف بمهد عيسى وزكريا، قال المشرف في معنى تلك الموضوع وهو قوله، ثم يمضي الزائر إلى محراب مريم وموضع متعبدها وهو يعرف بمهد عيسى ويجتهد في الدعاء فإن الدعاء فيه مستجاب ويصلي فيه ويقرأ سورة مريم لما فيها من ذكرها ويسجد فيها كما فعل عمر ﵁ في محراب داود ﵇.
المهدي الذي يكون في آخر الزمان: قال في مثير الغرام روينا عن أبي سعيد الخدري ﵁: (قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه
стр. 224
وسلم-: ينزل بأمتى في آخر الزمان، بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع الناس ببلاء أشد منه حتى تضيق عليهم الأرض الرحبة وحتى يملأ الأرض جورًا وظلمًا، ثم إن اللَّه يبعث رجلًا يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا يرضي ساكن السماء وساكن الأرض لا تدخر الأرض من بذرها
شيئًا إلا أخرجته ولا السماء من قطرها شيئًا إلا صبه اللَّه عليهم مدرارًا يعيش فيهم سبع سنين أو ثماني سنين أو تسعًا يتمنى الأحياء الأموات بما صنع اللَّه بأهل الأرض من الخير).
روى الطبراني بسنده إلى أبي سعيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (يخرج رجل من أمتى يقول بسنتي ينزل اللَّه له القطر من السماء فتخرج له الأرض من نباتها أو قال من بركتها تملأ الأرض منه قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل ببيت المقدس)، وروى نعيم بن حماد، قال: حدثنا عبد اللَّه بن مروان عن الهيثم بن عبد الرحمن عمن حدثه عن علي ﵁ قال: المهدي يولد بالمدينة من أهل بيت رسول اللَّه ﷺ اسمه اسم نبي ومهاجره بيت المقدس، قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه بن أبي أمية عن محمد ابن الحنفية تخرج راية سوادء لبني العباس وتخرج من خراسان أخرى سوداء وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح مولى بنى تميم يهزمون أصحاب السفياني حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه ويفد إليه من الشام ويكون بين خروجه وبين أن يسلم إليه الأمر ثلاثة وسبعون شهرًا.
وقيل يخرج شعيب بن صالح مولى بني تميم مختفيًا إلى بيت المقدس يوطئ للمهدي منزله إذا بلغه خروجه إلى الشام، قال: فإذا سمع العامل الذي بمكة الخسف خرج مع اثنى عشر ألفًا فيهم الأبدال
стр. 225
حتى ينزلوا إيليا بيت المقدس"
عن سليمان بن عيسى قال: بلغني أن على يدي المهدي يظهر تابوت السكينة من بحيرة طبرية فيحمل فيوضع بين يديه في بيت المقدس فإذا نظرت اليهود وأسلمت إلا قليلًا منهم ثم يموت المهدي.
وعن أبان بن صاع عن الحسن عن أنس ﵁ عن النبى ﷺ قال: "لا يزداد الأمر
إلا شدة ولا الناس إلا شحًا ولا الدنيا إلا إدبارًا ولا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم" أخرجه ابن ماجه في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي ﵁ وحديثه رواه جدا لا يعارض بما تقدم فإنه ثابت قوي ولا يزال في بيت المقدس يعمل بعمل آل داود، وعن أبي السائب قال: سمعت أبي يذكر أن رجلًا انتقل إلى بيت المقدس فقيل ما نقلك إليها قال: بلغني أنه لا يزال في بيت المقدس رجل يعمل بعمل داود.
ومن دخل بيت المقدس من أعيان الصحابة ﵃ أجمعين.
عمر بن الخطاب ﵁ - فإنه قدم الشام أربع مرات، قال الحافظ أبو محمد القاسم: مرتين سنة ست عشرة ومرتين في سنة سبع عشرة ولم يدخلها في الأولى من الأخيرتين ودخل حال الصلح كما تقدم.
وأبو عبيدة ابن الجراح ﵁ - انطلق يريد الصلاة ببيت المقدس فأدركه أجله بفحل فتوفي بها وقال ادفنوني غربي نهر الأردن إلى الأرض المقدسة وقيل: قال ادفنوني حيث قبضت فإني أتخوف أن تكون سنة مات سنة ثماني عشرة في طاعون عمواس وهي من الرملة على أربعة أميال مما يلي بيت المقدس أقول مقام أبي عبيدة بن الجراح
стр. 226
-﵁ وموضع قبره ظاهرة مقصودة بالزيارة في قرية يقال لها عمثا تحت جبل عجلون بين فقارس، والعادلية بزاوية دير علا من الغور الغربي وقد زرته مرارًا وتقدم أنه دخل بيت المقدس أميرًا على الجيش الذي جهزه عمر أنه كتب إلى عمر واستدعاه للصلح فحضر وفتح بيت المقدس صلحًا ومات أبو عبيدة ﵁ وهو ابن ثمان وخمسين سنة في خلافة عمر ﵁ ذكره الحافظ أبو محمد القاسم.
وسعد بن أبي الزهري من بني زهرة ﵁ - أحد العشرة عند قدومه بيت المقدس وأحرم عنها بعمرة.
وروى الحافظ أبو القاسم بسنده إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: ما بكيت من الدهر إلا على ثلاثة أيام: يوم قبض رسول اللَّه ﷺ ، ويوم قتل عثمان بن عفان، واليوم أبكي على الحق فعلى الحق السلام، ومات رحمه اللَّه تعالى بمكة المشرفة.
أبو الدرداء عويمر ﵁، وسعيد بن أبي زيد بن عمر بن نفيل قدم بيت المقدس زمن الفتوح وتوفي بالعقيق، ابن بضع وسبعين سنة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وشهده سعد بن أبي وقاص، وابن عمر وأصحاب رسول اللَّه
стр. 227
- ﷺ وذكر أهل الكوفة أنه مات عندهم بالكوفة في خلافة معاوية وصلى عليه المغيرة، وهو يومئذٍ والي الكوفة لمعاوية.
وعبد اللَّه بن عمر قدم بيت المقدس وأهل منه بعمرة قال: وكان قدومه بعد صلاة الصبح فجلس في المسجد حتى إذا طلعت الشمس قام فصلى ركعات هو ومن معه، ثم قعدوا على رواحلهم ولم يأتوا الصخرة ولم ينتظروا صلاة الجماعة وأحرم ابن عمر عام الحكمين من بيت المقدس، وفي موطأ مالك عن الثقة عنده أن عبد اللَّه بن عمر أهل من إيليا.
وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهيمي وأبوه وأخوه عبيد اللَّه شهدوا أجنادين وقدموا على معاوية فبايعه عمرو على طلب دم عثمان بن عفان وكتبا بينهما كتابا فيه بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس بعد قتل عثمان وحمل كل منهما صاحبه الأمانة أن بيننا عهد اللَّه على التناحر والتخالص والتناصح في أمر الإسلام ولا يخدر أحدنا صاحبه بشيء ولا يتخذ من دونه وليجة ولا يجول بيننا ولد ولا والد ما حيينا فيما استطعنا.
قال ابن أبي جميلة عن طرف رأيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قدم إلى بيت لحم فصلى وأمر بزيت لإينارها.
ومعاذ بن جبل ﵁ - روى إبراهيم بن أبي عبلة، عن رجاء بن حيوة عن عبد الرحمن بن تميم الأشعري أن معاذًا أتى بيت المقدس فأقام بها ثلاثة أيام بلياليها يصوم ويصلي فلما خرج منها وكان على الشرف التفت إليها، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما ما مضى من
стр. 228
ذنوبكم قد غفر لكم فانظروا ما أنتم صانعون فيما بقى من أعماركم رواه الحافظ أبو محمد القاسم بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبلة فقد تقدم ذكره، ثم روى
الحافظ أيضًا بسنده إلى عثمان بن عطاء عن أبيه، أنه قال: قبر معاذ بن جبل بقصر خالد من عمل دمشق، أقول قبر معاذ بن جبل ﵁ ظاهر مقصود بالزيارة بالقصيرة الذي من الغور وقد زرته مرارًا وأنزلت به أمورًا مهمة وتوسلت إلى اللَّه به فيها، فرأيت أثر الإجابة ببركته وبركة صاحبه ﵁ قال صاحب كتاب الأنس بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: مات معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وأبو ذر الغفاري ﵁ -: وابن جندب بن جنادة، روى الإمام أحمد في مسنده عن الأحنف بن قيس قال: دخلت بيت المقدس فرأيت فيه رجلًا يكثر الركوع والسجود فوجدت فى نفسي من ذلك شيئًا فلما انصرف قلت أتدري على شفع أنصرف أم على وتر؟ فقال: أما أنا لا أدري فقلت: ومن يدري؟ فقال: أخبرني حبيبي أبو القاسم ﷺ ، ثم بكى "ما من عبد سجد للَّه سجدة إلا رفعه اللَّه بها درجة وحط عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة" قال: قلت: أخبرني من أنت رحمك اللَّه؟ فقال: أنا أبو ذر صاحب رسول اللَّه ﷺ فتقاصرت إلى نفسي، وروى غيلان عن مطرف قال: دخلت مسجد بيت المقدس فذكر بنحوه قال: وسكن أبو ذر بيت المقدس، ثم ارتحل إلى المدينة، وتوفي بالربذة آخر خلافة عثمان ﵄.
وسلمان الفارسي ﵁ - دخل بيت المقدس يبتغي العلم من الراهب الذي كان به وقصته مشهورة مذكورة في مثير الغرام وفيها: أنه خرج في طلب شخص قال فلقيني ركب من كلب فأناخ رجل منهم بعيره وحملنى خلفه ثم أتوا
стр. 229
بي بلادهم فباعوني إلى امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها وقدم رسول اللَّه ﷺ فأخذت شيئًا من تمر حائطي وأتيته فوجدت عنده ناسًا وأقربهم إليه أبو بكر فوضعت التمر بين يديه فقال: ما هذا؟ قلت: صدقة فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل ولبثت ما شاء اللَّه ثم أخذت مثل ذلك وأتيته به فوجدت عنده ناسا فقال: ما هذا؟ قلت: هدية فقال: باسم اللَّه وأكل القوم، قال: رددت من خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا خاتم النبوة في ناحية كتفه الأيسر فتبينته فرجعت، فجلست بين يديه، وقلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه فقال: من أنت؟ قلت: مملوك، وحدثته حديثي، فقال: لي لمن أنت؟
قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها، فقال: يا أبا بكر: قال: لبيك قال: اشتره، فاشتراني أبو بكر وأعتقنى، فلبثت ما شاء اللَّه ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه وقلت: يا رسول اللَّه! ما تقول في دين النصارى؟ قال: لا خير فيهم، ولا في دينهم، قال: فداخلنى من ذلك أمر عظيم، قلت في نفسي: الذي أقام المقعد لا خير فيه ولا في دينه، ثم انصرفت وفي نفسى شيء وأنزل اللَّه على نبيه ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]. فقال النبي ﷺ : علي بسلمان فأتاني الرسول وأنا خائف فجئت فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] الآية، ثم قال: يا سلمان: إن الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى وإنما كانوا مسلمين فقلت: والذي بعثك بالحق إن صاحبي لهو الذي أمرني باتباعك. فقلت له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، قال: نعم. فأنزله فإنه على الحق قال الحافظ الذهبي هذا حديث جيد الإسناد حكم الحاكم بصحته.
стр. 230
قال الواقدي: ومات سلمان في خلافة عثمان ﵄ بالمدائن وقيل: توفي سنة ست وثلاثين، وقال أبو العباس بن الوليد النجراني: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة وليس ما قاله البغوي، قال الذهبي: وقد فتشت فيما ظفرت في سنة فلم أظفر بشئ سوى هذا القول وهو منقطع لا إسناد له وجميع أمره وأحواله وغزوه وهمته وسيفه الجريد وغيره يقضي أنه ليس بمعمر ولا هرم لقد فارق وطنه، وهو حدث ولعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل وقد سمع بمبعث النبي ﷺ ، ثم هاجر ولعله عاش بضعا وستين سنة وما أداه مبلغ المائة وقد نقل طول عمره ابن الجوزي، وما علمت في ذلك شيئًا يركن إليه.
خالد بن الوليد ﵁ -: سيف اللَّه المسلول، دخل بيت المقدس، وشهد فتح دمشق، وتوفي بحمص وقبره ظاهر بها يزار ويقصد ولما حلق رسول اللَّه ﷺ ابتدره الناس وانتدب خالد بن الوليد إلى ناصيته
стр. 231
فأخذها وجعلها في قنصوته وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي ﷺ قال عبد الرحمن بن إبراهيم: توفي خالد بن الوليد بالمدينة والأظهر والأشهر أنه مات بحمص وقيل دفن على ميل من حمص سنة إحدى أو اثنين
وعشرين في خلافة عمر ﵁.
وعمرو بن العاص السهمي: وقد تقدم ذكره عند ذكر ابنه عبد اللَّه بن عمرو، وما كان بينه وبين معاوية بن أبي سفيان من كتاب العهد.
وروى الحافظ صاحب المستقصى بسنده إلى قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلًا أقرأ لكتاب اللَّه، ولا أنعم لدين اللَّه ولا أحسن مدارة منه، وصحبت طلحة بن عبد اللَّه فما رأيت رجلًا أعطى الجزيل عن غير مسألة منه، وصحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيت رجلًا أوسع حلمًا منه، وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أغض طرفًا ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه، وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها ﵃.
وعياض بن تميم ﵁ - دخل بيت المقدس وبنى بها حمامًا وهو ابن عم أبي عبيدة استعمله عمر على حمص وله رواية عن النبي ﷺ مات سنة عشرين.
وعبد اللَّه بن سلام أبو الحارث الإمام الحبر الإسرائيلي
стр. 232
المشهود له بالجنة من خواص الصحابة. قال الواقدي: بلغنا أنه شهد فتح بيت المقدس، قال ابن سعد: وكان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ بعبد اللَّه توفي سنة ثلاث وأربعين.
يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب: بعثه أبو بكر ﵁ إلى الشام، وكان على جند من الأجناد المنفذة، قال في المستقصى: وتوفي يزيد بن أبي سفيان وأمر عمر مكانه أخاه معاوية بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان تعاهد ثلاثة من الكوفة على قتله وقتل عمرو بن العاص وحبيب بن أبي سلمة فأقبلوا بعدما بويع معاوية بالخلافة حتى قدموا إيليا وصلوا من السحر ما قدر لهم والقصة في ذلك مشهورة قال الحافظ ابن محمد القاسم: ولاه عمر بن الخطاب دمشق عمل أخيه يزيد بن أبي سفيان بعد موته ثم قتل عمر فولاه عثمان ذلك العمل وجمع له الشام كله فكانت ولايته على الشام أميرًا عشرين سنة ثم بويع له بالخلافة واجتمع الناس عليه بعد قتل علي، فلم يزل خليفة عشرين سنة حتى مات ليلة الخميس نصف رجب سنة ستين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر قدم بيت المقدس ومات بمدينة رسول اللَّه ﷺ وليس هو المدفون بينبي التي بين الرملة وغزة وإنما بها بعض ولده مات سنة سبع وخمسين، وقال في كتاب الأقشهري إنه توفي بالعقيق، وقيل: بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقال الحافظ ابن النجار: وقيل عنه أكثر من ثمانمائة رجل صحابي وتابعي، وأبو أمامة صدي بن عجلان سكن بيت المقدس ودمشق فكان قد شهد حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة وله رواية كثيرة عن النبي ﷺ ، وكان آخر من بقى بالشام من الصحابة سنة ست وثمانين كذا في المستقصى.
стр. 233
وقال أبو الحسن بن عمير: سمعت ابن سميع يقول شهد أبو أمامة حجة الوداع وهو ابن ثلاثين سنة مات في سنة إحدى وثمانين وبمنزله دفنوه.
وأبو مسعود الأنصاري: عتبة بن عمرو البدري سكن بدرًا ولم يشهدها على الأرجح وتوفي سنة تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين، وحكى صاحب المستقصى أنه دخل بيت المقدس فتبعه ناس، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد يلقى اللَّه لا يشرك به شيئًا ولا يتغذى بدم حرام إلا دخل من أي باب من أبواب الجنة شاء" ورواه ابن مبارك محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن عقبة بن عامر المقتول يوم اليمامة شهيدًا وقد مر مرفوعًا أفرده صاحب المستقصى بالذكر فقال ومنهم عقبة بن عامر الجهني وأورد هذا الحديث بسنده إليه، ثم قال أبو سعيد: وتوفي بمصر في خلافة معاوية واللَّه أعلم.
وأبو جمعة الأنصاري: واسمه حبيب بن سباع، وقيل غير ذلك، قدم بيت المقدس يعد من الشاميين، وعلى هامش المستقصى بخط الأصل، قال ابن سميع: مات بالشام أول المحرم سنة سبع وسبعين، وكتب لخته ملحق بعد سنة.
ومرة بن كعب قال: ابن عبد البر نزل مرة البصرة ثم نزل الشام، وتوفي سنة سبع وخمسين بالأردن.
وعبادة بن الصامت: سكن بيت المقدس وهو ممن شهد العقبة الأولى والمشاهد كلها، ووجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين.
قال ابن عبد البر: ومات بفلسطين ودفن ببيت المقدس وقبره معروف
стр. 234
الى اليوم، وقيل: توفي بالرملة، والأول أكثر وأشهر وكانت وفاته سنة أربع وثلاثين والآن قبره لا يعرف ببيت المقدس ولا بالرملة واندرس لاستيلاء الفرنج على تلك الناحية كذا في مثير الغرام، وترجم في المستقصى بقوله: ذكر بعض من سكن بيت المقدس من الصحابة منهم عبادة بن الصامت ثم ذكر بسنده إلى عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، أنه مات بالرملة من الشام سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وله عقبة قال محمد بن سعد: سمعت من يقول: إنه بقى حتى مات في خلافة معاوية بالشام وهذا كلام المستقصى.
وشداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت نزل الشام ناحية فلسطين، قال عبادة بن الصامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم، وقال أبو الدرداء: إن اللَّه تعالى يؤتي الرجل العلم فلا يؤتيه الحلم ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وشداد بن أوس آتاه اللَّه العلم والحلم، وروي أنه لما دنت وفاة النبي، قام ثم جلس، ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : "ما سبب قلقك يا شداد؟ " فقال: يا رسول اللَّه ضاقت بي. فقال: "إن الشام ستفتح إن شاء اللَّه تعالى وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء اللَّه تعالى" ذا عبادة واجتهاد وله عقب ببيت المقدس، مات سنة ثمان وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل مات سنة ست وأربعين، وقبره ظاهر يزار ببيت المقدس بالقرب من باب الرحمة حذى سور المسجد الأقصى، وفي المستقصى أنه نزل الشام بفلسطين، ومات بها.
وأبو ريحانة واسمه شمعون بشين معجمة وقيل بمهملة، القرطبي من بني قريظة.
стр. 235
ويقال: إنه من بني، النضير، ويقال: مولى رسول اللَّه ﷺ مات قبل وفاة النبي ﷺ ، وسكن أبو ريحانة بيت المقدس، وكان يقضى في المسجد الأقصى، يقال له: أزدي، ويقال: دوسي، ودوس من الأزد، كذا ذكره الداري، ويقال: القرشي بنى بدمشق دارا، وتميم بن أوس وفد هو وأخوه نعيم على رسول اللَّه ﷺ سنة تسع وأسلما وصحب تميم رسول اللَّه ﷺ وغزا معه وروى عنه ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد مقتل عثمان وكان أميرًا على بيت المقدس، قال روح بن زنباع: دخلت عليه وهو أمير المؤمنين ببيت المقدس وهو ينقي لفرسه شعيرًا، ثم قام به حتى يعلقه عليه، فقلت له:
ما عندك من يكفيك هذا؟ فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نقى لفرسه في سبيل اللَّه شعيرًا ثم قام به حتى يعلفه عليه كتب له بكل شعيرة حسنة" رواه الطبراني في معجمه الصغير، وأقطعهما رسول اللَّه -صلى
стр. 236
اللَّه عليه وسلم- ببلادهما حبري وبيت عينون وليس لرسول اللَّه ﷺ قطيعة على غيرهما وكان تميم يحذر من زلة العالم فإن الناس يقتدون به وإن تاب بعد ذلك، وروينا في سنن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "أول من أسرج في المساجد تميم الداري" وتوفي في سنة أربعين ويقال: إن قبره بالقرب من قرية من قرى الشام يقال لها: السهوة.
والشريد بن سريد قدم بيت المقدس لأنه نذر أن يصلي فيه إن فتح اللَّه مكة على رسول اللَّه ﷺ واستأذن في ذلك فأذن له.
وابن الجدعاء وهو عبد اللَّه بن أبي الجدعا التميمي، ويقال الكناني، ويقال العبدي، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: كنت مع رهط بإيليا فقال رجل منهم سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يدخل الجنة بشفاعتي رجل من أمتي أكثر من بني تميم" قيل: يا رسول اللَّه ﷺ سواك قال: سواي. فلما قام قلت: من هذا؟ قال: ابن أبي جدعاء" حديثه صحيح حسن غريب رواه الترمذي، وفيروز الديلمي أبو عبد اللَّه، ويقال عيد الرحمن، ويقال أبو الضحاك، ويقال الحميري لنزوله بحمير وهو من أبناء فارس من قرى صنعاء وفيروز من الذين بعثهم كسرى إلى اليمن فنفوا الحبشة منها وغلبوا عليها سكن بيت المقدس ويقال إن قبره به مات في خلافة عثمان.
стр. 237
وذو الأصابع التميمي ويقال الخزاعي ويقال الجهني سكن بيت المقدس قال ابن سعد ذو الأصابع من أهل اليمن من المدد الذين نزلوا الشام ببيت المقدس.
وأبو محمد النجاري بالجيم الأنصاري البدري أظنه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن غنم بن مالك بن النجار، كذا نسبه الواقدي وغيره وهو الذي زعم
أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد قيل توفي في خلافة عمر بن الخطاب، وقيل شهد صفين مع على ﵁.
وأبو ابن حرام، ويقال أبي ويقال: عبد اللَّه بن أبي، وقيل عبد اللَّه بن كعب، وقيل عبد اللَّه بن عمرو بن قيس، وأمه أم خزام بنت ملحان أخت أم سليم أسلم قديمًا، ويعد في الشاميين، وروى عن النبي ﷺ حديث: "عليكم الكسائب والسنون، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام" سكن بيت المقدس وكان ببيت عبادة بن الصامت، وقال أبو بكر الخطب فيما رواه بإسناد أبي موسى بن سهل النيسابوري قال أسامى أصحاب النبي ﷺ : الذين كانوا بأرض فلسطين ممن سكنها منهم من أعقب ومنهم من لم يعقب والذين كانوا ببيت المقدس، فذكر عبادة بن الصامت، وأبي حازم، وآخرين، مروا.
وقال أبو محمد الدمياطي في أربعينيته الكبرى: هو آخر من مات من الصحابة ببيت المقدس، كذا في مثير الغرام، وذكره في المستقصى، فقال: ومنهم أبو أبي عبد اللَّه
стр. 238
بن عمرو الأنصاري وذكر الحديث السالف وزاد فقال: قالوا يا رسول اللَّه وما السام؟ قال: الموت. قال أبو الدرداء: قلت لعمر بن بكير ما السنوت. قال في غريب كلام العرب، رب عكة السمن يعصر فيخرج خطوطًا سوداء مع السمن، وروى بسنده إلى ابن أبي الحسن بن سميع، قال في الطبقة الأولى: أمر أبي ابن حرام امرأة عبادة بن الصامت.
وقال الحافظ أبو بكر الواسطي الخطيب فيمن ذكر: إنه كان في بيت المقدس من حفاظ الصحابة والتابعين، ومات بها عبادة من الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبي بن أم حرام، وأبو ريحانة، وسلامة بن قيصر وفيروز الديلمي، وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري.
هؤلاء من أهل بيت المقدس وقبورهم بها، ولم يعقب أبو ريحانة، ولا ذو الأصابع، ولا أبو محمد النجاري، وفي فضائل بيت المقدس لابن الجوزي في الباب التاسع عشر مات ببيت المقدس عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبي بن أم
حرام، وأبو ريحانة واسمه شمعون، وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري، هؤلاء من بيت
стр. 239
المقدس وقبورهم بها، ولم يعقب أبو ريحانة، ولا ذو الأصابع، ولا أبو محمد النجاري. وفي فضائل بيت المقدس لابن الجوزي ف يالباب التاسع عشر: مات ببيت المقدس عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبي بن أم خزام، وأبو ريحانة واسنه شمعون، وذو الأصابع، وأبو محمد [النجاري] (*)، هؤلاء من بيت المقدس ماتوا به، والذي أعقب منهم عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وسلامة بن قيصر، وفيروز الديلمى، والذي لم يعقب أبو ريحانة، وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري ووائل بن الأسقع أسلم ورسول اللَّه ﷺ متجهزًا إلى تبوك، ويقال إنه خدم النبي ﷺ وهو من أهل الصفة ويقال: سكن البصرة وله بها دارًا ثم سكن الشام، وكان منزله على ثلاثة فراسخ من دمشق بقرية يقال لها: البلاط، وشهد المغازي بدمشق وحمص، ثم تحول إلى بيت المقدس ومات به وهو ابن مائة سنة وقيل مات بدمشق آخر خلافة عبد الملك بن مروان سنة خمس أو ست وثمانين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
ومحمود بن ربيع أبو نعيم: وقيل أبو محمد في الصحيح من حديث الزهري عن محمود بن الربيع، كان يزعم أنه أدرك النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين وزعم أنه عقل رمحه تجاه رسول اللَّه ﷺ في وجهه نزل ببيت المقدس وأهل بيته بحج وعمرة وهو ختن عبادة بن الصامت مات سنة تسع وتسعين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة.
وسلام بن قيصر: وقيل سلامة له صحبة وكان واليًا لمعاوية على بيت المقدس وله عقب بها، وأنكر الحافظ أبو زرعة أن تكون له صحبة قال ابن عبد البر حديثه مضطرب لا يثبت في الصحابة روى عن
стр. 240
النبي ﷺ أحاديث وحديثه منقطع الإسناد مرسل لا يثبت حديثه ولا تصح صحبته.
وصفية بنت حيي أم المؤمنين تقدم أنها قدمت بيت المقدس وصلت فيه وصعدت طور زيتا وصلت به.
وعصيف بن الحارث: وهو الصواب في اسمه قدم بيت المقدس هو وأهله فصلى وجماعة من الصحابة، روينا في سنن النسائي عن شداد بن أوس قال: شهدت مع معاوية بيت المقدس فحضرت الجمعة فإذا أجل من في المسجد أصحاب النبي ﷺ ، فرأيتهم منحنين ولا إمام لهم. وأما من دخله من التابعين ﵃ أجمعين ومن غيرهم أويس القرني من بنى قرن صح أنه ﷺ أمر عمر ﵁ أن يسأله أن يستغفر له، وروي عن عثمان بن عفان عن أبيه أن أويسا أتى بيت المقدس عام حج ولقي عمر ﵁ وقيل: إنه لقيه في الموسم فقال: قد حججت واعتمرت وصليت
فى مسجد رسول اللَّه ﷺ ووددت أن صليت في المسجد الأقصى فجهزه عمر فأحسن جهازه فأتى المسجد الأقصى، فصلى فيه ثم الكوفة وخرج غازيًا راجلاً إلى ثغر أرمينية فأصابه البطن فالتجأ إلى أهل خيمته فمات عندهم ومعه جراب وقعت، فقالوا لرجلين منهم: اذهبا فأحضرا له قبرًا قالوا: فنظرنا في جرابه ثوبين ليسا من ثياب الدنيا وجاء الرجلان فقالا: أصبنا قبرًا محفورًا في صخرة كأنما رفعت عنها الأيدي الساعة فكفنوه ثم دفنوه ثم التفتوا فلم يروا شيئًا، ويقال: فقد بصفين سنة سبع وثلاثين، ويقال: مات بدمشق ودفن بها.
كعب الأحبار بن ماتع الحميري كان يهوديًا فأسلم في خلافة أبي بكر وقيل عمر، فقال له العباس: ما منعك عن الإسلام إلى عهد عمر؟ فقال: إن أبي كتب لي كتابًا من التوراة ودفعه إلى وقال: اعمد بهذا وختم على سائر كتبه وأخذ علي حق الوالدين ألا أفض الخاتم، فلما رأيت الإسلام يظهر قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علما كتمك إياه فلو
стр. 241
قرأته ففضضت الكتاب، فوجدت فيه صفة محمد ﷺ وأمته فأسلمت الآن.
سكن كعب الشام قال أبو الدرداء وإن عنده لعلما كثيرًا وروى عنه جماعة وروى عن جماعة من أصحابه كأبي هريرة وغيره وكان يقص فوقف عليه عوف بن مالك بالشام وهو يقص فقال كعب: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يقص إلا أميرًا أو مأمورًا أو مختارًا فاستأذن معاوية فأذن له وتقدمت" قصته مع عمر بن الخطاب ﵁ في موضع قبلة المسجد مات بحمص سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان.
وعبيد عامل عمر بن الخطاب ﵁ في بيت المقدس، وعمير بن سعيد واستعمله عمر بن الخطاب ﵁ على حمص، وكان هو مرة على الشام ومعاوية مرة ثم عزله عثمان واستمر معاوية، ويعلى بن شداد بن أوس كنيته أبو ثابت ذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين، روى عن أبيه شداد وعن عبادة بن الصامت وهو ثقة حضر فتح بيت المقدس، وروى عنه جماعة كهلال بن ميمون، وسلمان بن بشر، وأخرج له أبو داود، وابن ماجه، وجبر بن نفير الحضرمي، أتى بيت المقدس للصلاة وهو في الطبقة الأولى من التابعين أدرك زمن النبوة وأسلم زمن أبي بكر روى عن خالد بن الوليد وأبي الدرداء وعبادة، والنواس بن سمعان قال جبير: خمس خصال قبيحة: الحدة في السلطان،
والحرص في العلماء، والقسوة في الشيوخ، والشح في الأغنياء، وقلة الحياء في ذوي الإحسان، ومات جبير المذكور وهو ابن نفير الحضرمي صاحب هذه الترجمة سنة خمس وسبعين.
وأبو نعيم المؤذن أول من أذن ببيت المقدس وكان أبو عبادة بن الصامت واليًا على إيليا فأبطأ يومًا بالخروج لصلاة الصبح فأقام أبو نعيم الصلاة وتقدم وصلى بالناس
стр. 242
فحضر عبادة بن الصامت وهو يصلي بالناس فصلى بصلاته.
وأبو الزبير المؤذن الدارقطني روى قال: جاءنا عمر ﵁ فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فأدرج، وفي رواية فاجدر.
وأبو سلام الحبشي واسمه ممطور، روى عن عثمان، وحذيفة، والنعمان بن بشر، وقال أبو مسهر: وسمع عن عبادة بن الصامت، وقيل روايته عذبة مرسلة وروى محمد بن مجريز عن أبي سلام المذكور قال: كنت إذا قدمت بيت المقدس نزلت على عبادة بن الصامت فأتيت المسجد فوجدته وكعبًا جالسين، فقال كعب: إذا كانت سنة ستين فمن كان له مال فليجمعه، ومن كان له امرأة فليطلقها، ومن كان عزبًا فلا يتزوج، فإنه لا خير في مولود يولد يومئذٍ، وانتقل أبو سلام من حمص إلى دمشق، وقال: البركة تضاعفت فيها مرتين، وروى عن عبادة أيضًا أثرًا.
وأبو جعفر الحرسي: روى عن أبي جميلة عنه قال: دخلت مع عبادة بن الصامت مسجد بيت المقدس فرأى رجلًا يصلي واضعًا نعله عن يمينه أو عن شماله، فقال: لولا أنك تناجى ربك لقطعت بهذه العصا رأسك تفعل كفعل أهل الكتاب.
وخالد بن معوان الكلاعي العبد الصالح كان يسبح في النهار أربعين ألف تسبيحة فقيه كبير روى عن معاوية وابنه عمرو وعبد اللَّه بن عمر، وثوبان، وخرج له الأئمة في كتبهم، روى عنه ثور بن يزيد
стр. 243
وصفوان بن عمر ويحيى بن سعيد، فأكثر، أتى بيت المقدس ونزل منه على ستة أميال ولم يصل فيه خمس صلوات.
وعبد الرحمن بن تميم الأشعري كان مسلمًا في زمن النبي ﷺ ولكن لم يفد إليه، لكنه لازم معاذ بن جبل وسمع عمر بن الخطاب ﵁، وأظنه قدم بيت المقدس وأنه هو الذي فقه عامة التابعين بالشام واجتمع بأبي هريرة وأبي الدرداء بحمص.
وروى عنه ممطور ومكحول، ويقال: مات سنة سبع وسبعين، وأم الدرداء بعجيمة ويقال: جهمة خطبها معاوية بن أبي سفيان فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "المرأة لآخر أزواجها" فإن أردت أن تكوني في الجنة فلا تتخذي بعدي زوجًا وقالت طلبت العبادة في كل شيء في الجنة فما رأيت أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم وكان معها نساء يتعبدون فإذا ضعفن عن قيام الصلاة تعلقن بالحبال وكانت تأتي من دمشق إلى بيت المقدس فإذا مرت على الجبال قالت لقائدها أسمع الجبال ما وعدها ربها فتقرأ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)
стр. 244
لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] وتقرأ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، وكانت تجالس المساكين ببيت المقدس فجاء إنسان يومًا فأعطاهن فلوسًا وأعطاها فلسًا واحدًا فأمرت الجارية أن تشتري به نعلا وقالت: إنه جاء من غير مسألة، وكانت تقيم ببيت المقدس نصف سنة.
وأبو العوام مؤذن بيت المقدس قد تقدم ذكره وروايته عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن السور المذكور في القرآن هو سور المسجد الأقصى الشريف الشرقي، وتصحيح الحاكم إياه في المستدرك، قبيصة بن ذؤيب وعبد اللَّه بن محيريز وهانئ بن كلثوم هؤلاء كلهم عباد زهاد، وقبيصة كان عالمًا ربانيًا مات سنة ست وثمانين، وابن محيريز قرشي جمحي مكي نزل بيت المقدس وقال رجاء بن حيوة: إن فخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفتخر بعابدنا ابن محيريز إنما كنت أعد بقاءه أمانا لأهل الأرض، مات قبل المائة، وأما هانئ فقد عرضت عليه إمرة فلسطين فامتنع وكان الثلاثة يقصدون الصلاة من الرملة إلى بيت المقدس.
وعبد الملك بن مروان باني قبة صخرة بيت المقدس وروى عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من لم يغز ولم يجهز غازيًا ولم يخلفه بخير أصابه اللَّه
بقارعة". قال ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا يعني عبد الملك بن مروان، وقال عمرو بن العاص: كان عبد الملك بن مروان حسن البشر عند اللقاء حسن الحديث إذا حدث، حسن الاستماع إذا حدث، هين المؤنة إذا خولف، لا يماذج من لا يليق بعقله ودينه، ولا يخالق لئيمًا، ولا يتكلم ما يعتذر منه، وكان مرة جالسًا في الصخرة وعنده أم الدرداء فنودي بالمغرب فقامت تتوكأ عليه حتى أدخلها المسجد إلى النساء ومضى فصلى بالناس وقال العلاء بن زياد، ما غبطته بشيء من ولايته إلا بقتل الحارث الكذاب لأبي حديث، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون رجلًا كذابون كلهم يزعم أنه نبي" ولما ظهر كذب الحارث هرب واختفى ببيت
стр. 245
المقدس فتبعه عبد الملك بن مروان في طلبه حتى أتى به فقتله، توفي عبد الملك بن مروان سنة ست وثمانين.
وعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين الإمام العادل ﵁، كان خالد ببيت المقدس فجاء عمر بن عبد العزيز فأخذ بيده فقال: يا خالد ما علينا؟ فقال: عليكم من اللَّه أذن سميعة وعين بصيرة فارتعد عمر خوفًا من اللَّه ونزع يده فقال خالد: يوشك أن يكون هذا إمامًا عادلًا ولزم خالد بيته في آخر مرة، وقال: ما بقى من الناس إلا حاسدًا أو شامتًا توفي خالد سنة تسعين، وتوفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وقال ابن سيرين: رحم اللَّه سليمان بن عبد الملك افتتح خلافته بخير فصلى الصلوات لمواقيتها وختمها بخير فاستخلف عمر بن عبد العزيز، وروى عمر عن عبد اللَّه بن جعفر، وأنس بن مالك، وابن المسيب، وعدة من الصحابة وروى عنه ابناه، وإبراهيم بن أبي عبلة، وأيوب، وغيرهم وقال سفيان الثوري: الخلفاء الراشدون خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى
стр. 246
وعمر بن عبد العزيز ﵃ أجمعين. وروى هذا الأثر أيضا عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁.
ومحارب بن دثار السدوسي ، قال محارب: صحبنا القاسم بن عبد الرحمن إلى بيت المقدس فغلبنا على ثلاث على قيام الليل والبسط في النفقة والكف عن الناس،
وفي رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود ففضلنا بكثرة الصلاة وطول الصمت وسخاء النفس، وحديث محارب، مخرج في كتب الإسلام، وكان قاضيا روى عن عمر وجابر وغيرهما، وروى عنه شعبة بن الحجاج، والسفيانين، وكان من العلماء الزهاد ﵀.
وإبراهيم بن أبي عبلة: هو عقيلى مقدسي، روى عن أبي أمامة، وأنس، وطائفة، وروى عنه الإمامان: مالك وابن المبارك، وقال: كنت أنا وابن الديلمي في مسجد بيت المقدس فدخل واثلة بن الأسقع، وعبد اللَّه بن أم حرام، فقمت إلى عبد اللَّه وقام ابن الديلمي إلى واثلة، فأخبرني عبد اللَّه أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ للقبلتين وأخبرني ابن الديلمي أن واثلة
стр. 247
قال: أتينا رسول اللَّه ﷺ في صاحب لنا قد أوجب النار، فقال: "أعتقوا عنه رقبة يفك اللَّه منه بكل عضو منها عضوًا منه من النار" توفي ابن أبي عبلة سنة اثنين وخمسين رحمه اللَّه تعالى.
وعبد اللَّه بن فيروز المقدس ثقة خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، روى عن أبيه، وابن مسعود، وغيرهما، وعنه ربيعة بن يزيد العقيد، ويحيى الشيباني وله أخ يقال له: "الضحاك بن فيروز ثقة أيضًا وروى عن أبيه، وعن أبي وهب الخشابي وغيره، ورجاء بن حيوة فقيه من العلماء الأعلام روى عن معاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وعن ابن عوف، وثور بن يزيد، وتقدم أنه كان القائم ببناء قبة الصخرة أيام عبد الملك بن مروان ووزيرا لعمر بن عبد العزيز توفي سنة اثنين ومائة.
ومحمد بن واسع ثقة زاهد من أهل البصرة من الأزد. روى عن أنس بن مالك، ومطرف بن الشخير وعنه الحارث، وهمام، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي جمعته الطريق، ومالك بن دينار، وعبد الواحد بن يزيد وساروا إلى بيت المقدس، وقصتهم مشهورة ومما يؤثر عنه أنه كان من دعائه في كل يوم (اللهم إنك سلطت علينا عدوًا بصيرًا بعيوبنا مطلعًا على عوراتنا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطه منا كما قنطته من عفوك، وأبعد بيننا وبينه، كما أبعدت بينه وبين جنتك) قيل: فظهر له إبليس لعنه اللَّه تعالى يومًا في صورة شيخ هرم فقال له: يابن واسع ما هذا الدعاء الذي تدعو به في كل
стр. 248
يوم أعده عليَّ فذكره له فلما فرغ، قال له: يا ابن واسع إني أعهد إليك أن لا تعلم أحدًا هذا الدعاء
الذي تدعوه أبدًا. فقال له محمد بن واسع: لك علي عهد اللَّه أن لا أكتمه عن أحد من خلق اللَّه تعالى ما عشت وما حييت، توفي رحمه اللَّه تعالى سنة سبع وعشرين ومائة على خلاف فيه.
ومالك بن دينار من الأئمة الأعلام، روى عن أنس، وعنه أبان، وهمام، وثقه النسائي، وأخرج له أصحاب السنن: أبو داود والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
والوليد بن عبد الملك بن مروان بنى مسجد دمشق، ومسجد مصر، وعمر في بيت المقدس.
وقال ضمرة: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة، يقول: رحم اللَّه الوليد وأين مثل الوليد، كان يعطيني قصاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس، توفي في سنة ست وتسعين بدمشق رحمه اللَّه تعالى.
وسليمان بن عبد الملك بن الخيلفة "كان" أتى بيت المقدس وأتته الوفود بالبيعة وكان يجلس بـ "قبة الصخرة" في صحن مسجد بيت المقدس مما يلي الصخرة وتبسط البسط بين يدي قبته عليها "النمارق" والكراسي فيجلس ويأذن للناس فيجلسون على الكراسي، والوسائد وكان يكون إلى جانبه الأموال وكتاب الدواوين، وكان قد نعم بالإقامة ببيت المقدس، واتخذها منزلًا وجمع الأموال والناس بها واجتمع سليمان بن عبد الملك بأبي حازم، وسأله ووعظه واجتمع بالزهري، وروينا في مستدرك الحافظ أبي محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الداري عن الضحاك بن موسى، قال: مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة: يريد مكة فقال: هل بالمدينة أحد أدرك من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقيل له: أبو حازم، فأرسل إليه فدخل عليه، فقال له: يا أبا حزم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا
стр. 249
من العمران إلى الخراب. فقال له: وكيف القدوم غدا على اللَّه تعالى؟ فقال: أما المحسن، فكغائب يقدم على أهله، أما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان، وقال: ليت شعري ما لنا عند اللَّه تعالى، قال: اعرض عملك على كتاب اللَّه
تعالى، فقال: في أي مكان أجده؟ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] قال سليمان: فأين رحمة اللَّه؟ قال: قريب من المحسنين؟ قال: فأي عباد اللَّه أكرم؟ فقال: أولوا المروءة والنهى، قال: فأي الدعاء أسمع؟ قال: دعاء المحسن إليه للمحسن، قال: فأي الصدقة أفضل قال: للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها مَنٌّ ولا أذى؟ قال: فاي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من يخافه ويرجوه، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة اللَّه ودل الناس عليها، قال: فأي الناس أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال: فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو يعفيني أمير المؤمنين؟ قال: لا، وإنها لنصيحة تلقيها إلىّ. قال: إن آباؤك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم، فقال له: رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم، فقال له أبو حازم: كذبت، إن اللَّه تعالى أخذ ميثاق العلماء الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فقال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصف وتمسكون بالمروءة وتقتسمون بالسوية. قال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح المأخذ من هذا المال؟ قال: تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ باللَّه. قال: ولم؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئًا قليلًا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات قال: ارفع إلينا حوائجك، قال: تنجينى من النار وتدخلنى الجنة. قال: ليس ذلك إليّ قال: ما لي حاجة غيرها، قال: فادع لي. قال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى من القول والعمل فقال: يا أبا حازم عظنى؟ قال:
стр. 250
قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينفعني أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال: أوصني قال: إن شاء اللَّه سأوصيك وأوجز، عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث له بمائة دينار، وكتب إليه: أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعندك ما للَّه؟ إن سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بدلًا، وما أرضاها
لك فكيف أرضاها لنفسى؟ وهذه منقبة عظيمة لسليمان الخليفة في إعظام العلماء؟ وكانت خلافته سنة ست وتسعين وتوفي سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون سنة.
وزياد بن أبي سودة مقدسي روى عن عبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعن معاوية بن صالح، وسعيد بن عبد العزيز، ذكره ابن حبان في الثقات، وسليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي نزل بالبصرة وسمع أنسا، وكان سليمان يقول: إذا دخلت بيت المقدس كأن نفسي لا تدخل معي حتى أخرج منه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة.
ورابعة بنت إسماعيل العدوية تقدم ذكرها في الكلام على طور زيتا، وذكر مناجاتها، وما كانت عليه من العبادة، وأبو الحسن النهراني الأندلسي كان مقيمًا ببيت المقدس، سمعه أبو عبد اللَّه محمد بن علي الصوري.
مقاتل بن سليمان المفسر قدم بيت المقدس، قال الإمام الشافعى ﵁: كلهم عيال على ثلاثة مقاتل بن سليمان في التفسير وذكر الآخرين ومات مقاتل سنة خمسين ومائة.
وإبراهيم بن محمد بن يوسف الغرياني نزل بيت المقدس، وروى عنه ضمرة بن ربيعة، والوليد بن مسلم وآخرون وعنه تقي الدين بن مخلد وأبو زرعة وابن قتيبة العسقلاني وصدقة، وأبو حاتم، وحديثه