← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 14045

إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - ت أحمد رمضان

المنهاجي الأسيوطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعمر بن عبد العزيز ﵃ أجمعين. وروى هذا الأثر أيضا عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁. ومحارب بن دثار السدوسي ، قال محارب: صحبنا القاسم بن عبد الرحمن إلى بيت المقدس فغلبنا على ثلاث على قيام الليل والبسط في النفقة والكف عن الناس، وفي رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود ففضلنا بكثرة الصلاة وطول الصمت وسخاء النفس، وحديث محارب، مخرج في كتب الإسلام، وكان قاضيا روى عن عمر وجابر وغيرهما، وروى عنه شعبة بن الحجاج، والسفيانين، وكان من العلماء الزهاد ﵀. وإبراهيم بن أبي عبلة: هو عقيلى مقدسي، روى عن أبي أمامة، وأنس، وطائفة، وروى عنه الإمامان: مالك وابن المبارك، وقال: كنت أنا وابن الديلمي في مسجد بيت المقدس فدخل واثلة بن الأسقع، وعبد اللَّه بن أم حرام، فقمت إلى عبد اللَّه وقام ابن الديلمي إلى واثلة، فأخبرني عبد اللَّه أنه صلى مع رسول اللَّه ﷺ للقبلتين وأخبرني ابن الديلمي أن واثلة

стр. 247

قال: أتينا رسول اللَّه ﷺ في صاحب لنا قد أوجب النار، فقال: "أعتقوا عنه رقبة يفك اللَّه منه بكل عضو منها عضوًا منه من النار" توفي ابن أبي عبلة سنة اثنين وخمسين رحمه اللَّه تعالى. وعبد اللَّه بن فيروز المقدس ثقة خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، روى عن أبيه، وابن مسعود، وغيرهما، وعنه ربيعة بن يزيد العقيد، ويحيى الشيباني وله أخ يقال له: "الضحاك بن فيروز ثقة أيضًا وروى عن أبيه، وعن أبي وهب الخشابي وغيره، ورجاء بن حيوة فقيه من العلماء الأعلام روى عن معاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وعن ابن عوف، وثور بن يزيد، وتقدم أنه كان القائم ببناء قبة الصخرة أيام عبد الملك بن مروان ووزيرا لعمر بن عبد العزيز توفي سنة اثنين ومائة. ومحمد بن واسع ثقة زاهد من أهل البصرة من الأزد. روى عن أنس بن مالك، ومطرف بن الشخير وعنه الحارث، وهمام، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي جمعته الطريق، ومالك بن دينار، وعبد الواحد بن يزيد وساروا إلى بيت المقدس، وقصتهم مشهورة ومما يؤثر عنه أنه كان من دعائه في كل يوم (اللهم إنك سلطت علينا عدوًا بصيرًا بعيوبنا مطلعًا على عوراتنا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقنطه منا كما قنطته من عفوك، وأبعد بيننا وبينه، كما أبعدت بينه وبين جنتك) قيل: فظهر له إبليس لعنه اللَّه تعالى يومًا في صورة شيخ هرم فقال له: يابن واسع ما هذا الدعاء الذي تدعو به في كل

стр. 248

يوم أعده عليَّ فذكره له فلما فرغ، قال له: يا ابن واسع إني أعهد إليك أن لا تعلم أحدًا هذا الدعاء الذي تدعوه أبدًا. فقال له محمد بن واسع: لك علي عهد اللَّه أن لا أكتمه عن أحد من خلق اللَّه تعالى ما عشت وما حييت، توفي رحمه اللَّه تعالى سنة سبع وعشرين ومائة على خلاف فيه. ومالك بن دينار من الأئمة الأعلام، روى عن أنس، وعنه أبان، وهمام، وثقه النسائي، وأخرج له أصحاب السنن: أبو داود والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. والوليد بن عبد الملك بن مروان بنى مسجد دمشق، ومسجد مصر، وعمر في بيت المقدس. وقال ضمرة: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة، يقول: رحم اللَّه الوليد وأين مثل الوليد، كان يعطيني قصاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس، توفي في سنة ست وتسعين بدمشق رحمه اللَّه تعالى. وسليمان بن عبد الملك بن الخيلفة "كان" أتى بيت المقدس وأتته الوفود بالبيعة وكان يجلس بـ "قبة الصخرة" في صحن مسجد بيت المقدس مما يلي الصخرة وتبسط البسط بين يدي قبته عليها "النمارق" والكراسي فيجلس ويأذن للناس فيجلسون على الكراسي، والوسائد وكان يكون إلى جانبه الأموال وكتاب الدواوين، وكان قد نعم بالإقامة ببيت المقدس، واتخذها منزلًا وجمع الأموال والناس بها واجتمع سليمان بن عبد الملك بأبي حازم، وسأله ووعظه واجتمع بالزهري، وروينا في مستدرك الحافظ أبي محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الداري عن الضحاك بن موسى، قال: مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة: يريد مكة فقال: هل بالمدينة أحد أدرك من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقيل له: أبو حازم، فأرسل إليه فدخل عليه، فقال له: يا أبا حزم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا

стр. 249

من العمران إلى الخراب. فقال له: وكيف القدوم غدا على اللَّه تعالى؟ فقال: أما المحسن، فكغائب يقدم على أهله، أما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان، وقال: ليت شعري ما لنا عند اللَّه تعالى، قال: اعرض عملك على كتاب اللَّه تعالى، فقال: في أي مكان أجده؟ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] قال سليمان: فأين رحمة اللَّه؟ قال: قريب من المحسنين؟ قال: فأي عباد اللَّه أكرم؟ فقال: أولوا المروءة والنهى، قال: فأي الدعاء أسمع؟ قال: دعاء المحسن إليه للمحسن، قال: فأي الصدقة أفضل قال: للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها مَنٌّ ولا أذى؟ قال: فاي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من يخافه ويرجوه، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة اللَّه ودل الناس عليها، قال: فأي الناس أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال: فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو يعفيني أمير المؤمنين؟ قال: لا، وإنها لنصيحة تلقيها إلىّ. قال: إن آباؤك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم، فقال له: رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم، فقال له أبو حازم: كذبت، إن اللَّه تعالى أخذ ميثاق العلماء الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فقال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصف وتمسكون بالمروءة وتقتسمون بالسوية. قال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح المأخذ من هذا المال؟ قال: تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ باللَّه. قال: ولم؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئًا قليلًا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات قال: ارفع إلينا حوائجك، قال: تنجينى من النار وتدخلنى الجنة. قال: ليس ذلك إليّ قال: ما لي حاجة غيرها، قال: فادع لي. قال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى من القول والعمل فقال: يا أبا حازم عظنى؟ قال:

стр. 250

قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينفعني أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال: أوصني قال: إن شاء اللَّه سأوصيك وأوجز، عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث له بمائة دينار، وكتب إليه: أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعندك ما للَّه؟ إن سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بدلًا، وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسى؟ وهذه منقبة عظيمة لسليمان الخليفة في إعظام العلماء؟ وكانت خلافته سنة ست وتسعين وتوفي سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون سنة. وزياد بن أبي سودة مقدسي روى عن عبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعن معاوية بن صالح، وسعيد بن عبد العزيز، ذكره ابن حبان في الثقات، وسليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي نزل بالبصرة وسمع أنسا، وكان سليمان يقول: إذا دخلت بيت المقدس كأن نفسي لا تدخل معي حتى أخرج منه. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. ورابعة بنت إسماعيل العدوية تقدم ذكرها في الكلام على طور زيتا، وذكر مناجاتها، وما كانت عليه من العبادة، وأبو الحسن النهراني الأندلسي كان مقيمًا ببيت المقدس، سمعه أبو عبد اللَّه محمد بن علي الصوري. مقاتل بن سليمان المفسر قدم بيت المقدس، قال الإمام الشافعى ﵁: كلهم عيال على ثلاثة مقاتل بن سليمان في التفسير وذكر الآخرين ومات مقاتل سنة خمسين ومائة. وإبراهيم بن محمد بن يوسف الغرياني نزل بيت المقدس، وروى عنه ضمرة بن ربيعة، والوليد بن مسلم وآخرون وعنه تقي الدين بن مخلد وأبو زرعة وابن قتيبة العسقلاني وصدقة، وأبو حاتم، وحديثه

стр. 251

في كتاب ابن ماجه، وأبو عقبة الخواص عباد بن عباد الأرسوفي قدم بيت المقدس، وروى عن ابن عون، ويونس وعنه آدم وابن شهر، وتفوق قال أبو عقبة: رأيت ببيت المقدس شيخًا كأنه محترق بنار عليه مدرعة سوداء عمامته سوداء طويل الصمت كريه المنظر كثير الشعر شديد الحزن، فقلت له: يرحمك اللَّه لو غيرت لباسك هذا فقد علمت ما جاء في البياض فبكى، وقال: هذا أشبه لباس المصاب، وإنما نحن في الدنيا في حداد، وكأنا قد دعينا ثم غشي عليه. وسفيان الثوري هو ابن سعيد بن مسروق الإمام العالم المجتمع على جلاله وزهده وورعه، أتى المسجد الأقصى فصلى فيه بموضع الجماعة ولم يأت فيه الصخرة، وروي أنه أتاها فقرأ فيها ختمة وقد ذكر الوليد بن مسلم عن بيدقة بن زيد قال: لقيت سفيان الثوري في مسجد الجماعة ببيت المقدس فقلت له: أتيت القبة؟ ولولا أن يكون في نفسي من ذلك شيء عظيم ما سألته، فقال: نعم، وختمت فيه القرآن، وروي أنه اشترى موزا بدرهم فأكل في ظلها ثم قال: إن الحمار إذا وفي عليقه أو قال: علفه زيد في عمله، ثم قام يصلي حتى رحمه من ورائه وروى عن زياد بن علاقة وحبيب بن ثابت والأسود بن قيس وعنه الأعمش وهو من شيوخه، وشعبة، والأوزاعي، وهما من أقرانه أنه مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وثور بن يزيد قال محمد بن الفيض: سمعت أبي يقول سمعت منبه بن عثمان يقول: كان الثوري بن يزيد قد سكن بيت المقدس وكان رجلا متعبدًا في قرى بيت المقدس يجلس إلى ثور بن يزيد وكان يفد من قريته مع الفجر، فيصلي الصلوات كلها ببيت المقدس، وينصرف بعد عشاء الآخرة إلى قريته وكان قد سمع ثورًا يحدث أن خالد بن معدان حدثه بحديث رفعه إلى

стр. 252

رسول اللَّه ﷺ قال: "من رأى شيئًا يهوله أو يفزعه فليقل: إن اللَّه هو الذي ليس كمثله شئ وهو الواحد القهار، فما قالها أحد إلا فرج عنه ولو كان بين يديه سور من حديد" وانصرف ذلك الرجل ليلة من الليالي إلى الطريق فإذا بأسد بين يديه قد منعه من المسير فذكر حديث خالد فقاله، ففرج اللَّه عنه ومضى فلقيه حمار وحشي فاتحًا فاه فجرى منه لبيت يريد ليأكل يده فذكر حديث ثور فقاله: فوَّلى الحمار وهو يقول: لا رحم اللَّه ثورًا كما علمك. وإبراهيم بن أدهم أبو إسحاق ، قال النسائى في التمييز: ثقة مأمون أحد الزهاد وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين روى عن الشعبي، وعن الثوري. وبقية بن الوليد أصله من بلخ، ثم انتقل بعد أن تاب وترك الإمارة إلى الشام طلبًا للحلال، وأقام بها مرابطًا غازيًا على الجهد الجهيد، والفقر الشديد، والخدمة للأصحاب، والسخاء الوافر، والورع الدائم، تقدم أنه قدم بيت المقدس ونام بالصخرة ومات في بلاد الروم سنة إحدى وستين ومائة. والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم عالم أهل مصر، كان نظير مالك في العلم، وروى عن عطاء، وابن أبي مليكة، وخلق كثير، وعن ابن قتيبة ومحمد بن رمح وخلائق عدة قيل كان دخله

стр. 253

في السنة ثمانين ألف فى دينار فما وجبت عليه زكاة قط وفي رواية لا ينقضى عام إلا وعليه دين من كثرة جوده وبره قدم بيت المقدس ومات بمصر سنة خمس وسبعين ومائة وقبره ظاهر مقصود بالزيارة والاجتماع لقراءة ختمة شريفة كاملة من بعد صلاة الجمعة وإلى صبح السبت دائمًا أبدًا لا ينقطع القراء في مقامه حتى الآن. وأبو جعفر المنصور الخليفة عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، تقدم أنه دخل بيت المقدس بعد الرجفة الأولى، وكان قد وقع شرقي المسجد، وغربيه ورفعوا الأمر إليه، فقال: ما عندي شيء من المال، ثم أمر بقلع الصفائح الذهب والفضة التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دراهم ودنانير، وصرفت في العمارة وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة. والمهدي بن المنصور الخليفة العباسى روى صاحب المستقصى بسنده إلى أبي حارثة أحمد بن إبراهيم بن هشام يريد بيت المقدس دخل مسجد دمشق ومعه كاتبه أبو عبد اللَّه الأشعري فقال: يا أبا عبد اللَّه سبقتنا بنو أمية بثلاث بهذا البيت، يعني مسجد دمشق ولا أعلم على ظهر الأرض مثله، ونيل الموالي فإن لهم موالي ليس لنا مثلهم وبعمر بن عبد العزيز ولا يكون فينا واللَّه مثله أبدًا ثم أتى بيت المقدس ودخل الصخرة فقال: يا أبا عبد اللَّه وهذه رابعة ومات

стр. 254

سنة تسع وستين ومائة. ووكيع بن الجراح أبو سفيان الرواسي من الأعلام روى عن الأعمش، وهشام بن عروة، وعنه أحمد وإسحاق قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم منه، ولا أحفظ من ابن مهدي، وقال حماد بن زيد لو سئلت لقلت أنه أرجح من سفيان قال أبو داود يرحم اللَّه وكيعًا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة مات يوم عاشوراء سنة سبع وتسعين ومائة. والإمام محمد بن إدريس ﵁ - قدم بيت المقدس فصلى عليه وقال: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ فقيل له: ما تقول: في محرم قتل زنبورًا فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] , وحدثنا ابن عيينة عن عبد الملك بن عمر بن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -صلى

стр. 255

اللَّه عليه وسلم-: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان" وحدثنا ابن عيينه عن مسعد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن عمر أمر المحرم بقتل الزنبور. مات الإمام الشافعي ﵁ بمصر سنة أربع ومائتين وقبره ظاهر بالقرافة معقود عليه قبة عظيمة البناء بأعلاها بموضع الهلال سفينة صغيرة من حديد وفي مقامه يجتمع الناس في كل ليلة أربعاء من أول كل شهر يقرؤون في مقامه تلك الليلة ختمة شريفة، ويقال: إن بعض شعراء ذلك العصر دخل القبة لزيارة قبر الإمام الشافعي ﵁ فأعجبه ما رأى من عظمها وارتفاعها وكون السفينة فوقها فكتب في جدار المقام بها: قبة مولاي قد علاها ... لعظم مقداره السكينة ولو لم يكن تحتها بحار ... ما كان من فوقها سفينة والمؤمل بن إسماعيل البصري صدوق قدم بيت المقدس فأعطى قومًا شيئًا وداروا به تلك الأماكن، وكان شديدًا في المشبه، مات سنة ست ومائتين والشرفي بن المفلس السفطي قدم بيت المقدس وروي عنه أنه قال: خرجت من الرملة إلى بيت المقدس فمررت بشرفة وغدير ماء وعشب نابت فجلست آكل من العشب وأشرب من الماء وقلت في نفسي: إن كنت أكلت أو شربت في الدنيا حلالًا فهو هذا فسمعت هاتفًا يقول: يا بشرى فالنفقة التي بلغتك إلى هنا من ابن نعمة مات سنة إحدى وخمسين ومائتين. وذو النون المصري أبو الفيض

стр. 256

قدم بيت المقدس قال: وحدث على صخرة بيت المقدس كل عاص مستوحش وكل مطع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل قانع غني، وكل محب ذليل، قال: فرأيت هذه الكلمات أصول ما استعبد اللَّه به الخلق، مات سنة خمس وأربعين ومائة. وصالح بن يوسف أبو شعيب المقنع الواسطي الأصل مات بالشام في بلدة الرملة سنة اثنتين وثمانين ومائتين استسقى بقبره الغمام ويستجاب الدعاء عنده، يقال: إنه حج تسعين حجة راجلًا بكل حجة منها يخرج من صخرة بيت المقدس وكان يدخل بادية تبوك على التجريد والتوكل. وبشر بن الحارث الحافي قيل له لم يفرح الصالحون ببيت المقدس قال لأنها تذهب الهم ولا تستعلى النفس بها، قال: ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن أستلقي على جنبي تحت السماء بجامع بيت المقدس، ولد سنة ست وعشرين ومائتين. وعبد اللَّه بن عامر العامري قال: سألت راهبًا ببيت المقدس، فقلت، ما أول الدخول في العبادة؟ قال: الجوع، قلت: لم؟ قال: لأن الجسد خلق من تراب والروح من ملكوت السماء فإذا شبع الجسد ركن إلى الأرض، وإذا لم يشبع اشتاق إلى الملكوت، قلت: فما سبب الجوع؟ قال: ملازمة الذكر والخضوع. وأبو عبد اللَّه محمد بن محمد حفيف ، قال: خرجت من شيراز وحدي فتهت في البادية واشتد بي الجوع والعطش حتى سقط من أسناني ثمانية، وانتثر شعري كله، فوقعت إلى قرية فأقمت بها حتى تماثلت وخرجت إلى مكة ثم أتيت بيت المقدس ثم دخلت الشام فبت بمسجد إلى جانبه حانوت صباغ، وبات معي رجل به إسهال فبقي يخرج ويدخل إلى الصباح فلما أصبحنا صاح الناس نقب حانوت الصباغ وأخذ ما فيه فدخلوا المسجد ورأونا فسألونا فقال الرجل المبطون لا أدري، إلا أن هذا الرجل كان طول الليل يخرج ويدخل فأخذوني وما زالوا لجدوني ويضربوني ويقولون لي تكلم فاعتقدت التسليم فاغتاظوا من سكوتي وازدادوا علي حنقًا وحملوني دكان الصباغ وأثر رجل اللص قي الرماد، وقالوا: ضع رجلك فيه فوضعتها

стр. 257

فيه فوافقته فزادوا عقبا وخنقا وجاءوا بصاحب الشرطة وأمر بزيت ونصب قدرًا فأغلي الزيت فيه وجاءوا بمن يقطع يدي ونفسي ساكنة وجعل الأمير يهذي ويصول على فرأيته وعرفته وكان مملوكًا لأبي فكلمني بالعربية وكلمته بالفارسية فنظر إليّ فضحكت، فعرفني من ضحكي وجعل يلطم رأسه ووجهه وإذا بصيحة عظيمة وقعت بأخذ اللصوص والقبض عليهم فأعذر الأمير إلي وجهد بي كل الجهد أن أقبل شيئًا أو أقيم عنده فأبيت وهربت ليومي وحدثت بعض المشايخ بذلك فقال: هذه عقوبة انفرادك فما دخلت بعدها بلدًا فيها قصرًا إلا قصدتهم وكنت معهم. رقثم الزاهد قال: رأيت راهبًا على باب بيت المقدس كالواله لا يرقأ له دمع فهالني أمره وقلت أيها الراهب أوصني بوصية أحفظها عنك، قال: كن كرجل احتوشته السباع والهوام فهو خائف مذعور يخاف أن يسهو فتفترسه أو يلو فتنهشه فليله ليل مخافة إذا أمن فيه المفترون، ونهاره نهار حزن إذا فرح فيه البطالون ثم ولى وتركنى فقلت لو زدتني شيئًا عسى اللَّه أن ينفع به فقال يا هذا! الظمآن يكفيه من الماء أيسره. وأبو الحسن على بن محمد الجلال البغداي قال أخبرني: أحمد بن يحيى البزار البغدادي أنه قدم من مكة إلى بيت المقدس فندم على مجيئه، قال: تركت الصلاة بمكة بمائة ألف، وهنا بخمس وعشرين ألف صلاة، وبمكة ينزل عشرون ومائة رحمة للطائفين والمصلين والناظرين وأراد الخروج إلى مكة فرأى النبي ﷺ وذكر له ما خطر له من الفضل، فقال له النبي ﷺ : "نعم هناك الرحمة تنزل نزولًا وهنا تصب الرحمة صبًا ولو لم يكن لهذا الموضع محل عظيم -وأشار بيده إلى موضع الإسراء عند قبة المعراج- لما أسرى إليه بي". فأقام الرجل بالقدس إلى أن مات قال المشرف: وكانت هذه الرؤيا في رجب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. والإمام الحافظ أبو الفضل على بن أحمد بن محمد بن طاهر المقدسي الجوال في الآفاق الجامع بين الذكاء

стр. 258

والحفظ وحسن التصنيف وجودة الخط رأيت نسخة بسنن أبي داود بخطه وهي عمده ولد الحافظ أبو الفضل ببيت المقدس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وأول ما سمع منه سنة ستين، ورحل إلى بغداد سنة سبع وستين، واجتمع في رحلته بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ثم رجع إلى بيا المقدس وأحرم منه إلى مكة المشرفة وأول من سمعه الفقيه نصر المقدسي ومات ابن طاهر سنة سبع وخمسمائة ببغداد. والإمام محمد الطرطوشي الأندلسي الفهري المالكي بن الوليد بن محمد بن خلف قرأ الأدب على ابن حزم ورحل إلى بلاد الشرق سنة ست وتسعين وأربعمائة وقدم بيت المقدس وحج وتفقه على أبي بكر الشاشى المستطهري وسكن الشام ودرس بها وكان إمامًا عابدًا زاهدًا عالمًا ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. والإمام أبو حامد محمد الغزالي حجة الإسلام الطوسي أقام بدمشق مدة ثم انتقل إلى بيت المقدس ورحل إلى الإسكندرية وأقام بها مدة ثم عاد إلى طوس مات سنة خمس وخمسمائة. وأبو الغنائم محمد بن على بن ميمون الترس الكوفي الحافظ ديِّن خيِّر ثقة رحل إلى الشام وسمع الحديث بيت المقدس وعنده فوائد تتعلق بالحديث مات سنة عشر وخمسمائة بالحلة وحمل إلى الكوفة وأقام أبو بكر محمد بن عبد اللَّه المقري الأشبيلي الحافظ المشهور بالتحقيق والتدقيق في العلوم تقدم ذكره. وأبو عبد اللَّه محمد الديباجي بن أحمد بن يحيي المقدسي العثماني من أولاد الديباج بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان ﵁ وعن أمه فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه

стр. 259

عنهم سمي الديباج لحسنه لأن ديباجة وجهه كانت تشبه ديباجة وجه رسول اللَّه ﷺ أصله من مكة، وأقام بيت المقدس وهو فقيه فاضل متقدم حسن السيرة، قوال بالحق، كان يقال: سمي النبي ﷺ وشبيهه مات، يوم الأحد سابع عشر من صفر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ودفن بالوردية. ومحمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطائي أبو الحسن الطوسي تفقه على إمام الحرمين، وسافر إلى العراق، والحجاز، والشام، ودخل بيت المقدس وسمع به الحديث، وأبو رباح ياسين بن سهل الخشاب، مات بنيسابور سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وأبو محمد عبد اللَّه بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري الفقيه المالكي سكن مصر وروى بها عن أبي محمد عبد اللَّه عن أبي زيد القيرواني وأبي الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي وغيرهما قال ابن الوليد أنبأنا أبو محمد بن أبي زيد قال إجماع آداب الخير وأزمنه في أربعة أحاديث قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" وقوله: "المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" توفي ابن الوليد ببيت المقدس. وأبو بكر محمد بن أبي بكر الجرجاني من أهل جرجان من عمل نيسابور توجه هو وأبو محمد سعد بن السمعاني إلى زيارة بيت المقدس ثم رجعا ولم يفترقا إلى العراق قال ابن السمعاني في حقه (كان نعم الصاحب وهو الشيخ الصالح دائم البكاء جاور بمكة سنين وخدم المشايخ الكبار ولد سنة خمس وستين وأربعمائة ومات سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وأبو الحسن علي بن محمد المعافري بن علي بن حميد بن سعد الدين المالقي محدث مجيد سمع المستقصى بقراءته على مؤلفه بالمسجد الأقصى في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة ست

стр. 260

وتسعين وخمسمائة. وأبو سعد بن عبد الكريم بن محمد بن منصور بن السمعاني تاج الإسلام له الدلائل على تاريخ مدينة الإسلام في عدة مجلدات قدم بيت المقدس زائرا، ومات سنة إحدى وستين وخمسمائة. الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين تقدم ذكره فيما كان له من الفتوح الذي أنزل اللَّه به الملائكة والروح كانت وفاته في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة تغمده اللَّه برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام وأهله أفضل ما أجزى راعيًا عن رعيته. والشيخ الزاهد أبو عبد اللَّه القدسي محمد بن أحمد بن إبراهيم له كرامات ظاهرة، ومناقب جليلة باهرة، وأهل مصر يذكرون عنه أشياء خارقة قدم بيت المقدس وأقام به إلى أن مات سنة تسع وتسعين وخمسمائة عن خمس وخمسين سنة وقبره ظاهر يزار بتربته باملا. وعلى ذكر إجماع الطوائف كلها على تعظيم بيت المقدس وقصد زيارته ما خلا طائفة السامرة أقول: قال صاحب "مثير الغرام" في آخر فصل ختم به كتابه المذكور: اعلم أن القدس الشريف بلد عظيم أجمعت الطوائف كلها على تعظيمه ما خلا طائفة السامرة؛ فإنهم يقولون إن القدس جبل نابلس وخالفوا جميع الأمم في ذلك، وقد كانت بنو إسرائيل إذا نزل جهم خوف من عدو وأجدبوا صوروا القدس وجعلوه هيكلًا وصوروا أبوابه ومحاريبه واستقبلوا به العدو فهزمهم اللَّه تعالى وكذلك في الجدب إذا صوروه واستسقوا به فلا تزال السماء تمطرهم حتى يرفعوا الهيكل وكانوا يفعلون ذلك في كل أمر مهم يدهمهم انتهى واللَّه أعلم.

стр. 261

الباب الحادي عشر في فضل سيدنا الخليل ﵊ وفضل زيارته وذكر مولده وقصته عند إلقائه في النار وذكر ضيافته وكرمه وذكر معنى الخلة واختصاصه بها، وذكر ختانه وتسروله وشيبه ورأفته جهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد من قبله وأنها صارت شرائع وآدابا لمن بعده، وذكر عمره، وقصته عند موته، وكسوته يوم القيامة. اعلم أن اللَّه تعالى بفضله ومنَّه قد كرم بنى آدم على سائر الخلق فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] ثم قسمهم أقسامًا ورفع بعضهم فوق بعض درجات.

стр. 262

وفضل الأنبياء على جميع خلقه، ثم زاد بعض الأنبياء تشريفًا بالرسالة فتميزوا بها على الأنبياء ثم خص بالأفضلية من المرسلين أولي العزم وجعلهم أهل الشرائع والكتب وجعلهم بهذه المزية أخص الخواص ورقاهم بسابق عنايته الربانية إلى مراتب عليت المراتب الأولى، التكريم العام، والمرتبة الثانية النبوة، وناهيك بها شرفًا، والمرتبة الثالثة، الرسالة: والمرتبة الرابعة أن جعلهم من أولى العزم وأصحاب هذه المرتبة من المرسلين نالوا الكمال من ربهم بسابق علمه فيهم ولقبول عملهم لذلك فحمله أهل الشرائع أولو العزم الخمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى للَّه عليهم أجمعين ثم أودع سبحانه في كل واحد من هؤلاء خصائص أكرمه بها فمنهم من أكرمه بالخلة ومنهم من أكرمه بالكلام إلى غير ذلك من الكرامات الباهرة والخصائص الظاهرة، وجمع في حبيبه محمد ﷺ حقائق الجميع وسرائر أهل التبليغ والتشريع، فهو الفرد الجامع البديع الرفيع ثم شرف بعده السيد الجليل أبا الأنبياء إبراهيم وجعله السيد الكامل والأب الفاضل ونبه في كتابه المبين على فضله وشرفه في آيات متعددة ناطقة بتعطم رسول اللَّه ﷺ وتوقيره بكل ما جاء به من نوع الإجلال والتعظيم "فهو نابع في حق الأنبياء" فهو من مزايا وخصوصية سيدنا الخليل إبراهيم على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى التسليم وهو من أجلهم رتبة وأعظمهم منزلة وقربة، وعلى ذكر فضلهم صلى اللَّه عليهم وسلم قولٌ نصه اللَّه في كتابه العزيز في حق رسول اللَّه ﷺ واجتبائهم واصطفائهم وعظيم قدرهم وشرف محلهم ما يجل عن الوصف فربما جمع فضلهم وشرفهم وربما ذكر كل واحد منهم بخصوصية كما شرف السيد الخليل ﵊ بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، إلى غير ذلك مما أنزل في حقه من الآيات المخصوصة به مما يزيد على ثلاثين آية فعلى هذا التقدير يجب تعظيم الجميع وتوقيرهم سيما والدهم وإمامهم ﷺ فيتأكد تعظيمه لأن تعظيمه

стр. 263

يزيد الإيمان به، ومزيد الإيمان به مفتاح لمزيد الإيمان باللَّه تعالى ويترتب على من اعتقد أن تعظيمه يزيد الإيمان به ثلاثة أمور منها: ما هو فرض، ومنها ما هو ندب ومنها: ما هو مستحب، فالفرض هو الإيمان به واعتقاد فضله وشرفه وتعظيمه وتوقيره وإنزال قدره الشريف من القلب في أعظم المنازل وأسناها، أما الندب فهو التأدب معه غيبة وحضورًا والخضوع عند سماع اسمه ونقل. حديثه والتذلل عند زيارته ورؤية قبره وخفض الصوت بقربه والإمساك عن كل ما لا يجوزه الشرع لأنه ﷺ شاهد له في حركاته وذلك لوجود حياته في قبره فإن الأنبياء أحياء في قبورهم ولا ينكر حياة الأنبياء إلا جاهل يخاف عليه سوء العاقبة والعياذ باللَّه تعالى. أما الاستحباب فيستحب لمن هو شاهد حضرته الشريفة أن يقصد كل يوم مرة زيارته والتمثل بحضرته والتشفع به معتقدًا بفضائل هذا النبي ﷺ الكريم والأب الرحيم ما جعله اللَّه تعالى خاصًا به علمًا لغيره وهو النبوة والرسالة والملة والهداية والقبلة والدعوة والإمامة والإنابة والأبوة والخلة والفتوة والصلاة والرأفة والحلم والعلم والرشد والوفاء والصفاء والحياء والسخاء والاجتباء والاصطفاء وسلامة القلب وكرم الخلق واستقامة الدين والرضى والتسليم والتتميم للكلمات والحسبة وإسناده للبيت المعمور وارتقائه إلى السموات السبع والذرية الكرام البررة وإيثاره البيت الحرام والصحف والكبش من الجنة وأنشأ الفطر في الأولين ولسان صدق في الآخرين والسماط والسرداب والقنديل والشبيبة المغيرة إلى غير ذلك من فضائله التي أكرمه اللَّه تعالى بها وجعلها إكرامًا له ورشادًا لغيره وشرائع وآدابًا لمن بعده فكان أول من أظهرها وبينها ونفع اللَّه العباد بها ببركة إرشاده فله في ذلك فضيلتان: فضيلة التلبس بهن والعمل وثواب إرشاد الخلق إلى سلوك منهاجها القويم. واعلم أن اللَّه سبحانه أكرم خليله ﷺ بكرامات ومعجزات دالات على جلالة قدره وعظيم فضله وعلو رتبته. ومنها

стр. 264

أنه زعزع نمرود وزعزع قصره وهو في صلب أبيه، ومنها أنه نكس الأصنام وهو في بطن أمه، ومنها طلوع نجم سعده قبل مولده، ومنها خفة مولده، ومنها سهولة وضعه، ومنها شربه عسلًا ولبنا من أصابعه، ومنها خضوع الوحوش والسباع عند رؤيته، ومنها إقرار البقرة الحراث برسالته، ومنها إقرار الوحش بنبوته، ومنها إشارة الحجل ببعثه ومنها شهادة المرضع بصحة حجته، ومنها قلت الأعيان من الرمل بالبر الخالص بمهمته، ومنها إسماع صوت ندائه بحج البيت الحرام لمن شاء اللَّه من خليفته وهو في عالم الأرواح تحت علم اللَّه ومشيئته ومنها وفود الحج كل عام من أقصى المشرق ومنتهى المغرب إلى البيت العتيق لنفوذ استجابة دعوته ومنها ندب الصلاة عليه وعلى آله على كل مصلٍ من تحيته فلا تتم صلاة عبد إلا بعد ذكر شريف اسمه واستجلاء شرف طلعته فهذا أعظم خصوصيته وأجل بركته ﷺ وعلى آله وصحبه وذريته صلاة تتشرف بها لي الدنيا والآخرة بزيارته ونحشر بها في الآخرة إن شاء اللَّه في زمرته. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال قال رجل لرسول اللَّه ﷺ : يا خير الناس قال: "ذاك إبراهيم ﷺ " وفي لفظ لمسلم أن رجلًا قال له يا خير البرية قال: "ذاك أبي إبراهيم ﵇". وعلى ذكر زيارته ﷺ أقول هي التوجه الخاص الخالص والوقوف تجاه الحضرة الشريفة والسلام على الوجه المشروع والدعاء والتشفع إلى غير ذلك من الآداب. وكيفية الزيارة أن يبدأ الزائر بما يستحب له من تطهير القلب بالإقلاع عن الذنوب والإنابة إلى اللَّه ثم التطهر الكامل من الغسل والوضوء ثم ينوي بقلبه زيارته ﷺ ثم يتوجه بعزم ورغبة ويكثر في طريقه من الصلاة على النبي ﷺ -

стр. 265

وعلى سائر النبيين والمرسلين، فإذا أتى باب الحرم وقف هنية لطيفة كالمستأذن ثم يقدم رجله اليمنى ويدعو بما يستحب أن يدعو به إذا دخل المسجد فإذا دخل المسجد صلى ركعتين تحية المسجد حيث شاء من المسجد ثم يتوجه إلى قبر سيدنا الخليل نبي اللَّه إسحاق ﷺ ويقف من بعد ثم يستغفر اللَّه ثم يسلم عليه فإذا سلم سكت هنيهة طامعًا في جواب سلامه لأنه لا شك يرد عليه. وكيفية السلام عليه أن يقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة اللَّه وبركاته ثم يقصد السيد الخليل ﷺ فإذا وصل إلى الباب وقف هنية لطيفة كالمستأذن ثم إن شاء دخل، وإن شاء وقف مكانه، فإنه يرى الحجرة المقدسة وكلما تأدب كان أقرب للقبول، فإذا وضع نظره على الضريح المقدس يطرق (بروحه) هنية، ثم يستغفر اللَّه وأكمل الاستغفار سبعون مرة وأقله ثلاث مرات ثم يرفع رأسه ويقول: يا سيدي يا خليل اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأنك عبد اللَّه ورسوله وخليله جزاك اللَّه عنا خيرًا بما هو أهله ثم يقول: صلوات اللَّه البر الرحيم والملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والصديقين والشهداء والصالحين من أهل السموات وأهل الأرضين عليك يا أبا الأنبياء يا خليل اللَّه وعلى ولدك السيد الكامل الفاتح الخاتم سيد الأولين والآخرين محمد حبيب اللَّه وعلى آلكما وصحبكما كلما ذكركما الذاكرون وغفل عن ذكركما الغافلون، وأكمل العدد من هذا أيضًا سبعون مرة فإن له تأثيرًا عظيمًا مجردًا وأقله ثلاث مرات ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة له ولوالديه ولسائر أحبابه والمسلمين ثم يلتفت نحو السيدة سارة ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة اللَّه وبركاته إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم "تطهيرًا" وأكمل الزيارة والإتيان بها على الوجه المشروع أن يبدأ الزائر بزيارة الخليل ﵊ ثم بزوجته السيدة

стр. 266

سارة ثم السيد نبي اللَّه إسحاق ﵇ فإذا وقف عنده يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته يا نبي اللَّه إسحاق صلى اللَّه عليك وعلى والدك السيد الكريم الخليل وعلى ذريتك الطيبين الطاهرين ورحمة اللَّه وبركاته، يا نبي اللَّه إني متوجه بك إلى ربي في حوائجى لتقضي لي، ثم يدعو ما شاء ثم يلتفت عن شماله ويسلم على السيدة الجليلة زوجة سيدي إسحاق ويقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة اللَّه وبركاته ثم يمضي بأدب وسكون ويقصد السيد الجليل نبي اللَّه يعقوب ﵇ ويفعل عنده كما فعل عند أبيه إسحاق ﵇ وكذا عند زوجته، ثم يقصد نبي اللَّه يوسف ﵇ ويفعل كما سبق، ثم يقصد شباك خليل اللَّه إبراهيم ﷺ ويقف بالقرب منه ثم يسلم ويدعو اللَّه تعالى بما شاء، فإن الدعاء هناك مستجاب ثم يسأل اللَّه بجميع أنبيائه خصوصًا بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد ﷺ وعلى أصحابه وآله أجمعين، ثم يمسح وجهه ويمضي مسرورًا مقبولًا إن شاء اللَّه. ووجه كمال الزيارة على هذا الترتيب الذي ذكرناه بما فيه من البداية بالآباء والتثنية بالأبناء والاختتام بالأب الكريم خليل اللَّه إبراهيم ﷺ ، وكلما ذكره أهل العلم السابقون والمتأخرون في مناسكهم من آداب الزيارة في حق سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، فهو سائغ في حق هذا النبي الكريم خليل اللَّه إبراهيم من غير تردد ولا تقصير، ولا إخلال بشيء فمن أهمل شيئًا من ذلك فلجهله وحرمانه ومن تحلى بما أدبه اللَّه من الدخول في سلك أوليائه وأهل طاعته بقصد المعالي من الأمور الموجبة للارتقاء إلى المنازل العلية كان من الفائزين المقربين إن شاء اللَّه تعالى. وعلى ذكر قصد زيارة إبراهيم الخليل ﵇ وأبنائه الأكرمين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين أقول روى الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لما أسري بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل ﵇ إلى قبر إبراهيم الخليل فقال انزل فصل

стр. 267

ههنا ركعتين فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم ﵇ وقد تقدم الحديث بطوله. وروى أبو الحسين عبد اللَّه بن الحسن بن عمر اللخمي المقدسي بسنده إلى عبد اللَّه بن سلام رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: (من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر أبي إبراهيم الخليل ﵇ وروى الشيخ أبو منصور بسنده إلى وهب بن منبه قال: (يأتي على الناس زمان تنقطع فيه السبل ويمنح اللَّه تعالى جل ثناؤه من الحج فمن لم يصل إلى ذلك فليزر قبر أبي إبراهيم الخليل ﵇ فإن من زاره فكأنما زارني) وعنه أيضًا: (إن الزيارة إلى قبر أبي إبراهيم الخليل ﵇ عنده حج الفقراء ودرجات الأغنياء) ورواه أيضًا المشرف بن المرجا، وعن وهب بن منبه عن كعب قال: من زار بيت المقدس وقصد قبر إبراهيم ﵇ للصلاة فيه خمس صلوات ثم سأل اللَّه شيئًا أعطاه اللَّه إياه وغفر ذنوبه كلها ولا يخرج من الدنيا حتى يرى إبراهيم ﵇ فيبشره أن اللَّه تعالى قد غفر له. وروى أبو بكر بن جماعة بن الطيب المقدسي بسنده إلى كعب الأحبار الخبري قال: أكثروا الزيارة إلى قبر رسول اللَّه ﷺ وأظهروا الصلاة عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما قبل أن تمنعوا ذلك أو يحال بينكم وبين ذلك بالفتن وفساد السبل فمن فقد ذلك أو حيل بينه وبين الزيارة إلى قبر رسول اللَّه ﷺ فليجعل رحلته وإتيانه إلى قبر إبراهيم ﵇ وليظهر الصلاة عليه وليكثر الدعاء فإن الدعاء عنده مستجاب ولن يتوسل به أحد إلى اللَّه جل ثناؤه في شيء إلا لم يبرح حتى يرى الإجابة في ذلك عاجلًا أو آجلًا. وبسنده أيضًا إلى وهب بن منبه اليماني أنه قال: إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج فمن لم يحج ولحق ذلك فعليه بقبر إبراهيم الخليل ﵇ فإن زيارته تعدل حجة وعن كعب الأحبار قال: لو يعلم الذي يعلم ماله من الثواب في إتيانه

стр. 268

إلى قبر إبراهيم ﵇ لكان لا يبرح من تلك البقعة، ولا يتوسل أحد بإبراهيم ﵇، إلا أعطاه اللَّه تعالى ما سأل وأضعف له وذلك فوق مسألته لكرامة إبراهيم ﵇ وحدث أبو الحسن موسى بن الحسين التاجر قال: حدثني رجل من أهل بعلبك قال: زرنا قبر إبراهيم الخليل ﵇ وكان معنا رجل مغفل من أهل الجبل فسمعنا وقد زار القبر وهو يبكي وهو يقول: حبيبي إبراهيم سل ربك يكفيني فلانًا وفلانًا فإنهم يؤذياني ونحن نضحك منه ونتعجب من قوله، ثم رجعنا بعد مدة إلى يافا فوصل قارب من بيروت وفيه رجل من أهل بعلبك فحدثنا أن الثلاثة الذين سماهم ماتوا. وروى أبو علي الحسن بن جماعة بسنده إلى وهب بن منبه أنه قال: طوبى لمن زار قبر إبراهيم الخليل ﵊ طوبى له يمحو اللَّه ذنوبه كلها ولو كانت مثل جبل أحد وعنه أنه قال: من زار قبر إبراهيم ﵇ في عمره مرة لا يقينه إلا ذلك حشر يوم القيامة آمنًا من الفزع الأكبر ووقي فتنة القبر، وكان حقًا على اللَّه أن يجمع بينه وبين إبراهيم في دار السلام. وعلى ذكر مولده ﷺ وقصته عند إلقائه في النار، أقول قال ابن اسحاق رحمه اللَّه تعالى: لما أراد اللَّه أن يبعث إبراهيم ﵇ في حجة على قومه ورسولًا إلى عباده رأى نمرود في منامه كأن كوكبًا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع لذلك فزعًا شديدًا وجمع السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك، فقالوا له: هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة ويكون هلاكك وذهاب ملكك على يديه قال: فأمر نمرود بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في تلك الناحية، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل حامل أمينا، فكانت الحامل إذا وضعت حملها وكان ذكرًا ذبحه وقيل: بل

стр. 269

حبس جميع الحوامل إلا ما كان من أم إبراهيم ﵊؛ فإنه لم يعلم بحملها وعميت عنها الأبصار قال: وخرج نمرود بجميع الرجال إلى العسكر ونحاهم عن النساء كل ذلك تخوفًا من ذلك المولود الذي أخبر به وقيل: إن نمرود لما خرج بعسكره بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها أحد من قومه إلا آزر، وذلك قبل حمل أم إبراهيم به فبعث إلى آزر وأسر إليه بحاجته وقال له: إني لم أبعثك إلا لثقتى بك، وأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك قال: ودخل آزر المدينة وقضى حاجته، ثم بدا له الدخول على أهله لرؤية حالهم وإصلاح شأنهم فلما دخل الدار واجتمع بأهله حكم عليه نفوذ الأقدار ونسي ما التزم به للنمرود فواقع أهله فحملت بإبراهيم ﵇ قال: فلما استقر في بطنها تنكست الأصنام وظهر نجم إبراهيم ﵇ له طرفان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب فلما رآه نمرود تحير وازداد تخوفه، ولما تم حمل إبراهيم وجاء لأمه الطلق أرسل اللَّه إليها ملكًا على أجمل صورة من بني آدم فآنسها وسكن خوفها وبشرها بولد له شأن عظيم فلما ثقل عليها الحال قال لها: انهضي معي فقامت معه واتبعته فتوجه بها حتى أدخلها غارا هناك معما فلما دخلت الغار وجدت فيه جميع ما تحتاج إليه وخفف اللَّه تعالى عليها الطلق فوضعت السيد إبراهيم ﷺ ليلة الجمعة ليلة عاشوراء فلما نزل إلى الأرض نزل جبريل ﵇ وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوبًا أبيض، ثم عاد بها الملك إلى منزلها وتركت ولدها في الغار، قال: ولما طالت غيبة نمرود عن أرضه عاد في تدبير ما أهمه فبينما هو جالس يومًا على سريره وإذا هو قد انتفض من تحته انتفاضًا شديدًا وسمع هاتفًا يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم فقال لآزر: أسمعت ما سمعته، قال: نعم؟ قال: فمن إبراهيم، قال آزر: لا أعرفه فأرسل إلى السحرة والكهنة وسألهم عن

стр. 270

إبراهيم فلم يخبروه بشيء من علمهم به وكان ذلك في يوم ولادته ثم توالت على نمرود الهواتف ونطقت الوحوش والطيور بمثل ذلك فكان نمرود لا يمر بمكان إلا ويسمع قائلًا يقول تعس من كفر بإله إبراهيم، قال: ثم إن نمرود رأى رؤية أخرى هالته وذلك أنه رأى القمر طلع في ظهر آزر وبقي نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض وسمع قائلًا يقول: جاء الحق وزهق الباطل ونظر إلى الأصنام وهي منكسة على كراسيها فاستيقظ فزعا مرعوبًا وقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه، وقال إنما: ذلك لكثرة عبادتي لهن، قال: وكان النمرود بليدًا جبانًا فرضي بقول آزر وسكت ثم بدا له الدخول إلى البلدة فلما حل بها دخل آزر على الأصنام وكان هو القيم لها فلما وقع نظره عليها تساقطت عن كراسيها فسجد آزر حين رأى ذلك فأنطقها اللَّه تعالى وقالت: يا آزر جاء الحق وزهق الباطل ووافى نمرود ما كان يحذره، فدخل آزر بيته وكان قد توهم في زوجته أنها حامل؛ فلما رآها وهي نشيطة سألها عن حالها فقالت: إن الذي كان ببطنى لم يكن ولدًا وإنما كان ريحًا وقد انصرف عنى فصدقها على ذلك، قال: وألقى اللَّه تعالى النسيان على نمرود لأمر إبراهيم فكانت أمه تتوجه إلى الغار قال: فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على باب المغارة فخافت واضطربت وظنت أن ولدها قد هلك فلما دخلت عليه وجدته بنعمة وعافية على فراش من السندس وهو مدهون ومكحول فلما رأت ذلك منه ازدادت تعظيمًا له وعلمت أن له شأنًا عظيمًا وأن له ربًا يتولاه ووجدته من أصابعه الإبهام والسبابة فيشرب من واحد لبنًا ومن الآخر عسلًا قالت: وكان يشب شبًا لا يشبه الظمآن، يومه كالشهر وشهره كالسنة ولم يمكث في الغار إلا خمسة عشر شهرًا وتكلم، وقيل أكثر فقال لأمه يومًا: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمرود. قال: فمن رب نمرود؟ قالت له: اسكت

стр. 271

فسكت. ثم إنها رجعت إلى زوجها وقالت: أرأيت الغلام الذي يتحدث به إنه بغير دين أهل الأرض، قال: لا، قالت: إنه ابنك ثم أخبرته بأمره ومكانه فأتاه أبوه ونظر وفرح به، وقال له ما قاله لأمه: فقال له أبوه عند ذكر إله نمرود: اسكت. فسكت: قال: ثم إن إبراهيم قال لأمه يوما أخرجيني من الغار فأخرجته عشاء فلما خرج تفكر في خلق السموات والأرض ثم قال: إن الذي خلقنى ورزقني ويطعمنى ويسقيني لربي مالي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبًا فقال: هذا ربي ثم أتبعه ببصره وينظر إليه حتى غاب فسئمه قال: "لا أحب الآفلين" وهذا يدل على كمال عقله وعلمه إذ الآفل لا يجوز أن يكون إلهًا قال: ثم رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي وأتبعه بصره حتى غاب فسئمه ورجع بفكره متوجهًا إلى ربه، وقال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ومضى قوله ﷺ لئن لم يهدني ربي لأن الهداية والتوفيق بيده سبحانه قال: ثم طلعت الشمس فقال: هذا ربي هذا أكبر مني فلما أفلت سئمها وتوجه إلى ربه بقلب سليم ووجهه للحق بالصدق واليقين ونادى على قومه بالشرك المبين، وقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩] فنقله اللَّه تعالى من علم اليقين إلى عين اليقين. قال: ثم إن أباه ضمه إليه فشب شبابًا حسنًا ولا زال ﷺ في جميع أحواله مجملًا مكملًا حتى أكرمه اللَّه بما أكرمه من الأيات البينات والكرامات الباهرات ثم ألبسه خلعة الخلة وجعله من أولي العزم من الرسل وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء، ونور أهل الأرض وشرف أهل السماء وكان مولده بكوثا من إقليم بابل من أرض العراق على أرجح الأقوال قال ولم يبتل أحد من الخلق بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ﵇، وهذا قول ابن عباس ﵁ لا جرم أن اللَّه مدحه في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والكلمات التي ابتلاها اللَّه من أجل شرائع الإسلام

стр. 272

ومن أعز ما امتحن به أهل الإيمان ولذلك مدحه اللَّه تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] ومعنى التوفية هو الإتمام لما طولب به في دينه ونفسه وماله وولده فأتم الجميع على الوجه المطلوب ولما صنع له نمرود المنجنيق وألقاه في النار ظهر تحقيق الابتلاء وصدق الولاء وذلك أنه لما نزل من عدوه ما نزل ووضع في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلةً: يا ربنا هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنت أعلم به، فقال اللَّه سبحانه لجبريل اذهب إليه فإن استغاث بك فأغثه وإلا فاتركني وخليلي، فتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار فقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا وأما إلى اللَّه فبلى وقيل: جاءه جبريل ﵇ فسأله فقال: أما إليك فلا حسبي من سؤالي علمه بحالى فلم يستنصر بغير اللَّه ولا جنحت له همته لما سوى اللَّه بل استسلم لحكم اللَّه مكتفيًا بتدبير اللَّه تعالى عن تدبير نفسه فأثنى اللَّه تعالى عليه بقوله تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] ونجاه من النار وقال لها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فقال بعض أهل العلم لو لم يقل اللَّه تعالى وسلامًا لأهلكه بردها فخمدت تلك النار وقيل: إنه لم يبق في ذلك الوقت نار في مشارق الأرض ومغاربها إلا خمدت ظانة أنها المعنية بالخطاب قال: وكان حين وضع في المنجنيق ورمي به جرد من ثيابه ولم يترك عليه إلا سراويله فقصد بعض السفهاء نزع السراويل عنه فشلت يده، وكان مقيدا بقيود وتلقاه جبريل ﵇ فلم يضره ألم الهوي فلما استقر على الأرض وهي إذ ذاك جمرا أحمر يلتهب ويتوقد ولم يؤثر فيه شيء من حرارة النار وظهر للناظرين إليه والرائين له أن الأرض التي سقطت عليها مخضرة موفقة وجليسه جليس صالح حسن الوجه والهيئة كأحسن ما رأى راء، ثم ألبسه قميصًا من ثياب الجنة وفك قيده وآنسه وقال له: ربك يقرئك السلام ويقول لك أما علمت أن النار لا تضر

стр. 273

أحبائي. فقال ﷺ : حسبي اللَّه ونعم الوكيل، وكان ﷺ أول من جرد من ثيابه في سبيل اللَّه فلذلك كساه اللَّه في ذلك المحل قميصًا من الجنة وادخر له كسوة يكسى بها أول الخلق في القيامة كل ذلك وهو بمشهد من الخلق ينظرون إليه، فلما رآه وقد أكرمه اللَّه بما أكرم به آمن باللَّه جمع كثير في سر من نمرود، قال: وخرج إبراهيم من مكانه يمشي وفارقه جبريل ﵇ فأقبل نحو منزله فأرسل إليه نمرود وسأله عن كسوته ورفيقه فقال له: إنه ملك أرسله إلي ربي وقص عليه القصة، فقال نمرود: إن إلهك الذي تعبده لإله عظيم وإني مقرب قربانًا إليه لما رأيت من عزته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته قال: فقرب أربعة آلاف بقرة ثم احترم إبراهيم بعد ذلك وكف عنه، ثم قال له يومًا: أسألك أن تخرج من أرضى هذه إلى حيث شئت فأجابه إلى ذلك وخرج هو وأهله فنزل الرها، ثم انتقل إلى حلب، ثم إلى الشام، ثم إلى بيت المقدس إلى محله الآن، فهو أول من هاجر من وطنه في ذات اللَّه حفظًا لإيمانه فلما أن فعل ذلك جازاه اللَّه تعالى أن جميع الملل تفد إليه سعيًا من سائر أقطار الدنيا. وعلى ذكر صباه وكرمه، وذكر الخلة واختصاصه بها أقول: روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى عكرمة قال: كان إبراهيم خليل الرحمن ﵇ يدعى أبا الضيفان، وقال الغزالي في باب الضيافة من كتاب الإحياء أن

стр. 274

إبراهيم ﵇ كان إذا أراد أن يأكل خرج ميلًا أو ميلين يلتمس من يأكل معه وكان يكنى أبا الضيفان وبصدق نيته في الضيافة دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا ينقضي يوم وليلة إلا ويأكل عنده ضيف، وقال قوام الموضع: لم يخل المكان إلى الآن ليلة عن ضيف قال: وحدثنى محمد بن عبد السلام بن حسين عن بعض الشيوخ قال: كان رجل شريف القدر محتشم من أهل دمشق ذو جاه يزور سيدنا الخليل ﵇ كل حين وكان يؤتى بالضيافة التي جرت العادة بها لزواره فيردها ولا يأكل منها شيئًا فجاء مرة وهو ملهوف وجعل يطلبها ويجد في طلبها حتى قيل: إنه كان يتتبع ما بقى في القصاع ويلتقط ما يجد من لباب الخبز وفتاته فيأكله فقيل له في ذلك: فقال: رأيت الخليل ﵇ فقال: ما أكلت ضيافتنا فما قبلنا زيارتك فإن أكلت ضيافتنا قبلنا زيارتك. وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: إن اللَّه تعالى وسع على إبراهيم ﵇ في المال والخدم فاتخذ بيت ضيافة له بابان يدخل الغريب من أحدهما ويخرج من الآخر، ووضع في ذلك البيت كسوة الشتاء وكسوة الصيف ومائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس إن كان عريانا ويحدد إبراهيم ﵇ كل حين مثل ذلك. روى صاحب كتاب "الأنس" بسنده إلى وهب بن الورد قال: بلغنا أن إبراهيم ﵇ لما قرب العجل إلى الضيوف، ورأى أيديهم لا تصل إليه، قال: لِمَ لا تأكلون قالوا: لا نأكل طعامًا إلا بثمنه قال: أو ليس معكم ثمنه؟ قالوا: وأنى لنا بثمنه؟ قال: تسمون اللَّه ﵎ إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم قالوا: سبحان اللَّه لو كان ينبغي للَّه أن يتخذ خليلا من خلقه لا تخذك يا إبراهيم خليلا قال: فاتخذ اللَّه إبراهيم خليلا، وقيل: إن الملائكة لما رأت ازدياد إبراهيم ﵇ في الخير وإقبال الدنيا عليه ولم يشغله ذلك عن اللَّه طرفة عين عجبت من ذلك وقالت: إن ظاهره الحسن وأنه لا يؤثر على ربه شيئًا فهل هو في قلبه هكذا فعلم

стр. 275

اللَّه منهم ما تكلموا به فأمر ملكين من أجلاء الملائكة قيل: إنهما جبريل وميكائيل ﵉ أن ينزلا عليه ويستضيفانه ويذكرانه بربه ويرفعان صوتهما عنده بالتسبيح والتقديس للَّه تعالى، فنزلا عليه على صورة بنى آدم سألاه الإذن لهما في المبيت عنده فأذن لهما وأكرم نزلهما ورفع محلهما، فلما كان بعض الليل وهو يسامرهما إذ رفع أحدهما صوته وقال: سبحان الملك القدوس ذي الملك والملكوت ثم رفع الأخر رأسه وقال: سبحان الملك القدوس بصوت لم يسمع مثله قال: فأغمي على إبراهيم ﵇ ولم يملك نفسه من الوجد والطرب ثم أفاق بعد ساعة وقال لهما: أعيدوا علي ذكركما فقالا: لن نفعل حتى تجعل لنا شيئا معلومًا فقال لهما: خذا ما تختارا من مالي فقالا له: أعطنا ما شئت فقال: لكما جميع مالي من الغنم وكان شيئًا كثيرًا فرضيا بذلك ثم رفعا صوتهما وقالا كالأول فأغمي عليه، فلما أفاق وعلم أنهما لا يقولان شيئًا إلا بمعلوم قال لهما: لكما جميع مالي من البقر وأعاد ولم يزالا يكررا عليه الذكر ويتجلى به ويستغرق في لذته حتى أعطاهما جميع موجوده من ماله وأهله، ولم يبق إلا نفسه فباعهما ورضي لهما أن يكون في رفقتهما، وجعل في عنقه شدادًا وسلمهما نفسه وقال لهما: تجودا علي بالذكر مرة أخرى فلما رأيا منه ذلك قالا: حقًا لك أن يتخذك اللَّه خليلًا، ثم حكيا له ما كان من الملائكة فتبسم، وقال حسبي اللَّه ونعم الوكيل، ثم قالا له: أمسك عليك مالك بارك اللَّه لك وعليك وعلى ذريتك. قال: فمَنَّ اللَّه عليه تعالى بإبقاء ذريته وسماطه وزاده بركة وخيرًا وجعل سماطه ممدودًا من يومه ذلك إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى. وروى بعض الشيوخ المنسوبين إلى العلم والفضل، أن فرقة عطمة من أشراف الناس نزلت على إبراهيم ﵇ فأضافهم أحسن الضيافة وأكرمهم أحسن الكرامة، وبالغ في إكرامهم مدة مقامهم عنده فلما عزموا على الانصراف قال بعضهم

стр. 276

لبعض: إن هذا الرجل قد أكرمنا وزاد في إكرامنا حتى احتشمنا منه فتعالوا حتى نقول له: إن كان له حاجة فقضيناها له أو معونة على أمر أعناه عليه مكافأة لما صنع معنا من الجميل فقالوا له: إنك قد أكرمتنا وزدت في إكرامنا فإن كان لك حاجة قضيناها للث أو معونة على أمر أعناك عليه، فقال: لي إليكم حاجة مهمة أريد أن تقضوها لي، فقالوا: ما هي؟ قال: تسجدوا لإلهي سجدة واحدة فقالوا: لا سبيل إلى ذلك وصعب عليهم هذا الأمر وأنكروه أشد الإنكار وكانوا مشركين باللَّه تعالى، وإلي إليكم حاجة إلا هذه فإن قضيتموها وإلا فما لي حاجة غيرها فقال بعضهم لبعض: ما علينا من ذلك، تعالوا حتى نقضي حاجته ونسجد لإلهه سجدة واحدة، ونحن باقون على ديننا لا نتغير عنه وأجمعوا على ذلك، وقال لإبراهيم نحن نقضي حاجتك، قال: فافعلوا فاستقبلوا قبلة إبراهيم وسجدوا كلهم وسجد إبراهيم معهم، وذكر اللَّه تعالى في سجوده، وقال: اللهم إني قد فعلت ما قدرت عليه من إصلاح ظواهرهم ولا أقدر على إصلاح بواطنهم فأصلحها فهداهم اللَّه كلهم إلى الإيمان والتوحيد، فرفعوا رؤوسهم من سجودهم وهم مؤمنون وموحدون فسر إبراهيم ﵇ بذلك وصاروا كلهم على دينه دين الحق فظهر عليهم أثر بركته واستجاب دعوته. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى وهب قال: لما اتخذ اللَّه إبراهيم خليلًا كان يسمع خفقان قلبه من بعد خوفًا من اللَّه تعالى. وروى أبو نعيم الحافظ عن ابن عمر قال: "قال رسول اللَّه ﷺ لجبريل: يا جبريل لِم اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا؟. قال: لإطعامه الطعام" وبسنده أيضًا إلى وهب بن منبه قال: قرأت في الكتب المنزلة إن اللَّه تعالى قال لإبراهيم: أتدري لما اتخذتك خليلا؟ قال: لا يا رب، قال له: لإبقائك بين يدي، وروى الحافظ ابن عساكر، بسنده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال "بعث اللَّه جبريل إلى إبراهيم فقال: لم اتخذتك خليلا على أنك عبد من عبادي؟ ولكن اطلعت على قلوب الآدميين فلم أجد قلبًا أسخى من قلبك فلذلك اتخذتك خليلًا". وفي الصحيحين عن ابن عمرو بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: بعث اللَّه جبريل إلى النبي إبراهيم فقال له اتخذتك

стр. 277

خليلًا على أنك عبد من عبادي وقال ﷺ : "يا أيها الناس إن اللَّه تعالى اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلا"، قال القاضي عياض ﵀: اختلف في تفسير الخلة واشتقاقها فقيل: الخليل المنقطع إلى اللَّه تعالى الذي ليس له في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال وأصل الخلة الاستقصاء، وسمي إبراهيم خليل اللَّه لأنه يوالي في اللَّه تعالى ويعادي في اللَّه تعالى، وخلة اللَّه تعالى نصره وجعله إمامًا لمن بعده والخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع مأخوذ من الخلة وهي الحاجة فسمي بها لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع إليه بهمته ولم يجعل له وليا غيره حيث قال له جبريل ﵇ وهو في المنجنيق ليرمى به في النار: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: الخلة صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، وقيل: أصل الخلة المحبة ومعناها الإشفاق، والإلطاف، والترفيع، والتشفيع، والخلة هنا أقوى من النبوة لأنها قد تكون مع عداوة قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] , فالعداوة مع الخلة ووصف إبراهيم ومحمد صلى اللَّه عليهما وسلم بالخلة إما لانقطاعهما إلى اللَّه تعالى دون غيره وقصر حوائجهما على اللَّه تعالى والاضطراب على الوسائط والأسباب أو لزيادة الاختصاص من اللَّه تعالى لهما وخفي الطاقة عندهما وما خالط بواطنهما من الأسرار الإلهية ومكنون غيوبه ومعرفته ولاصطفائه لهما واستصفاء قلوبهما وتفريغهما عمن سواه حتى لا يخايل حب لغيره ولهذا قيل: الخليل من لا يسع قلبه غير خليله وهو عندهم معنى قوله ﷺ : "لو كنت متخذا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن

стр. 278

أخوة الإسلام". واختلف العلماء أرباب القلوب هل الخلة والمحبة شيئان أو أحدهما أرفع من الآخر، فقيل سيان، فالحبيب خليل، والخليل حبيب، ولكن خص إبراهيم بالخلة، ومحمد ﷺ بالمحبة وقيل: الخلة أرفع للحديث المذكور لو كنت متخذا خليلًا غير ربي؛ فلم يتخذ أبا بكر خليلا -وأطلق على نفسه الشريفة أن المحبة أرفع لأن درجة نبينا الحبيب ﷺ ، وأصل المحبة الميل الى ما يوافق المحبوب وهذا فيمن يأتي منه الميل وهي درجة المخلوقين، أما الخالق ﷻ فمنزه عن ذلك فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بعين قلبه وينظر إليه ببصيرته كما في الحديث: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به". ولا ينبغي أن يفهم من ذلك سوى التجرد للَّه تعالى والانقطاع إليه والإعراض عمن سواه وصفاء القلب للَّه وإخلاص الحركات له وعلى ذكر حنانه وتسروله وشفقته ورأفته بهذه الأمة وأخلاقه الكريمة وسنته المرضية التي لم تكن لأحد قبله وأنها صارت شرائع وآدابًا لمن بعده. أقول: وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اختتن إبراهيم ﷺ وهو ابن عشرين ومائة سنة عاش بعد ذلك ثمانين سنة" وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" وهو بالتخفيف والتشديد قال النووي رحمه اللَّه تعالى، وروى الحافظ ابن عساكر في تاريخه بسنده، أنه ﷺ قال: "ربط إبراهيم ﵇ عزلته وجمعها إليه ومد قدومه وضرب قدومه بعود كان معه فندرت بين يديه بلا ألم ولا دم وختن إسماعيل ﵇ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام"، وعن عكرمة قال: اختتن إبراهيم ﷺ وهو ابن

стр. 279

ثمانين سنة فأوحى اللَّه إليه أنك قد أكملت إيمانك إلا بضعة من جسدك فألقها فختن نفسه بالفأس. وقال ابن عباس كان إبراهيم الخليل أول من لبس السراويل وذلك أنه كان ﵇ كثير الحياء وكان من حيائه يستحي أن ترى الأرض هواكيره فاشتكى إلى اللَّه ذلك فأوحى اللَّه تعالى إلى جبريل ﵇ فهبط عليه بخرقة من الجنة ففصلها جبريل سراويل وقال له: ادفعها إلى سارة، وكان اسمها سارة فلتخطه فلما خاطته سارة لبسه إبراهيم ﵇ قال ما أحسن هذا وأستره يا جبريل فإنَّه نعم السترة للمؤمن فكان إبراهيم ﵇ أول من لبس السراويل، وأول من فصل وخاط سارة بعد إدريس ﵇، وفي رواية عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه جل ثناؤه أوحى إلى إبراهيم ﵇ أنك خليلي وأحب أهل الأرض إليّ وأنك إذا سجدت وقعت عورتك على الأرض فاتخذ ثوبًا يواريها فقال لجبريل: يا جبريل ما هذا الثوب الذي يواريها قال السراويل قال: ادع بثوب حتى أقطعه لك قال وكان إبراهيم ﵇ بزازا فدعى بثوب ودفعه إلى جبريل فقطعه جبريل سراويل وخاطته سارة فلما لبسه إبراهيم ﵇ قال: ما لبست ثوبًا أحب إلي منه فإذا مت فغسلوني من تحته وكفنوني من فوقه" وكان إبراهيم ﵇ أول من لبس السراويل والنعلين، وأول من قاتل بالسيف، وأول من قسم الفيء، وأول من اختتن بموضع يسمى القدوم، وسبب ختانه أنه أمر بقتال العمالقة فقاتلهم فقتل خلق كثير من الفريقين، فلم يعرف إبراهيم ﵇ وختن نفسه بالقدوم، وروى الفقيه أبو علي الحسن بن جماعة المقدسي بسنده إلى

стр. 280

ابن عباس ﵁ أنه قال: أول من سمانا مسلمين إبراهيم ﵇، وهو أول من ضرب بالسيف من الأنبياء، وكسر الأصنام، واختتن، ولبس السراويل والنعلين، ورفع يديه في الصلاة في كل خفض، ورفع وصلى أول النهار أربع ركعات جعلهن نفسه فسماه اللَّه وفيا فقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] قال ابن عباس: هي الأربع في أول النهار، وهو أول من أضاف الضيف، وثرد وفرق الشعر، واستنجى بالماء، وقلم الظفر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وأول من استاك، وتمضمض وتنشق بالماء، وحلق العانة، وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين موضع السجود، وأول من شاب، فقال ما هذا؟ فقال اللَّه تعالى: وقارا. فقال: ربي زدني وقارًا، فقال: ربي زدني وقارا فما برح حتى ابيضت لحيته، وأول من جر الذيل هاجر أمته فصارت سنة في النساء، فغارت منها سارة وحلفت أنها لقلأ يدها من دمها قال إبراهيم ﵇ خذيها فاختنيها كي تكون سُنّة من بعدكن وتخلصين من يمينك ففعلت، فكانت هاجر أول من اختتن من النساء، وإبراهيم أول من اختتن من الرجال. وعن أبي أمامة، قال بينما إبراهيم ﵇ من الملك العلام، ذات يوم إذ نظر إلى كف خارجة من السماء وبين أصبعين من أصابعها شعرة بيضاء فلم تزل تدنو حتى التصقت بالشعر في رأس إبراهيم ﵇ ثم قال اشتعل وقارًا، فاشتعل رأسه منها شيبًا ثم أوحى اللَّه إليه أن تطهر فاختتن وكان أول من اختتن سارة وشاب إبراهيم ﵇. وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى ابن أبي الأصبح بن ثباتة قال سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كان الرجل يبلغ الهرم، ولم يشب وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الوالد

стр. 281

والولد فيقول: أيكم الأب؟ لا يعرفون الأب من الابن فقال إبراهيم: ربي اجعل لي شيئًا أعرف به فأصبح رأسه ولحيته أبيضان. ومن رأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم ما رواه الترمذي عن ابن مسعود رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر". وفي رواية عن وهب بن منبه عن أيوب الأنصاري وفيه "فرأيت إبراهيم فرحب وسهل ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غرس الجنة، فإن ترابها طيبة، وأرضها واسعة، فقال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه". وفي لفظ للبيهقي عن ابن مسعود، وفيه "فقال لي إبراهيم: مرحبًا بالنبي الأمى الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا نبي إنك لآيه ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أوجلها في أمتك فافعل". وأما أخلاقه الكريمة وسننه المرضية التي لم تكن لأحد قبله، وصارت شرائع لمن بعده فهو ﷺ خليل الرحمن، وأبو الضيفان، والمحبول له لسان صدق في الآخرين، فليس أحد من الأمم إلا وألسنتهم تجري بتصديقه وفضله وتبجيله وتعظيمه وتوقيره وذلك بفضل دعائه حيث قال: واجعل لي لسان صدق في الآخرين وهو المبتلى بأنواع البلاء بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والمشهور بالوفاء بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] والأمة والقانت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي معلما للخير واجتمع فيه من أنواع الخير وخلال الفضل ما لم يعلمه إلا اللَّه تعالى وأدّى رشده قبل بلوغه فدعى الخلق إلى الحق بلسان الحجة من صغره إلى كبره بقوله : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] وهو أول من

стр. 282

سماه اللَّه حنيفًا وبرأه من دعاوي اليهود والنصارى وشهد له بالإخلاص بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] وهو الكفيل لأطفال المسلمين وقائد أهل الجنة، وهو الذي بنى الكعبة البيت الحرام، وأول من كسَّر الأصنام، وأقام مناسك الحج، وضحى، وألقي في النار في ذات اللَّه تعالى، فجعلها اللَّه عليه بردًا وسلامًا "وأحيا" الموتى بسؤاله وأول من يكسى حلة بيضاء يوم القيامة، ويوضع له منبر عن يسار العرش، وأول من خطب على المنابر، كما ورد في الحديث من رواية معاذ أنه ﷺ قال: "إن اتخذ المنبر فقد اتخذه إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها إبراهيم ﵇". وقد تقدم أنه أول من سمانا المسلمين، وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين وأول من لبس النعلين وأضاف الضيف، وضرب بالسيف وثرد الثريد، وقسم الفيء وختن نفسه، وشاب وأول من قصَّر شاربه، وفرق شعره، وقلم أظافره، ونتف إبطه واستنجى وتمضمض، واستنشق بالماء، واغتسل للجمعة، وهاجر في دين اللَّه تعالى ورفع يديه في الصلاة في كل رفع وخفض وصلى في أول النهار أربع ركعات، وجعل من على نفسه فسماه اللَّه وفيًا، وهو الذي جعل مقامه قبلة للناس، وأمر محمدًا ﷺ وهو خير الأنبياء وأمته أفضل الأمم، أن يتبعوا ملته، وأن يتخذوا من مقامه مصلى وسماه اللَّه تعالى حليمًا، والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب، والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب، والمنيب الذي يقبل على ربه في شأنه كله. وعلى ذكر عمره ﷺ وقصته عند موته وكسوته يوم القيامة أقول: روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أبي حذيفة قال:

стр. 283

أخبرني ابن سمعان يرفعه إبراهيم عاش مائة سنة وخمس وتسعين سنة، وقيل مائتا سنة، فكان بينه وبين نوح ﵉ ألف سنة ومائة واثنتان وأربعون سنة وبين مولده وبين الهجرة النبوية ألفان وثمانمائة سنة واثنان وثلاثون سنة. قال هشام بن محمد عن أبية، قال: خرج إبراهيم ﵇ إلى مكة ثلاث مرات، دعى الناس إلى الحج في آخرهن فأجابه كل شيء سمعه فأول من أجابه جرهم قبل العماليق ثم أسلموا، ورجع إبراهيم إلى الشام، فمات بها وهو ابن مائتي سنة وفي جامع الأصول عاش ﵇ مائتي سنة وسنة ذكره الترمذي ﵀. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عمر، قال: لما دخل ملك الموت على إبراهيم لقبض روحه وسلم عليه فرد ﵇، وقال: من أنت قال ملك الموت، وقد أمرت بك "فبكى" إبراهيم حتى سمع بكاءه إسحاق فدخل عليه، وقال يا خليل اللَّه ما يبكيك؟ قال: هو ملك الموت يريد أن يقبض روحى فبكى إسحاق حتى علا بكاءه بكاء أبيه فانصرف ملك الموت إلى اللَّه فقال يا رب: إن عبدك إبراهيم قد جزع من الموت جزعًا شديدًا، فقال اللَّه تعالى لجبريل ﵇: يا جبريل خذ ريحانة من الجنة وانطلق بها إليه وحيه بها وقل له الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه وأنت خليل ما اشتقت إلى خليلك فأتاه جبريل ﵇ فبلغه رسالة ربه ودفع إليه الريحانة فقال: نعم اشتقت إلى لقائك وشم الريحانة فقبض فيها، وقال أهل السير لما أراد اللَّه تعالى قبض خليله إبراهيم ﵇، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، قال الثعالبي بإسناده: كان إبراهيم ﵇ كثير

стр. 284

الإطعام يطعم الناس، ويضيفهم فبينما هو يطعم الناس، إذ هو بشيخ كبير يمشي في الحرم فبعث إليه بحماره وأركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها فاه، فيدخلها في عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم ﷺ قد سأل اللَّه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأل الموت، فقال للشيخ: حين رأى حاله، يا شيخ ما بالك تصنع هذا؟ فقال يا إبراهيم الكبر، قال ابن كم أنت؟ فذكر له من العمر ما زاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم ﵇ بينى وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ قال نعم. فقال إبراهيم: اللهم اقبضنى إليك قبل ذلك فقام الشيخ وقبض روحه، فكان ملك الموت صلوات اللَّه عليه وسلامه. وقال الحافظ ابن عساكر: حدثنا عبد اللَّه بن رباح، عن كعب، قال: كان إبراهيم ﵇ يقري الضيف، ويرحم المساكين، وابن السبيل، قال: فأبطأت عليه الأضياف حتى استراب فخرج إلى الطريق يطلب ضيفًا فمر به ملك الموت في صورة رجل فسلم على إبراهيم، فرد إبراهيم ﵇، ثم سأله، من أنت؟ قال ابن السبيل. قال: إنما قعدت هنا لمثلك انطلق فانطلق به لمنزله فرآه إسحاق فعرفه، وبكى إسحاق، فلما رأت سارة إسحاق يبكى بكت لبكائه، قال: ثم صعد ملك الموت فلما أفاقوا غضب إبراهيم ﵇، وقال: بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب، فقال: إسحاق: لا تلومني يا أبت فإني رأيت ملك الموت معك ولا أرى أجلك يا أبت إلا وقد حضر فارث في أهلك قال فأمره بالوصية وكان لإبراهيم ﵇ بيت يتعبد فيه لا يدخله غيره فإذا خرج أغلقه فجاء إبراهيم يفتح بيته الذي يتعبد فإذا هو برجل جالس فقال له: من أنت؟ ومن أدخلك؟ قال: بإذن رب البيت، فدخل فقال إبراهيم: رب البيت أحق به ثم تنحى إبراهيم إلى ناحية البيت يصلي كما كان يصنع، وصعد ملك الموت فقيل له: ما رأيت؟ قال: يا رب جئت من عبد لك ليس في الأرض خير منه ما ترك خلقًا من خلقك، إلا وقد دعا له في دينه، أو معيشته، ثم مكث إبراهيم بعد ذلك ما شاء اللَّه تعالى، ثم فتح باب بيته الذي يتعبد

стр. 285

فيه، فإذا هو برجل جالس، فقال له إبراهيم: من أنت؟ قال ملك الموت فقال إبراهيم: إن كنت صادقًا فأرني منك آية أعرف بها أنك ملك الموت؟ فقال له ملك الموت، أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض إبراهيم ﵇ بوجهه فأراه الصورة التي يقبض فيها أرواح المومنين فرأى من النور والبهاء شيئًا لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، ثم قال له: أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض ثم قال له أقبل فانظر فأقبل فآراه الصورة التي يقبض عليها الكفار، فرعب إبراهيم ﵇ رعبًا شديدًا حتى ارتعدت فرائصه وألصق بطنه بالأرض، وكادت نفسه تخرج فقال إبراهيم ﵇: أعرف أعرف، فانظر الذي أمرت به، فامض له، قال: فصعد ملك الموت فقيل له تلطف يعني في قبض روح إبراهيم ﵇، فأتاه ملك الموت في عنب له في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء فنظر إبراهيم ﵇ فرآه فرحمه وأخذ "مكتلا" فقطف فيه عنبا، ثم جاء به فوضعه بين يديه وقال له: كل فجعل ملك الموت يريه أنه يأكل وجعل يمضغ ويمجه على لحيته وصدره، قال فعجب إبراهيم ﵇ منه: وقال: ما أبقت السنون منك شيئًا فكم أتى عليك؟ قال فحسب، وقال أتى لي كذا، وكذا سنة، مثل أيام إبراهيم، فقال إبراهيم ﵇، قد بلغت أنا هذا فإنما أنتظر أن أكون مثل هذا اللهم اقبضني إليك فطابت نفس إبراهيم ﷺ عن نفسه فقبض ملك الموت روحه على تلك الحالة. وفي رواية عن الحافظ أبي القاسم المكي المقدسي أن ملك الموت قال يا إبراهيم: أمرت بقبض روحك، قال: فأمهلني يا ملك الموت حتى
следующие страницы →