← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 14045

إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى - ت أحمد رمضان

المنهاجي الأسيوطي

Полный текст (374 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والولد فيقول: أيكم الأب؟ لا يعرفون الأب من الابن فقال إبراهيم: ربي اجعل لي شيئًا أعرف به فأصبح رأسه ولحيته أبيضان. ومن رأفته بهذه الأمة وشفقته عليهم ما رواه الترمذي عن ابن مسعود رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر". وفي رواية عن وهب بن منبه عن أيوب الأنصاري وفيه "فرأيت إبراهيم فرحب وسهل ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غرس الجنة، فإن ترابها طيبة، وأرضها واسعة، فقال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه". وفي لفظ للبيهقي عن ابن مسعود، وفيه "فقال لي إبراهيم: مرحبًا بالنبي الأمى الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا نبي إنك لآيه ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أوجلها في أمتك فافعل". وأما أخلاقه الكريمة وسننه المرضية التي لم تكن لأحد قبله، وصارت شرائع لمن بعده فهو ﷺ خليل الرحمن، وأبو الضيفان، والمحبول له لسان صدق في الآخرين، فليس أحد من الأمم إلا وألسنتهم تجري بتصديقه وفضله وتبجيله وتعظيمه وتوقيره وذلك بفضل دعائه حيث قال: واجعل لي لسان صدق في الآخرين وهو المبتلى بأنواع البلاء بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، والمشهور بالوفاء بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] والأمة والقانت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي معلما للخير واجتمع فيه من أنواع الخير وخلال الفضل ما لم يعلمه إلا اللَّه تعالى وأدّى رشده قبل بلوغه فدعى الخلق إلى الحق بلسان الحجة من صغره إلى كبره بقوله : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] وهو أول من

стр. 282

سماه اللَّه حنيفًا وبرأه من دعاوي اليهود والنصارى وشهد له بالإخلاص بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] وهو الكفيل لأطفال المسلمين وقائد أهل الجنة، وهو الذي بنى الكعبة البيت الحرام، وأول من كسَّر الأصنام، وأقام مناسك الحج، وضحى، وألقي في النار في ذات اللَّه تعالى، فجعلها اللَّه عليه بردًا وسلامًا "وأحيا" الموتى بسؤاله وأول من يكسى حلة بيضاء يوم القيامة، ويوضع له منبر عن يسار العرش، وأول من خطب على المنابر، كما ورد في الحديث من رواية معاذ أنه ﷺ قال: "إن اتخذ المنبر فقد اتخذه إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها إبراهيم ﵇". وقد تقدم أنه أول من سمانا المسلمين، وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين وأول من لبس النعلين وأضاف الضيف، وضرب بالسيف وثرد الثريد، وقسم الفيء وختن نفسه، وشاب وأول من قصَّر شاربه، وفرق شعره، وقلم أظافره، ونتف إبطه واستنجى وتمضمض، واستنشق بالماء، واغتسل للجمعة، وهاجر في دين اللَّه تعالى ورفع يديه في الصلاة في كل رفع وخفض وصلى في أول النهار أربع ركعات، وجعل من على نفسه فسماه اللَّه وفيًا، وهو الذي جعل مقامه قبلة للناس، وأمر محمدًا ﷺ وهو خير الأنبياء وأمته أفضل الأمم، أن يتبعوا ملته، وأن يتخذوا من مقامه مصلى وسماه اللَّه تعالى حليمًا، والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب، والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب، والمنيب الذي يقبل على ربه في شأنه كله. وعلى ذكر عمره ﷺ وقصته عند موته وكسوته يوم القيامة أقول: روى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى أبي حذيفة قال:

стр. 283

أخبرني ابن سمعان يرفعه إبراهيم عاش مائة سنة وخمس وتسعين سنة، وقيل مائتا سنة، فكان بينه وبين نوح ﵉ ألف سنة ومائة واثنتان وأربعون سنة وبين مولده وبين الهجرة النبوية ألفان وثمانمائة سنة واثنان وثلاثون سنة. قال هشام بن محمد عن أبية، قال: خرج إبراهيم ﵇ إلى مكة ثلاث مرات، دعى الناس إلى الحج في آخرهن فأجابه كل شيء سمعه فأول من أجابه جرهم قبل العماليق ثم أسلموا، ورجع إبراهيم إلى الشام، فمات بها وهو ابن مائتي سنة وفي جامع الأصول عاش ﵇ مائتي سنة وسنة ذكره الترمذي ﵀. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عمر، قال: لما دخل ملك الموت على إبراهيم لقبض روحه وسلم عليه فرد ﵇، وقال: من أنت قال ملك الموت، وقد أمرت بك "فبكى" إبراهيم حتى سمع بكاءه إسحاق فدخل عليه، وقال يا خليل اللَّه ما يبكيك؟ قال: هو ملك الموت يريد أن يقبض روحى فبكى إسحاق حتى علا بكاءه بكاء أبيه فانصرف ملك الموت إلى اللَّه فقال يا رب: إن عبدك إبراهيم قد جزع من الموت جزعًا شديدًا، فقال اللَّه تعالى لجبريل ﵇: يا جبريل خذ ريحانة من الجنة وانطلق بها إليه وحيه بها وقل له الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه وأنت خليل ما اشتقت إلى خليلك فأتاه جبريل ﵇ فبلغه رسالة ربه ودفع إليه الريحانة فقال: نعم اشتقت إلى لقائك وشم الريحانة فقبض فيها، وقال أهل السير لما أراد اللَّه تعالى قبض خليله إبراهيم ﵇، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، قال الثعالبي بإسناده: كان إبراهيم ﵇ كثير

стр. 284

الإطعام يطعم الناس، ويضيفهم فبينما هو يطعم الناس، إذ هو بشيخ كبير يمشي في الحرم فبعث إليه بحماره وأركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها فاه، فيدخلها في عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم ﷺ قد سأل اللَّه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأل الموت، فقال للشيخ: حين رأى حاله، يا شيخ ما بالك تصنع هذا؟ فقال يا إبراهيم الكبر، قال ابن كم أنت؟ فذكر له من العمر ما زاد على عمر إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم ﵇ بينى وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك؟ قال نعم. فقال إبراهيم: اللهم اقبضنى إليك قبل ذلك فقام الشيخ وقبض روحه، فكان ملك الموت صلوات اللَّه عليه وسلامه. وقال الحافظ ابن عساكر: حدثنا عبد اللَّه بن رباح، عن كعب، قال: كان إبراهيم ﵇ يقري الضيف، ويرحم المساكين، وابن السبيل، قال: فأبطأت عليه الأضياف حتى استراب فخرج إلى الطريق يطلب ضيفًا فمر به ملك الموت في صورة رجل فسلم على إبراهيم، فرد إبراهيم ﵇، ثم سأله، من أنت؟ قال ابن السبيل. قال: إنما قعدت هنا لمثلك انطلق فانطلق به لمنزله فرآه إسحاق فعرفه، وبكى إسحاق، فلما رأت سارة إسحاق يبكى بكت لبكائه، قال: ثم صعد ملك الموت فلما أفاقوا غضب إبراهيم ﵇، وقال: بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب، فقال: إسحاق: لا تلومني يا أبت فإني رأيت ملك الموت معك ولا أرى أجلك يا أبت إلا وقد حضر فارث في أهلك قال فأمره بالوصية وكان لإبراهيم ﵇ بيت يتعبد فيه لا يدخله غيره فإذا خرج أغلقه فجاء إبراهيم يفتح بيته الذي يتعبد فإذا هو برجل جالس فقال له: من أنت؟ ومن أدخلك؟ قال: بإذن رب البيت، فدخل فقال إبراهيم: رب البيت أحق به ثم تنحى إبراهيم إلى ناحية البيت يصلي كما كان يصنع، وصعد ملك الموت فقيل له: ما رأيت؟ قال: يا رب جئت من عبد لك ليس في الأرض خير منه ما ترك خلقًا من خلقك، إلا وقد دعا له في دينه، أو معيشته، ثم مكث إبراهيم بعد ذلك ما شاء اللَّه تعالى، ثم فتح باب بيته الذي يتعبد

стр. 285

فيه، فإذا هو برجل جالس، فقال له إبراهيم: من أنت؟ قال ملك الموت فقال إبراهيم: إن كنت صادقًا فأرني منك آية أعرف بها أنك ملك الموت؟ فقال له ملك الموت، أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض إبراهيم ﵇ بوجهه فأراه الصورة التي يقبض فيها أرواح المومنين فرأى من النور والبهاء شيئًا لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، ثم قال له: أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض ثم قال له أقبل فانظر فأقبل فآراه الصورة التي يقبض عليها الكفار، فرعب إبراهيم ﵇ رعبًا شديدًا حتى ارتعدت فرائصه وألصق بطنه بالأرض، وكادت نفسه تخرج فقال إبراهيم ﵇: أعرف أعرف، فانظر الذي أمرت به، فامض له، قال: فصعد ملك الموت فقيل له تلطف يعني في قبض روح إبراهيم ﵇، فأتاه ملك الموت في عنب له في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء فنظر إبراهيم ﵇ فرآه فرحمه وأخذ "مكتلا" فقطف فيه عنبا، ثم جاء به فوضعه بين يديه وقال له: كل فجعل ملك الموت يريه أنه يأكل وجعل يمضغ ويمجه على لحيته وصدره، قال فعجب إبراهيم ﵇ منه: وقال: ما أبقت السنون منك شيئًا فكم أتى عليك؟ قال فحسب، وقال أتى لي كذا، وكذا سنة، مثل أيام إبراهيم، فقال إبراهيم ﵇، قد بلغت أنا هذا فإنما أنتظر أن أكون مثل هذا اللهم اقبضني إليك فطابت نفس إبراهيم ﷺ عن نفسه فقبض ملك الموت روحه على تلك الحالة. وفي رواية عن الحافظ أبي القاسم المكي المقدسي أن ملك الموت قال يا إبراهيم: أمرت بقبض روحك، قال: فأمهلني يا ملك الموت حتى

стр. 286

يجيء إسحاق فأمهله، فلما دخل قام إليه واعتنق كل واحد منهما صاحبه فرق لهما ملك الموت ورجع إلى ربه ، وقال يا رب أتيت خليلك جزع من الموت قال يا ملك الموت فأت خليلي في منامه فاقبضه، قال: فأتاه في منامه فقبضه، وروى النووي، عن كعب الأحبار، وآخرين معه، أن سبب وفاة إبراهيم ﵇ أنه أتاه ملك في صورة شيخ كبير، فضيفه فكان يأكل ويسيل الطعام واللعاب على صدره، ولحيته فقال له إبراهيم ﵇، يا عبد اللَّه ما هذا: قال: بلغت الكبر الذي يكون صاحبه هكذا، قال وكم أتى عليك؟ قال: مائتا سنة وإبراهيم ﵇ مثلها فكره الحياة "كي لا" يصل إلى هذه الحالة فمات بغير مرض وروي عن أبي السكن الفهجري قال: توفي إبراهيم ﵇، وداود، وسليمان عليهم الصلاة والسلام، فجأة وكذلك الصالحون وهو تخفيف على المؤمنين وتشديد على الكافرين، قال النووي، قلت: هو تخفيف ورحمة في حق المؤمنين المراقبين وباللَّه التوفيق. وعن عبد اللَّه بن أبي مليكة قال لما قدم إبراهيم ﷺ على ربه قال له: يا إبراهيم كيف وجدت الموت قال يا ربي وجدت نفسي كأنها تنزع بالبلاء، قال كيف وقد هوَّنا عليك الموت يا إبراهيم. وروى صاحب كتاب الأنس بسنده إلى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ بحلته، ثم أنا بصفوتي ثم علي بن أبي طالب ﵁ يزف بيني وبين إبراهيم زفا إلى الجنة" وروى البيهقي بسنده إلى ابن أبي طالب ﵁ قال: "أول من

стр. 287

يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ قبطية والنبي ﷺ حبرة عن يمين العرش" وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه ﷺ قال: (أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇. وروى الإِمام أحمد في حديث طويل أنه ﷺ قال: لأني أقوم المقام المحمود يوم القيامة فقال رجل من الأنصار: وما المقام المحمود يا رسول اللَّه؟. فقال: (إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم، يقول اللَّه : اكسوا خليلي؟ فيؤتى بمربطين بيضاوتين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوة فأكسى، فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون) وروى أبو نعيم بسنده، إلى مجاهد عن عبيد بن عمر قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة فيكسى ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى، وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى عبيد بن يونس، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أول من يكسى من حلل الجنة أنا وإبراهيم والنبيون) وبسنده -إلى أبي طلق بن حبيب أن جده حدثه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة. . . " الحديث وفيه "فأول من يكسى إبراهيم فيقول اللَّه تعالى: اكسوا إبراهيم الخليل؟ فيعلم الناس فضيلتة عليهم؟ فيكسى حلة، ثم يكسى الناس على منازلهم" انتهى واللَّه أعلم.

стр. 288

الباب الثاني عشر في ذكر ابتلائه ﷺ بذبح ولده ومن هو الذبيح، وعُمْر إسحاق ﵇، وكم كان عمر أبيه، وأمه حين ولد، وكرامة سارة، والخلاف المذكور في نبوتها ونبوة غيرها من النساء، وقصة يعقوب ﵇، وعمره وشيء من قصة ولده يوسف ﵇، وصفته ومدة سنه عند فراقه لأبيه يعقوب ومدة غيبته عنه ومدفنه وكم كان بينه وبين موسى ﵉, واعلم أن اللَّه لما أكرم خليله ﷺ بتمام نعمه امتحنه فيما يسابق مشيئته في خليقته فأراه الكواكب فكان في ذلك محنة الدين واستخرج منه خالص التوحيد بقوله تعالى حكاية عنه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ثم أثبت له الإيمان الحقيقي وأمر العباد باتباعه وسلوك سبيله ثم اصطفاه، واتخذه خليلا، ثم أثبت له حسن الخلق، ومنحه الاعتدال، وأكمل له ذلك فلم يكن في عصره أكمل ولا أجمل منه وامتحنه في ذلك بالإحراق، وكان فيه من المسلمين الراضين فجعل النار عليه بردًا وسلامًا وألبسه ثوبًا من الجنة وزاده تشريفًا وتكريمًا، ثم تفضل عليه ومن باتساع النعمة في المال الصالح الموصل لنيل الدرجات في الدارين، واكتساب القربات به في العالمين، فانتهى أمره إلى أن لم يكن في زمانه أغنى، ولا أكثر، ولا أفضل منه ثم امتحنه بإرسال الملكين اللذين كانا نزلا عليه فسألاه

стр. 289

الإذن لهما في المبيت عنده فأذن لهما فلما كان بعض الليل رفع أحدهما صوته وقال: سبحان ذي الملك والملكوت ثم رفع الآخر صوته وقال سبحان الملك القدوس، وما كان منه ومنهما حتى خرج لهما عن جميع ماله وأهله ولم يبق إلا نفسه فباعها لهما ورضى أن يكون في رقيقهما حتى قالا له حقًا لك أن يتخذك اللَّه خليلًا، وقد تقدم ذكر القصة بطولها عنه، وذكر مكارم أخلاقه ﷺ ، وأعطاه ، الولد الصالح، وأنعم به عليه، فلما بلغ معه السعي، وَاشْرَأَبَّ قلبه بمحبته، امتحنه بذبحه، فامتثل بالأمر وبادر إلى ما أمر به من غير توقف ولا تردد، وقال ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فكان قول إبراهيم ﵇ لولده: ماذا ترى يعني: ماذا تشير به؟ استخرج من هذه اللفظة منه التفويض والتسليم والانقياد لأمر اللَّه لا لما أمرته إياه أو لا أمر له مع أمر اللَّه تعالى: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] والتسليم هو الصبر والانقياد هو ملاك الصبر فجمع الذبيح جميع ما ابتغاه في هذه اللفظة اليسيرة: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧]. وبارك عليه وعلى ولده في العالمين، ثم بشر بإسحاق نبيًا من الصالحين، وألحقهما بالأنبياء المكرمين وجعل نسلهما أنبياء مرسلين واللَّه أعلم. واختلف علماء المسلمين في هذا الغلام الذي أمر بذبحه إبراهيم ﵇ فأهل الكتابين على أنه إسحاق وهو قول علي، وابن مسعود، وكعب، ومقاتل، وعكرمة، وقتادة والسندي، روى الواقدي بسنده إلى الأحنف بن قيس، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب ﵁ يقول:

стр. 290

هو إسماعيل وهو قول: سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، ومجاهد، وابن عباس وفي رواية عطاء، قال الواقدي: وسياق الآية يدل على أنه إسحاق حيث قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] , ولا خلاف أنه إسحاق فلما بلغ معه السعي فعطف قصة الذبح على ذكر إسحاق قال: وكلا القولين يروى عن رسول اللَّه ﷺ ، فمن قال إن الذبيح إسحاق بقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٢]، أمره بذبح من بشر به وليس في القرآن أنه بشر بغير إسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] , يدل على أن المذبوح غيره وأيضًا قال اللَّه تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] , فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه قال القرطبي: سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه، أي بني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال إسماعيل ثم قال يا أمير المؤمنين: إن اليهود لتعلم ذلك لكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم هو الذي بني البيت مع أبيه. قال الثعلبي عن الصنهاجي قال: كنا عند معاوية فذكروا إسماعيل الذبيح أو إسحاق فقال: على الخبير سقطم كنت عند رسول اللَّه ﷺ فجاءه رجل فقال له: يا ابن الذبيحين فضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال إن عبد المطلب لما حفرت زمزم نذر لئن سهل اللَّه أمرها ليذبح أحد أولاده فخرج السهم على عبد اللَّه فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ففداه والثاني إسماعيل ﵇، وحكى صاحب بعث النفوس فيما رواه عن عبد اللَّه بن مسلم، قال: عاش إسحاق مائة وثمانين سنة وقال الطبري: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستة عشر. وولدت سارة إسحاق وهي بنت تسعين سنة وأمر بذبحه، وهو ابن سبع سنين

стр. 291

وقال البغوي: قال ابن عباس: ولد إسحاق لإبراهيم ﵇ وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة قال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة قال الترمذي: وكانت سارة بنت عم إبراهيم ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقال مجاهد: تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة وعشرين سنة، قال: وكان إسحاق ضريرًا ونكح ليقا بنت تنويل فولدت عيصا ويعقوب بعد مضي ستين سنة من عمره وتوفيت سارة، وهي بنت مائة سنة وسبع عشرة سنة، وقيل مائة وسبعًا وعشرين سنة، قال الثعلبي: ذهب بعض العلماء ﵃ إلى نبوة ثلاث نسوة: سارة وأم موسى، ومريم ابنة عمران، ﵇ فإن الملائكة بشرت بإسحاق، وقال في حق أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، وبشر الملك مريم بعيسى ﵇. والمشهور: على أنهن صديقات. وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى عبد اللَّه بن عبيد بن عمر عن أبيه قال: قال موسى يا رب ذكرت إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب بها أعطيتهم ذلك قال إبراهيم لم يعدل بي أحدًا إلا اختارني ﵇، وإسحاق جاد بنفسه وهو بما سواها أجود، ويعقوب لم أبتله ببلاء إلا زاد في حسن الظن بي. وروى الثعلبي عن أنس، قال يا رسول اللَّه ﷺ : يشفع إسحاق بعدي، فيقول يا رب صدقت نبيك، وجدت بنفسي للذبح فلا تدخل النار من لم يشرك بك شيئًا فيقول اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أدخل النار من لم يشرك بي شيئًا، وعلى ذكر قصة يعقوب ﵇ وعمره وشيء من قصة ولده يوسف ﵇ وصفته ومدة سنه عند فراقه لأبيه يعقوب، ومدة غيبته عنه، ومدفنه وذكر كم كان بينه وبين موسى ﵉، أقول: يعقوب ﷺ وهو المسمى بإسرائيل، وقيل معناه صفوة للَّه، وهو أبو الأسباط الذين هم: أولاد يعقوب: وهم اثنا عشر سبطا سموا بذلك لأنه ولد لكل منهم جماعة، وهو أخو العيص، قالوا وسمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأم فخرج من بطن أمه أخذ

стр. 292

لقب أخيه العيص قيل: وفيه نظر لأنه اشتقاق عربي، ويعقوب اسمه أعجمى. روي صاحب كتاب الإنس بسنده إلى ابن أبي الدنيا، عن شيخ من قريش أن جبريل هبط على يعقوب ﵇ فقال يا يعقوب: قل يا كثير الخير يا دائم المعروف؟ فقالها فأوحى اللَّه لقد دعوتنى بدعاء لو كان ابناك ميتين لنشرتهما لك، وبسنده إلى يحيى بن مسلم أن بلغه أن ملك الموت ﵇ استأذن ربه ﵎ أن يسلم على يعقوب ﷺ ، فأذن له، فأتاه، فسلم عليه، فقال له ملك الموت: يا يعقوب: ألا أعلمك كلمات لا تسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاك؟ قال: بلى، قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصيه أحد غيره قال فما طلع الفجر حتى أتى بقميص يوسف. وبسنده إلى كعب الأحبار، قال: خرج بنو يعقوب إلى الصحراء، فأمسكوا ذئبا وشدوا وثاقه، وأتوا به أباهم فقالوا يا أبانا: هذا الذي أكل أخانا، قال حلوا عنه وحلوا أكتافه ففعلوا؟ فقال يعقوب ﵇ للذئب: أكلت حبيبي يوسف، قال معاذ اللَّه يا نبي اللَّه ألست تعلم أنه محرم علينا لحوم الأنبياء، قال صدقت فمن أين جئت قال من مصر، قال: وإلى أين تريد؟ قال خراسان: قال فيما؟ قال: في زيارة أخ لي، قال: فماذا أبلغك فيه قال: حدثني أبي عن جدي عن الأنبياء السالفين ﵈ أنه من زار أخا له في اللَّه ، كتب اللَّه له ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، فقال: يعقوب لبنيه: اكتبوا هذا الحديث عن الذئب، فقال معاذ اللَّه أن أملي عليهم لأنهم كذبوا علي، وقالوا عني ما لم أفعل، وبسنده إلى هشام عن الحسن وما جفت عينه وما أحد يومئذٍ أكرم على اللَّه منه حين ذهب بصره قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] خرجت قال المفسرون لما خرجت العير من مصر إلى كنعان قال أبوهم: لمن حضره من أهله وقرابته: وأما أولاده فكانوا غائبين عنه إني لأجد ريح يوسف

стр. 293

قال ابن عباس: هاجت ريح قميصه إلى يعقوب ﵉ وبينهما مسيرة ثماني ليال، وفي رواية عنه مسيرة ثمانية أيام، وقال مجاهد هبت ريح فضربت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا فاتصلت بيعقوب ﵇ فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا ريح الجنة إلا ما كان في ذلك القميص فمن؟ ثم قال: إلي لأجد ريح يوسف، قال الكلبي وكان أهله نحوًا من سبعين إنسانًا: لولا أن تفيدوني وتستفهموني، وبسنده إلى أبي الحسن علي بن أحمد الواقدي قال: ثم إن يعقوب ﵇ أقام بمصر بعد موافاته بأهله، وولد أربعًا وعشرين سنة بأغبط حال، راضي العيش إلى أن حضرته الوفاة فأوحى إلى يوسف ﵇ أن، تحمل جسده إلى الأرض المقدسة حتى تدفنه عند أبيه، وجده ففعل يوسف ﵇، ذلك، وقال البعقوبي: لما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده، وولده، وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، قيل نزلت في اليهود حين قالوا للنبي ﷺ ألست تعلم أن يعقوب لما مات أوصى بنيه باليهودية فعلى هذا يكون الخطاب لليهود. وقال الكلبي لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران فجمع ولده وخاف عليهم ذلك فقال لهم ما تعبدون من بعدي، وقال عطاء: إن اللَّه تعالى لم يقبض نبيًا حتى يخير بين الموت والحياة، فلما خير يعقوب ﵇، قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم؟ ففعل ذلك، وجمع ولده، وولد ولده، وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي فقالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل

стр. 294

وإسحاق، وكان إسماعيل عَمًّا لهم، والعرب تسمي العم أبا، كما تسمي الخالة أُمًّا، وكان عمر يعقوب ﵇ مائة وسبع وأربعون سنة. وروى صاحب كتاب الإنس بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: "سئل رسول اللَّه ﷺ من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم للَّه تعالى، قالوا يا رسول اللَّه ليس عن هذا نسألك؟ قال: فإن أكرم الناس يوسف نبي اللَّه بن يعقوب نبي اللَّه بن إسحاق نبي اللَّه بن إبراهيم خليل اللَّه قالوا: يا رسول اللَّه: ليس عن هذا نسألك، فقال: فعن معادن العرب تسألون؟ قالوا: نعم. وطن الناس معادن اثنتى عشرة سنة خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا". وبسنده إلى أبي محمد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الكريم ابن الكريم، ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لجئت". وبسنده إلى أبي الحسن علي بن أحمد الواقدي في قوله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، قال المفسرون: رأى يوسف ﵊ ذلك وهو ابن اثنتى عشرة سنة فكانت الكواكب في التأويل إخوته والشمس أمه والقمر أبوه، وقال الحسن: ألقي في الجب وهو ابن اثنتى عشرة سنة ولقي أباه وهو ابن ثمانين سنة، ولبث في الجب ثلاثة أيام. وبسنده إلى أيوب بن سويد، عن مسافع قال لما أُلقى يوسف في الجب قال: حسبي اللَّه ونعم الوكيل فكان الماء آسنا فصفي وكان ملحًا فعذب. وبسنده إلى محمد بن مسلم الطايفي قال: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبًا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي فرجًا لما أنا فيه؟ قال فما بات.

стр. 295

قال الحسن غيابة الجب قصره، قال قتادة: أسفله والغيابة كل ما غيب شيئًا وسرَّ والغيابة حضرة القبر لأنها تغيب المقبور والجب هو الركبة التي لم تطو والمعنى تطرحوه في موضع مظلم من البئر لا يلحقه نظر الناطرين. قال الواقدي: واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة: في بيت المقدس، وقال وهب: بأرض الأردن، وقال مقاتل: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وبسنده إلى أحمد بن سعيد عن أبيه قال لما دخل يوسف ﵇ السجن كتب علي باب السجن قبور الأحياء، وشماتة الأعداء، ومعرفة الأصدقاء، وبسنده إلى عبد اللَّه بن علقمة الطائي قال: رأى يوسف ﵇ في السجن رجلًا حسن الهيئة فقال: يا عبد اللَّه إني أراك حسن الهيئة ما لي أراك محبوسًا؟ من أنت؟ قال أنا جبريل أتيتك أعلمك كلمات لعل اللَّه أن ينفعك بها، قل: اللهم اجعل من كل هم يهمنى فرجًا ومخرجًا وارزقني من حيث لا أحتسب. وبسنده إلى ابن عباس ﵁ قال: "قال رسول اللَّه ﷺ رحم اللَّه أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لولاه من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة" قال أصحاب الأخبار: فلما تمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك وتوجه ورداه بسيفه وأمر له بسرير من ذهب وضرب عليه كله من إستبرق مكلله بالدر والياقوت ثم أمره أن يخرج متوجًا القصة بطولها. وبسنده إلى وهب بن منبه قال: قيل ليوسف ﵇، ما بالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. قال الواقدي: فلما جمع اللَّه ليوسف ﵇ شمله وأقر عينه وأتم تأويل رؤياه، دعى ربه، وشكره وحمده، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] تفسير الأحلام فاطر السموات والأرض" ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، أي خلقني، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين. قال ابن عباس: يريد "لا تسألني"

стр. 296

الإسلام حتى تتوفاني عليه، قال قتادة: سأل ربه اللحوق به، قال: ولم يتمنى نبي قبله الموت، ألحقنى بالصالحين يعني من آبائه والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ودرجاتهم هذا كلام صاحب الأنس. قال النووي رحمه اللَّه تعالى: كان يوسف ﵇ أبيض اللون، حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العين، مستوي الخلق غليظ الساعدين، والعضدين، والساقين، حفيص البطين، أقنى الأنف، صغير السترة، بخده الأيمن خال أسود، وبين عينيه شامة تزيده حسنا، كأنه القمر ليلة البدر، أهداب عينيه تشبه قوادم النسر، وكان ﷺ إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت شعاع النور من ثنيتاه قال: وكان جده إسحاق ﵇ حسنا وبين عينيه شامة، وسارة أمه حسناء ورثت الحسن عن أمها جوى. وروى الثعلبي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "هبط علي جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن اللَّه يقول: كسوت وجه يوسف من نور الكرسى وكسوت وجهك من نور عرشى"، وعنه قال: "كان يوسف ﵇ إذا سأل في أزقة مصر تلألأ نور في وجهه على الجدران"، قال كعب: إن اللَّه تعالى مثل لآدم ذريته بمنزلة الدر، فأراه الأنبياء نبيا نبيا، فأراه في الطبقة السادسة يوسف ﵇ متوجًا بتاج من الوقار، مؤتزرا بحلة الشرف، مرتديا برداء الكرامة، وعليه قميص النبهاء، وفي يديه قضيب الملك، وعن يمينه سبعون ألف ملك، وعن يساره سبعون ألف ملك، ومن خلقه أمم الأنبياء، لهم زجل بالتسبيح والتقديس بين شجرة السعادة تزول معه حيث ما زال وتحول معه حيث ما حال فلما رآه آدم ﵇ قال: إلهي من هذا الكريم الذي أبحته بحبوحة الكرامة ورفعت له الدرجة العالية قال: يا آدم هذا ابنك المحمود على ما آتيته يا آدم قد أعطيته ثلثي حسن ذريتك ثم ضم آدم يوسف إلى صدره وقبله بين عينيه، وقال يا بني: لا تلف وأنت يوسف والآن سماه يوسف آدم عليه السلام

стр. 297

وكان شبيه آدم يوم خلقه اللَّه بيده، ونفخ فيه من روحه وصوره قبل أن يصيب المعصية فنزع كان يوم خلقه "فلما عصينى" فنزع اللَّه تعالى ذلك منه، ثم ذهب لآدم الثلث من الجمال حيث تاب عليه، وأعطاني الحسن والجمال والنور والبهاء الذي كان نزعه من آدم حين ارتكاب الذنب ليوسف ﵇ وذلك أن اللَّه تعالى أحب أن يري العباد أن اللَّه قادر على أخذ ما يشاء من عطائه واللَّه أعلم بتأويل الرؤيا فكان خير بالأمر الذي ترى قبل وقوعه. وقيل لبعض العلماء: يوسف أحسن أم محمد ﷺ ؟ فقال: كان يوسف من أحسن الناس للناس، وكان محمد ﷺ أحسن الناس. وروى الثعلبي عن مجاهد قال: خرج يوسف من عند يعقوب وهو ابن ست سنين تغيب وجمع اللَّه بينهما، وهو ابن أربعين سنة، وقيل ثمانين سنة وعاش بعد يعقوب ثلاثًا وعشرين سنة توفي يوسف وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة، وبينه وبين موسى أربعمائة سنة، ومات يوسف بعد أن أوحى إلى أخيه يهودا، ودفن في نيل مصر في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات، تشاحن الناس عليه كل يحب أن يدفن في محلته لما يرجو من بركته وكادوا أن يقتتلوا، ثم أرادوا أن يدفنوه في وسط النيل فيمر الماء عليه ويصل إلى جميع مصر فيكونون كلهم شركاء فيه فكان قبره في النيل، فلما خرج موسى ﵇ من مصر حمله معه ودفنه بأرض كنعان، وكان السبب في حمله وخروج موسى ﵇ من مصر ما رواه البغوي في معالم التنزيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر اللَّه تعالى موسى ﵇ أن يسري ليلًا

стр. 298

فأراد موسى ﵇ السير فضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى ﵇ مشيخة بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسدت علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموه فنادى موسى ﵇ أثاب اللَّه كل من عنده علم بقبر يوسف ألا أخبرني به فأجابه عجوز أنه في جوف الماء في النيل، قالت: فادع اللَّه أن يحسر عنه الماء فدعا اللَّه تعالى فحسر الماء عنه فحضر موسى ﵇ في الموضع الذي دلته عليه واستخرجه في صندوق من مرمر ففتح اللَّه الطريق لهم. وروى الحافظ ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى ابن عباس ﵄ فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇ أن احمل يوسف إلى بيت المقدس إلى عند آبائه فلم يدر أين هو، فسأل بني إسرائيل فلم يعرف أحد منهم أين هو، فقال له شيخ في ثلاثمائة سنة، يا نبي اللَّه، ما تعرف قبر يوسف إلا والدتي؟ فقال: قم معي إلى والدتك؟ فقام الرجل ودخل منزله، وأتاه بقفة فيها والدته، فقال لها، موسى إنك أعلم بقبر يوسف ﵇؟ فقالت: نعم أدلك على أن تدعو اللَّه لي أن يرد عليَّ شبابي إلى سبع عشرة سنة ويزيد في عمري مثل ما مضى وقيل إن موسى ﵇ لما سأل بني إسرائيل قالوا: لا نعلم أحدًا يدري أين هو إلا عجوز بني فلان فلعلها تعلمه فأرسل إليها فأتته فقال لها: هل تعلمين قبر يوسف؟ قالت: نعم، قال فدلينا عليه، فقالت حتى تعطني ما أسألك، قال: لك ذلك، قالت: فإني أسألك أن أكون معك في الدرجة التي تكون فيها في الجنة. قال: سلينى الجنة قالت: لا واللَّه إلا أن أكون معك في درجتك فجعل يراودها وهي تأبى فأوحى اللَّه إليه أن أعطها ذلك فإنه لا ينقصك شيئًا فأعطاها فدلته على القبر

стр. 299

وكان في وسط نيل مصر فأخرجه موسى وحمله على عجل من حديد إلى بيت المقدس وقبره الذي هناك خلف الحيز بالقرب من آبائه الأكرمين صلوات اللَّه تعالى عليهم أجمعين.

стр. 300

الباب الثالث عشر في ذكر المغارة التي دفن فيها الخليل هو وأبناؤه الأكرمون وذكر شرائها من مالك ذلك الموضع، وهو عفرون، وأول من دفن في تلك المغارة وذكر علامات القبور التي بها ، وما استند به على صحتها وكم دفع لبناء الحيز الذي بناه سليمان ﵇، وذكر آداب زيارة القبور المشار إليها، وبيان موضع قبر يوسف ﵇ وتسميته حرمًا وإقطاع لقيم الداري ﵁ الذي أقطعه النبي ﷺ له وحلف وقد معه عليه من الداريين ونسخة ما كتب لهم في ذلك. وروى أبو المعالي شرف بن المرجا المحدث المقدسي، بسنده إلى كعب الأحبار، أن إبراهيم الخليل ﷺ خرج من كوثا هاربا حتى نزل الشام من ناحية فلسطين في الموضع الذي يعرف اليوم بوادي السبع، وهو شاب ولا مال له، فأقام حتى كثر ماله، ومواشيه، فقالوا له: ارحل عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح وكانوا يسمونه بذلك فقال لهم: ﷺ نعم فلما هم بالرحيل قال بعضهم لبعض جاءنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له أعطنا شطر مالك وخذ الشطر فقالوا له ذلك فقال لهم:

стр. 301

نعم صدقتم جئتكم وكنت شابا فردوا علي شبابي وخذوا ما شئتم من مالي فخصمهم ورحل، فلما كان وقت ورود الغنم الماء جاءوا يستقون، فإذا الآبار قد جفت، فقال بعضهم لبعض ألحقوا الشيخ الصالح، واسألوه الرجوع إلى موضعه فإنه إن لم يرجع هلكنا، وهلكت مواشينا، فلحقوه فوجدوه بالموضع الذي يعرف بالمغار، فقالوا: غار الماء فلذلك سمي المغار وسألوه أن يرجع فقال إني لست براجع ودفع إليهم سبع شياه من غنمه، وقال: أوقوفوا كل شاه على بئر؟ فإنه يرجع الماء وإنما سمي ذلك الوادي وادي السبع لأنه دفع إليهم فيه سبع شياه من غنمه وقال: اذهبوا بها معكم فإنكم إذا أوردتموها البئر ظهر الماء حتى يكون عينا معينًا كم كان؟ واشربوا، ولا تقربها امرأة حائض، فرجعوا بالأعنز فلما وقفت على البئر ظهر الماء وكانوا يشربون منها وهي على تلك الحالة، حتى أتت امرأة حائض واغترفت منها فغارت ماؤها، ورحل إبراهيم ﵇ ونزل اللجون، وأقام بها ما شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إليه أن أنزل ممري فرحل ونزل جبريل وميكائيل ﵉ بممري وهما يريدان قوم لوط ﵇ فخرج إبراهيم ﵇ ليذبح العجل فانفلت منه، ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودي يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم ﵇ فوقع ذلك في نفسه ثم ذبح العجل وقربه إليهم وكان من شأنه ما نص عليه اللَّه في كتابه العزيز، فمضى معهم إلى قرب ديار قوم لوط فقالوا له: اقعد ههنا فقعد وسمع صوت الديكة في السماء فقال هذا هو الحق اليقين فأيقن بهلاك القوم، فسمي ذلك الموضع: مسجد اليقين وهو على نحو فرسخ من بلد الخليل ﵇ ثم رجع إبراهيم وطلب من عضرون المغارة واشتراها منه بأربعمائة درهم كل درهم وزن خمسة دراهم، وكل مائة ضرب ملك، فصارت مقبرة له، ولمن مات من أهله. وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى كعب الأحبار أنه قال: أول من مات ودفن [بجوار] (*)

стр. 302

سارة وذلك أنه لما ماتت خرج الخليل ﵇ يطلب موضعا يقبرها فيه ورجا أن يجد بقرب مري موضعا فمضى إلى عضرون، وكان مالك الموضع وكان مسكنه بحري، فقال له إبراهيم ﵇ بعني موضعا أقبر فيه من مات من أهلي فقال له عضرون الملك قد أبحت لك ذلك حيث شئت من أرضي، قال: إني لا أحب إلا بالثمن، فقال له: أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت فأبى عليه وطلب منه المغارة فقال له: أبيعكها بأربعمائة درهم كل درهم وزن خمسة دراهم وكل مائة ضرب ملك وأراد بذلك التشديد عليه كيلا يجد فرجع إلى قومه وخرج من عنده فإذا جبريل ﵇ فقال له: إن اللَّه تعالى قد سمع مقالة الجبار لك وهذه الدراهم ادفعها إليه فأخذها إبراهيم ﵇ ودفعها إلى الجبار فقال له: من أين لك هذه الدراهم؟ فقال من عند إلهي وخالقى ورازقى فأخذها منه، وحمل إبراهيم سارة ودفنها في المغارة فكانت أول من دفن فيها، ثم توفي الخليل ﷺ فدفن بحذائها ثم توفيت ريقة زوجة إسحاق فدفنت فيها، ثم توفي إسحاق ﵇ فدفن بحذاء زوجته، ثم توفي يعقوب ﵇ فدفن عند باب المغارة، ثم توفيت زوجته ليفا فدفنت بحذائه، فاجتمع أولاد يعقوب، والعيص وأخوته، وقالوا: ندع باب المغارة مفتوحًا وكل من مات منا دفناه فتشاجروا، فرفع أحد إخوته العيص وقيل أحد أولاد يعقوب، يده ولطم العيص لطمة فسقط رأسه في المغارة فحملوا جثته ودفن بغير رأس، وبقي الرأس في المغارة، وحوطوا عليها حائط وعملوا عليها علامة القبور في كل موضع وكنبوا عليها هذا قبر إبراهيم، هذا قبر سارة، هذا قبر إسحاق، هذا قبر ريقا، هذا قبر يعقوب، هذا قبر زوجته، وخرجوا عنه وأطبقوا بابه فكل من جاء إليه يطوف به ولا يصل إليه أحد حتى جاء الروم بعد ذلك ففتحوا له بابًا ودخلوا إليه، وبنوا فيه كنيسة ثم إن اللَّه تعالى أظهر الإِسلام بعد ذلك وملك المسلمون الديار وهدموا الكنيسة وفي رواية عن عبد المنعم عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال: أصبت على قبر إبراهيم ﵇ مكتوبًا خلفه.

стр. 303

في حجر غير جهولا أمله ... بموت من جاء أجله لم تغن عنه حيله زاد بعض أهل العلم ... والمرء لا يصحبه في القبر إلا عمله قال: وحدث محمد بن الخطب خطب مسجد إبراهيم ﵇، قال: سمعت محمد بن إسحاق النحوي يقول: خرجت مع القاضي أبي عمر، وعثمان بن جعفر بن شادان، إلى قبر إبراهيم ﵇: فأقمنا ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع، جاء إلى النقش المقابل لقبر ريقة زوجة إسحاق ﵇، فأمر بغسله حتى ظهرت كتابته وتقدم وأمر أبي بأن أنقل ما هو مكتوب في الحجر إلى درج كان معنا على التمثيل فنقلته ورجعنا إلى الرملة فأحضر أهل كل لسان ليقرؤوه عليه، فلم يكن فيهم أحد يقرؤه لكنهم أجمعوا أن هذا بلسان اليوناني القديم، وأنهم لا يعلمون أن أحدًا بقي يقرؤه غير شيخ بحلب فعمل على إحضاره إليه، فلما حضر عنده أحضرني فإذا هو شيخ كبير فأملى على الشيخ المحضر من حلب فأنقل في الدرج في التمثيل باسم إلهى وإله العرش القاهر الهادي الشديد البطش، العلم الذي بحذا هذا قبر ريقة زوجة إسحاق، والذي بإزائه قبر إسحاق، والعلم الأعظم الذي يوازيه قبر إبراهيم الخليل ﷺ ، والعلم الذي بحذائه من الشرق قبر زوجته سارة، والعلم الأقصى الموازي لقبر إبراهيم قبر يعقوب، والعلم الذي يليه من الشرق قبر ليقا زوجة يعقوب، صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وكتب العيص بخطه، قال: واسم زوجة يعقوب إليا، وفي بعض الكتب ليا، والمشهور ليقا واللَّه أعلم. قال الحافظ ابن عساكر، قرأت في بعض الكتب لأصحاب الحديث ونقلت منها، قال محمد بن أبي بكر إن ابن محمد الخطب خطيب مسجد إبراهيم ﵇، وكان قاضيا بالرملة في أيام الراضي باللَّه تعالى في سنة نيف وعشرين وثلاثمائة وما بعدها وله رواية في الحديث وسمع من جماعة، وحدث عنه جماعة من أهل العلم، قال: سمعت محمد بن أحمد بن علي بن جعفر الأنباري، يقول:

стр. 304

سمعت أبا بكر الإسكافي يقول: صح عندي أن قبر إبراهيم ﷺ في الموضع الذي هو الآن فيه، لما رأيت وعانيت وذلك أني وقفت على السدنة وعلى الموضع وقوفًا كثيرة بنحو أربعة آلاف دينار، رجاء ثواب اللَّه تعالى، وطلبت أن أعلم صحة ذلك، حتى ملكت قلوبهم بما كنت أعمل معهم من الجميل والكرامة والملاطفة والإحسان إليهم، وأطلب بذلك أن أصل إلى ما صح وجال في صدري، فقلت لهم يومًا من الأيام وقد جمعتهم عندي بأجمعهم: أسألكم أن توصلوني إلى باب المغارة كي أنزل إلى الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وأشاهدهم فقالوا إن أجبناك إلى ذلك لأن لك علينا حقًا واجبًا ولكن ما يمكن في هذا الوقت لأن الطارق لنا كثير فاصبر حتى يدخل الشتاء فلما دخل كانون الثاني خرجت إليهم فقالوا: أقم عندنا حتى يقع الثلج؟ فأقمت عندهم حتى وقع الثلج وانقطع الطارق عنهم فجاءوا إلى موضع ما بين قبر إبراهيم الخليل، وقبر إسحاق ﵈، فعلقوا البلاطة التي هناك، ونزل رجل منهم يقال له صعلوك، وكان رجلًا صالحًا فيه خير ودين ونزلت معه، ومشى وأنا من ورائه فنزلنا في اثنتين وسبعين درجة فإذا عن يميني دكان عظيم من حجر أسود، وإذا عليه شيخ خفيف العارضين طويل اللحية ملقى على ظهره وعليه ثوب أخصر، فقال لي صعلوك، هذا إسحاق ﵇، ثم سرنا غير بعيد فإذا دكان أكبر من الأول وعليه شيخ ملقى على ظهره، له شيبة قد أخذت ما بين منكبيه أبيض الرأس واللحية والحاجبين وأشفار العينين، وتحت شيبته ثوب أخصر، قد جلل بدنه والرياح تلعب بشيبته يمينًا وشمالًا، فقال صعلوك: هذا إبراهيم الخليل ﵇ فسقطت على وجهي ودعوت اللَّه تعالى بما حضرني من الدعاء، ثم سرنا فإذا دكان لطيفة عليها شيخ آدم شديد الأدمة، كث اللحية، وتحت منكبيه ثوب أخضر قد جلله فقال لي صعلوك، هذا يعقوب النبي ﷺ ، ثم إننا عدلنا يسارًا لننظر إلى الحرم، فخلف

стр. 305

أبو بكر الإسكافي أن تممت الحديث، قال: فقمت من عنده في الوقت الذي حدثني فيه وخرجت من وقتي إلى مسجد إبراهيم ﵇، فلما وصلت إلى المسجد سألت عن صعلوك فقيل لي الساعة يحضر فنظر إلى بعين منكر للحديث الذي سمع مني، فأومأت إليه بلطف لخلصت به من الإثم والحرج، ثم قلت له: إن أبا بكر الإسكافي عمي فالتفت إليَّ عند ذلك فقلت يا صعلوك، باللَّه ما عدلتم إلى نحو الحرم ماذا كان؟ وما الذي رأيتما؟ فقال لي: ما حدثك أبو بكر فقلت أريد أسمعه منك أيضًا، فقال: سمعنا من نحو الحرم صائحًا يصيح تجنبوا الحريم رحمكم اللَّه، فوقعنا مغشيًا علينا: ثم إنا بعد وقت أفقنا وقمنا، يئسنا من الحياة، وأيست الجماعة منا قال: فقال لي الشيخ: ما عاش أبو بكر الإسكافي؟ ما حدثني أيامًا يسيرة؟ توفي وكذلك صعلوك رحمهما اللَّه، وروى الحسن بن عبد الواحد بن رزق الرازي قال: قدم أبو زرعة قاضي فلسطين إلى مسجد إبراهيم ﵇ فحيث أسلم عليها، وقد عقد عند قبر سارة ﵍ في وقت الصلاة فدخل شيخ فدعاه وقال: يا شيخ أين هو قبر إبراهيم ﵇ من هؤلاء فأومأ إليه الشيخ إلى قبر إبراهيم ﵇ ومضى فجاء شاب فدعاه وقال له: مثل ذلك فأشار إليه ومضى، فجاء صبي فدعاه فقال مثل ذلك، فأومأ إليه. قال أبو زرعة: أشهد أن هذا قبر إبراهيم لا شك فيه نقل الخلف عن السلف، كما قال مالك بن أنس ﵁: إن نقل الخلف عن السلف أصح من الحديث لأن الحديث ربما يقع فيه الخطأ والنقل لا يقع فيه الخطأ ولا يطعن في ذلك إلا صاحب بدعة مخالف ثم قام ودخل إلى داخل [المسجد] (*) فصلى

стр. 306

الظهر ثم رحل من الغد، وقال أبو عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي في كتاب البديع في تفضيل مملكة الإسلام، وحبرى هي قرية إبراهيم ﵇ فيها حصن عظيم يزعمون أنه من بناء الجن من حجارة عظيمة منقوشة ووسطه قبة من الحجارة الإسلامية على قبر إبراهيم ﵇، وقبر إسحاق قدام في المغطى، وقبر يعقوب في المؤخر حدى كل نبي امرأته، وقد جعل الحيز مسجدًا وبنى حوله دور المجاورين فيه واتصلت العمارة به من كل جانب ولهم قناة ماء ضغينة وهذه القرية إلى نصف مرحلة من كل جانب قرى وكروم وأعناب وتفاح وعامتها تحمل إلى مصر. وفي هذه القرية ضيافه دائمة وطباخ وخباز وخدام مرتبون يقدمون العدس بالزيت لكل من يحضر من الفقراء ويدفع إلى الأغنياء إذا أخذوا. وعلى ذكر سليمان بن داود ﵇ الحيز على المغارة بوحي من اللَّه تعالى أقول: روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى كعب الأحبار قال: إن سليمان بن داود ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس، أوحى اللَّه تعالى إليه أن ابن علي قبر خليلي بناء ليعرف به، فخرج سليمان ﵇ فبنى في موضع يسمى الرامة، فأوحي إليه ليس هو هذا ولكن انظر إلى النور المتوفى من السماء إلى الأرض فنظر فإذا النور على بقعة من بقاع حبرى، فعلم أن ذلك المقصود، فبنى ذلك الحيز على البقعة، وروى الحافظ المكي المقدسي عن مكحول عن كعب أنه قال: أول من مات ودفن في حبرى سارة زوجة إبراهيم ﵇ ولما ماتت خرج إبراهيم يطلب موضعًا يقبرها فيه فقدم على عفرون وكان على دينه، وكان مسكنه وناحيته حبرى، فاشترى منه الموضع كما تقدم، ودفن فيه سارة، ثم توفي إبراهيم ودفن لزيقها، ثم توفيت ريقة زوجة إسحاق ثم توفي إسحاق ودفن لزيقها ثم توفي يعقوب فدفن في ذلك الموضع ثم توفيت زوجته فدفنت معهم صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمن

стр. 307

سليمان ﵇ فلما بعثه اللَّه تعالى أوحى إليه يا ابن داود ابن علي قبر خليلي حيزًا حتى يكون لمن يأتي بعدك علما لكي يعرف، فخرج سليمان وبنو إسرائيل، من بيت المقدس، حتى قدم أرض كنعان، وطاف فلم يصبه فرجع إلى بيت المقدس، فأوحى اللَّه إليه يا سليمان خالفت أمري قال: يا رب غاب عني الموضع فأوحى اللَّه تعالى أن امض فإنك ترى نورًا من السماء إلى الأرض فهو موضع قبر خليلي إبراهيم فخرج سليمان ثانية فنظر وأمر الجن فبنوا على الموضع الذي يقال له الرامة فأوحى اللَّه تعالى إليه ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور التصق بعنان السماء إلى الأرض فابْنِ عليه الحيز. وعن ذكر آداب زيارة القبور المشار إليها، وما يستحب من الزائر من الآداب عند قصد الزيارة في الباب الحادي عشر، أما بيان موضع قبر يوسف ﵇ فقد قال الترمذي أن قبره في البقيع الذي خلف الحيز وهو حدى قبر يعقوب ﵇. وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى إبراهيم بن أحمد الخلنجي أن جارية المقتدر باللَّه وكانت تعرف بالعجوز سألته وكانت مقيمة ببيت المقدس، الخروج إلى الموضع الذي روي أن قبر يوسف ﵇ فيه وإظهاره والبناء عليه، قال: فخرجت مع العمال لكشف الموضع في البقيع الذي روي خارج الحيز قال فاشترى البقيع من صاحبه، وأخذ في كشفه فخرج في الموضع الذي روي فيه حجر عظيم، وأمر بكسره فكسر منه قطعة وقلعوها فإذا يوسف على صفته من الحسن والجمال وصار رائحة الموضع مسكًا عبيقًا ثم جاء ريح عظيم فأطبق العمال الحجر كما كانت ثم بنيت عليه القبة التي هي عليه الآن على صحة من رؤيته وكان الذي رأى الرؤيا رجلًا صالحًا من ولد تميم

стр. 308

الداري وكان إمام مسجد إبراهيم ﵇، قال: وكنت أضع رأسي على الدرجة السفلى من المنبر وأنام فيأتيني هاتف يقول: أظهر قبر يوسف ﵇ وأراني البقيع، والمكان ثلاث مرات عند طلوع الفجر قال فعند ذلك دخلت إلى بيت المقدس، وعرفت العجوز جارية المقتدر باللَّه فكتبت إلى مواليها فجاء الأمر بالكشف عن الموضع والبناء عليه، وبيان ذلك دليل الصحة فيه ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇ أن احمل يوسف إلى بيت المقدس إلى عند آبائه فلم يدر أين هو فدلته عجوز بني إسرائيل فاستخرجه من النيل وحمله إلى عند آبائه كما قدمناه، قال: أبو عبد اللَّه بن أحمد وأبو بكر البناء المقدسي، في كتاب البديع: سمعت عمي أبا الحسن وأبا بكر البناء يقولان: كان قبر يوسف ﵇ دكة يقال إنها قبر بعض الأسباط حتى جاء رجل من خراسان وذكر أنه رأى في المنام قائلًا يقول له: اذهب إلى بيت المقدس وأعلمهم أن ذاك يوسف الصديق فجاء وأخبر رؤياه قال: فأمر السلطان والدي بالخروج فخرج فخرجت معه فلم تزل الفعلة يحضرون حتى انتهوا إلى خشب العجلة وإذا بها قد نخرت، ولم أزل أرى عجائزها من تلك التجارة يستشفون بها في الرمد وأما تسميته داخل المحوط مسجدا، وجواز الدخول، وإلى ثبوت أحكام المسجد له، وتسميته حيزا فقد تقدم إلى صاحب باعث النفوس نقل عن الفقيه أبي المعالي المشرف أنه سماه مسجدًا وأكده بقوله يستحب أن يصلى ركعتين تحية المسجد، وتقدم عند ذكر آدم ﵇ عن ابن عمر أنه قال: رجلاه يعني آدم عليه السلام عند مسجد الخليل ﵇ فسماه مسجدًا، وفي رواية أن قبره في مغارة بين بيت المقدس، ومسجد إبراهيم ﷺ ، وإذا كان مسجد جاز الدخول إليه وسماه السبكي وكتب بخطه في آخر جزء حديثين يسمى تحفة أهل الحديث فيه سماع على الشيخ برهان الدين الجعبري، وذكر جماعة سمعوا معه بالحرم ثم قال: صح وثبت في يوم السبت الثامن والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعمائة بحرم الخليل -صلى اللَّه

стр. 309

عليه وسلم- فأطلق على المشهد المذكور حرما وكلامه صريح في أنه دخله هو والشيخ برهان الدين الجعبري، والسامعون معه فدل على جواز دخوله وعمل الناس اليوم على دخوله وزيارة القبور الشريفة، والوقوف عند الإشارات التي عليها وصلاة الجمعة والجماعات هناك بعد وضع منبر كبير عال هناك عن يمين المحراب، وإذا علمت ما يقول من جواز دخوله وأنه يطلق عليه مسجد علمت أنه ثبت له أحكام المساجد كنية الاعتكاف فيه وتحريم المكث على الجنب فيه والتحية إذ لا تعويل على أنه مقبرة وأما إقطاع تميم الداري ﵁ الذي قطعه رسول اللَّه ﷺ ولمن وفد معه عليه من الداريين ونسخة ما كتب به له في ذلك قال صاحب باعث النفوس، روي عن أبي هند الداري قال (قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ونحن ستة نفر تميم بن أوس وأخوه نعيم ويزيد بن قيس وأبو عبد اللَّه بن عبد اللَّه -وهو صاحب الحديث وأخوه الطيب بن عبد اللَّه فسماه الرسول ﷺ عبد الرحمن- وقال ابن النعمان: فأسلمنا وسألنا رسول اللَّه ﷺ أن يقطعنا أرضا من أرض الشام فقال رسول اللَّه ﷺ حيث شئتم قال أبو هند الداري ﵁ فنهضنا من عند رسول اللَّه ﷺ إلى موضع نتشاور فيه أين نسأل؟ فقال تميم أرى أن نسأل بيت المقدس وكوتها فقال أبو هند رأيت ملك المعجم اليوم أليس هو بيت المقدس قال تميم: نعم فقال أبو هند: فكذلك يكون ملك العرب وأخاف أن لا يتم لنا هذا فقال تميم فنسأله بيت جبريل فقال أبو هند: هذا أكبر وأكثر فقال تميم فأين ترى أن تسأله؟ قال: أرى أن نسأله القرى التي تصنع فيها حصرنا مع ما فيها من آثار إبراهيم ﵇ فقال: تميم أصبت ووفقت. قال: فنهضنا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا تميم أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه أو أخبرك؟ فقال تميم بل تخبرنا يا رسول اللَّه فنزداد إيمانًا فقال رسول اللَّه ﷺ أردت يا تميم أمرًا وأراد هذا غيره

стр. 310

ونعم الرأي رأي أبو هند، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ بقطعة من أدم وكتب لنا فيها بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول اللَّه ﷺ الداريين إذا أعطاه اللَّه الأرض وهب لهم بيت عينون، وحبرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم، ومن فيهم إلى أبد الآبدين، شهد عباس بن عبد المطلب وجهم بن قيس بن حسنة وكتب قال ثم دخل بالكتاب إلى منزله فعاج في زاوية الرقعة بشيء لا يعرف وعقده من خارج الرقعة عقدتين وخرج إلينا به مطويًا وهو يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] , ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أني قد هاجرت قال أبو هند: فانصرفنا فلما هاجر رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابا آخر فكتب لنا كتابًا نسخته بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول اللَّه ﷺ لتميم الداري وأصحابه إني أعطيتكم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم يد منهم وجميع ما فيهم عطية بت ونفدت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الآبدين فمن آذاهم فيه آذاهم اللَّه تعالى شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب، فلما قبض رسول اللَّه ﷺ واستخلف أبو بكر وجند جنود إلى الشام كتب لنا كتابًا نسخته: بسم اللَّه الرحمن الرحيم من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني أحمد إليك اللَّه تعالى الذي لا إله إلا هو أما بعد فامنع من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين وإن كان أهلها قد جلوا عنها وأراد الداريون أن يزرعوها فليزرعوها وإذا رجع إليها أهلها فهي لهم وأحق بهم والسلام عليك انتهى واللَّه أعلم.

стр. 311

الباب الرابع عشر في ذكر مولد إسماعيل ﵇ ونقله إلى مكة المشرفة وركوب سيدنا الخليل ﷺ البراق لزيارته وزيارة أمه هاجر وموتها ومدفنها وعمر إسماعيل ﵇ ومدفنه وكم بين وماته ومولد نبينا محمد ﷺ . قال صاحب جامع الأصول إسماعيل بن إبراهيم ﵉ هو أكبر أولاده وأبو العرب ورسول رب العالمين، ونبينا محمد ﷺ من أولاده، وأمه هاجر خادمة إبراهيم ﵇، وهي التي أخدمها ذلك الجبار لسارة ووهبتها سارة لإبراهيم ﵇، وقالت له خذها لعل اللَّه تعالى أن يرزقك منها ولدا، وكانت سارة قد منعت الولد ويأست منه، وكان إبراهيم قد دعا اللَّه تعالى أن يهب له من الصالحين، فأخرت الدعوى حتى كبر إبراهيم ﵇ وعقمت سارة. قال ثم إن إبراهيم ﵇ وقع على هاجر فولدت له إسماعيل فحزنت سارة على ما فاتها من الولد حزنًّا شديدًا. وقال الثعلبي: حملت سارة بإسحاق وكانت هاجر حملت بإسماعيل فوضعا معًا وشب الغلامان فبينما هما ذات يوم يتناضلان وقد كان إبراهيم أجلس إسماعيل في حجره وأجلس إسحاق إلى جانبه وسارة تنظر إليه فغضبت وقالت: عمدت إلى ابن الأمة فأجلسته في حجرك، وعمدت إلى ابني فأجلسته إلى جانبك وقد حلفت أن لا تغابرني، وأخذها ما يأخذ النساء من المغيرة فحلفت لتقطعن بضعة منها ولتغيرن

стр. 312

خلقها ولتملأن يدها من دمها. فقال إبراهيم ﵇: خذيها فاختنيها فيكون سنة من بعدك وتتخلصين من يمينك ففعلت ذلك، فصارت سنة في النساء. ثم إن إسماعيل وإسحاق اقتتلا ذات يوم كما يفعل الصبيان فغضبت سارة على هذا، وقالت لا تساكنيني في بلد أبدًا وأمرت إبراهيم أن يعزلها عنها فأوحى اللَّه تعالى إليه أن تأتي بهاجر وابنها إسماعيل مكة فذهب بهما وهي إذاك عضاه سلم وسمر حولها ناس يقال لهم العماليق فعمد إلى موضع الحجر فأنزلها فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا ففعلت ثم دعا إبراهيم ﵇ فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵇ ذهب بإسماعيل وأمه هاجر وهي ترضعه من الشام إلى مكة، وقيل نقله إلى مكة وهو فطيم، وقيل: رضيع، وقيل: كان له سنتان، وقيل غير ذلك فوضعها تحت دوحة وهي الشجرة الكبيرة وليس معهما وعاء فيها ماء وليس بمكة يومئذٍ أحد ولا بها ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر ثم رجع فنادته أم إسماعيل يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس؟ قالت له ذلك مرارًا وهو لا يلتفت إليها فقالت له: آللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا اللَّه تعالى ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﵇ حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل البيت بوجهه ثم دعا بهذه الدعوات رافعًا يديه. قال: وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ عطشت وعطش إسماعيل فجعلت تنظر إليه يتلوى من العطش فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها فقامت عليه وجعلت تتسمع هل تسمع صوتًا أو ترى شيئًا؟ فلم تسمع صوتًا ولم تر أحدًا، ثم إنها سمعت أصوات السباع حول إسماعيل فأقبلت حتى قامت عليها فلم

стр. 313

تر شيئًا، وفي رواية ففعلت ذلك سبعًا قال الطبري، بل قامت على الصفا تدعو اللَّه وتستحيثه لإسماعيل، ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك، ثم إنها سمعت أصوات السباع في الوادي نحو إسماعيل حيث تركنه فأقبلت إلى تشهده فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يديه فشرب منها وجاءت أم إسماعيل فجعلتها حبيسًا ثم أخذت منها في قربتها تدخره لإسماعيل ولولا الذي فعلت ما زالت زمزم عينا معينا ماؤها ظاهر أبدا. قال مجاهد: ولم نزل نسمع أن زمزم همزه جبريل بعقبه لإسماعيل حين ظمأ، وقال رسول اللَّه ﷺ : "رحم اللَّه أم إسماعيل لولا أبا عجلت لكانت زمزم عينًا معينًا". وروى البخاري من طريق آخر عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم الخليل ﵇ وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأمه هاجر ومعهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ثم رجع إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لحقته ونادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه تعالى قالت: رضيت باللَّه ورجعت وجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها إلى أن فني الماء قال: ثم ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا قال: أهبت فصعدت الصفا فنظرت هل تحس أحدًا فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة فعلت ذلك أشواطًا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك غواث، فإذا جبريل ﵇ قد قال بعقبه هكذا: أدغم بعقبه الأرض فانبسق الماء فدهشت أم إسماعيل وجعلت تحفر فقال أبو القاسم ﷺ "لو تركته لكان الماء ظاهرًا". قال: وجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها فمر أناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم

стр. 314

فنظر فإذا هم بالماء فآتاهم وأخبرهم فأتوا إليها وقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك "أو قالوا نسكن معك". قال: فأذنت لهم وبلغ ابنها ونكح منهم امرأة. وفي رواية فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة، فإن ههنا بيت اللَّه تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وأن اللَّه لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم فنزلوا أسفل مكة فرأوا طائرا عاين الغانف المتردد حول الماء فقالوا إن هذا الطير ليدور على الماء عهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جربا أو جربين فأذاهم الماء فرجعوا وأخبروهم بذلك وأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم ولا حق لكم في الماء قالوا: نعم قال: قال النبي ﷺ فأبرد ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم ﵇ بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا الصيد ثم سألها عن معيشتهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر حال، نحن في ضيق وشدة وشكت إليه فقال لها: إذا جاء إسماعيل -أو قال زوجك- أقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا فسألنى عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا. فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك قال ذلك أبي أمرني أن أفارقك إلحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم امرأة أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم أتاهم

стр. 315

بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا صيدًا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن معيشتهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على اللَّه تعالى، فقال لها: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء قال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء". قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذٍ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي ﵇ وأمريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألنى عنك فأخبرته وسألني عن معيشتنا فأخبرته أنا بخير وسعة قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال: ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث إبراهيم ﵇ عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنع ما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال يا إسماعيل: إن اللَّه أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك قال: وتعيننى، قال: وأعينك، قال: فإن اللَّه تبارك أمرني أن أبنى ههنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعنا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر والمقام فوضعه له فقام عليه إبراهيم وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. قال: وأم إسماعيل قبطية ماتت قبل سارة بمكة ودفنت في الحجر وهي التي أوصى رسول اللَّه ﷺ بأهل مصر بسببها فقال: "إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما" قال ابن إسحاق: فسألت الزهري عن الرحم التي ذكرها رسول اللَّه ﷺ فقال

стр. 316

لهاجر أم إسماعيل، وقال غيره لمارية القبطية أم ولده إبراهيم لأنها منهم، وعاش إسماعيل مائة وسبعًا وثلاثين سنة، وقيل مائة وثلاثون سنة، ومات ودفن بالحجر عند قبر أمه هاجر، وكان إبراهيم ﵇ إذا أراد زيارة هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدوا من الشام ويقبل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، ذكره محمد بن إسحاق قال: وكان لإسماعيل لما مات أبوه إبراهيم ﵉ تسع وثمانون سنة. قال ابن عباس: ولد إبراهيم إسماعيل ﵉ وهو ابن تسع وتسعين سنة، وكان بين وفاة إسماعيل ومولد نبينا محمد ﷺ نحوا من ألفين وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوًا من أربعمائة سنة، انتهى واللَّه أعلم.

стр. 317

الباب الخامس عشر في قصة لوط ﵇ وموضع قبره، وذكر مسجد اليقين والمغارة التي في شرقيه ، وعلى ما تضمنه هذا الباب أقول: هو لوط نبي اللَّه ورسوله بن هاران بن نارخ وهو أزو، ولوط ابن أخ إبراهيم الخليل ﷺ قال الثعلبي: وإنما سمي لوط لأن حبه ليط بقلب إبراهيم ﵇ أي تعلق ولصق، وكان إبراهيم ﵇ يحبه حبًا شديدًا. وقال الثعلبي أيضًا: قال وهب بن منبه خرج لوط من أرض بابل من العراق مع عمه إبراهيم تابعًا له على دينه مهاجرًا معه إلى الشام ومعهما سارة امرأة إبراهيم فخرج معها آزر أبو إبراهيم مخالفًا لإبراهيم في دينه مقيمًا على كفره حتى وصلوا إلى حران فمات آزر ومضى إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر، ثم عادوا إلى الشام فنزل إبراهيم ﵇ فلسطين، ونزل لوط الأردن وأرسله اللَّه إلى أهل سدوم وما يليها وكانوا كفارا يأتون الفواحش كما أخبر اللَّه تعالى عنهم قال: وكان عمر وابن دينار يقولان ما نرى ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقوله : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فكان قطعهم السبيل فيما ذكر أهل التأويل، إتيانهم الفاحشة على من ورد بلدهم، وأما إتيانهم المنكر في

стр. 318

ناديهم. قال المفسرون: هو أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم بالطريق فيحذفون من مر بهم بالحجر والمدر، ويتضارطون في مجالسهم، وينكح بعضهم بعضا في مجالسهم، وروى أبو صاع عن أم هانئ قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية فقال: كانوا يجلسون في الطريق فيحذفون من مر بهم ويسخرون منهم فهو المنكر الذي كانوا يأتون به، وكان لوط ينهاهم عن ذلك ويدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه وتركهم التوبة من العذاب الأليم، فلا يزيدهم زجره ووعظه إلا تماديًا وعتوًا واستكبروا استكبارًا واستعجالًا لعذاب اللَّه وإنكارًا وتكذيبًا ويقولون إتنا بعذاب اللَّه إن كنت من الصادقين حتى سأل لوط ربه تعالى أن ينصره عليهم فقال: رب انصرني على القوم المفسدين، فأجاب اللَّه دعاءه وبعث جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈ لإهلاكهم وبشارة إبراهيم ﵇ فأقبلوا مشاة في صورة رجل أمرد حسان حتى نزلوا على إبراهيم وبشروه بإسحاق ويعقوب ولما فرغوا من ذلك أخبروا إبراهيم أن اللَّه أرسلهم لإهلاك قوم لوط، فناظرهم إبراهيم، وجادلهم في ذلك، كما أخبر اللَّه بقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] وكان جداله إياهم على ما ذكر ابن عباس: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] فقال لهم إبراهيم: أتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟، قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: فكان إبراهيم بعدهم أربعة عشر مؤمنًا بامرأه لوط مسكت عنهم واطمأنت نفسه وروى سعيد بن جبير عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أنه قال:

стр. 319

لما علم إبراهيم ﵇ حال قوم لوط قال للرسل: إن فيها لوطا إشفاقا منه ﵇ فقالوا له: الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، قال البغوي: قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أي عذاب ربك ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ [هود: ٧٦] أي نازل بهم عذاب غير مردود، وغير مصروف عنهم، ولما جاءت رسلنا يعني هؤلاء الملائكة لوطا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه سيء بهم أي حزن لوط لمجيئهم وضاق بهم ذرعا وذلك أن لوطا لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب رائحتهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] أي شديد وكأنه عصيب به الشر والبلاء، قال: وقال قتادة: والسدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو القرى التي للوط فأتوها نصف النهار وهو في أرض لم يعمل فيها، وقيل: إنه كان يحتطب وقد قال اللَّه تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فاستطاقوا لوطا فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال: ما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم قال أشهد باللَّه أنها لشر قرية في الأرض عمل ذلك أربع مرات وجبريل ﵇ يقول للملائكة أشهدوا حتى أتى قومه وقد شهد عليهم أربع شهادات وروى أنّ الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في دار ولم يعلم بذلك

стр. 320

إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته وأخبرت قومها وقالت لهم في بيت لوط رجال ما رأيت مثلهم قط، وجاءه قومه يهرعون إليه، قال ابن عباس، وقتادة يسرعون، وقال مجاهد: يهرولون، وقال لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يعني بالتزويج وفدا أضيافه ببناته وكان في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر جائز كما زوج النبي ﷺ بنتيه من عقبة بن أبي لهب وبالعاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين، وقال الحسين بن الفضل عرض بناته عليهم بشرط الإِسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير قوله: هؤلاء أراد نساءهم وأضافهم إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته فاتقوا اللَّه ولا تخزوني في ضيفي لا تسوؤني ولا تفضحوني في أضيافي ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] أي انضم إلى عشيرة مانعة لقاتلناكم وحُلنا بينكم وبينهم وروى البغوي، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵃ أن النبي ﷺ قال: "يغفر اللَّه للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" قال: قال ابن عباس: وأهل التفسير بأن الملائكة معه في الدار وهو يناصرهم ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد وإنا رسل ربك لن يصلوا إليك وافتح الباب
следующие страницы →