سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة: لو أن لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطى ثانياً، لابتغى إليه ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا بالتراب، ويتوب الله على من تاب.
ولأحمد - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - والطبراني، عن أبي
واقد الليثي ﵁ قال: كنا نأتي النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي فيحدثنا، قال لنا ذات يوم: إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان، لأحب أن يكون إليهما، ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب.
ورواه أبو عبيد في كتاب الفضائل، عن أبي واقد ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا ما أوحى إليه. قال فجئته فقال: إن الله ﵎ يقول: "إنا أنزلنا المال. فذكره.
стр. 1087
وقال الهيثمي: وروى أحمد - أيضاً - برجال الصحيح، عن ابن
عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى عمر ﵁، فجعل عمر
ينظر إلى رأسه مرة، وإلى رجليه أخرى، هل يرى عليه من البؤس
شيئا، ثم قال له عمر ﵁: كم مالك؟.
قال أربعون من الإبل، قال ابن عباس ﵄: قلت: صدق الله ورسوله، لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم التراب، ويتوب الله على من تاب، فقال عمر: ما هذا؟. فقلت: هكذا أقرأنيها أبي، قال: فمر بنا إليه. قال: فجاء إلى أبي فقال: ما يقول هذا؟.
قال أبي: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ قال: فأثبتها في المصحف؟.
قال: نعم.
قال: ورواه أحمد أيضاً، ورجاله ثقات - والطبراني في الأوسط - عن
ابن عباس أيضاً ﵄ قال: جاء رجل إلى عمر ﵁
، فقال: أكلتنا الضبع - قال مسعر: يعني: السنة - قال: فسأله عمر: ممن
أنت؟.
فما زال ينسبه حتى عرفه، فإذا هو موسر. فقال عمر ﵁:
لو أن لابن آدم وادياً، أو واديين، لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم
إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب.
قال الهيثمي: ورواه ابن ماجة غير قول عمر: "ثم يتوب الله على من تاب ".
стр. 1088
وروى أبو عبيد عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: نزلت
سورة نحو براءة، ثم رفعت، وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام
لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال، لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
وروى أبو عبيد أيضاً أمر الوادي من المال، عن زيد بن أرقم.
وجابر بن عبد الله وابن عباس، ﵃.
وروى أبو عبيد - أيضاً - عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول
الله ﷺ قال لأبي بن كعب ﵁: إني أمرت أن أقرأ عليك: أو قال: إن الله ﵎ أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا، فقال: أوسماني؟.
قال: نعم، قال: فبكى.
وروى حديث أنس البخاري في (المناقب) والتفسير، ومسلم في
أواخر الصلاة والفضائل، ولفظه: أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب رضي عنه: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) .
وفي رواية: أن أقرأ عليك القرآن.
وفي رواية: أن أقرئك القرآن. قال: وسماني؟. قال: نعم. فبكى.
وفي رواية: قال أبي: (آلله) . سماني لك؟. قال: الله سماك لي
وفي رواية: قال وقد ذكرت عند رب العالمين؟. قال: نعم، فذرفت
عيناه.
стр. 1089
وفي رواية عند الطبراني، عن أبي ﵁ قال: نعم باسمك
ونسبك في الملأ الأعلى.
وفي رواية في الصحيح: فجعل ﵁ يبكي.
قال قتادة: فأنبئت أنه قرأ عليه "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب".
ولأبي عبيد في الفضائل، عن عبد الرحمن بن أبزى ﵁: أن
رسول الله ﷺ قال لأبي ﵁: إن الله ﵎ أمرني أن أعرض القرآن عليك.
قال: أسماني لك ربك؟. قال؟ نعم. قال أبي: " بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون.
هكذا القراءة بالتاء.
стр. 1090
وقد طال السؤال عن الحكمة في قراءته ﷺ بخصوصه هذه السورة
بخصوصها على أبي ﵁ بخصوصه.
فقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل ابن حجر. في شرحه للبخاري -
وهو أجميع الشروح - قال القرطبي: خص هذه السورة بالذات، لما احتوت
عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص، والصحف والكتب المنزلية على الأنبياء.
وذكر ألصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار، مع وجازتها.
انتهى.
(ولم يذكر في تخصيص أبي ﵁ بالقراءة عليه شيئاً.
والذي يظهر لي في سبب تخصيصها: أنه بين فيها أن الكفار من أهل
الكتاب وغيرهم لم يكونوا ليدعوا دينهم حتى تأتيهم البينة، وأن البينة هي
الرسول، وأنه من عند الله، وأنه يتلو صحفاً مطهرة، وأن فيها كتبأ قيمة.
أي مستقيمة جداً، ثابتة استقامتها، لا يمكن أن يكون لها عوج، وأنهم مع
ذلك لم يصدقوا، بل ما تفرقوا إلا من بعد إتيان البينة.
وفيها الأمر بالإخلاص، والتحنف وهو: الميل عن العقائد الزائفة.
وسهولة الانقياد مع الأدلة، ثم الإخبار بأن الكفار من أهل الكتاب المحرفين
لكلام ربهم وغيرهم في النار، وأنهم شر البرية، وأن المؤمنين خير البرية.
وأنهم في رضا الله حيث ما خافوه، فيها التحذير من الشك بعد البيان.
وتقبيح حال مَنْ فعل ذلك، وأن حاله يكون حينئذ كحال الكفرة من أهل
الكتاب وغيرهم، الذين هم شر البرية.
وسبب تخصيص أبي ﵁ بهذا الوعظ على هذه الحالة: أنه لما
стр. 1091
وجد مَنْ خالفه في القراءة فرفعه إلى النبي ﷺ فصوب كُلًا منهم - كما تقدم ذلك مستوفى في سورة النحل وفي الفضائل العامة عند ذكر السبعة الأحرف -
وسوس له الشيطان فيه وربما ظنه من وادي التحريف. فكأن الله تعالى
يقول له: لا تكن ممن يتبع سنن مَنْ قَبْلُ من أهل الكتاب، في فراق دينهم.
والاختلاف على نبيهم، وكن على بصيرة من أمر هذا الرسول الأمين والكتاب القيم المبين.
وقد تقدم في فضائل سورة النحل، أنها هي السورة التي وقع فيها
الخلاف بين أبي وصاحبه ﵄.
وفي سورة النحل التي وقع التنازع فيها: أن الله تعالى يبعث رسوله ﷺ يوم القيامة شهيداً، وأنه نزَّل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزله عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا، وأن اليهود اختلفوا على نبيهم في السبت فألزموا به.
فكانت سورة "لم يكن" على وجازتها حاوية لكل ما في النحل من ذلك
على طولها بزيادة فأمر ﷺ بقراءتها عليه، تذكيراً بذلك كله، على وجه أبلغ وأخصر، ليكون أسرع لما ذكرت تصوراً، فيكون أرسخ في النفس، وأثبت في القلب، وأعشق للطبع.
وفي ذلك من المنقبة لأبي ﵁، أن الله ﵎ اختصه
بالتثبيت، وأراد له الثبات، فهو من المريدين المرادين، لما وصل إليه قلبه
ببركة ضرب النبي ﷺ لصدره، من كشف الحجب، والنظر إلى سبحات القدس، وشهود تلك الحضرة الشماء وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة
стр. 1092
مراقبة لتلاوة النبي ﷺ ، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة نفسه، مصغياً بأذن قلبه إلى روح النبوة، يتلو عليه ذلك، فيدوم له حال الشهود، الذي وصل إليه بسر تلك الضربة.
ولثبوته في هذا المقام، قال النبي ﷺ : "أَقْرَؤكم أبي" ﵁
رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، عن أنس ﵁.
وهو صحيح، وأوله: "أرحم أمتى بأمتى أبو بكر ﵁.
стр. 1093
سورة إذا زلزلت
قال ابن عباس ﵄ وعطاء - قال النسفي: ومجاهد
والواقدي: مكية.
وقال قتادة: مدنية.
وكذا حكى كريب عن كتاب ابن عباس ﵄. وعزا
النسفي: هذا القول للجمهور.
стр. 1094
عدد آياتها
وآيها ثمان في المدني الأول والكوفى، وتسع في عدد الباقين.
اختلافها آية:
(أشتاتاً) لم يعدها المدني الأول والكوفى، وعدها الباقون.
ورويها أربعة. أحرف، وهي: رملت.
مقصودها
ومقصودها: انكشاف الأمور، وظهور المقدور أتم ظهور، وانقسام
الناس في الجزاء في دار البقاء، إلى سعادة وشقاء.
وفي ذلك دل اسمها بتأمل الظرف ومظروفه، وما أفاد من بديع القدر
وصروفه.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى الترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث
يمان بن المغيرة العنزي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄.
أن النبي ﷺ قال: "إذا زلزلت" تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد، تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون، تعدل ربع القرآن.
стр. 1095
ورواه الكلاباذي في "معاني الأخبار" من طريقه..
وذكر النووي في "الأذكار" عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: مَنْ قرأ في ليلة إذا زلزلت، كانت له كعدل نصف القرآن، ومن قرأ: قل يا أيها الكافرون، كانت له كعدل ربع القرآن، ومن قرأ قل هو الله أحد كانت له كعدل ثلث القرآن
وروى الترمذي نحوه عن أنس ﵁.
ذكره عنه صاحب الفردوس، وقال: وفي الباب عن ابن عباس رضي
الله عنه، وأبي هريرة ﵃.
وروى أبو عبيد، عن أبي هريرة ﵁ ما يخص الزلزلة.
وروى أبو عبيد أيضاً من وجه آخر، عن بكر بن عبد الله المزني قال:
كانت إذا زلزلت تعدل بنصف القرآن.
ومثله لا يقال من جهة الرأي فحكمه حكم المرسل.
وسيأتي في سورة "الكافرون" حديث أنس عند الترمذي في أنها تعدل
ربع القرآن.
وروينا في "سباعيات" الصيدلاني ولفظه:
стр. 1096
"أن النبي ﷺ سأل رجلا من أصحابه: معك إذا زلزلت؟. قال: نعم
قال: ربع القرآن ".
ولا تعارض، بل كل منهما ناظر إليها من جهة.
فأما كونها نصفا: فلأن أحكام القرآن تنقسم إلى أحكام الدنيا
وأحكام الآخرة. وهذه السورة تشتمل على أحكام الآخرة كلها إجمالا.
وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وبحديث الأخبار.
وأما كونها ربعاً: فلأن الإيمان بالبعث ربع الإيمان في الحديث الذي
رواه الترمذي: عن علي ﵁، أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأن رسول الله، بعثنى بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالعبث بعد الموت، ويؤمن بالقدر.
فاقتضى هذا الحديث: أن الإيمان بالبعث الذي هو ربع الإيمان الكامل
الذي دعا إليه القرآن. ذكره ابن الميلق.
وروى أبو داود بإسناد - قال النووي: صحيح - عن معاذ بن عبد الله، وفي نسخة عبد الرحمن - الجهني. أن رجلًا من جهينة أخبره: أنه
سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: (إذا زلزلت الأرض) .
في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسى رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك عمداً.
стр. 1097
وروى أحمد، وأبو داود،. والنسائي، عن عبد للهِ بن عمرو بن العاص
﵄ قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: أقرئني يا رسول الله؟.
فقال: اقرأ ثلانا من ذوات "الر"، فقال: كبرت سناً، واشتد قلبي، وغلظ
لساني، قال: - فاقرأ ثلاثا من ذوات "حم" فقال مثل مقالته. قال الرجل: يا رسول الله، اقرئني سورة جامعة، فأقرأه رسول الله ﷺ (إذا زلزلت) ، حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبداً، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرويجل مرتين.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، ولفظه: قال: يا رسول الله أقرئنى شيئاً
من القرآن، فقال له رسول الله ﷺ : أقرئك ثلاثا من ذوات "الر"، فقال: يا رسول الله إني قد كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني،، فقال له رسول الله ﷺ : اقرأ ثلاثا من المسبحات، فقال الرجل مثل مقالته الأولى، وقال: يا رسول الله أقرئني سُورَةً جَامِعَةً قال: فقرأ إذا زلزلت، حتى فرغ من
آخرها، فادبر الرجل وهو يقول: والذي بعثك بالحق لاْ أزيد عليها أبداً.
ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرويجل، مرتين أو ثلاثا.
وتقدم في يونس: أن ابن عبد الحكم أخرجه في كتاب "الفتوح " أتم
من هذا.
وفي (جامع الأصول) عن أنس ﵁ أنه قال: بينما نحن عند
رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله. كبر سني، ورق عظمي،
стр. 1098
وغلظ لساني، فأقرئني سورة جامعة، فأقرأه (إذا زلزلت) ، حتى فزغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها ولا أنقص منها. فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرويجل، ثلاثا.
وروى الطبراني في الكبير بسند - قال، الهيثمي: فيه الحسين بن
الحسن العوفي وهو ضعيف - عن سعد بن جنادة ﵁ قال:
كنت أول من أتى النبي ﷺ فأسلمت وعلمني قل هو الله أحد، وإذا زلزلت الأرض زلزالها) ، وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، ولا إله إلا الله والله أكبر، وقال: هن الباقيات الصالحات.
وفي رواية: وقل يا أيها الكافرون.
وروى الطبراني من طريق حيي بن عبد الله المعافري - قال الهيثمي:
وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله رجال
الصحيح - وابن أبي الدنيا عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال:
نزلت إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد فبكى أبو بكر ﵁، فقال رسول الله ﷺ : لو أنكم لا تخطؤون، ولا تذنبون، لخلق الله أمة من بعدكم يخطؤون ويذنبون فيغفر لهم
ورواه الطبراني في الأوسط عن شيخه موسى بن سهل - قال الهيثمي:
والظاهر أنه الوشاء وهو ضعيف - عن أنس ﵁ قال: بينما أبو
بكر الصديق ﵁ يأكل مع النبي ﷺ إذ نزلت عليه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
فرفع أبو بكر ﵁ يده وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من
стр. 1099
شر؟. فقال: يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرة
الشر، ويدخر لك مثاقيل الخير حتى تَوَفَّاهُ يوم القيامة.
وروى أحمد - قال الهيثمي: متصلا ومرسلا، ورجال الجميع رجال
الصحيح - عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق ﵁، أنه
أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .
قال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
стр. 1100
سورة العاديات
مكية إجماعا.
وقال الزمخشري وأتباعه: مختلف فيها.
وآيها إحدى عشرة في جميع العدد، ولا اختلاف فيها.
ورويها أربعة أحرف، وهي: رح، عد.
مقصودها
ومقصودها: الإعلام بأن أكثر الخلق يوم الزلزلة هالك، لِإيثار الفاني
من العز والمال على الباقي عند ذي الجلال، المدلول عليه بالقسم، وهو
العاديات، والمقسم عليه، وما عطف عليه.
وقد علم: أن اسمها أدل شيء على ذلك.
стр. 1101
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ إذا زلزلت، تعدل نصف القرآن. والعاديات، تعدل نصف القرآن.
وللطبراني بإسنادين - قال الهيثمي: في أحدهما جعفر بن الزبير، وهو
ضعيف - عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه ذكر عنده الكنود فقال: الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده.
стр. 1102
سورة القارعة
مكية إجماعاً.
وآيها ثماني آيات في البصري والشامي، وعشر في المدنيين والمكي.
وإحدى عشرة في الكوفي.
اختلافها ثلاث آيات:
(القارعة) الأولى. عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون.
(ثقلت موازينه) . و (خفت موازينه) ، لم يعدهما البصري
والشامي، وعدهما الباقون.
وفيها مشبه الوسط، موضعان:
(موازينه) كلاهما.
ورويها خمسة أحرف، عي، شثن.
стр. 1103
مقصودها .
ومقصودها: إيضاح: يوم الدين، بتصوير أحواله، وتقسيم الناس فيه.
إلى ناج وهالك. واسمها "القارعة" واضح في ذلك.
فضائلها .
وأما ما ورد فيها: فروى ابن أبي داود عن إبراهيم قال: كان أصحاب
رسول الله ﷺ يقرأون السور الصغار في الفجر، في السفر.
وروى أبو يعلى الموصلي من طرق، عن أنس ﵁ قال: كان
رسول الله ﷺ إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام، سأل عنه، فإن كان غائباً، دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده، ففقد رجلاً من الأنصار في اليوم الثالث، فسأل عنه، فقيل: يا رسول الله، تركناه مثل الفرخ، لا يدخل في رأسه، إلا خرج من دبره، يعني: فعاده رسول الله ﷺ ، فسأله رسول الله ﷺ مم ذلك؟.
قال: يا رسول الله مررت بك وأنت تصلي المغرب، فصليت معك، وأنت تقرأ هذه السورة: (القارعة ما القارعة)
إلى آخرها: (نار حامية) فقلت: اللهم ما كان من ذنب أنت معذبي عليه
في الآخرة فعجل لي عقوبته في الدنيا، فتراني كما تراتي.
قال رسول الله ﷺ :
لبئس ما قلت، ألا سألت الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
ويقيك عذاب النار؟.
فأمره رسول الله ﷺ فدعا بذلك، ودعا له النبي ﷺ ، فقام كأنما نشط من عقال. فذكره.
وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، واتهم به عباد بن كثير.
قال شيخنا الحافظ شهاب الدين البوصيري: لم ينفرد به عباد، بل له
طرق. يعني من غير طريقه.
стр. 1104
سورة ألهاكم
وتسمى: التكاثر.
مكية إجماعاً.
وآيها ثمان إجماعاً.
ولا اختلاف فيها.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس بها، موضع: (كلا لو تعلمون) .
مقصودها .
ومقصودها: التصريح بما أشارت إليه العاديات، من أن سبب الهلاك
يوم الجمع الذي صورته القارعة، الجمع للمال، والإخلاد إلى دار الزوال.
وكل من اسميها واضح الدلالة على ذلك.
стр. 1105
فضائلها .
وأما فضائلها: فروى الحاكم عن عقبة بن محمد، عن نافع، عن ابن
عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ألا يستطيع (أحدكم أن يقرأ ألف آية كل يوم؟
قالوا: ومن يستطيع ذلك يا - رسول الله.
قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ (ألهاكُم) ؟
قال المنذري: ورجال إسناده ثقات، إلا أن عقبة لا أعرفه.
وللترمذي وقال: حديث غريب، عن هانئ مولى عثمان بن عفان
قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتذكر القبر - فتبكي؟.
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه قال: وسمعت رسول الله ﷺ -
стр. 1106
يقول: - ما رأيت منظرا قط، إلا والقبر أفظع منه.
قال المنذري: وزاد فيه رزين ما لم أره في شيء من نسخ
الترمذي: "قال هانئ وسمعت عثمان ﵁ ينشد على قبر:
فإن تنج منه تَنْجُ من ذي عظيمة. . . وإلا فَإني لا أخالك ناجياً
وروى مسلم في صحيحه - وعبد بن حميد في مسنده - وهذا لفظه: عن
مطرف بن عبد الله ابن الشخير، عن أبيه ﵁ قال: انتهيت إلى
النبي ﷺ وقد أنزِلَتْ عليه: (ألهاكم التكاثر) ، وهو يقول - يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت.
قال الإمام ناصر الدين بن الميلق ما حاصله: في كونها تعدل ألف آية:
أن القرآن ستة آلاف آية، ومائتا آية، وكسر.
стр. 1107
فإذا تركنا الكسر، كان الألف سدس القرآن، وهذه السورة تشتمل على
سدس مقاصد القرآن، لأن مقاصده - كما مضى في الفاتحة - ستة: ثلاثة
مهمة، وثلاثة متمة. فأما الثلاثة المهمة: فمعرفة الله تعالى، ومعرفة الآخرة.
ومعرفة الصراط المستقيم. والسدس الذي اشتملت عليه، هو التعريف
بالجحيم، والسدس الثاني: دار النعيم، وهما ثلثا المقاصد المهمة.
والتعبير عن هذا المعنى بألف آية، أفخم وأجل وأضخم، من التعبير
بالسدس، والله أعلم.
стр. 1108
سورة العصر
مكية إجماعاً.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها .
وآيها ثلاث، متفقة الإجمال.
واختلافها آيتان:
(والعصر) ، ولم يعدها المدني الأخير، وعدها الباقون.
(وتواصوا بالحق) عدها المدني الأخير، ولم يعدها الباقون..
وفيها مما يشبه الفواصل، مواضع: (الصالحات) .
стр. 1109
مقصودها
ومقصودها: تفضيل نوع الإنسان، المخلوق من علق، وبيان
خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال، عن زكاة الأعمال.
بترك الفاني، والِإقبال على الباقي، لأنه خلاصة الكون، ولباب الوجود.
واسمها "العصر" واضح في ذلك، فإن العصر يخلص روح المعصور.
ويميز صفاوته. ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم، الذي هو خلاصة
الخلق ﷺ وقت العصر وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات.
ما ورد فيها
وأما ما ورد فيها: فروى عبد بن حميد عن الحارث، عن علي رضي الله
عنه قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع سور من المفصل، في الركعة الأولى ألهاكم التكاثر، وإنا أنزلناه وإذا زلزلت الأرض، وفي الركعة الثانية: والعصر، وإذا جاء نصر الله، وإنا أعطيناك الكوثر، وفي الركعة الثالثة: قل يا أيها الكافرون، وتبت، وقل هو الله أحد.
قال ابن رجب: وروى أبو نعيم عن الشافعي قال: لو أن الناس كلهم
فكروا في سورة العصر نفعتهم. أو كما قال.
وروى الطبراني عن أبي مدينة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان
الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: والعصر.
قال ابن المديني: اسم أبي مدينة عبد الله بن حصن.
стр. 1110
سورة الهمزة
مكية إجماعاً.
وآيها تسع وفاقا، ولا اختلافاً فيها.
وفيها مشبه الفاصلة موضع: (همزة) .
ورويها ثلاثة أحرف وهي: زدم.
مقصودها
ومقصودها: بيان الحزب الأكثر الخاسر، الذي ألهاه التكاثر، فبانت
خسارته يوم القيامة، الخافضة، الرافعة.
واسمها "الهمزة" ظاهر الدلالة على ذلك.
ما ورد فيها
وأما ما ورد فيها: فروى أبو داود، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن
стр. 1111
جده ﵁، أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة، إلا
وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة.
стр. 1112
سورة الفيل
مكية إجماعاً.
وآيها خمس إجماعاً. ولا اختلاف فيها.
ورويها: اللام.
مقصودها
ومقصودها: الدلالة على آخر الهمزة، من إهلاك المكاثرين، في دار
التعاضد والتناصر بالأسباب، فعند انقطاعها أوْلَى لاختصاصه سبحانه بتمام
القدرة، دون المتمكن بالمال والرجال. واسمها "الفيل" ظاهر الدلالة على
ذلك، بتأمل سورته، وما حصل في سيرة جيشه وصورته.
فضائلها
وأما ما ورد فيها (١)
стр. 1113
سورة قريش
مكية إجماعاً.
وآيها أربع في الكوفي والبصري والشامي. وخمس في المدنيين والمكي.
واختلافها آية:
(من جوع) عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
ورويها أربعة أحرف، وهي: شفعت.
مقصودها
ومقصودها: أن إهلاك الجاحدين المعاندين، لإصلاح المقرين العابدين.
وهو بشارة عظيمة لقريش خاصة، بإظهار شرفهم في الدارين.
واسمها "قريش" ظاهر الدلالة على ذلك.
والتعبير بقريش، دون قومك والحُمس مثلاً، دال على أنهم يغلبون
стр. 1114
كما يدل عليه الاسم، وبغير قوة كما دل ما فعل لأجلهم من قصة الفيل.
فضائلها
وأما ما ورد فيها (١)
стр. 1115
سورة أرأيت
وتسمى: الدين، والتكذيب، والماعون.
مكية.
قال النسفي في تفسيره: عن ابن: مدنية (١) . عنه الواقدي.
وقال مقاتل بن حيان: نصفها الأول مكي، ونصفها الباقي مدني.
وقال أبو حيان: هي مكية في قول الجمهور، مدنية في قول ابن عباس.
فخالف ما قاله النسفي، ثم قال: وقال هبة الله الضرير: نزل نصفها
بمكة في العاص بن وائل ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق.
стр. 1116
عدد آياتها .
وآيها سبع في الكوفي والبصري، وست عند الباقين. واختلافها آية:
"يراءون" عدها الكوفي والبصري، ولم يعدها الباقون.
ورويها حرفان، وهما: نم.
مقصودها
ومقصودها: التنبيه على أن التكذيب بالبعث لأجل الجزاء، أبو
الخبائث، فإنه يحزي المكذب على مساوىء الأخلاق، حتى تكون الِإستهانة
بالعظائم خلقاً له، فيصير ممن ليس له خلاق وكل من أسمائها في غاية
الوضوح في الدلالة على ذلك، بتأمل السورة، لتعرف هذه الأشياء
المذكورة.
ما ورد فيها
وأما ما ورد فيها: فروى البغوي في تفسيره عن مصعب بن سعد، عن
стр. 1117
أبيه ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) ؟. قال: إضاعة الوقت.
стр. 1118
سورة الكوثر
مكية إجماعاً.
وهو عجيب. فإن حديث الصحيحين عن أنس ﵁ يدل على
أنها مدنية، لقوله: "بين أظهرنا في المسجد ".
ثم رأيت العلامة جمال الدين ابن النقيب حكى في تفسيره قولين:
الأول: أنها مكية وعزاه إلى ابن عباس والجمهور، والثاني: أنها مدنية، وعزاه للحسن وعكرمة وقتادة.
عدد آياتها
وآيها ثلاث إجماعاً، ولا اختلاف فيها.
ورويها: الراء.
стр. 1119
مقصودها
ومقصودها: المنحة للمنزل عليه ﷺ بكل خير يمكن أن يكون.
واسمها "الكوثر" واضح في ذلك. وكذا النحر لأنه معروف في نحر
الإبل، وذلك غاية الكرم عند العرب.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، عن
أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟.
قال: أنزلت عَلَيَّ آنفا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
(ثم) قال: أتدرون ما الكوثر؟. قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه نهر
وعدنيه ربي في الجنة، عليه حوضي.
стр. 1120
وفي رواية: فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته
عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول:
ما تدري ما أحدث بعدك.
وللبخاري عن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر: الخير الكثير، الذي أعطاه الله إياه.
وروى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄
قال: قال رسول الله ﷺ : حوض مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يظما أبداً.
وفي رواية: حوض مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من
الورق.
ولأحمد - قال المنذري: بإسناد حسن - عن ابن عمر ﵄
قال: قال رسول الله ﷺ : حوض كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج، وأحلى
стр. 1121
من العسل، وأطيب من المسك، أكوابه مثل نجوم السماء، من شرب منه
شربه لم يظما بعدها أبداً، أول الناس عليه وروداً: صعاليك المهاجرين،.
قال قائل منهم: ومن هم يا رسول الله؟.
قال: الشعثة رؤوسهم، الشحبة وجوههم، الدنسة ثيابهم، لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المتنعمات، انجذين
يعطون كل الذي عليهم، ويأخذون كل الذي لهم.
وقال الحافظ زين الدين رجب في كتاب "الإِستغناء بالقرَآن":
ويروى عن أبي أمامة مرفوعاً: أربع آيات نزلن من كنز تحت العرش، ليس
نزل شيء غيرهن: أم الكتاب، وآية الكرسي وخاتمة البقرة، والكوثر.
стр. 1122
سورة الكافرون
مكية، وقيل: مدنية
وتسمى: الإِخلاص، والمقشقشة.
روى الأصمعي عن أبي العلاء قال: كانت تسمى: المقشقشة، أي
أنها تبرىء من الشرك يقال: قشقش البعير، إذا نحرته.
عدد آياتها
وآيها ست إجماعاً. ولا اختلاف فيها.
ورويها ثلاثة أحرف وهي. ندم، أو: مدن.
стр. 1123
مقصودها
ومقصودها: إثبات مقصود الكوثر، بالدليل الشهودي، على أن
منزلها كامل العلم، شامل القدرة، لأنه المنفرد بالوحدانية. فلذلك لا يقاوي
من كان معه. ولذلك لما نزلت قرأها ﷺ عليهم في المسجد، أجمع ما كانوا.
وهذا المراد بكل من أسمائها.
أما الكافرون: فمن وجهين: ناظر إلى إثبات، وناظر إلى نفي.
أما المثبت: فمن حيث إنه إشارة إلى تأمل جميع السورة، من إطلاق
البعض على الكل.
أما النافي: فمن جهة أنهم إنما كفروا بإنكار ما هو مقصودها إما صريحاً
كالوحدانية وتمام القدرة. وإما لزوماً، وهو العلم، فإنه يلزم من نقص القدرة نقصه.
وأما الإخلاص: فلأن المنفذ لك، كان مؤمناً، مخلصاً، بريئاً من كل
شرك، وكل كفر.
وأما المقشقشة: فلأنها أبرأت من كل نفاق وكفر، من قولهم: تقشقشت
قروحه إذا تقشرت للبراء.
وعندي: أنه من الجمع، أخذاً من القش، الذي هو تطلب المأكول من
ههنا وههنا. فإنها جمعت جميع أصول الدين، فأثبتها على أتم وجه.
فلزم من ذلك: أنها جمعت جميع أنواع الكفر فحذفتها، ونفتها.
وتقدم تمام توجيه ذلك في براءة.
فأمرها دائر على الِإخلاص. ومن المعلوم: أن من أخلص للهِ، كان من
أهل ولايته حقاً فحق له ما يفعل الولي مع وليه.
ولذلك - والله أعلم - سنت قراءتها مع قل هو الله أحد، في ركعتي
стр. 1124
الفجر، ليحوز فاعل ذلك ثمرة ما ورد من: "أن من صلى الصبح كان في ذمة الله ".
ومن كان كذلك، كان جديراً بأن ينال ما أشارت إليه السورتان اللتان
بين سورتي الِإخلاص من الفتح له والنصرة، والخيبة لعدوه والخسر والحسرة.
فضائلها .
وأما فضائلها: فروى الترمذي وقال: حسن، عن سلمة بن وردان.
عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان؟.
قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به.
قال: أليس معك (قل هو الله أحد) ؟ قال: بلى. قال: ثلث القرآن، قال:
أليس معك (إذا جاء نصر الله والفتح) ؟. قال: بلى، قال: ربع القرآن.
قال: أليس معك (قل يا أيها الكافرون) ؟. قال: بلى قال: ربع القرآن.
تزوج، تزوج.
стр. 1125
قال المنذري: وقد تكلم في هذا الحديث مسلم في كتاب "التمييز".
ورواه أحمد من هذا الوجه - قال الهيثمي: وسلمة ضعيف - قال:
أليس معك (قل هو الله أحد) ؟. قال: بلى. قال: ربع القرآن.
وقال في آخره -: قال: أليس معك آية الكرسي؟. قال: بلى. قال: ربع
القرآن.
ورواه الترمذي - أيضاً - عن أنس ﵁، ولفظه:
قال رسول الله ﷺ : من قرأ (إذا زلزلت) عدلت بنصف القرآن، ومن قرأ: (قل يا أيها الكافرون) عدلت بربع القرآن. ومن قرأ (قل هو الله أحد) عدلت بثلث القرآن.
وروى أبو عبيد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: قل يا أيها الكافرون، تعدل ربع القرآن.
قال الِإمام ناصر الدين بن ميلق - ما حاصله -: إن التفاوت بينهما وبين
(قل هو الله أحد) في كونها تعدل ربعاً، وتلك تعدل ثلثاً، مع أن كلا منهما
تسمى الِإخلاص: أن (قل هو الله أحد) اشتملت من صفات الله تعالى ما
تشتمل عليه "الكافرون".
وأيضاً: فالتوحيد إثبات إلهية المعبود وتقدسه، ونفي إلهية ما سواه، وقد
صرحت الِإخلاص بالإِثبات والتقديس، ولوَّحت إلى نفي عبادة غيره.
والكافرون صرحت بالنفي، ولوَّحت بالنفي، ولوَّحت بالِإثبات والتقديس.
فكان بين الرتبتين من التصريحين والتلويحين، ما بين الربع والثلث انتهى.
وسرُّ كون آية الكرسي ربعاً: أنها ربع الِإيمان بالله ورسوله وكتبه،