← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما في الأصبع: فكذلك لا عبارة غير ما قال تؤدي ذلك المعنى، فإن تقديم الجار المفيد للاختصاص، في أحق مواضعه وأتمها. ولم ينقل أحد أنه ﷺ أشبع كسرة التاء حتى تولد منها ياء ويكفي في صرفه عن الشعر، عدم الِإشباع. وأما الأبيات الماضية: فتقديم الأقرع على عيينة أولى، لأن عيينة ارتد في أيام الردة، بل أقر أنه لم يكن أسلم قبل ذلك. وأما الأقرع فكان إسلامه حسناً، ولم يرتد بعد ذلك، ولكنه كان شريفاً، فكان التأليف لغيره بواسطته. ولذلك اعتذر ﷺ بقوله: لا يضرك بأيهما بدأت.

стр. 107

وأما شعر الأعشى: فلا يتأتى المعنى على حال السداد والكمال، إلا بقوله: "وهن شر غالب لمن غلب"، فأتى به كما هو من غير تغيير. وكذا شعر عبد الله بن رواحة ﵁: والله لولا أنت ما اهتدينا. ولما كانت "الألى" - بضم الهمزة بمعنى الجماعة - يجوز فيها المد والقصر وكان المد لا يلتزم هنا إلا لأجل الوزن، وكان انتظام المعنى به مقصوراً. كانتظامه به ممدودا، قصره ﷺ لأنه لا نظر له إلى غير تصحيح المعنى بالألفاظ الكاملة. فإن قيل: المد ربما أفهم تعظيماً لم يفده القصر؟. قيل: وهذا موجب الإتيان به مقصوراً، لأن المقام لا يقتضي تعظيم الظالمين. وأما قول لبيد: فلا يتأتى المعنى - مع أنه في غاية الصحة - إلا به، فلم يغيره. وأما قول طرفة: فلما كان قد يلزمه الكذب من تقديم الجار، في قوله: "بالأخبار" نطق به ﷺ على أتم أحواله، بأن قدم "من لم تزود" الذي هو عمدة الكلام، سواء كان بضمير، أم لا. وأما "كفى الشيب والِإسلام ": فإنه لا يليق بذلك السياق الذي للنهى عن المساوىء والوعظ، أن يُقدم فيه شيء على الإِسلام، الذي هو أعظم واعظ، وأقوى زاجر، وتأكيد المعنى بالجار أحسن، فأتى به كذلك. فتأمل ما يرد عليك من مثل ذلك حق التأمل، وأعطه ما يليق به.

стр. 108

ثم إن وراء ذلك: أن القوافي المطلقة الموصولة بحروف العلة، لا يُعَد البيتُ شعراً إلا بوصلها، وإلا نقص الوزن، ومتى نقص، لم يعد شعرا. ولا رواية مصرحة بأنه ﷺ وصل شيئاً من ذلك. فالظاهر: أنه سكَّن اللام من "باطل " من شعر لبيد للوقف، كما تقدم في دميت، وكذا كل ما جاء من مثله. وأما ما "حرف " الوصل فيه من (نفس) الكلمة فيأتي به لكون الكلمة لا تصح إلا به لا لكونه وصلاً. وأما من كان يقول له ﷺ : "ليس هكذا قال الشاعر"، من الصحابة ﵃، فكانوا يعلمون أن الشاعر إذا قدم شيئاً، أو أخره، لم يفعل ذلك لقصد المعنى الذي أدى إليه التقديم والتأخير، وإنما هو للاضطرار، وأن ذلك لازم في صنعة الشعر، لا يحلو إلا به، فيلزم الذي يقصد الشعر أن يأتي به ليصح النظم معه، وكذا من يقصد روايته عن قائله، لتصح له الرواية. وأما النبي ﷺ : فلما لم يكن للوزن عنده اعتبار، لم يلتفت إليه، ورأى: أن التقديم والتأخير مِخُل بالمعنى فنطق به ﷺ على الصواب، ولم يلتفت بوجه إلى الوزن، ولا نحا أصلًا نحوه، لأنه ليس للشعر عنده حرمة من حيث كونه شعرا، فليس هو بشاعر، ولا راوية للشعر، حتى يقصد الإتيان بالبيت كما هو، لئلا ينكسر، بل قصده المعنى ليس غير، لأنه إذا أدار الأمر بين أن يأتي بمعنى معيب في لفظ مزوَّق، فهو في الظاهر حلو، وفي الحقيقة معيب كما هو حال كل شيء للشيطان فيه حظ. وأن يأتي بالمعنى خالصاً ممدّحاً في لفظ

стр. 109

جليل سالم، وجب أن يأتي به سالماً، لأنه لا حَظَّ للتزويق منه ﷺ في قول، ولا في فعل، ولا حال أصلاً، ولم يكن أحد ممن كان يحاوره في ذلك يساويه في البلاغة حتى يذوق هذا الذوق من قبل أن ينبهه ﷺ . والله الهادي. وأعلم أن هذا القول، وهو: أن النبي ﷺ عالم بأصل الغريزة بانحاء الشعر، معرض عن استعمال ذلك، لما فيه من المعايب، غير معول على شيء منه، لما يوقع فيه من النقائص ما لا بد من اعتقاده، ولأدى الحال إلى أمر فظيع. قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب "الإعجاز، ما معناه: "إن من كان ناقصاً في نوع من أنواع البلاغة في شيء من وجوه الخطاب، لم تقم عليه الحجة بالقرآن حتى يعلم عجزه الكامل في ذلك النوع، ثم قال: فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن، عرف إعجازه. وإن لم نقل ذلك، أدى الحال إلى أن يقال: إن النبي ﷺ لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه، حتى سَبَرَ الحالَ، بعجز أهل اللسان عنه، وهذا خطأ من القول. فصح من هذا الوجه: أن النبي ﷺ حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزا، وعرف بأن قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك. إنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره، أو يتحدى إليه سواه. ولذلك قلنا: إن المتناهى في الفصاحة، والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح متى سمع القرآن، عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال

стр. 110

نفسه: أنه لا يقدر عليه، ويعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو، وإن كان يحتاج بعد هذا إلى استدلال آخر على أنه علم على نبوة، ودلالة على رسالة، بأن يقال له: إن هذا آية النبي، وأنها ظهرت عليه، وادَّعاها معجزة له، وبرهاناً على صدقة. انتهى. ولا يُظَنُ أني لم أسبق بالقول بأن النبي ﷺ عالم بالوزن، كما أنه قادر على السجع، غير أنه لا يصوِّب إلى شيء منهما همته الشريفة، لا يجر إليه التقيد بذلك من التكلف والنقص اللذين برأه الله منهما، وأبعده عنهما. فقد قال قاضي الشافعية بمصر: صدر الدين السلمَي المناوي الشافعي في كتابه "تخريج أحاديث المصابيح ": وقد ذهب جمع من العلماء إلى أنه ﷺ لم يكن يُحْسِنُ الشعر - وهو الأصح - حتى قيل: إنه لم ينشد بيتاً تاماً قط، ألا ترى أنه حين ذكر بيت طرفة قال: ويأتيك من لم تزوده بالأخبار؟ وذهب قوم إلى أنه ﷺ كان يحسن الشعر، ولكن لا يقوله وتأولوا قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) إنه رد على المشركين في قولهم: (بل هو شاعر) ومن ذكر بيتاً واحداً، لا يلزمه هذا الاسم. انتهى.

стр. 111

فإن كنت ممن يدور مع البرهان، فقد ذكرت لك من ذلك ما فيه مقنع، وإن كنت مقيداً بالسلف، فهذا كلام بعضهم، وإن خالفه غيره. وقوله: إنَّ الأول أصح، منظور فيه. والأصح - بل الصواب -: هذا الثاني، لما ذكرت من الدلائل، وأقمت من الحجج. هذا تحرير القول إجمالاً في نفي السجع عن القرآن، وإن أردت التفصيل، فانظر كل موضع ادعى فيه كل مدع شيئاً من ذلك من كتابي: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور" تجد فيه - بحمد الله - ما يفكك من تلك العهدة، ويخلص مما لزم من الورطة، وإنه ما سيق على ذلك النظم، إلا لحال دعا إليه، لا يبلغ الكلام ذروة البلاغة إلا به، فهو جار على ما اقتضاه من الحال، لا على التفنن في المقال. والله الهادي من الضلال، الموفق لمن اختاره إلى أشرف الأقوال والأعمال. عدد آيات الفاتحة إذا تقرر هذا، فعدد آي الفاتحة: وإن وقع الاتفاق على إجماله، فقد حصل الاختلاف في تفصيله. عد الكوفي والمكي " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وأسقطا "أنعمت عليهم "، وعكس المدنيان، والبصري والشامي. هكذا حكي الِإجماع - على أنها سبع - المصنِّفون في العدد.

стр. 112

وقال الِإمام نجم الدين أبو حفص عمر النسفي في تفسيره "التيسير: هي ثماني آيات في قول الحسن البصري، وست في قول الحسين الجعفي. وسبع في قول الجمهور. فالحسن عد البسملة و "أنعمت عليهم " آيتين، وتركهما الجعفي. وحكى الأصفهاني في تفسيره: أن عمر بن عبيد عدها أيضاً ثمانية. لأنه جعل (إياك نعبد) آية. قال: وهو شاذ، وكذا القول بأنها ست. رويها - أي الحرف الذي هو نهاية فواصلها -: حرفان، يجمعهما: من. وفيها شبه الفاصلة: (إياك نعبد) ، قاله الداني. و (صراط الذين) قاله الجعبري. وروى الداني بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: هي - أي البسملة - آية من كتاب الله، ثم يقول أبو هريرة: عُدُّوا إن شئتم فاتحة الكتاب، يعني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 113

قال أبو عمرو: وعدها آية في الحمد من أئمة الأمصار، أهل مكة. وأهل الكوفة، وكل من رأي قراءتها في صلاة الفرض من الصحابة رضي الله عنهم والتابعِين ومن بعدهم من الفقهاء، فهي عنده آية. مقصود سورة الفاتحة ومقصودها: مراقبة العباد لربهم. فإن التزام اسمه تعالى وحده - كما دل عليه تقديم الجار - في كل حركة وسكون داع إلى ذلك، وعلى ذلك دلت أسماؤها. وهكذا اسم كل سورة مترجم عن مقصودها، لأن اسم كل شيء تلحظ المناسبة بينه وبين مسماه، عنوانه الدال بالِإجمال على تفصيل ما فيه. وذلك هو الذي أنبأ به آدم ﵇، عند العرض على الملائكة ﵈ ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها. فهذه السورة اسمها - مع الفاتحة - أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني والأساس، والمثاني، والكنز، والشافية، والكافية، والواقية، والشفاء، والرقْيَة والحمد، والشكر، والدعاء، والصلاة. فمدار هذه الأسماء - كما ترى - على أمر خفي، كاف لكل مراد، وذلك هو المراقبة، وكل شيء لا يفتتح بها، لا اعتداد به.

стр. 114

وهي أم كل خير، وأساس كل معروف، ولا يعتد بها إلا إذا ثُنِّيت. فكانت دائمة التكرار، وهي كنز لكل مُنى، شافية لكل داء، كافية لكل مُهِمٍّ، وافية بكل مرام واقية من كل سوء، شافية من كل سقام،. رقية لكل مسلم، وهي إثبات الحمد الذي هو الإِحاطة بصفات الكمال، والشكر الذي هو تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو، والمراقبة أعظم توجه، وأعظم مجامعها الصلاة. وعلى قدر المقصود من كل سورة، تكون عظمتها، ويعرف ذلك مما ورد في فضائلها ويؤخذ من ذلك أسماؤها، ويدل على فضلها كثرتها. فلا سورة في القرآن أعظم من الفاتحة، لأنه لا مقصود أعظم من مقصودها. وهي جامعة لجميع معاني القرآن، ولا يلزم من ذلك اتحاد مقصودها مع مقصوده بالذات، وإن توافقا في المآل، فإنه فرق بين الشيء وبين ما جمع ذلك الشيء. فمقصود القرآن، تعريف الخلق بالمَلِكِ، وبما يرضيه. ومقصود الفاتحة: غاية ذلك، لكونها غاية له، وذلك هو المراقبة المذكورة، المستفادة من التزام ذكره تعالى في كل حركة وسكون، لاعتقاد أنه لا يكون شيء إلا به. وعلى جلالة هذا المقصد، جاءت فضائلها.

стр. 115

فضائل القرآن ولكونها جامعة، ناسب أن يذكر فضائل القرآن الِإجمالية أولها، ويذكر اهتمام الصحابة بترتيبة وجمعه، وتهذيبه، فإن ذلك من فضائله. وليعلم أني لا أذكر (من ذلك) إن شاء الله في الفضائل، إلا ما صح أو حسن، أو جاز ذكره إن كان ضعيفاً، فلم ينزل إلى درجة الموضوع. ولم أذكر شيئاً من الحديث الموضوع على أبي وابن عباس، ﵃، في فضائل كل السور: سورة، سورة، كما ذكره الواحدي والزمخشري، ومن تبعهما، لأن الموضوع لا يحل ذكره، إلا على سبيل القدح فيه. والله الموفق.

стр. 116

كيفية نزول الوحي روى البخاري في بدء الوحي، ومسلم في فضائل النبي ﷺ والترمذي في المناقب، والنَّسائي في الصلاة، والبيهقي في الأسماء والصفات "، عن عائشة ﵂، أن الحارث بن هشام ﵁ سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ ، قال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ، فينفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول، قالت عائشة ﵂: لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وأن جبينه ليتفصدُ عرقاً.

стр. 117

وسيأتي في سورة القيامة حديث ابن عباس ﵄ في شدة الوحي. والحكمة في جعل صوت الوحي كالصلصلة - والله أعلم - ما بين صاحبي الصوتين: الوحي، والحديد، من الشّبه في البأس الشديد والمنافع والثقل، والشدة والصلابة، والحدة والصفاء، والنفع والِإبانة، والقطع والتأثير، دون التأثر، وغير ذلك مما يكشفه التدبر، والتأمل، والتفكر، مع ما فيه من تقريب إسماع كلام الله تعالى من غير حرف، بل ولا صوت. وكذلك جاء في الحديث الآخر، الذي رواه البخاري، وأبو داود، عن أبب هريرة، ومسلم عن ابن عباس، عن رجال من الصحابة رضي الله

стр. 118

عنهم، أن النبي ﷺ قال: إذا قضى الله الأمر في السماء، سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا. ولما كان النبي ﷺ أكمل الخلق، ظهر له في وقع الحديد بعضُه على بعض فإنه أقوى من الوقع على الحجر. ولما كان هذا الصوت للوحي، وكان الموحي واحداً لا شريك له، شرع توحيد وحيه أيضاً، بهذا المظهر، تشريفاً له، ولئلا يلبس نوع لَبْس، ولو

стр. 119

على وجه بعيد فنهى عن الجرس، ولو كان مزمار الشيطان، لتعرضه لإلباس الوحي، وتقرب منه الملائكة غيرة على هذا المقام العالي (المرام) ، والواجب الإكرام والإعظام، وجعل ما يخطفه الجنى من الوحي كقرقرة الدجاجة، التي هي من أضعف الحيوان، وهو من أضعف الأصوات وأسمجها. والله الموفق. نزول الكتب السماوية في رمضان وروى الإمام أحمد في المسند، وأبو عبيد في الفضائل، والبيهقي في الشعب والأسماء والصفات، وأبو القاسم الأصفهاني في الترغيب، والثعلبي في التفسير عن واثلة بن الأسقع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من شهر رمضان (١) ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان. ولفظ أبي عبيد: أنزلت صحف إبراهيم ﵇ أول ليلة من شهر رمضان ونزلت التوراة على موسى ﵇ في ست من شهر رمضان. ونزل الزبور على داود ﵇ في اثنتي عشرة من شهر رمضان، ونزل الإنجيل على عيسى ﵇ في ثماني عشرة من شهر رمضان، وأنزل الله ﵎ الفرقان على محمد ﷺ في أربع وعشرين من شهر رمضان. وأخرجه أبو يعلى الوصلي في الجزء الثاني عشر من مسنده، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أنزل الله تعالى صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة على موسى ﵇.

стр. 120

لست خلون من رمضان وأنزل الزبور على داود ﵇ في إحدى عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن على محمد ﷺ في أربع وعشرين خلت من رمضان. هكذا رواه موقوفاً، ومثله لا يقال بالرأي. قال الِإمام أبو شامة في كتابه "المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز": ووقع في تفسير الماوردي وغيره: أنزل الزبور لاثنتى عشرة والِإنجيل لثمان عشرة. وكذلك هو في كتاب أبي عبيد. وفي بعض التفاسير عكس هكذا، الإنجيل لاثنتي عشرة والزبور لثماني عشرة. واتفقوا على أن صحف إبراهيم ﵇ لأول ليلة، والتوراة لست مضين والقرآن لأربع وعشرين خلت.

стр. 121

قال أبو عبد الله الحليمي: يريد ليلة خمس وعشرين. وفي (كتاب) الأسماء والصفات للبيهقي: عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سأله عطية بن الأسود فقال: قد وقع في قلبي الشك في قول الله تعالى: (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن) . وقوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) ، وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، يعني: وغير ذلك من الأشهر؟. فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم، رسلا في الشهور والأيام. قال البيهقي في معنى قوله: "أنزل القرآن لأربع وعشرين ": إنما أراد - والله أعلم - نزول المَلَك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. وقال في معنى قوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ، يريد - والله أعلمِ - إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك متنقلَا به من علو إلى سفل.

стр. 122

نزول القرآن منجماً ولأبي عبيد في الفضائل، عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك نجوماً إلى النبي - سع في عشرين سنة، وقرأ: (ولا يأتونك بمَثَل إلا جئناك بالحق وأحسنَ تفسيراً) ، و (وقرآنا فَرَقْنَاه لتقرأه على الناس على مُكْثٍ ونرلناه تنزيلاً) . قال أبو شامة: أخرجه الحاكم أبو عبد الله في كتاب "المستدرك " وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأخرج أبو القاسم الأصفهاني في الترغيب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن في النصف من (شهر رمضان إلى سماء الدنيا. فجعل في بيت العزة ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة، جواب كلام الناس.

стр. 123

وللحاكم وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي في "الأسماء والصفات عنه أيضاً، والطبراني في الكبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القَدْر) قال: أنزل القرآن جملة واحدة قي ليلة القدر إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان ينزل على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال: "وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنُثَبًت به فؤادك ورتلْناه ترتيلاً".

стр. 124

وأسند البيهقي في الدلائل والشعب، والواحدي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، وتلا الآية: (فلا أقسم بمواقع النجوم) قال: نزل متفرقا. قال أبو شامة: هو من قولهم: نَجَّمِ عليه الدية، أي قطعها، فلما قطع الله القرآن، وأنزله متفرقا، قيل لتقاربه: نجوم، ومواقعها: مساقطها وهي أوقات نزولها. وروى أبو العباس أحمد بن علي المَوْهبي بسند حسن إن شاء الله، عن عمر ﵁، أنه قال: تَعَلَّموا القرآن خمساً خمساً، فإن جبريل نزل به خمسا خمسا. وفي الطبراني الكبير، وفي كتاب المستدرك، وقال: صحيح الِإسناد ولم يخرجاه والأسماء والصفات للبيهقي عن الحاكم، عن ابن عباس - أيضاً - ﵄ قال: فصِل القرآن من الذكر) ، فوضعِ في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل يُنَزَله على النبي ﷺ يرتله ترتيلا. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب "ثواب القرآن" عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) قال:

стр. 125

دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة، فوضع في بيت العزة، ثم جعل ينزل تنزيلًا. وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات " من طريق أبي داود، عن جابر ابن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي . فضل كلام الله على سائر الكلام وروى الإِمام أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي ﷺ ، فخرج علينا فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ ، فقلنا: ما نسمع منك. فقال: أَكِتَاب مع كتاب الله؟. امحضوا كتاب الله وأخلصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار، فقلنا: أنتحدث عنك؟ قال: نعم. تحدثوا عني ولا حرج. ومن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار، قال: قلنا: يا رسول الله، أنتحدث

стр. 126

عن بني إسرائيل؟ *، قال: نعم فحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنكم لا تَحَدِّثُون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه. وروى الشيخان والترمذي، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول ْالله ﷺ قال: ما من الأنيياء (نبي) إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه لله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة. وروى مسلم في صفة النار، والنَّسائي في "فضائل القرآن "، عن عياض

стр. 127

بن حمار المجاشعي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوماً في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نَحَلْتُه عبداً حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وأن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا، لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان.

стр. 128

وروى الشيخان، والترمذي، والنَّسائي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي في أنه قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار. وللطبراني والبيهقي في كتابا الزهد"، عن معاذ ﵁ قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فمشى ميلاً، ثم قال: أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم وحفظ الجار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السلام، ولزوم الإمام، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأملِ، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلماً، أو تصدق كاذباً، أو تكذِّب صادقا، أو تعصي إماماً عادلَاَ، أو أن تفسد في الأرض، يا معاذ، أذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل ذنب توبة السر بالسر، والعلانية بالعلانية. وروي الترمذي: والدارمي، عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليٍّ ﵁ فأخبرته فقال: أو قد فعلوها؟. قلت نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتابُ الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط

стр. 129

المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبة وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا "إنا سمعنا قرآنا عجباً"، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم. ورواه الِإمام أحمد، والدارمي، وأبو يعلى بلفظ: أن علياً ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أتاني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن أمتك مختلفة بعدك، فقلت: فأين المخرج يا جبريل؟ ، قال: كتاب الله، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك - مرتين - قول فصل. الحديث. ولفظ الدارمي: الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، من ابتغى الهدى في غيره أضله الله. ومن ولى هذا الأمر من جبار فحكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم. والنور المبين. الحديث. ورواه الطبراني بسند - قال الهيثمي: فيه عمرو بن واقد، وهو

стр. 130

متروك - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ يوماً الفتن فعظمها وشددها، فقال علي بن أبي طالب ﵁: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله. الحديث جميعه. وروى أبو عبيد في الفضائل، والترمذي في الأمثال من جامعة وقال: حسن غريب والنَّسائي في التفسير، عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ضرب الله مثلًا صراطاً مستقيماً، وعلى جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى رأس الصراط داع يقول: ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يقول من فوق الصراط - قال الترمذي: والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم - فإذا أحد فتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويلك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فإن الصراط: الِإسلام والستور حدود الله - قال: الترمذي: فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر - والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط، القرآن والذي من فوقه: واعظ الله في قلب كل مسلم. وسيأتي في سورة الأنعام عن ابن مسعود ﵁، وعن العرباض ﵁. وروى الطبراني في الصغير - من وجه ضعيف - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: من أصبح حزيناً على الدنيا، أصح ساخطاً على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به، فإنما يشكو الله تعالى، ومن تضعضع لغني لينال مما في يده، أسخط الله ، ومن أعطى القرآن فدخل النار فأبعده الله.

стр. 131

ولمسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال سول الله ﷺ : الطهور شطر الِإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. وقال ابن هشام في السيرة في أوائل الهجرة، قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى، فقال: إن الحمد لله، أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله ﵎ . قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإِسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسنِ الحديث وأبلغه، أحبوا ما (أحب الله) ، أحبوا الله من كل قلوبكم. ولا تَمَلُّوا كلام الله وذكره ولا تقسُ عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، فقد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد. والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتقوه حق تقاته، وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحايُّوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن يُنكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 132

وقال الحافظ زين الدين: عبد الرحمن بن رجب في كتاب "الاستغناء بالقرآن ": وخرج الطبراني في الطولات بإسناد ضعيف، أن النبي ﷺ كتب للعلاء بن الحضرمي حين بعثه إلى البحرين عهداً، وذكر فيه: كتاب الله، فيه تبيان لما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، ليكون حاجزاً للناس، حجز الله بعضهم عن بعض، وهو كتاب الله، مهيمن على الكتب، مصدق لما فيها من التوراة والإنجيل والزبور، ويخبركم الله فيه بما كان قبلكم مما فاتكم دركه في آبائكم الأولين، الذين أتتهم رسل الله وأنبياؤه، كيف كان جوابهم لرسله، وكيف كان تصديقهم بآيات الله وكيف كان تكذيبهم بآيات الله، فأخبركم الله في كتابه هذا شأنهم وأعمالهم، وأعمال من هلك منهم بذنبه، لتجتنبوا مثل ذلك أن تعملوا به، لكي لا يحل عليكم من سخطه ونقمته، مثل الذي حل عليهم من سوء أعمالهم، وتهاونهم بأمر الله، وأخبركم في كتابه هذا بأخبار من نجا ممن كان قبلكم، لكي تعملوا مثل أعمالهم، فكتب لكم في كتابه هذا تبيان ذلك كله، رحمة منه لكم، وشفقة من ربكم عليكم، وهو هدى الله من الضلالة، وتبيان من العمى، وإقالة من العثرة، ونجاة من الفتنة، ونور من الظلمة، وشفاء من الأحداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان ما بين الدنيا والأخرة، فيه كمال دينكم. فذكره حتى قال: من عمل بما فيه نجا، ومن اتبع ما فيه اهتدى، ومن خاصم به فلح، ومن قاتل به نصر، ومن تركه ضل، حتى يراجعه، تعلموا ما فيه، وأسمعوه آذانكم، وأودعوه أجوافكم، واستخلصوه قلوبكم، فإنه نور للأبصار، وربيع للقلوب، وشفاء لما في الصدور. وروى أحمد، والترمذي، والنَّسائي، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ثلاث يحبهم الله، حتى قال: وقوم ساروا ليلتهم، حتى إذا

стр. 133

كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلوا آياتي. وللبيهقي عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ خطب بعد ما قدم المدينة، فقال في خطبته: إن أحسن الحديث كتاب الله، أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الِإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، وأحبو الله من كل قلوبكم. وقال الِإمام الغزالي في كتاب "فضل القرآن من الإحياء": وقال أحمد ابن حنبل: رأيت الله في المنام، فقلت: يا رب ما أفضل ما

стр. 134

يتقرب به المتقربون إليك؟ ، قال: كلامي يا أحمد، قال: قلت: يا رب بفهم، أم بغير فهم؟ ، قال: بفهم وبغير فهم. وسيأتي في الأعراف ويس ما يتصل بهذا عن حمزة الزيات. وللإمام أحمد - وهذا لفظه - وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم وصححه - وقال الدارقطني: إسناده صالح، وعلق البخاري بعضه في صحيحه - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة (من نجد) فغشينا داراً من دور المشركين، فأصبنا امرأة رجل منهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعاً، وجاء صاحبها وكان غائباً، فذكر له مصابُها، فحلف لا يرت حتى يهريق من أصحاب رسول الله ﷺ دماً، فلما كان رسول الله ﷺ ببعض الطريق نزل في شِعْب من الشَعَاب، فقال: من رجلان يكلأننا في ليلتنا هذه من عدونا؟ فقال رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، نحن نكلؤك يا رسول الله. فخرجنا إلى فم الشعب دون العسكر، ثم قال الأنصاري للمهاجري، أتكفيني أول الليل وأكفيك آخره، أم تكفيني آخره وأكفيك أوله؟. فقال المهاجري: بل اكفني أوله وأكفيك آخره، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، وافتتح بسورة من القرآن، فبينما هو فيها يقرؤها، جاء زوج المرأة، فلما رأى الرجل

стр. 135

قائماً يصلي، وعرف أنه ربيئة القوم، فنزع له بسهم فوضعه فيه، قال: فينزعه فيضعه وهو قائم يقرأ السورة التي هو فيها ولم يتحرك كراهية أن يقطعها، ثم عاد له زوج المرأة بسهم آخر فوضعه فيه، فانتزعه فوضعه وهو قائم يصلي في السورة التي هو فيها، ولم يتحرك كراهية أن يقطعها، ثم عاد له زوج المرأة الثالثة بسهم فوضعه فيه فانتزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اقعد فقد أتيتُ فجلس الهاجري، فلما رآهما صاحب المرأة هرب وعرف أنه قد نذر به، قال: وإذا الأنصاريْ يفوج دماً من رميات صاحب المرأة، فقال له أخوه الهاجري: يغفر الله لك، ألا كنت آذنتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة من القرآن قد افتتحتها أصلي بها. فكرهت أن أقطعها وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها.

стр. 136

وقيل: إن الرجلين: عمار بن ياسر، وعبَّاد بن بشر، رضي الله عنهما. وروى ابن المبارك في الزهد، عن أبي ريحانة - وكان من أصحاب

стр. 137

رسول الله ﷺ - أنه قفل من بعض عزواته، فلما انصرف أتى أهله فتعشى، ثم دعا بوضوء فتوضا منه، ثم قام إلى مسجده، فقرأ سورة ثم أخرى، فلم يزل ذلك مكانه كلما فرغ من سورة افتتح أخرى، حتى إذا أذن المؤذن شدَّ عليه ثيابه، فأتته امرأته فقالت: يا أبا ريحانة، قد عزوتَ فتعبتَ في غزوك، ثم قدمت، ألم يكن لي حظ ونصيب؟. فقال: بلى، والله ما خطرتِ لي على بال، فلو ذكرتكِ لكان عليَّ حق، قالت: فما يشغلك يا أبا ريحانة؟ قال: لم يزل يهوى قلبي فيما وصف الله في جنته من لباسها وأزواجها، ونعيمها ولذاتها، حتى سمعت المؤذن. وروى الحافظ أبو عبد الله بن منده، عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه ﵁ قال: أردت مالي بالغابة، فأدركني الليل. فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام ﵁، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له،

стр. 138

فقال: ذلك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم، فجعلها في قناديل من زبرجد، وياقوت، وعلقها وسط الجنة، فإذا كان الليل رُدَّت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك، حتى إذا طلع الفجر، رُدَّت أرواحهم إلى مكانهم التي كانت فيه. ويأتي في العنكبوت قراءة ميت. وروى من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب قال: أنا محمد بن جعفر بن علان أنا عيسى بن محمد الطوطري قال: رأيت أبا بكر بن مجاهد المقرىء في النوم كأنه يقرأ، وكأني أقول له: يا سيدي أنت ميت وتقرأ؟ ، فكأنه يقول لي: كنت أدعو في دبر كل صلاة، وعند ختم القرآن، أن يجعلني ممن يقرأ في قبره. وروى أبو بكر الخلال في كتاب "السنة" عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: المؤمن يعطي مصحفاً في قبره يقرأ فيه. وذكر أبو الحسن بن البراء في كتابه "الروضة" عن إبراهيم الحفار قال: حفرت قبراً، فبدت لَبِنَة من القبر، فشممت رائحة المسك، حين انفتحت اللبِنَة فإذا بشيخ جالس في قبره يقرأ. وروى الِإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ -

стр. 139

نمت في فراشي (١) ، فرأيت الجنة، فسمعت صوت قارىء يقرأ. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا حارثة بن النعمان، فقال النبي ﷺ : كذاك البَرُّ، كذاك البَرُّ، وكان أبر الناس بأمه. قال ابن رجب: أخرجاه. وذكر أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ -، عن صالح بن حبان، عن عبد الله بن بريدة قال: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار ﷻ . فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه الذي هو مجلسه. على منابر الدر والياقوت والزبرجد، والذهب، والزمرد، فلم تَقَر أعينهم بشيء، ولم يسمعوا شيئاً قط أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين، قريرة أعينهم، إلى مثلها من الغد. قال: وذكر يحيى بن سلام قال: أخبرني رجل من أهل الكوفة، عن داود بن أبي هند، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل يوم جمعة، على كثيب من كافور، لا يرى طرفاه، وفيه نهر جار، حافتاه المسك، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات الأولون والأخرون.

стр. 140

وقال ابن وهب: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: قال رجل لابن شهاب: هل في الجنة سماع؟ ، قال: أي والذي نفس ابن شهاب بيده. إن في الجنة لشجراً حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوار ناهدات، يتغنين بالقرآن، يقلن: نحن الناعمات فلا نيأس، ونحن الخالدات فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضاً، فلا يدري أأصوات الجواري أحسن. أم أصوات الشجر. وروى أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ينبغي لقارىء القرآن أن يعرف إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس يفطرون. وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون. قال: وأحسبه قال: وبحزنه إذ الناس يفرحون. وروى أبو نعيم عن أبي حازم قال: كنت ترى حامل القرآن في

стр. 141

خمسين رجلًا فتعرفه، قد خضعه القرآن، فأدركت القراء الذين هم القراء. فأما اليوم فليسوا بقراء، ولكنهم خراء. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المعروف " عن الفضيل بن عياض معضلاً قال: بلغني أن نبي الله ﷺ قال: إذا عظَّمت أمتي الدينار والدرهم، نُزِع منها هيبةُ الِإسلام. وإذا تركوا الأمر يالمعروف، حرموا بركة الوحي. قال الغزالي: قال الفضيل: يعني: حرموا فهم القرآن، فقد شرط الله الإنابة في الفهم، فقال: "وما يتذكر إلا من ينيب ". ولمسلم وابن ماجة، عن عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين.

стр. 142

فضل حامل القرآن ولمسلم والترمذي والنَّسائي، وابن ماجة، عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة - وفي رواية: للقرآن - فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً - وفي رواية: سِلْما -، ولا يؤمَّن الرجل الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه. ولعبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁، أن النبي ﷺ قال: إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم. ولأبي عبيد عن عائشة ﵂ قالت: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم هجرة، فإن كانوا في ذلك سواء، فليؤمهم أحسنهم وجهاً. قال أبو عبيد: لا أراها إلا أرادت حسن السمت والهدى. وللبخاري، وأبي داود وهذا لفظه، والنَّسائي، عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا إلى النبي ﷺ -

стр. 143

فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا وكنت غلاماً حافظاً، فحفظتُ من ذلك قرآناً كثيراً، فانطلق أبو وافد إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلمهم الصلاة وقال: يؤمكم أقرؤكم. وفي رواية: لما أرادوا أن ينصرفوا، قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟. قال: أكثركم جمعاً للقرآن - أو أخذا للقرآن -، فلم يكن أحد جمع ما جمعت، فقدَّمُوني وأنا غلام عليَّ شملة لي. وفي رواية: فكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدَّمُوني، فكنت أؤمهم وعليَّ بردة لي صغيرة صفراء. وفي رواية: موصلة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت إستي. وفي رواية: فكنت إذا سجدت تكشفَتْ عني، فقالت امرأة من النساء: وَارُوا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصاً عُمانِيَّا، فما فرحت بشيء - بعد الإسلام - فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين، أو ثماني سنين. وفي رواية: ما شهدت مَجْمعاً من جَرْم إلا كنت إمامهم، (وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا.

стр. 144

وقريب من هذا: ما وقع لزيد بن ثابت ﵁. قال شيخنا في "الإصابة في أسماء الصحابة"، وروى البخاري تعليقاً، والبغوي وأبو يعلى موصولاً، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد. عن أبيه ﵁ قال: أتِي بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك. وقال: وقتل أبوه يوم بعاث، قبل الهجرة بخمس سنين، وله يومئذ ست سنين. وسيأتي بقية ما يتم به هذا في سورة البقرة إن شاء الله تعالى. وفي التبيان للنووي: وعن ابن عباس ﵄ قال: كان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومُشَاوَرته، كُهولاً وشُباناً. رواه البخاري.

стр. 145

وفيه: عن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننْزِل الناس منازلهم. رواه أبو داود في سننه، والبزار في مسنده. قال الحاكم أبو عبد الله في "علوم الحديث ": هو حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، عن الله ﵎ قال: من آذى وليا، فقد آذنته بالحرب، رواه البخاري. وثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: من صلى الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يطلبنَكم الله بشيء من ذمته.
следующие страницы →