Полный текст (1 180 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال: وما أنزل بالمدينة: ويل للمطففين، والبقرة.
فساقه كما رتب في رواية أبي عمرو، ولم يخالفه إلا في ذكر المطففين
فيما نزل بالمدينة، كما هو أقرب وأصوب.
وقد ورد به حديث أخرجه ابن ماجة، وابن حبان (في صحيحه) .
والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا أخبثَ الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: "ويل للمطففين" فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
ولما وصل إلى التحريم، خالفه في الترتيب، مع أنه لا يعطف إلا
بالواو، فقال: والصف، والجمعة، والتغابنُ، والفتح، وبراءة.
وأسقط ذكر الفاتحة والأعراف ومريم، مما نزل بمكة، فنبه عليه
البيهقي، ثم ساق سنده إلى مجاهد، عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
إن أول ما أنزل الله على نبيه ﷺ : (من القرآن) اقرأ باسم ربك.
فذكر معنى هذا الحديث، وذكر السورة التي سقطت من الرواية الأولى
في ذكر ما نزل بمكة، وقال: ولهذا الحديث شاهد في تفسير مقاتل، وغيره
من أهل التفسير.
стр. 72
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الفضائل ": حدثنا
عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة قال: نزلت
بالمدينة سورة البقرة.
فذكر ما تقدم، لكنه رتبه على ترتيب المصحف، وأسقط الرعد
والحجرات والرحمن والجمعة، والمنافقون والإنسان.
فلا أدري، أأسقطها الكاتب، أو هي ساقطة من الرواية.
وزاد الفجر، والليل إذا يغشى، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، فذكرها في
المدني.
وقال الإمام أبو عمرو الداني: حدثنا خلف بن إبراهيم، نا أحمد بن
محمد ثنا علي بن عبد العزيز، نا القاسم بن سلام، نا هشيم، ثنا أبو بشر.
عن سعيد ابن جبير، في قوله : (ولقد ءاتيناك سبعاً من
المثاني) قال: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء.
والمائدة، والأنعام، والأ عراف، ويونس.
стр. 73
قال: وقال مجاهد: هي السبع الطوال.
ذكر علماء العدد
وأما عدد آي الفاتحة: فهي سبع عند جميع أهل العدد، وهم خمسة:
مدني، ومكي، وكوفي، وبصري، وشامي.
ا - فالمدني:
رواه شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب المخزومي، المدني
القارىء، مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ ورضي عنها.
وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، المدني القارىء، مولى عبد الله بن عياش
بن أبي ربيعة المخزومي.
стр. 74
وهو مذهب أول وأخير.
أ - فالأول: رواه عنهما نافع بن أبي نعيم.
قال الِإمام أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي.
الشافعي، المقرىء نزيل دمشق، في كتابه "جمال القراء": وبه أخذ القدماء
من أصحاب نافع.
ب - والأخير: رواه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري
المدني، عن سليمان ابن مسلم بن جماز عنهما.
стр. 75
قال السخاوي: وعليه الأخذون بقراءة نافع اليوم، وبه ترسم
الأخماس، والأعشار وفواتح السور، في مصاحف أهل المغرب. انتهى.
قال "الإمام أبو عمرو الداني: وقد اختلف أبو جعفر وشيبة في ست
آيات، عد منهن أبو جعفر آية، ولم يعدها شيبة، وعد شيبة خمساً، ولم يعدهن أبو جعفر وكان إسماعيل يأخذ فيهن بقول شيبة، وسيذكرن فيما بعد.
أي في الفرش إن شاء الله تعالى.
٢ - والمكي:
يروى عن عبد الله بن كثير، وغيره من أهل مكة.
ورواه عبد الله بن كثير عن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما عن أبي بن كعب ﵁، موقوفا عليه.
وأسند الداني (عن) الفضل بن شاذان قال: كتب إليّ ابن أبي بزة
стр. 76
بخطه وقال: أدُوه عني، عن عكرمة بن سليمان، عن شبل
وإسماعيل، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن
كعب ﵃.
٣ - وا لكوفي:
عن حمزة بن حبيب الزيات، عن ابن أبي ليلى
стр. 77
عن (أبي) عبد الرحمن، عن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي المقرىء.
وأبو عبد الرحمن بسند بعضه إلى علي بن أبي طالب ﵁.
موقوفاً عليه.
قال الداني: وأهل الكوفة رووا العدد عن أهل المدينة، ولم يسم أهل
الكوفة في ذلك أحداً بعينه يسندون إليه، وهوعندهم الأول.
وقد خالفت رواية إسماعيل - يعني ابن جعفر المدني - عن أهل المدينة
رواية أهل الكوفة عنهم في سبع وخمسين آية، يذكرن في مواضعهن من
الأبواب والسور.
وقال أبو عمرو: إن عدد أهل الكوفة رواه الكسائي، وسليم.
عن حمزة.
يعني بالسند الماضي.
стр. 78
قال: وذكره سليم عن سفيان، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد
الرحمن، عن علي ﵁.
وذكر عن نصير بن يوسف النحوي، أنه قال: سمعت العدد من
الكسائي مراراً.
٤ - والبصري:
عن المعَلَّى بن عيسى عن عاصم بن أبي الصباح ميمون
الجحْذري.
стр. 79
قال الداني: موقوفاً عليه، وبه كان يعد أيوب بن التوكل، ويعقوب
ابن إسحاق الحضرمي، غير أن أيوب خالف عاصماً في آية واحدة، وهي
قوله تعالى في سورة ص: (قال فالحقُ والحق أقولُ) عدها عاصم ولم
يعدَّها أيوب.
٥ - والشامي:
عن عبد الله بن ذَكْوان، عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث
الذِّمَاري.
стр. 80
قال أبو عمرو: موقوفاً عليه، وبعضهم يوقفه على عبد الله بن عامر
اليحصبي القارىء.
فصارت مذاهب العدد ستة.
وموجب اختلافهم: التوقيف كالقراءة.
قال أبو عمرو: وهذه الأعداد، وإن كانت موقوفة على هؤلاء الأئمة.
فإنما لها - لا شك - مادة تتصل بها، وإن لم نعلمها، إذا كان كل واحد منهم قد لقي غير واحد من الصحابة، وشاهده وسمع منه، أو لقي مَنْ لقي
الصحابة، مع أنهم لم يكونوا أهل رأي واختراع، بل كانوا أهل تمسك
واتباع.
وبالله التوفيق.
وقال السخاوي ما معناه: ولو كان ذلك راجعاً إلى الرأي لعد الكوفيون
، الر" آية، كما عدوا " الم "، ولعدوا " المر" كما عدوا "المص"، ولعدوا "طس" كما عدوا "يس"، ولعدوا "كهيعص" آيتين، كما فعلوا في "حم عسق"، ولعد الشامي "إنما نحن مصلحون "، كما عد "غشاوة ولهم عذاب عظيم "، ومثل ذلك كثير، انتهى.
نفي السجع عن القرآن
ومن هنا تعلم يقيناً: أنه لا سجع في كتاب الله أصلاً، فإنه لا ريب
стр. 81
عند من له أدق مزاولة لذلك: أن طس، أوفق عند الساجعين لمبين، من يس
للحكيم. فلو كان السجع مقصوداً، لما وقع الِإجماع من العادِّين على أن
"طس" ليست بآية، وعد بعضهم "يس" آية.
ولما وقعت فاصلة واحدة بين فواصل كثيرة، مخالفة لها في الوزن والروي.
فلا ينبغي الاغترار بما يوجد في بعض كتب الأماثل من
المتأخرين، كالبيضاوي والتفتازاني، من تخريج بعض الفواصل على
السجع، لأنه خولف فيها النظم الذي ورد في سورة أخرى، مثل:
"هارون وموسى".
أو عَدَل عن عبارة إلى عبارة أخرى، لمثل ذلك، نحو قوله تعالى في
سورة يس: (فما استطاعوا مُضياً ولا يَرجِعون) .
قال البيضاوي: إن الأصل كان: ولا رجوعا، فغير لموافقة الفواصل.
стр. 82
وهذا أمر عظيم، لا تليق نسبته إلى جلال الله، فهي زلة عالم حقيقة.
يشتد النفور عنها، والبعد منها.
قال الِإمام فخر الدين الرازي - فيما نقله عنه أبو حيان في "النهر" - في
قوله تعالى في سورة فاطر: (ولا الظل ولا الحَرُور) إنه لا يقال في
شيء مِن القرآن: إنه قدم أو أخر لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست
في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى.
يعني: ومتى حُوِّل اللفظُ لأجل السجع، عما كان يتم به المعنى بدون
سجع، نقص المعنى، والله أعلم.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن ": ذهب
стр. 83
أصحابنا - يعي الأشاعرة - كلهم إلى نفي السجع عن القرآن، وذكره أبو
الحسن الأشعري (في غير موضع) من كتبه.
وذهب كثير ممن نخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن
ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في
البيان والفصاحة كالتجنيس، والالتفات، وما أشبه ذلك، من الوجوه التي
تعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من
هارون، ﵉، ولمكان السجع، قيل في موضع: هارون وموسى.
ولما كانت الفواصل في مواضع أخر بالواو والنون، قيل: موسى وهارون.
قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع الخطاب إلا
مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه، كان دون القدر الذي نسميه شعراً، وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه.
ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع.
قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد..
قال ابن دريد: سجعت الحمامة، أي رددت صوتها، وأنشد:
стр. 84
طربْتَ فأبكتكَ الحمام السواجعُ
تميل بها ضَحْواً غصون نوائع
النوائع: المواثل، من قولهم: (جائع) نائع، أي متماثل ضعفاً.
وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً، لكان غير
خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها، لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز.
وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن
يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر.
وقد روى: أن النبي ﷺ قال للذين حاوروه وكلموه في شأن الجنين:
كيف فدى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد
يطل، فقال: أسجاعة كسجاعة الجاهلية.
وفي بعضها: أسجاعه كسجع الكهان.
стр. 85
فرأى ذلك مذموماً.
والذي يقدرونه أنه سجع، فهو وَهْمٌ، لأنه قد يكون الكلام على مثال
السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض
الوجوه، دون بعض لأن السجع من الكلام، يتبع المعنى فيه اللفظ الذي
يؤدي السجع.
وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ
يقع فيه تابعاً للمعنى.
وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود
منه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ.
ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كان إفادة السجع كإفادة غيره.
ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلباً لتحسين الكلام.
دون تصحيح المعنى.
ثم قال: ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن - على ما تقدرونه -.
سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت
طرقه، كان قبيحاً من الكلام. وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق
مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن
الفصاحة، كما أن الشاعر إن خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً، وقد علمنا: أن بعض ما يدعونه (شعراً) سجعٌ متقارب الفواصل، متداني المقاطع وبعضها مما يمتد حتى
يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير.
وهذا في السجع غير مرض، ولا محمود.
стр. 86
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع، وتأخيره عنه في
موضع لمكان السجع، ولتساوي مقاطع الكلام، فليس بصحيح، لأن الفائدة
عندنا غير ما ذكروه.
وهي: أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى
واحداً، من الأمر الصعب، الذي تظهر فيه الفصاحة، وتبين فيه البلاغة.
وأعيد كثير من القصص في مواضع مختلفة، على ترتيبات متفاوتة، ونبهوا
بذلك على عجزهم، عن الإتيان بمثله مبتدأ ومكرراً.
ولو كان فيهم تمكن من المعارضة، لقصدوا تلك القصة، فعبروا عنها
بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها، وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا
بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما جاء به، كيف وقد قال لهم: (فليأتوا
بحديث مثله إن كانوا صادقين) .
فعلى هذا يكون القصد بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها، إظهار
الِإعجاز على الطريقين جميعاً، دون السجع الذي توهموه.
هذا ما قاله في سر التكرار، وتبعه عليه كل من رأينا كلامه في
هذا.
وقد بينت في كتابي "نظم الدرر" أن الأمر على غير هذا، وأن مقصد
القرآن مما هو في العلو عن هذا الغرض بمراتب لا تنالها يد المتناول، ويقصر
عن عليائها كل متطاول.
وذلك أن كل سورة لها مقصد معين - كما سيوضحه هذا الكتاب، إن
شاء الله تعالى - تكون جميع جمل تلك السورة دليلاً على ذلك المقصد.
стр. 87
فلذلك يقتضي الحال - ولا بد - ما أتى عليه فيها نظم المقال، ومن هنا
تغايرت الألفاظ في القصص، واختلفت النظوم، وجاء الِإيجاز تارة، والإطناب أخرى والتفصيل مرة، والإِجمال أخرى.
فسورة طه لها نظر عظيم إلى الوزير، والِإرشاد إلى طلبه. ولذلك كانت
سبب إسلام - عمر بن الخطاب ﵁، وصرح فيها على لسان موسى ﵇ بطلب الوزير بلفظه، فلذلك كانت العناية به أكثر، فقدم في الذكر تنبيهاً على ذلك.
ولذلك قيل فيها: (إنا رسولَا ربِّك) بالتثنية.
وفي الشعراء بالأفراد، لأنه لا عناية فيها بذلك.
وقد بينت كل موضع ذكروه، بما أفاد أنه لا يجوز في مذاهب البلاغة.
ووجوه البيان، أن يعبر عنه بذلك الأسلوب، وما أوجب القول بالتقديم
والتأخير، والتحويل والتغيير، لأجل الفواصل، ألا ترى ما ذكره العلماء، أن نصف العلم هو: لا أدري. فصار كل من ورد عليه سؤال لا يعرف الجواب الحق فيه، قال برأيه، ما لم يتحقق مشيه على شواهد الكتاب والسنة، وأسرار اللغة.
والذي لا يدع عندك لبساً في هذا: أن أبا حيان بعد أن نقل في سورة
فاطر عن الرازي ما قدمته عنه، نسيه في أول الصافات على قرب العهد.
وقال: "مارد" اسم فاعل، وفي النساء: "مريد" للمبالغة، وموافقة
стр. 88
الفواصل هناك. انتهى.
والواقع: أن المعنى الذي قصد في كل من السورتين، لا يتم إلا بما عبر
له فيها ولو قيل غيره لفسد. وموافقة كل منهما في موضعه للفواصل، تزيده
حسناً، لا أنه يصح التعبير بالآخر، وما خص هذا إلا للفاصلة.
وبيان ذلك في تفسيري فراجعه، واحرص عليه، فإنك لم تظفر بمثله.
وإن أمعنت في مطالعته، بان لك سرُّه، والله الهادي.
وسبب وقوع هؤلاء الأكابر في مثل هذا، أشار إليه الإِمام علم الدين
السخاوي في "شرح الرائية"، عند مدح الشاطبي للباقلاني بكتابي الإِعجاز
والانتصار، فقال: إنه لولا كتاب الانتصار، لخالطت شبه المبتدعة العقول.
وتشكك الناس في الإِسلام واستأصلهم المبتدعة، وأكثر ضعفاء القراء وغيرهم اليوم ينطقون بتلك الشبه التي ألقاها المبتدعون ويعتقدونها، وإن كانوا لا يدرون ما تحتها من الغوائل، ولا يعلمون ما يلزمهم منها. انتهى.
ولا يستبعد هذا، فإن الشبهة ربما كان المراد بها غامضاً، ولها ظاهر له
نوع قبول، فيقولها بعض من لم يفهم معناها، غير قاصد شراً، فيأخذها
بعض الأكابر، لما أعجبه من ظاهرها، فتشتهر عنه، كما وقع في سبب اعتقاد أن التوراة نزلت جملة، وفي أن المراد بـ "أنهم إليهم لا يرجعون)
في سورة يس: الرجوع إلى الدنيا، ونحو ذلك كثير، والله أعلم.
стр. 89
ولم يحصر القاضي أبو بكر السجع بمعيار يضبطه، وزمام يربطه، بحيث
يميزه عن غيره.
وهو عندي: تكلف الإِتيان بالكلام على روي واحد، وقافية متزنة، من
غير أن يكون موافقاً لشيء من أنحاء الشعر، وقل ما يكون ذلك.
كما أن الشعر: تكلف الإتيان بالكلام على روي واحد، وقافية واحدة.
مع التقييد بالوزن من بحر واحد.
وهنا يضطر الشاعر والساجع - ولا بد - إلى اتباع المعنى اللفظ، فيصبحِ
اللفظ على ذلك النوع الذي التزمه، لئلا يَعُدّه الناظمون والساجعون عاجزاَ
وعن الاقتدار على صوغ الكلام قاصراً، فينتقص المعنى لهذا الالتزام، في كثير من المواضع غصباً عليه، فيصير أسير الألفاظ، وعبد الأوزان.
هذا ما لا بد منه لكل شاعر، وإن تفاوت الناس فيه، وليس - قطعاً -
كذلك القرآن وسيأتي لذلك مزيد تفصيل وبيان.
ولهذا فرق النبي ﷺ في بعض الكلام، بين الدخيل في ذلك والأصيل، الذي صارت له فيه ملكة صيرت قدرته عليه أشد من قدرة غيره.
قال أهل المغازي - وذكره عنهم الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل
النبوة - لما كانت عزوة الخندق، وعمل النبي ﷺ في الخندق بنفسه الشريفة
رأى المسلمون أنه إنما بطش معهم ليكون أجدَّ لهم، وأقوى لهم بإذن الله عز
وجل فجعل الرجل يضحك من صاحبه إذا رأى منه فترة، وقال النبي ﷺ : " لا يغضب اليوم أحد من شيء ارتجز به، ما لم يكن قول كعب، أو
стр. 90
حسان، ﵄، فإنهما يجدان من ذلك قولا كثيراً، أو نهاهما أن
يقولا شيئاً يخفضان به أحداً.
فالمعنى - من غير شك -: أنهما إذا قالا شيئاً، كان قولهما له ظاهراً في
أنهما قصدا معناه، وأن غيرهما ليس كذلك، بل يكون الرَّوِي والقافية قد
حكما عليه بمعنى لم يرده، على أن حسان ﵁ وهو أشعر الذين
فضلهما النبي ﷺ في الشعر - قد اضطره الوزن إلى ما لم (يكن) يريده قطعاً.
فإنه - قال في غزوة الغابة - وهي غزوة ذي قرد - وكان النبي ﷺ قد أمر على مَنْ سبق فيها سعد بن زيد الأشهلي ﵁، ثم لحقهم النبي ﷺ وكان مما قيل فيها من الشعر قول حسان بن ثابت ﵁.
لولا الذي لاقت ومسَّ نسورها. . . بجنوب ساية أمس في التقواد
стр. 91
للقينكم يحملن كل مدخج. . . حامي الحقيقة ماجد الأجداد
ولسر أولاد اللقيطة أننا. . . سلم غداة فوارس المقداد
قال: فلما قالها حسان ﵁، غضب عليه سعد بن زيد
﵁ وحلف ألا يكلمه أبداً.
قال: "انطلق إلى خيلي وفوارسي، فجعلها للمقداد.
فاعتذر إليه حسان وقال: والله ما ذاك أردت، ولكن الروي وافق اسم
المقداد وقال أبياتاً يرضى بها سعداً ﵁:
إذا أردتم الأشَدَّ الجلْدَا. . . أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يُهَدُ هدَّا
فلم يقبل منه سعد، ولم يغن شيئاً، ﵄ وأرضاهما.
ومثل ذلك كثير في الشعر جداً، يعلمه كل من زاول ذلك.
وأما السجع: فقد روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه.
ومسلم، وأبو داود، والنَّسائي، وغيرهم، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ في الجنين يقتل في بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة. فقال
الذي قضى عليه: كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل.
فمثل ذلك بَطَل. فقال النبي ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان " من أجل سجعه الذي سجع.
وفي رواية: فقال النبي ﷺ : سجع كسجع الأعراب.
стр. 92
ذلك، والله أعلم: أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه، لأغنى
عن هذا السجع، أن يقول: كيف أغرم ما لا حياة له.
ولو قصد السجع، وتهذيب المعنى، لأتى بما يدل على نفي الحياة التي
جعلها مَحَطَّ أمره، فإن ما أتى به، لا يستلزم نفيها.
ولو تقيد بالصحة، لاعتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال، فإنه أعم.
وبنفي الأعم، ينتفي الأخص.
فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ، صح المعنى، أم لا، لئلا يعيبه
أهل صناعة السجع.
ولا ينطبع في عقل عاقل: أن يكون النبي ﷺ يذم السجع وهو يرتكبه في القرآن والسنة، ولو كان ذلك لأسرعوا للرد عليه، وتصويب الطعن إليه، ولو ظفروا منه بما يشبه ذلك، لأكثروا به التشنيع، ولملأوا الأرض من التوبيخ والتقريع، ولأغناهم ذلك عما كانوا يتعلقون به من الذم، الذي لا يشك في أنه كذب من النسبة إلى الشعر والسحر، وقد كان ﷺ أشرف همة، وأعلى مقداراً، من أن يذم شيئاً، وينحو نحوه، على ما هو معروف من أخلاقه،
стр. 93
ومشهور من شمائله وأعراقه، بل قد جعل عمر بن الخطاب ﵁
السجع قسيماً للخبر.
روى أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلدان فارس: أن الحكم
بن عمرو لما فتحها، أرسل بالأخماس مع صحار العبدي، فلما قدم على
عمر ﵁ سأله عن مكران، وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه
الذي يجيء منه، فقال له: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها
وشل وتمرها دقل، وعدوها بطل وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير
بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال: أسَجاع أنت أم
مخبر؟ قال: لا والله. لا يغزوها جيش لي ما أطعت.
فقد جعل الفاروق السجع قسيماً للخبر، ولم يَرُد عليه ذلك أحد ممن
حضر فدل على أن التقيد به عيب لِإخلاله بالفائدة، أو بتمام الفائدة.
стр. 94
ولعله إنما جوز أن يكون مخبراً، لأنه انفك عن السجع في آخر كلامه.
وكرر لفظ "قليل" فكان ما ظنه.
لأنه لو أراد السجع، لأمكنه أن يقول: والكثير بها ذليل، والقليل بها
ضائع كليل، وما وراءها شر منها يا قوم قيل.
ولقد نفي الله سبحانه (وتعالى) عن هذا القرآن العظيم، تصويب
النظر إلى السجع، كما نفي عنه قرض الشعر.
فإنه قال تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون) .
فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزوناً بالقصد، فكذلك قول
الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعاً، والقرآن منزه عن هذا، كما هو منزه عن
ذلك، وإن وقع فيه كل الأمْرَيْن، فغير مقصود إليه، ولا معول عليه، بل
لكون المعنى انتظم به على أتم الوجوه، فأتى به لذلك، لا لأجل السجع، ثم
يبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن، بقرينة ليس لها
مجانس في اللفظ، لتمام المعاني المرادة عندها.
فيعلم قطعاً: أن ذلك غير مقصود أصلًا، لأن مثل ذلك لا يرضى به
أقل الساجعين، بل يراه عجزاً، وضيقاً عن تكميل المشاكلة ونقصاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإذا تاملت الفواصل في الإتيان بها تارة متناظرة - (تارة) بكثرة
стр. 95
وأخرى بقلة - وتارة منفكة عن التناظر بالكلية، بل يؤتى في كل آية بفاصلة
لا توافق الأخرى، لا روياً، ولا وزناً، كالكافرون " علمت أن هذا المذاهب
هو الصواب ولا سيما آخر سورة اقرأ.
وإذا تبحرت في علم العدد، أتقنت الدليل على ذلك والمستند.
فإياك أن تجنح إلى موافقة من قال بمراعاة السجع في موضع من آيات
الكتاب فتكون قد أبعدت عن الصواب، ويتوب الله على من تاب.
وهذا كله لا ينفي أن يكون في السجع والشعر ما هو حسن جداً
وبليغ، وعليه ينطبق قوله ﷺ ، الذي رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي بن كعب ﵁. والبزار عن عائشة ﵂: إن من الشعر حكمة".
وكذا ما رواه الدارقطني من وجه ضعيف، عن عاثشة ﵂.
أنه ذُكر عند رسول الله ﷺ الشعرُ فقال: هو كلام فحسنه كحسنه وقبحه كقبيحه.
ورواه الشافعي عن عروة (عنها) مرسلاً.
стр. 96
ورواه أبو يعلى عن عائشة (أيضاً) ﵂، ولفظه: "هو
كلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح.
وروى الحارث بن أبي أسامة، عن رجل من هذيل، عن أبيه، أن
رسول الله ﷺ قال: إن هذا الشعر جزل من كلام العرب، يعطي به السائل، ويكظم به الغيظ، وبه يتبلغ القوم في ناديهم.
فصار في كل منهما مذمومٌ وممدوحٌ.
فالمذموم: التكلف بالتقيد به، وجعل المعنى تابعاً للفظ.
والممدوح: قبول الطبع له، وسهولته عليه، حتى يرمي (به) من غير
قصد إليه ولا تعويل عليه، رمي العارف به، والمقتدر عليه، المطبوع فيه.
وذلك إذا لم يتأت المعنى الأحسن، والمنحى الأبلغ الأتقن، إلا
به، فيكون حينئذ المطبوع في ذلك متمكناً من نقد الشعر والسجع، بصيراً
بتمييز قبيحه من حسنه.
ومعنى "وما علمناه الشعر": وما علمناه بإنزال هذا القرآن الشعر.
وما جعلناه قائلًا لشيء من أنحائه، قاصدا له.
وما علمناه أن يتكلف استحضار القوافي، وبناء الكلام عليها، والقصد في صوغه إليها، بحيث تكون هي المقصودة بالذات.
فالمنفى تعليمه: هو العلم الصناعي، وهو الحاصل من التمرن على
العمل وهذا لا ينفي أن يكون الوزن في طبعه.
ولو أريد نفيه لقيل: وما طبعناه عليه، أو نحو ذلك ما يؤدي معناه،
стр. 97
بدل: "وما علمناه "، فإن الوزن ليس مما يتكسب بالتعليم، بل هو غريزة
يخلقها الله في طبع من يريد.
وأدل دليل على ذلك قوله تعالى: (قل ما أسالكم عليه من أجر وما
أنا من المتكلفين) ، فنفي ما يخص الشاعر من الاستجداء بشعره، ونفي
التكلف في قرضه ثم أثبت ما يخص القرآن من الصفة التي فَاقَ وفارق فيها
جميع الكلام، فقال: (إنْ هو إلا ذكرٌ للعالمين) .
أي كلهم يشترك في أصل فهمه - مع أنه أعلى من جميع الكلام -
الذكى منهم والغبي، والبليغ والعيى، وإن اختلفت فيه فهومهم، وتفاوتت في دقائقه علومهم.
وأما الشعر والسجع، فإنما يفهمهما خواص العالمين، مع أنهما دون هذا
القرآن، بما لا يجهله ذو لسان، وإن كان قاصراً في البيان.
والدليل على ما قدمته: أن النبي ﷺ كان يتمثل بالشعر فتارة يكسره، وتارة يتركه على وزنه، وتارة يأتي بالكلام من عند نفسه فيقع موزونا وتارة - وهو الأغلب - لا يكون موزوناً، وتارة يأتي مسجوعاً، وتارة. - وهو الأغلب أيضاً - لا يكون كذلك، وما ذلك إلا لِإرادته الأمر على صحة المعاني التي يأمره الله (تعالى) بها في الكلام البليغ، من غير تعريج على قصد نظم ولا سجع.
(روى الِإمام أبو محمد البغوي بسنده من طريق أبي إسحاق
стр. 98
الثعلبي، عن الحسن ﵀: أن النبي ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا
فقال له أبو بكر ﵁: يا نبي الله، إنما قال الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال أبو بكر - أو عمر ﵄: أشهد أنك رسول الله.
يقول الله : (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) .
ورواه الدينوري في الجزء العاشر من "المجالسة" من وجه آخر، عن
الحسن ﵀، وفيه: فجعل أبو بكر ﵁ يقول: الشيب
والإسلام، والنبي ﷺ (يقول) : بالإسلام والشيب.
فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقاً، ما علمك الله الشعر وما
ينبغي لك.
وروى (البغوي) أيضاً عن عائشة ﵂ أنه قيل لها:
(هل) كان النبي ﷺ يتمثل شيئاً من الشعر؟. قالت: (كان) يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة.
قالت: وربما قال:. ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
وقال معمر: بلغني أن عائشة ﵂ سئلت: هل كان
стр. 99
النبي ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟. قالت: كان أبغض الحديث إليه.
قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر، إلا ببيت أخي بني قيس طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا. . . ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار.
فقال أبو بكر ﵁: ليس هكذا يا رسول الله، فقال: إني
لست بشاعر ولا ينبغي لي.
وقال شيخنا حافظ عصره، أبو الفضل ابن حجر في تخريج أحاديث
مسند الفردوس: أخرجه أبو يعلى عن عكرمة قال: سألت عائشة رضي الله
عنها.
وفي الباب عن ابن عباس ﵄.
وكذا أورد ابن الجوزي التمثل بهذا البيت بغير إسناد إلا أنه
قال: ويأتيك من لم تزوده بالأخبار، فزاد الضمير.
وللترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزوده.
قال: وفي الباب عن ابن عباس ﵄، هذا حديث حسن صحيح، انتهى.
стр. 100
وروى مسدد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استزاد خَبَراً، تمثل ببيت طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوده
ْقال شيخنا الحافظ: شهاب الدين البوصيري: ورواه النسائي في
"اليوم والليلة".
ولأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: كان النبي ﷺ يتمثل من الأشعار:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
هذا ما وقفت عليه من طرق هذا الخبر.
وحقيقة ما كان يعبر به النبي ﷺ عن هذا البيت:
ويأتيك من لم تزوده بالأخبار
بزيادة ضمير في "تزود"، أو بغير زيادة مع تقديمها على "بالأخبار".
وأما من روى البيت كما هو، فذكر المتمثل به، ولم يذكر هيئة العبارة
عنه، ومن قدم قوله: "بالأخبار"، وزاد ضميراً في تزود: مشى على جادة
البيت، ظاناً أن المقصود مجرد كسره، وهو حاصل بزيادة الضمير، وخفي عليه المعنى الذي غيره النبي ﷺ لأجله، كما سيأتي بيانه.
فبهذا تترجح رواية من قدم "من لم تزود" على ما هو الأولى بالمسند إليه
كما يعرف ذلك أهل النقد للأخبار، وأرباب المزاولة للآثار.
وروى الشيخان: البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن أبي
стр. 101
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها الشاعر:
كلمة لبيد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
ورواه اليونارتي في جزئه عنه فقال: أن رسول الله ﷺ قال على المنبر: إن أصدق كلمة تكلمت بها العرب، كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وللشيخين وغيرهما: عن البراء ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق، حتى اغبر بطنه، ويقول:
والله لولا أنت ما اهتدينا. . . ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا. . . وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد بغو علينا. . . إذا أرادوا فتنة أَبَيْنَا
стр. 102
يرفع بها صوته: أبينا، أبينا.
وروى عبد الله بن الِإمام أحمد في "زوائد المسند"، وأبو يعلى الموصلي.
عن الأعشى المازني ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فانشدته:
يا مالك الناس وديان العرب. . . إني لقيت ذربة من الذرب
غدوتُ أبغيها الطعام في رجب. . . فخلفتني بنزاع وهَرَبْ
أخلفت العهد ولَطَتْ بالذَّنَبِ. . . وهُنَ شَرُّ غالِبٌ لمن غَلَبْ
قال: فجعل رسول الله ﷺ يقول:
стр. 103
. . . . . .. وهن شر غالب لمن غلب.
وذكر أصحاب السير، والبيهقي في دلائل النبوة: أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين، وأكثر في المؤلفة قلوبهم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإِبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى العباس بن مرداس ﵁ دون المائة، فأنشد يقول:
كانت نُهابا تلافيتها بِكَرِّى. . . على المُهْرِ في الأجْرُع
وإيقاظى الحي أن يرقدوا. . . إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح
وفي رواية:
أتجعل نُهْبِي ونُهْب العُبَيـ. . . دِ بين عيينةَ والأقرع
فما كان حصن ولا حابسٌ. . . يفوقان مرداسَ في مَجْمع
وقد كنتُ في الحرب ذا تُدْرَأ. . . فلم أُعْطَ شيئاً ولم أمنع
وما كنتُ دون امرىء منهما. . . ومن تضع اليوم لا يُرفع
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أنت القائل: أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟.
فقال أبو بكر الصديق ﵁ : بأبي وأمي أنت، لم يقل
كذلك، ولا والله ما أنت بشاعر وما ينبغي لك، وما أنت براويه.
стр. 104
قال: فكيف؟. فأنشده أبو بكر ﵁، فقال النبي ﷺ : سواءهما، ما يضرك بأيهما بدأت، بالأقرع أم عيينة؟. فقال النبي ﷺ : اقطعوا عني لسانه، فأعطى حتى رضي.
هذا ما اطلعت عليه مما تمثل به النبى ﷺ من الشعر.
وأما ما وقع من كلامه ﷺ موزوناً:
فروى الشيخان عن البراء ﵁ في غزوة حنين أن النبي ﷺ لما هرب عنه أصحابه ﵃ شرع يركض بغلته نحو هوازن ويقول:
أنا النبي لا كذب. . . أنا ابن عبد المطلب
وروى البخاري ومسلم أيضاً: والترمذي، والنَّسائي، من حديث
جندب بن سفيان ﵁، أن النبي ﷺ كان في بعض المشاهد، وقد دميت أصبعه.
وفي رواية: بينما النبي ﷺ يمشي إذ أصابه حجر فعثر، فدميت أصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت. . . وفي سبيل الله ما لقيت
стр. 105
قال الزمخشري: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به
على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق من غير قصد إلى
ذلك، ولا التفات منه إليه إن جاء موزوناً، كما يتفق في كثير من إنشاءات
الناسِ في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة، ولا يسميها أحد
شعرا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنه شعر، وإذا فتشت في كل
كلام عن نحو ذلك، وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز. انتهى.
قلت: وأبين من ذلك في الحجة: أنه قد أخرج بعض الناس البحور
الستة عشر من القرآن العظيم، وما اعترض أحد من العرب عليه ﷺ (بشيء من ذلك) ، مع أنهم كانوا لا يجدون مساعاً لشيء يعترضون به، إلا بادروا إليه.
فلولا أنه مشهور عند صغيرهم وكبيرهم: أن الشعر لا يكون إلا مع
القصد لأوسعوا القول في ذلك، وألزموا به التناقض.
والذي دعا إلى الإتيان به موزوناً: إنما هو صحة المعنى، وكمال انتظامه
به دون غيره، فإن "لا" النافية لكل كذب في "لا كذب "، لا يقوم غيرها
مقامها.
وشهرته ﷺ بعبد المطلب أعظم من شهرته بغيره مع أنه أقرب أجداده، فنظره ﷺ مقصور على المعنى.
стр. 106
وأما في الأصبع: فكذلك لا عبارة غير ما قال تؤدي ذلك المعنى، فإن
تقديم الجار المفيد للاختصاص، في أحق مواضعه وأتمها.
ولم ينقل أحد أنه ﷺ أشبع كسرة التاء حتى تولد منها ياء ويكفي في صرفه عن الشعر، عدم الِإشباع.
وأما الأبيات الماضية: فتقديم الأقرع على عيينة أولى، لأن عيينة ارتد
في أيام الردة، بل أقر أنه لم يكن أسلم قبل ذلك.
وأما الأقرع فكان إسلامه حسناً، ولم يرتد بعد ذلك، ولكنه كان
شريفاً، فكان التأليف لغيره بواسطته.
ولذلك اعتذر ﷺ بقوله: لا يضرك بأيهما بدأت.
стр. 107
وأما شعر الأعشى: فلا يتأتى المعنى على حال السداد والكمال، إلا
بقوله: "وهن شر غالب لمن غلب"، فأتى به كما هو من غير تغيير.
وكذا شعر عبد الله بن رواحة ﵁: والله لولا أنت ما
اهتدينا.
ولما كانت "الألى" - بضم الهمزة بمعنى الجماعة - يجوز فيها المد والقصر
وكان المد لا يلتزم هنا إلا لأجل الوزن، وكان انتظام المعنى به مقصوراً.
كانتظامه به ممدودا، قصره ﷺ لأنه لا نظر له إلى غير تصحيح المعنى بالألفاظ الكاملة.
فإن قيل: المد ربما أفهم تعظيماً لم يفده القصر؟.
قيل: وهذا موجب الإتيان به مقصوراً، لأن المقام لا يقتضي تعظيم
الظالمين.
وأما قول لبيد: فلا يتأتى المعنى - مع أنه في غاية الصحة - إلا به، فلم
يغيره.
وأما قول طرفة: فلما كان قد يلزمه الكذب من تقديم الجار، في قوله:
"بالأخبار" نطق به ﷺ على أتم أحواله، بأن قدم "من لم تزود" الذي هو عمدة الكلام، سواء كان بضمير، أم لا.
وأما "كفى الشيب والِإسلام ": فإنه لا يليق بذلك السياق الذي للنهى
عن المساوىء والوعظ، أن يُقدم فيه شيء على الإِسلام، الذي هو أعظم
واعظ، وأقوى زاجر، وتأكيد المعنى بالجار أحسن، فأتى به كذلك.
فتأمل ما يرد عليك من مثل ذلك حق التأمل، وأعطه ما يليق به.
стр. 108
ثم إن وراء ذلك: أن القوافي المطلقة الموصولة بحروف العلة، لا
يُعَد البيتُ شعراً إلا بوصلها، وإلا نقص الوزن، ومتى نقص، لم يعد شعرا.
ولا رواية مصرحة بأنه ﷺ وصل شيئاً من ذلك.
فالظاهر: أنه سكَّن اللام من "باطل " من شعر لبيد للوقف، كما تقدم
في دميت، وكذا كل ما جاء من مثله.
وأما ما "حرف " الوصل فيه من (نفس) الكلمة فيأتي به لكون
الكلمة لا تصح إلا به لا لكونه وصلاً.
وأما من كان يقول له ﷺ : "ليس هكذا قال الشاعر"، من الصحابة ﵃، فكانوا يعلمون أن الشاعر إذا قدم شيئاً، أو أخره، لم يفعل ذلك لقصد المعنى الذي أدى إليه التقديم والتأخير، وإنما هو للاضطرار، وأن ذلك لازم في صنعة الشعر، لا يحلو إلا به، فيلزم الذي يقصد الشعر أن يأتي به ليصح النظم معه، وكذا من يقصد روايته عن قائله، لتصح له الرواية.
وأما النبي ﷺ : فلما لم يكن للوزن عنده اعتبار، لم يلتفت إليه، ورأى: أن التقديم والتأخير مِخُل بالمعنى فنطق به ﷺ على الصواب، ولم يلتفت بوجه
إلى الوزن، ولا نحا أصلًا نحوه، لأنه ليس للشعر عنده حرمة من حيث كونه
شعرا، فليس هو بشاعر، ولا راوية للشعر، حتى يقصد الإتيان بالبيت كما
هو، لئلا ينكسر، بل قصده المعنى ليس غير، لأنه إذا أدار الأمر بين أن يأتي
بمعنى معيب في لفظ مزوَّق، فهو في الظاهر حلو، وفي الحقيقة معيب كما هو
حال كل شيء للشيطان فيه حظ. وأن يأتي بالمعنى خالصاً ممدّحاً في لفظ
стр. 109
جليل سالم، وجب أن يأتي به سالماً، لأنه لا حَظَّ للتزويق منه ﷺ في قول، ولا في فعل، ولا حال أصلاً، ولم يكن أحد ممن كان يحاوره في ذلك يساويه في البلاغة حتى يذوق هذا الذوق من قبل أن ينبهه ﷺ . والله الهادي.
وأعلم أن هذا القول، وهو: أن النبي ﷺ عالم بأصل الغريزة بانحاء الشعر، معرض عن استعمال ذلك، لما فيه من المعايب، غير معول على شيء منه، لما يوقع فيه من النقائص ما لا بد من اعتقاده، ولأدى الحال إلى أمر فظيع.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب "الإعجاز، ما معناه: "إن من كان
ناقصاً في نوع من أنواع البلاغة في شيء من وجوه الخطاب، لم تقم عليه
الحجة بالقرآن حتى يعلم عجزه الكامل في ذلك النوع، ثم قال: فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن، عرف إعجازه.
وإن لم نقل ذلك، أدى الحال إلى أن يقال: إن النبي ﷺ لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه، حتى سَبَرَ الحالَ، بعجز أهل اللسان عنه، وهذا خطأ من القول.
فصح من هذا الوجه: أن النبي ﷺ حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزا، وعرف بأن قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك.
إنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره، أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا: إن المتناهى في الفصاحة، والعلم بالأساليب التي يقع فيها
التفاصح متى سمع القرآن، عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال
стр. 110
نفسه: أنه لا يقدر عليه، ويعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال
نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو، وإن كان يحتاج بعد هذا إلى
استدلال آخر على أنه علم على نبوة، ودلالة على رسالة، بأن يقال له: إن
هذا آية النبي، وأنها ظهرت عليه، وادَّعاها معجزة له، وبرهاناً على صدقة.
انتهى.
ولا يُظَنُ أني لم أسبق بالقول بأن النبي ﷺ عالم بالوزن، كما أنه قادر على السجع، غير أنه لا يصوِّب إلى شيء منهما همته الشريفة، لا يجر إليه التقيد بذلك من التكلف والنقص اللذين برأه الله منهما، وأبعده عنهما.
فقد قال قاضي الشافعية بمصر: صدر الدين السلمَي المناوي
الشافعي في كتابه "تخريج أحاديث المصابيح ": وقد ذهب جمع من العلماء
إلى أنه ﷺ لم يكن يُحْسِنُ الشعر - وهو الأصح - حتى قيل: إنه لم ينشد بيتاً تاماً قط، ألا ترى أنه حين ذكر بيت طرفة قال: ويأتيك من لم تزوده بالأخبار؟
وذهب قوم إلى أنه ﷺ كان يحسن الشعر، ولكن لا يقوله وتأولوا قوله
تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) إنه رد على المشركين في
قولهم: (بل هو شاعر) ومن ذكر بيتاً واحداً، لا يلزمه هذا الاسم.
انتهى.
следующие страницы →