ولمالك والستة - إلا البخاري - عن عمر بن الخطاب ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بهن صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل.
النهي عن الغلو في القرآن
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، والِإمام أحمد، وأبو يعلى، في مسانيدهم.
والبزار وأبو عبيد في الفضائل، عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري رضي الله
عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به.
وفي نسخة، ولا تستأثروا به.
وشك أبو عبيد فقال: أو تستكثروا به.
قال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات.
الغلوُّ: المبالغة المؤدية للملل، وهي ضد الجفوة.
والمراد: التوسط والرفق، والاقتصاد.
стр. 247
يبَينه ما رواه أبو عبيد في الغريب، عن علي ﵁ قال: خير
هذه الأمة: النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي.
النمط: الطريق. والغالي: المتعمق حتى يخرجه ذلك إلى إكفار الناس
كنحو من مذاهب الخوارج، وأهل البدع.
والجافي عنه: التارك له، وللعمل به.
ولكن القصد بين ذلك.
وروى أبو عبيد في الغريب - أيضاً - عن حذيفة ﵁، أن من
أقرأ الناس للقرآن منافقاً لا يدع واواً ولا ألفاً، يَلْفِته بلسانه، كما تلفت البقرة الخَلَى بلسانها.
اللفْت: الليّ.
وفي حديث آخر: "إن الله يبغض البليغ من الرجال.
الذي يلفت الكلام كما تلفت البقرة الخلاء بلسانها.
стр. 248
وروى أبو يعلى عن حذيفة أيضاً، عن النبي ﷺ قال: إن في أمتي قوماً يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله.
وروى أبو يعلى بسند - قال الهيثمي: فيه أبو معشر نجيح، وهو
ضعيف يُعتَبر بحديثه - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : إن لهذا القرآن شرة، وللناس عنه فترة، فمن كانت فترته إلى القصد فنعما هي، ومن كانت فترته إلى الِإعراض، فأولئك هم قوم بور.
وروى الشيخان، وأبو داود، والنَّسائي - وهذا لفظ مسلم في أواخر
باب الزكاة من روايات جمعت بينها - عن أبي سعيد الخدري ﵁.
أن عليا ﵁ بعث إلى النبي ﷺ وهو باليمن بذُهَيْبَة في تربتها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقْرَعُ بن حابِس الحَنْظَلي، وعُيَيْنَةُ ابنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُ، وعَلْقَمةُ بنُ عُلَاثَةَ العامِرِي، ثم أحد بن كِلَاب، وزَيْدُ الخَيْر
الطائي ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش فقالوا: يعطي صناديد نجدِ
ويدعنا؟.
فقال رسول الله ﷺ : إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل
стр. 249
كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتىء الجبين، محلوق
الرأس، مَشَمِّرُ الإزار.
وفي رواية: فأتاه ذو الخويصرة. وهو رجل من بني تميم فقال: اتق الله
يا محمد، فقال رسول الله ﷺ : فمن يطيع الله إن عصيته، أيامنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟.
ثم أدبر الرجل، فاستأذن خالد بن الوليد ﵁ في قتله.
وفي رواية: إن الذي استأذن في قتله عمر بن الخطاب ﵁.
فقال رسول الله ﷺ : دَعْهُ، فإن له أصحاباً يَحْقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم.
وفي رواية: إن مِنْ ضِئْضِيء هذا قوماً أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ
الأحلام، يقولون: مِنْ خير قَولِ البَرِيَّة، يقرأون القرآن - وفي رواية:
يتلون كتاب الله رطبا، لاِ يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام.
ويدعون أهل الأوثان.
وفي رواية: يمرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السهم من الرمِيَّة، لئن
أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.
стр. 250
وفي رواية عن أبي سعيد: يخرج في هذه الأمة - ولم يقل: منها - قوم
تحقرون صلاتكم مع صلاتهم.
وفي رواية: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.
وفي رواية: ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى
صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم.
وفي رواية: يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم - يمرُقون من الدين مروق السهم من الرميَّة، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه فيتمادى في الفوقة، هل علق بها شيء من الدمِ، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أول مثل البَضْعة تدَرْدَرُ، يخرجون على حين
فُرْقَةٍ من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق.
قال أبو سعيد: فاشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس
стр. 251
فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
وروى الطبراني عن جندب ﵁ قال: لما فارقت الخوارج عليا
﵁، فخرج في طلبهم، وخرجنا معه، فانتهينا إلى عسكر القوم.
وإذا لهم دوي كدوي النحل، من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب
الثفِنات، أو أصحاب البرانس.
أي لأنهم صارت لهم في وجوههم - من كثرة السجود - ثفنات البعير.
وهو - بالمثلثة والفاء محركة - ركبته وما مس من الأرض من كركرته.
فصار غليظا.
وكأن رئيسهم يقال له: ذو الثفنات. والله الموفق.
وروى ابن رجب عن عمر ﵁ قال: إن أخوف ما أخاف
عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن، لا يخطىء منه واواً ولا ألفا، يجادل الناس
أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى.
وذلةُ عالم. وأئمة مضلون.
стр. 252
وفي رواية: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير
تأويله ورجل ينافس الملك أخيه.
وروى عن معاذ نحوه موقوفاً عليه. ومرفوعاً من وجوه، غير وجه.
وعن أبي الدرداء، وسلمان، ﵄.
وروى عن عمر ﵁ مرفوعاً.
وفي بعض رواياتهم: وأباحوا النفاق بالقرآن.
فإن للقرآن مناراً كمنار الطريق.
ولأحمد. عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلاك أمتي في الكتاب واللين. قالوا: يا رسول الله، ما الكتاب واللين؟
قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله (عز
وجل) ويحبون اللين، فيدعون الجماعات والجمع.
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
ولأبي عبيد في الفضائل، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن
النبي ﷺ قال: تعلموا القرآن، واسألوا الله به، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهى به. ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله تعالى.
стр. 253
وله عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ قدم عليه مهاجر، دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رجلا، فكنت أقرئه القرآن، فأهدي الي قوساً، فأخبرت بذلك النبي ﷺ فقال: جمرة بين كتفيك تقلَّدتها.
وله عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، أن ابَي بن كعب ﵁ -
стр. 254
أقرأ رجلا من أهل اليمن سورة، فرأى عنده قوساً، فقال:
بعنيها. فقال: بل هي لك. فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: إن كنت تريد أن تقلَّد قوساً من نار فخذها.
وفي رواية: لو تقوستها، لتقوست قوساً من نار.
وفي رواية: أن النبي ﷺ قال لأبي ﵁: ألم أنهك عن فلان، فاردد القوس عليه، قال: فرددتها عليه.
وزاد في هذه الرواية عن أبي ﵁، أنه قال: كنت أختلف
إلى رجل مكفوف أقرئه القرآن، فكنت إذا أقرأته، دعا لي بطعام فأكلت منه، فحاك في نفسي منه شيء، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقلت: يا رسول الله، إني أتاني فلان ابن فلان، فأقرئه القرآن، فيدعو لي بطعام، لا آكل مثله بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ : إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله
الذين يأكلون فكل، وإن كان طعاماً يتحفك به، فلا تأكل.
قال: فأتيته نحواً مما كنت آتيه، فلما فرغ قال: يا جارية هلمي طعام أخي فقلت له: أهذا طعامك وطعام أهلك الذي تأكل ويأكلون، فقال: لا، ولكني أتحفك به.
стр. 255
قال: قلت: إن رسول الله ﷺ قد نهاني عنه.
стр. 256
النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
وللبخاري والنَّسائي، عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينصرف، حتى يعلم ما يقرؤه.
ولمسلم عن علي ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعاً، أو ساجدا.
ورواه البيهقي في الدعوات، من طريق الشافعي عن ابن عباس رضي
الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ.
ورواه أبو عبيد في الغريب، ولفظه: إني قد نهيت عن القراءة في
الركوع والسجود، فأما الركوع فعظموا الله فيه، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ.
ورواه الدارمي في الصلاة من مسنده - عن ابن عباس أيضاً - ولفظه
قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ -
стр. 257
فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة.
يراها السلم، أو ترى له، ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً، أو ساجداً.
فذكره.
البكاء عند قراءة القرآن
وفي جامع الأصول، عن أسماء ﵂ قالت: كان أبو بكر
﵁ إذا قرأ القرآن كثير البكاء، في صلاة وغيرها.
ولأبي عبيد في الفضائل والغريب، عن ابن مهدي، عن حماد بن
سلمة عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه
﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجل، من البكاء.
وأخرج الحديث أبو داود (في الصلاة) ، والترمذي في الشمائل، من
هذه الطريق، والنَّسائي في الصلاة والرقائق من غيرها، وابن خزيمة، وابن
حبان في صحيحيهما.
стр. 258
وفي رواية أبِي داود، كأزيز الرحا.
والأزيز يُعْنى به، غليان جوفه بالبكاء، وأصل الأزيز: الالتهاب
والبكاء.
وللطبراني عن جرير ﵁، أن النبي ﷺ قال: إني قارىء عليكم سُورةً، فمن قدر أن يبكي، وإلا فلْيَتَبَاكَ.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، عن عبيد بن عمير مرسلا، أنه ﷺ أعادها عليهم ثلاث مرات، فلم يبكِ أحد، فقال في الثالثة: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكَوْا.
ولأبي عبيد، عن سليمان بن سحيم قال: أخبرني من رأى عمر رضي
الله عنه يصلي، وهو يترجح، ويتمايل، ويتأوه، حتى لو رآه (غيره) ممن
يجهله لقال: أصيب الرجل، وذلك لذكر النار، إذا مر بقوله تعالى: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرً) وشِبْه ذلك.
ما يفعله مدعو الإيمان عند سماع القرآن
وله عن أبي حازم قال: مَرَّ ابنُ عمر ﵄ برجل من أهل
العراق ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قرىء عليه القرآن
стр. 259
أو سمع الله يذكر، خَرَّ من خشية الله، فقال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله.
وما نسقط.
وله عن عكرمة قال: سألت أسماء - يعني: بنت أبي بكر رضي الله
عنهما -: هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف؟
فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون.
وله عن أنس ﵁، أنه سئل عن القوم يُقرأ عليهم القرآن
فيصعقون؟ فقال: ذاك فعل الخوارج.
وله عن محمد بن سيرين وسئل عن رجل يقرأ عنده القرآن فيصعق.
قال: ميعاد ما بيننا وبينهم: أن يجلس على حائط، ثم يقرأ عليه القرآن من
أوله إلى آخره، فإن وقع، فهو كما قال.
وقال ابن الجوزي في تفسير (سورة) الزمر من "زاد السير": وهو عند
ابن رجب عن أبي نعيم.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت أبي فقال: أين كنت؟.
فقلت: وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط، يذكرون الله ، فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله ، فقعدت بينهم، فقال: لا تقعد معهم بعدها.
قال: فرآني كأنه لم يأخذ ذلك فيَّ، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله، أفتراهم أخشى لله من أبي بكر وعمر؟.
قال: فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.
стр. 260
وقال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر
﵄: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرىء عليهم القرآن؟
قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم.
فقلت: إن ناساً اليوم إذا قرىء عليهم القرآن، خرّ أحدهم مغشياً عليه؟. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وكان خوات يرعد عند الذكر. فقال له إبراهيم: إن كنت تملكه فما
أبالي أن لا أعتَد بك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك.
وفي التبيان للنووي عن ابن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن
على أبي بكر الصديق ﵁، فجعلوا يقرأون القرآن ويبكون.
فقال أبو بكر ﵁: هكذا كنا.
وعن عمر بن الخطاب ﵁، أنه صلى بالجماعة الصبح، فقرأ
سورة يوسف ﵇، فبكى حتى سألت دموعه على ترقوته.
وفي رواية: فبكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف. انتهى.
وقال ابن رجب: إن ابن عمر ﵄ قيل له: إن قوماً إذا
قرىء عليهم القرآن يرقد أحدهم من خشية الله؟.
قال: كذبت. قال المخبر له: بلى والله، قال: ويحك إن كنت صادقاً، فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم والله ما هكذا أصحاب محمد ﷺ .
قال: وكذلك أنكر ذلك من التابعين خلق، منهم: ابن سيرين، وقتادة
стр. 261
وتلى قوله تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) .
ثم قال: هذا نعت أولياء الله: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم.
وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم.
إنما هذا من أجل البدع، وهذا من الشيطان.
ثم قال ما حاصله: إن ذلك قد يحصل للصالح، لكن حال الصحابة
﵃: أنهم يحملون ما يَرِدُ عليهم لقوة علمهم وإيمانهم، فلم يظهر
стр. 262
ما يظهر على من ضعف حاله، فإن كان مغلوباً لا تَسَبُّب له في ذلك، فهو
معذور.
كراهة الجمع بين سورتين فأكثر في الركعة الواحدة
ولأبي عبيد عن ابن سيرين، أنه حدث أبا العالية، أن ابن عمر رضي
الله عنهما يقرأ عشر سور في ركعة، فقال: قد كنت أفعله، حتى حدثني مع
سمع النبي ﷺ يقول: لكل سورة حَظُّها من الركوع والسجود.
وله عن ابن عمر ﵄، أن رجلاً أتاه فقال: قرأت القرآن
في ليلة - أو قال: في ركعة - فقال ابن عمر: أفعلتموها؟ ، لو شاء الله لأنزله جملة واحدة، وإنما فصله لِتُعْطَى كل سورة حَظُّها من الركوع والسجود.
وله عن غياث بن رزين، عن شيخ من المعافر، ذكر منه صلاحاً
وفضلاً حدثه أن رجلا يُقال له: عَبَّاد، كان يلزم عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما، وكان امرءا صالحاً، فكان يقرأ القرآن، ويَقْرِن بين السور في الركعة
الواحدة، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو، فأتاه عبَّاد يوما، فقال عبد الله بن
عمرو: يا خائن أمانته ثلاث مرات، فاشتد ذلك على عبَّاد، فقال: غفر الله
لك، أي أمانة بلغك أني خنتها؟.
فقال أُخبرت أنك تجمع بين السورتين في الركعة الواحدة، فقال: إِني
стр. 263
لا أفعل ذلك، فقال: فكيف يوم تأخذك كل سورة بركعتها وسجدتها، أما
إني لم أقل لك إلا ما قال لي رسول الله.
ورواه ابن عبد الحكم - أيضاً - في فتوح مصر بنحوه.
وقد صح أن النبي ﷺ جمع بين سور في ركعة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة النساء.
فيجمع: بأن هذا أولى.
وذلك لبيان الجواز، أو لعلة اقتضت ذلك - (والله أعلم)
стр. 264
ما جاء في الصعق عند قراءة القرآن
وفي جامع الأصول عن أسماء ﵂ قالت: القرآن أكرم من
أن يزيل عقول الرجال، ما كان أحد من السلف يغشى عليه، ولا يصعق
عند قراءة القرآن وإنما كانوا يبكون ويقشعرون، ثم تلين جلودهم وقلوبهم
لذكر الله.
ولأبي عبيد عن عائشة ﵂ نحوه، ولفظه: أنه قيل لعائشة
﵂ أن قوماً إذا سمعوا القرآن صعقوا، فقالت: القرآن أكرم من
أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله ﵎: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
ذم الرياء بقراءة القرآن
ولمسلم والترمذي، والنَّسائي وابن خزيمة، وابن حبان، في صحيحيهما
عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ أنه إذا كان يوم القيامة، وكل أمةٍ جاثيةٍ، فأول من يدعو به الله تعالى للقضاء: رجلٌ
стр. 265
جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثيرُ المال، فيقول الله للقارىء: الم أعلمْك ما أنزلت على رسولي فما عملت فيما علمتَ؟. قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبتَ، وتقول الملائكة له: كذبتَ. ويقول الله تعالى: بل أردتَ أن يقال: فلان قارىء، وقد قيل ذلك.
وذكر الباقي إلى أن قال: ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة.
وروى الطبراني في الجزء الذي انتقاه عليه أبو بكر بن مردويه، عن
أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: الزبانية أسرع إلى فَسَقَة قراء القرآن، منهم إلى عبدة الأوثان. فيقولون: يُبْدَأْ بنا قبل عبدة الأوثان؟.
فيقال لهم: ليس مَنْ عَلِمَ كمَنْ لا يعلم.
وروى الطبراني في الأوسط - وفيه بكير بن شهاب الدامغاني، قال
الهيثمي: وهو ضعيف - عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا
رسول الله ﷺ وهو يقول: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ قَالَ: جُبّ في واد في قعر جهنم، تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، أعد للقراء المرائين بأعمالهم، وأن أبغض الخلق إلى الله، قارىء يُزَوِّرُ العمل.
стр. 266
لا يتكلم القاريء بكلام آخر وهو يقرأ
قال النووي في التبيان: وليعتد بما رواه ابن أبي داود عن ابن
عمر ﵄، أنه كان إذا قرأ القرآن، لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد
أن يقرأه.
ورواه البخاري في صحيحه وقال: لم يتكلم حتى يفرغ منه.
ذكره في كتاب التفسير في قول الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) .
ولأبي داود - قال الِإمام صدر الدين المناوي في "تخريج أحاديث المصابيح": وسنده جيد، وله شواهد في صحيح مسلم وغيره - عن أبي سعيد
﵁ قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، إن بعضهم
ليستتر ببعض من العرى، وقارىء يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله ﷺ ، فقام
стр. 267
علينا، فلما قام رسول الله ي سكت القارىء، ثم قال: ما كنتم
تصنعون؟ قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله، فقال: الحمد للُه الذي جعل في
أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم، قال: فجلس وسطنا، ليعدل بنفسه
فينا، ثم قال بيده: هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم، فقال: أبشروا يا
معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء
الناس بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة.
الوقت الذي يستحب فيه ختم القرآن
وروى الدارمي عن جماعة - منهم سعد بن أبي وقاص ﵁
قالوا: إذا قرأ الرجل القرآن نهاراً، صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإن
قرأه ليلاً صلت عليه الملائكة حتى يصبح.
قال سليمان - يعني الأعمش -: فرأيت أصحابنا يعجبهم أن يختموه
أول النهار وأول الليل.
ولفظ سعد ﵁: إذا وافق ختم القرآن أول الليل، صلت
عليه الملائكة حتى يصبح، وان وافق ختمه آخر الليل، صلت عليه الملائكة
حتى يمسي فربما بقي على أحدنا الشيء فيؤخره حتى يمسي، أو يصبح.
قال أبو محمد: هذا حسن عن سعد، انتهى.
стр. 268
ومن المعلوم: أن مثل هذا، لا يقال من قبل الرأي، فهو مرفوع حكماً.
والله الموفق.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، فقال: حدثنا هشيم، أنبانا العوام، عن
ابراهيم التيمي قال: كان يقال: الرجل يختم القرآن في أول النهار صلت عليه الملائكة بقية يومه، وإذا ختمه أول الليل، صلت عليه الملائكة بقية ليلته قال: فكانوا يستحبون أن يختموا في أول النهار، أو في أول الليل.
وله في الفضائل - أيضاً - عن أبي قلابة مرسلاً قال: قال رسول
الله ﷺ : من شهد خاتمة القرآن، كان كمن شهد المغانم حين تقسم ومن شهد فاتحة القرآن، كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله.
فضيلة الدعاء عند ختم القرآن
وله عن ابن مسعود ﵁ قال: من ختم القرآن، فله دعوة
مستجابة فكان عبد الله إذا ختم القرآن جمع أهله، ثم دعا وأمنوا على دعائه.
وله عن قتادة قال: كان بالمدينة رجل يقرأ القرآن من أوله إلى آخره.
على أصحاب له، فكان ابن عباس ﵄ يضع عليه الرقباء، فإذا
كان عند الختم، جاء ابن عباس ﵄ فشهد ذلك.
وفي التبيان للنووي: أنه رواه الدارمي، وابن أبي داود.
стр. 269
وقال: وروى ابن أبي داود عن عمرو بن مرة التابعي قال: كانوا
يحبون أن يختم القرآن من أول الليل، أو من أول النهار.
وعن طلحة بن مصرِّف التابعي الجليل قال: من ختم القرآن أية ساعة
كانت من النهار، صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح.
وعن مجاهد نحوه.
وقال: وروى ابن أبي داود بأسانيده الصحيحة عن الحكم بن عتيبة
التابعي الجليل قال: أرسل إليَّ مجاهد وعنده ابن أبي لبابه، فقالا: إنا
أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء يستجاب عند ختم القرآن.
وفي بعض الروايات الصحيحة، أنه كان يقال: إن الرحمة تنزل عند
خاتمة القرآن. انتهى.
وللطبراني عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول
الله ﷺ : مَنْ صلى صلاةً فرضيةً فله دعوةٌ مستجابةٌ، ومن خَتَم القرآن فله دعوة مستجابة.
قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه عبد الحميد بن
سليمان وهو ضعيف.
وله عن ثابت، أن أنس بن مالك ﵁، كان إذا ختم
القرآن، جمع أهله وولده، فدعا لهم.
стр. 270
قال الهيثمي: رجاله ثقات.
ورواه ابن أبي داود - كما قال النووي في التبيان - بإسنادين
صحيحين عن قتادة قال: كان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن.
جمع أهله ودعا.
قال: وروى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال: من قرأ القرآن ثم
دعا أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك. انتهى.
إنزال القرآن من سبعة أبواب
ولأحمد والطبراني، وابن أبي داود في كتاب المصاحف، عن فلفلة
الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه.
فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكن جئنا حين راعنا هذا
الخبر!!.
فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف
- أو قال: حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد، معناهما واحد.
قال الهيثمي: وفيه عثمان بن حسان العامري، ذكره ابن أبي حاتم ولم
يجرحه، ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
стр. 271
وحديث الأبواب هذا روى من أوجه كثيرة.
رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده.
وكذا أبو يعلى الموصلى في مسنده، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه
والبيهقي في كتاب المدخل.
ومثله لا يقال بالرأي، فهو مرفوع حكما.
وفي بعض الطرق التصريح برفعه إِلى النبي ﷺ ، وفيه تفسير السبعة الأحرف: بزاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال (١) .
ورواه الإمام أحمد عن ابن مسعود مختصراً.
стр. 272
وعزاه شيخنا العلامة مقرىء زمانه شمس الدين محمد، بن محمد، بن
محمد ابن علي، بن الجزري، الدمشقي الشافعي، في أوائل كتابه "النشر
في القراءات العشر" إلى الطبراني، من حديث عمر بن أبي سلمة المخزومي
﵄ أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد، وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف:
حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وضرب أمثال، وأمر وزجر، فأحل حلاله، وحرم حرامه، واعمل بمحكمة، وقف عند متشابهه، واعتبر أمثاله، فإن كُلًا من عند الله وما يذكَّر إلا أولو الألباب.
وكذا أخرجه الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني.
عن عمر بن أبي سلمة به، وقال: وفيه عمار بن مطر، وهو ضعيف جداً.
وقد وثقه بعضهم. انتهى.
стр. 273
وَقَد عَدَّ الحروف سبعاً، فلما سَبَّب عنها قوله: "فأحل حلاله" إلى آخره.
جعلها خمساً، فأسقط الأمر والنهي، لدخولهما في الحلال والحرام.
وذلك موافق لما رواه البيهقي في فضل القرآن من "الشُعب" عن أبي
هريرة ﵁ بلفظ: نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال وحرام.
ومحكم ومتشابه، وأمثال.
والمراد - والله أعلم - بالباب: الحسي. وبالحرف الواحد من الكتاب
الأول: اللغة التي هي الروايات في الألفاظ.
فتصير خاصة القرآن في هذا الحديث: نزوله من سبعة أبواب من
أبواب السماء. والمراد بالحروف التي فُصِّل إليها القرآن في هذا الحديث:
الوجوه المذكورة.
والمراد بها في الأحاديث الآتية: اللغات التي خص القرآن من بين
الكتب السالفة بجواز القراءة بها، على أنها (قراءة) ، لا ترجمة وتفسير.
تنبيها على عموم الدعوة، وشرف اللغة التي نزل بها واتساعها، والتخفيف
على أهلها.
قال الإِمام أبو جعفر بن جرير في مقدمة التفسير: كل كتاب تقدم نزوله
كتابنا فإنما نزل بلسان واحد، متى حُوِّل إلى غيره، كان ترجمة له وتفسيراً لا
تلاوة، وكتابنا أنزل بألسن سبعة، بأى واحد منها تلاه التالي، كان تالياً له
على ما أنزل الله، ولا يصير مترجماً له ولا مفسراً، حتى يتحول عن جميع
تلك الألسن السبعة إلى غيرها.
فهذا معنى قوله ﷺ : كان الكتاب الأول ينزل على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف.
стр. 274
لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع
وروى البغوي في "شرح السنة"، عن علي بن زيد، عن الحسن
البصري مرسلاً أن النبي ﷺ قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية ظهر وبطن، ولكل حد ومطلع.
ورواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى ورجاله ثقات، والبزار.
قال ابن رجب: وابن حبان في صحيحه، وابن جرير.
وفي رواية للطبراني: أن عبد الله ﵁ قال: إن هذا القرآن
ليس منه حرف، إلا له حد، ولكل حد مطلع.
وسياق ابن رجب: قال رسول الله ﷺ : لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله، وإن القرآن نزل على سبعة أحرف، لكل آية ظهر وبطن، ولكلِّ حدّ ومطلع.
وقال: غريب جداً.
ولعل آخر الحديث مدْرَج من قول ابن مسعود ﵁، فإنه
قد روى من قوله من وجه آخر، أخرجه أبو نعيم بإسناد غريب.
وذكر الظهر والبطن روى من أوجه كثيرة.
стр. 275
منها: عند ابن حميد - ونحوه - في كتاب "الأدب"، عن عبد الرحمن بن
عوف القرشي، وليس أحد العشرة، بل غيره.
قال أبو حاتم الرازي وغيره: ورواه أبو عبيد في الفضائل والغريب
عن الحسن ﵀، ولفظه: ما أنزل الله آية، إلا لها ظهر وبطن، ولكل
حرف حد، ولكل حد مطلع.
تفسير الظهر والبطن والحد والمطلع
وقال الحسن: الظهر هو الظاهر، والبطن هو السر، من قول الجاهلية:
ضربت أمري ظَهْراً لِبَطْنٍ.
والحد: هو الحرف الذي فيه علم الخير والشر.
стр. 276
والمطلع: الأمر والنهي.
وفي رواية أنه قيل: إنها المطلع. قال: يطلع قوم يعملون به.
وقال أبو عبيد في الغريب: أحسبه - يعني: الحسن - ذهب إلى قول عبد
الله بن مسعود ﵁: ما من حرف - أو قال: آية - إلا قد عمل
بها قوم، أو لها قوم سيعملون بها.
فإن كان هذا إلى هذا، فهو وجه.
وإلا، فإن المطلع في كلام العرب، هو المأتي الذي يؤتي منه، حتى
يعلم علم القرآن من ذلك المأتي.
والمصعد: يصعد إليه في معرفة علمه.
وقال في كتاب الغريب أيضاً في تفسير - هول المطلع -: قال
الأصمعي: المطلع: موضع الاطلاع من إشراف إلى نجد.
قال أبو عبيد: فشبه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بذلك.
وقد يكون المطلع: المصعد من أسفل إلى المكان المشرف، وهذا من
الأضداد.
وقال أبو عمرو: مطلع: مأتى، يؤتي منه.
стр. 277
وهو شبيه المعنى بالقول الأول. يقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا
أي مصعده وماتاه.
والظهر والبطن: قال الحسن: العرب تقول: قلبت أمري ظَهْراً لِبَطْن.
وقال غيره: الظهر: لفظ القرآن، والبطن: تأويله.
وفيه قول ثالث - وهو عندي أشبه الأقاويل بالصواب - وذلك: أن الله
تعالى قد قص أنباء القرون الظالمة، فأخبر بذنوبهم، وما عاقبهم به، فهذا هو
الظهر.
إنما هو حديث حدثك به عن قوم، فهو في الظاهر خبر.
وأما الباطن منه: فإنه صير ذلك الخبر عظة لك، وتحذيراً وتنبيهاً أن
تفعل فعلهم، فيحل بك ما حل بهم من عقوبة، انتهى.
فصار الذي تحصل من هذا أن الظهر: ما كان فهمه ظاهراً من
الكلام.
والبطن: ما اختص بفهمه الفَطِنُ من المعاني التي لا يوصل إليها إلا
بالتأمل.
والحد: غاية ما ينتهي إليه من الظاهر والباطن.
فإن الحد: طرف الشيء. والمطلع: الطريق الموصل إلى ذلك الحد.
فالمراد منه: أن الله سبحانه لم يخاطبنا بشيء إلا وفهمُه ممكن، إما
للكافة أو للخاصة، أو لخاصة الخاصة الذين يطلعهم الله تعالى على ذلك
الطريق الموصل إلى الحد والله أعلم.
стр. 278
وقال الِإمام شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في الباب الثاني
من كتاب "عوارف المعارف " بعد رواية أثر عبد الله بن مسعود هذا: وهذا
الكلام محرض لكل صاحب همة، أن يصغي إلى موارد الكلام، ويفهم دقائق
معانيه، وغامض أسراره من قلبه.
فللصوفي - بكمال الزهد في الدنيا، وتجريد القلب عما سوى الله تعالى -
مطلع من كل آية، وله بكل مرة في التلاوة مطلع جديد، وفهم عتيد، وله
بكل فهم عمل جديد.
فَفَهْمفمْ يدعو إلى العمل، وعملهم يجلب صفاء الفهم، ودقيق النظر في
معاني الخطاب. فمن الفهم علم، ومن العلم عمل، والعلم والعمل يتناوبان
فيه، وهذا العمل آنفاً، إنما هو عمل القلوب، غير عمل القالب، وأعمال
القلوب - للطفها وصقالتها - مشاكلة للعلوم، لأنها نيات وطويات، وتعلقات روحية وتأدبات قلبية، ومسامرات سرية، وكلما أتوا بعمل من هذه الأعمال رفع لهم علم من العلم، وأطلعوا على مطلع من فهم الآية جديد.
ويخالج سرى أن يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق
المعنى وغامض السر في الآية، ولكن المطلع: أن يطلع عند كل آية على شهود المتكلم بها لأنها مستودع وصف من أوصافه، ونعت من نعوته، فتتحدد له التجليات بتلاوة الآيات وسماعها، ويصير له مراء منبئة عن عظيم
الجلال.
стр. 279
ولقد نقل عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: لقد تجلى
الله تعالى لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون.
فيكون لكل آية مطلع من هذا الوجه.
فالحد: حد الكلام.
والمطلع: الترقي عن الكلام إلى شهود التكلم.
وقد نقل عن جعفر الصادق - أيضاً -: أنه خرَّ مغشياً عليه وهو في
الصلاة فسئل عن ذلك فقال: ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم
بها.
فالصوفي لما لاح له نور ناصية التوحيد، وألقى سمعه عند سماع الوعد
والوعيد وقلبه بالتخلص عما سوى الله تعالى، صار بين يدي الله حاضراً
شهيداً، يرى لسانه - أو لسان غيره - في التلاوة كشجرة موسى ﵇، حيث أسمعه الله منها خطابه إياه بإني "أنا الله "، فإذا كان سماعه من الله تعالى، واستماعه إلى الله، صار سمعُه بصرَه، وبصره سمعَه، وعلمُه عمله، وعملُه علمَه، وعاد آخرُه أوله، وأولُه آخره.
ومعنى ذلك: أن الله تعالى خاطب الذر بقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)
فسمعت النداء على غاية الصفاء، ثم لم تزل الذرات تتقلب في الأصلاب.
وتنتقل إلى الأرحام، قال الله تعالى: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) .
يعني: تقلب ذرتك في أصلاب أهل السجود من آبائك
الأنبياء، فما زالت تنتقل الذرات حتى برزت إلى أجسادها، فاحتجبت
بالحكمة عن القدرة، وبعالم الشهادة عن عالم الغيب، وتراكم ظلماتها بالتقلب في الأطوار.
стр. 280
فإذا أراد الله تعالى بالعبد حسن الاستماع بأن يصيره صوفياً صافياً، لا
يزال يرقيه في رتب التزكية والتحلية، حتى يخلص من مضيق عالم الحكمة إلى
فضاء القدرة ويزال عن بصيرته النافذة سجف الحكمة، فيصير سماعه
ب (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) كشفاً وعياناً، وتوحيده وعرفانه تبياناً وبرهاناً، وتندرج
له ظلم الأطوار في لوامع الأنوار. انتهى.
وقال الِإمام ولي الدين محمد بن أحمد الملَّوى في كتاب "تبيين معادن المعاني":
قال بعض الصديقين: فالحد والمطلع يدق أمرهما ويغمض، ويختص
بدركهما الأكابر العارفون، وقد يضيق عن كثير منه نطاق النطق.
والظهر: سهل لكل وارد، وفيه يتكلم علماء الرسوم.
وأما البطن: فيكاد يختص به أرباب القلوب، وعلماء الحقائق، قد علم
كل أناس مشربهم. ثم (قال) : إن مطلع كل حرف هو المأتى الذي يؤتي
منه. انتهى.
اشتمال القرآن على جميع العلوم
وروى أبو عبيد أيضاً عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁
قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين.
стр. 281
ورواه الطبراني - قال الهيثمي بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح -
ولفظه: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والأخرين.
وعزا ابن رجب في كتاب "الاستغناء بالقرآن " هذا اللفظ إلى يعقوب بن
أبي شيبة في مسنده.
وروى يعقوب بن أبي شيبة عنه - أيضاً ﵁ أنه قال: إن
الله أنزل في هذا القرآن تبيان كل شيء، وأن علمنا يقصر عنه.
وروى أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب "العلم" عن مسروق
قال: ما نسأل أصحاب محمد ﷺ عن شيء، إلا وعلمه في القرآن، إلا أن علمنا يقصرعنه.
وروى عبد بن حميد في تفسيره عن علي ﵁ قال: ما من
شيء إلا علمه في القرآن، ولكن رأى الرجال يعجز عنه.
وروى البزار في مسنده من طريق شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، أن
الحارث ابن عميرة بكى عند معاذ ﵁ حين احتضر معاذ، وقال
له: إنما أبكي لما يفوتني منك من العلم، فقال معاذ: إن الذي تبغي من
стр. 282
العلم بين لوحي المصحف، فإن أعياك تفسيره، فأطلبه من ثلاثة: عويمر أبي
الدرداء أو سلمان الفارسي، أو ابن أم عبد.
وإياك وذلة العالم، وجدال منافق بالقرآن.
وللبخاري عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم
شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟.
قال: لا والذي فلق الحب، وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
قلت: وما في هذه الصحيفة؟.
قال: العقل. وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
قال الحافظ زين الدين بن رجب: سبب هذا السؤال: أن غلاة الشيعة
زعمت أن القرآن جزء يسير من الوحي، وأن جميعه عند علي، وأنه اختص
بعلم تلك الأجزاء كلها هو وذريته، فلذا كان إذا سئل - هو أو أحد من
ذريته - اشتد نكيره.
وللشيخين عن طلحة بن مُصرِّف قال: سألت ابن أبي أوفى: أأوصى
النبي ﷺ ؟. قال: لا.
قلت: كيف كتب على الناس الوصية ولم يوص؟.
قال: أوصى "بكتاب الله ".
стр. 283
وروى الإِمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: كان أصحاب
رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون في الفقه، كانوا يأمرون أن يقرأ رجل سورة.
ولأبي عبيد عن مسروق قال: ما يسأل أصحاب محمد عن شيء إلا
وعلمه في القرآن، ولكن علمنا يقصر عنه.
وله عن الحسن ﵀ قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن
يُعلم فيما أنزلت، وما أراد بها.
وله عن عمرو بن مرة قال: إني لأمرُّ بالمثل من كتاب الله لا أعرفه
فأغتم به لقول الله ﵎: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) .
وله عن أبي الدرداء ﵁ قال: لو أَعْيَتْني آية من كتاب الله.
فلم أجد أحداً يفتحها عليَّ إلا رجلًا بِبَرْكِ الغِمَاد لرحلتَ إليه.
قال: وهو أقصى حِجْر باليمن.
هذا، ولما لم يجمع كتاب من الكتب السالفة هذه الحروف التي فصل
إليها هذا الحديث الذي رواه ابن مسعود، وكانت جامعة لصلاح الدارين.
أفرد كتابنا بالذكر، ففصل ما فيه، ولم يذكر أحوال الكتب الماضية في ذلك، لأنه لم يجمع كتاب منها جميع هذه الأحرف السبعة.
стр. 284
وإن ادعى أنَّ الإنجيل جمعها، وسلم ذلك، لم يقدر أحد أن يقول: إنه
فصلها تفصيلاً يكفي أهل ذلك الدين جميعَ ما ينوبهم من غير احتياج إلى
شيء آخر بخلاف القرآن، فإنه كاف، والله الهادي.
ولأجل أن الكتب الُأوَل لم تكن كافية لمن أنزلت عليهم في كل أمر
ينوبهم كانت تبعث فيهم الأنبياء لتسوسهم وتُعرفَهُم كل ما يجب عليهم.
وإنما نحن فكتابنا كافٍ، ونزول عيسى ﵇ إلينا في آخر
الزمان، إنما هو لفتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ومثل ذلك مما لا تحتمله
القوى.
وقد طعن الحافظ أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث، وعلى
تقدير صحته يزول عنه - بما قَررتُه - الإشكال، بأن في التوراة الحلال
والحرام، وفي الإنجيل الأمر والنهى، وفي كل منهما المحكم والمتشابه.
وفي الإنجيل والزبور الأمثال، فهي مفرقة في الكتب السالفة غير مجموعة في واحد منها. والله أعلم.
إنزاله على سبعة أحرف
وروى الِإمام أحمد والطبراني في الكبير، وأبو بكر بن أبي شيبة في
стр. 285
مسنديهما عن سمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآنُ كل ثلاثة أحرف.
وفي رواية: على سبعة أحرف.
ورواه البزار في مسنده ولفظه: أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نقرأ القرآن. كما أقرَاناهُ، وقال: أنزل القرآن على ثلاثة أحرف، فلا تختلفوا فيه ولا تجافوا عنه.
وفي رواية: ولا تحاجوا فيه، فإنه مبارك كله، اقرأوه كما أُقرِئْتُموه.
ورواه الطبراني وقال: ولا تحاجوا فيه:. بدل: تجافوا عنه.
قال الهيثمي: ورجال أحمد وأحد إسنادي الطبراني والبزار رجال
الصحيح.
ولا يخالف هذا ما يأتي من إنزاله على سبعة أحرف، لأن في تلك
الأحاديث: أن السبعة ما كانت إلا بعد مراجعة، فربما حمل سمرة رضي الله
عنه هذا الحديث عند الثالثة، فاستمر يرويه ثم استمرت المراجعة إلى تمام
السبعة، ولم يسمع تمام المراجعة. أو سمعها - كما في إحدى رواياته - ورأى أن الثلاثة لا تنافي ما فوقها فإنه ليس فيها نفي له.
وروى الطبراني عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ.