ورواه الطبراني - قال الهيثمي بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح -
ولفظه: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والأخرين.
وعزا ابن رجب في كتاب "الاستغناء بالقرآن " هذا اللفظ إلى يعقوب بن
أبي شيبة في مسنده.
وروى يعقوب بن أبي شيبة عنه - أيضاً ﵁ أنه قال: إن
الله أنزل في هذا القرآن تبيان كل شيء، وأن علمنا يقصر عنه.
وروى أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب "العلم" عن مسروق
قال: ما نسأل أصحاب محمد ﷺ عن شيء، إلا وعلمه في القرآن، إلا أن علمنا يقصرعنه.
وروى عبد بن حميد في تفسيره عن علي ﵁ قال: ما من
شيء إلا علمه في القرآن، ولكن رأى الرجال يعجز عنه.
وروى البزار في مسنده من طريق شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، أن
الحارث ابن عميرة بكى عند معاذ ﵁ حين احتضر معاذ، وقال
له: إنما أبكي لما يفوتني منك من العلم، فقال معاذ: إن الذي تبغي من
стр. 282
العلم بين لوحي المصحف، فإن أعياك تفسيره، فأطلبه من ثلاثة: عويمر أبي
الدرداء أو سلمان الفارسي، أو ابن أم عبد.
وإياك وذلة العالم، وجدال منافق بالقرآن.
وللبخاري عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم
شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟.
قال: لا والذي فلق الحب، وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
قلت: وما في هذه الصحيفة؟.
قال: العقل. وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
قال الحافظ زين الدين بن رجب: سبب هذا السؤال: أن غلاة الشيعة
زعمت أن القرآن جزء يسير من الوحي، وأن جميعه عند علي، وأنه اختص
بعلم تلك الأجزاء كلها هو وذريته، فلذا كان إذا سئل - هو أو أحد من
ذريته - اشتد نكيره.
وللشيخين عن طلحة بن مُصرِّف قال: سألت ابن أبي أوفى: أأوصى
النبي ﷺ ؟. قال: لا.
قلت: كيف كتب على الناس الوصية ولم يوص؟.
قال: أوصى "بكتاب الله ".
стр. 283
وروى الإِمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: كان أصحاب
رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون في الفقه، كانوا يأمرون أن يقرأ رجل سورة.
ولأبي عبيد عن مسروق قال: ما يسأل أصحاب محمد عن شيء إلا
وعلمه في القرآن، ولكن علمنا يقصر عنه.
وله عن الحسن ﵀ قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن
يُعلم فيما أنزلت، وما أراد بها.
وله عن عمرو بن مرة قال: إني لأمرُّ بالمثل من كتاب الله لا أعرفه
فأغتم به لقول الله ﵎: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) .
وله عن أبي الدرداء ﵁ قال: لو أَعْيَتْني آية من كتاب الله.
فلم أجد أحداً يفتحها عليَّ إلا رجلًا بِبَرْكِ الغِمَاد لرحلتَ إليه.
قال: وهو أقصى حِجْر باليمن.
هذا، ولما لم يجمع كتاب من الكتب السالفة هذه الحروف التي فصل
إليها هذا الحديث الذي رواه ابن مسعود، وكانت جامعة لصلاح الدارين.
أفرد كتابنا بالذكر، ففصل ما فيه، ولم يذكر أحوال الكتب الماضية في ذلك، لأنه لم يجمع كتاب منها جميع هذه الأحرف السبعة.
стр. 284
وإن ادعى أنَّ الإنجيل جمعها، وسلم ذلك، لم يقدر أحد أن يقول: إنه
فصلها تفصيلاً يكفي أهل ذلك الدين جميعَ ما ينوبهم من غير احتياج إلى
شيء آخر بخلاف القرآن، فإنه كاف، والله الهادي.
ولأجل أن الكتب الُأوَل لم تكن كافية لمن أنزلت عليهم في كل أمر
ينوبهم كانت تبعث فيهم الأنبياء لتسوسهم وتُعرفَهُم كل ما يجب عليهم.
وإنما نحن فكتابنا كافٍ، ونزول عيسى ﵇ إلينا في آخر
الزمان، إنما هو لفتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ومثل ذلك مما لا تحتمله
القوى.
وقد طعن الحافظ أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث، وعلى
تقدير صحته يزول عنه - بما قَررتُه - الإشكال، بأن في التوراة الحلال
والحرام، وفي الإنجيل الأمر والنهى، وفي كل منهما المحكم والمتشابه.
وفي الإنجيل والزبور الأمثال، فهي مفرقة في الكتب السالفة غير مجموعة في واحد منها. والله أعلم.
إنزاله على سبعة أحرف
وروى الِإمام أحمد والطبراني في الكبير، وأبو بكر بن أبي شيبة في
стр. 285
مسنديهما عن سمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآنُ كل ثلاثة أحرف.
وفي رواية: على سبعة أحرف.
ورواه البزار في مسنده ولفظه: أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نقرأ القرآن. كما أقرَاناهُ، وقال: أنزل القرآن على ثلاثة أحرف، فلا تختلفوا فيه ولا تجافوا عنه.
وفي رواية: ولا تحاجوا فيه، فإنه مبارك كله، اقرأوه كما أُقرِئْتُموه.
ورواه الطبراني وقال: ولا تحاجوا فيه:. بدل: تجافوا عنه.
قال الهيثمي: ورجال أحمد وأحد إسنادي الطبراني والبزار رجال
الصحيح.
ولا يخالف هذا ما يأتي من إنزاله على سبعة أحرف، لأن في تلك
الأحاديث: أن السبعة ما كانت إلا بعد مراجعة، فربما حمل سمرة رضي الله
عنه هذا الحديث عند الثالثة، فاستمر يرويه ثم استمرت المراجعة إلى تمام
السبعة، ولم يسمع تمام المراجعة. أو سمعها - كما في إحدى رواياته - ورأى أن الثلاثة لا تنافي ما فوقها فإنه ليس فيها نفي له.
وروى الطبراني عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ.
стр. 286
ورواه الطبراني - أيضاً - عن معاذ بن جبل موقوفاً عليه.
ومثله لا يقال بالرأي.
قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
ولمسلم وغيره عن أبي بن كعب ﵁: أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتُك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته، وإني أمتي لا تطيق ذلك ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين.
فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه
الثالثة - فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال:
إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيُما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا.
стр. 287
وفي رواية لابن جرير: فمن قرأ منها حرفاً، فهو كما قرأ.
وفي رواية لأبي داود: قال: قال رسول الله ﷺ : يا أبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو حرفين؟.
فقال الملك الذي معي: قل على حرفين، فقلت: على حرفين. فقيل لي: على حرفين أو ثلاث؟. فقال الملك الذي معي: قل على ثلاث، فقلت: على ثلاث، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب.
وفي رواية الترمذي وقال: حسن صحيح: أن أبَيًّا ﵁ قال:
لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقالوا: يا جبريل بعثت إلى أمة أميين، فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، فقال لي: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ورواه أبو داود الطيالسي عن أبي ﵁، أن جبريل عليه
السلام أتى النبي ﷺ عند أحجار المِرَا. فقال: يا جبريل. فذكر نحوه.
ورواه ابن جرير عن أبي ﵁ قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عند أحجار المرا. فقال: إني بعثت إلى أمة أميين، منهم الغلام والخادم، والشيخ العاسي، والعجوز، فقال جبريل ﵇:
стр. 288
فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف.
وروى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لقيت جبريل ﵇ عند أحجار المرا.
فذكره.
وفي بعض طرقه: إن أمتك يقرأون القرآن على سبعة أحرف.
وفي رواية: إن من أمتك الضعيف، فمن قرأ منهم على حرف، فليقرأ
كما علم ولايرجع عنه.
وفي رواية: فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه.
ورواه البزار - قال الهيثمي: وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه كلام
لا يضر وبقية رجاله رجال الصحيح - ولفظه: أن رسول الله ﷺ لقي جبريل ﵇ عند أحجار المرا فقال: إني أرسلت إلى أمة أمية وإلى من لم يقرأ كتاباً قط، فقال جبريل إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف، فقال: ميكائيل ﵇: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، وأحمد، عن حذيفة ﵁.
ولفظه: لقيت جبريل ﵇ عند أحجار المرا، فقلت: يا جبريل إني
أرسلت إلى أمة أمية فيهم، الرجل، والمرأة والغلام، والجارية، والشيخ
الفاني - وقال أحمد: العاسي - الذي لم يقرأ كتاباً قط، فقال: إن القرآن
أنزل على سبعة أحرف.
стр. 289
ورواه الطبراني والبزار بنحوه.
والمرا: قال عبد الغافر الفارسي في "مجمع الغرائب" وابن الأثير في
النهاية:. بكسر الميم: هي قباء، انتهى.
وقال في القاموس: وأحجار المرا: قباء خارج المدينة، وأحجار الزيت:
موضع داخل المدينة.
وهذا بناء منه على أن المدينة: الموضع الذي فيه قبر النبي ﷺ خاصة
وليس كذلك، بل هي اسم لجميع المحال التي كانت قبائل الأنصار مفرقة
بها، فيما بين أحُد وعَيْر، وبني النضير وقريظة.
فيكون المكان داخل المدينة.
ويوجد في كثير من الكتب "أحجار المرى" بياء بعد الراء ممدوداً، كما هو
الظاهر جمع مروة، مثل فروة وفرا. فنوع من الحجارة صلب براق، وكتابته
بالياء وهم.
وإن كان مقصوراً، جازت كتابته بالياء. والله أعلم.
стр. 290
وسيأتي إن شاء الله بيان المراد بقوله: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، في
سورة النحل.
بيان المراد بالأحرف السبعة
واختلفوا في المراد بسبعة أحرف.
فقال المعظم: هي لغات.
واختلفوا في معنى سبعة، هل هو الحصر، أو المبالغة؟.
واختلف من قال بالحصر في التعيين:
فعن أبي عبيد القاسم بن سلام: إنها لغة قريش، وهذيل، وثقيف.
وهوازن وكنانة، وتميم واليمن.
وعند بعضهم: خزاعة.
وعند آخرين: الأزد، وربيعة.
وعن علي وابن عباس ﵃: أنه أنزل بلغة كل حي من
أحياء العرب.
وهذا يدل على أنهما فَهِمَا أن المراد بالسبعة: المبالغة، لا الحصر.
قال أبو شامة في كتابه "المرشد الوجيز": وهذا هو الحق، لأنه إنما
стр. 291
أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على العرب، فلا ينبغي أن يوسع على
قوم دون قوم، انتهى.
وهذا في غاية الموافقة للأحاديث الذاكرة أن السبب في المراجعة:
التخفيف على الأمة، والله الهادي.
стр. 292
وروى ابن جرير في مقدمة التفسير، وأبو عبيد في الغريب والفضائل.
عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: سمعت القراء فوجدتهم
متقاربين فاقرأوا كما علمتم، وإياكم والاختلاف والتنطع، فإنما هو كقول
أحدكم: هلم وتعال، وإنه من قرأ منكم على حرف، فلا يتحولن عنه إلى
غيره.
وقال ابن جرير: فمعلوم أن عبد الله ﵁ لم يعن بقوله هذا
من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي، فلا يتحول إلى قراءة ما فيه من
الوعد والوعيد ونحو ذلك.
وإنما عني: أن من قرأ بحرف، فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه.
وحرفه: قراءته.
стр. 293
تقول العرب لقراءة الرجل: حرف فلان، ولواحد من حروف الهجاء
المقطعة: حرف، كما تقول للقصيدة: كلمة.
فمن قرأ بحرف أبي، أو بحرف زيد، أو غيرهما من القراء، من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه، فإن الكفر ببعضه كفر بجميعه، والكفر بحرف من ذلك، كفر بجميعه.
وروى البزار، وأبو يعلى، وابن جرير واللفظ له، عن أنس رضي الله
عنه أنه قرأ: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا" فقال له بعض
القوم: يا أبا حمزة إنما هي: "وأقوم قيلا". فقال: أقوم، وأصوب، وأهدى
واحد.
وفي رواية غيره، سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول في قوله
تعالى: "وأقوم قيلا" قال: وأصدق قيلا. فقيل له: إنما تقرأ: وأقوم. فقال: أقوم وأصدق واحد.
قال الهيثمي: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، ورجال البزار
ثقات.
وللشيخين، وأبي عبيد، وابن جرير، عن ابن عباس ﵄.
أن رسول الله ﷺ قال: أقرأني جبريل على حرف - قال ابن جرير فاستزدته فزادني، وقال الشيخان - فراجعته فزادني، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف.
стр. 294
قال ابن شهاب: بلغني أن تلك الأحرف إنما هي في الأمر يكون
واحداً لا يختلف في حلال، ولا حرام.
وللطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: وفيه جعفر لم أعرفه، وبقية رجاله
ثقات - عن سليمان بن صرد ﵁ قال: أتى محمداً ﷺ المَلَكانِ، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، فقال الآخر: زده، فما زال يستزيده حتى قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف.
ولأبي عبيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، والِإمام أحمد، والطبراني، وابن
جرير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، أن جبريل عليه
السلام قال لرسول الله ﷺ : اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: ﵇: استزده. فاستزاده، فقال: على حرفين، فقال ميكائيل ﵇: استزده، فقال له: زدني، قال: خذه على ثلاث أحرف، حتى بلغ سبعة أحرف فسكت ميكائيل، فقال جبريل: على سبعة أحرف، كلها كاف شاف.
كقولك، هلم وتعال، وأقبل، واذهب.
وفي رواية: أدبر وأسرع وأعجل، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية
عذاب بآية رحمة.
стр. 295
قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيء الحفظ.
وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
ورواه مُسَدد في تفسيره ولفظه: قال رسول الله ﷺ أتاني جبريل ﵇ ومعه ميكائل ﵇، فقال جبريل: خذ القرآن على حرف.
فأوما إليه ميكائيل: أن استزده، فقال: زدني، قال: خذه على حرفين فقال: استزده، فقال زدني، قال: خذه على ثلاثة أحرف، فكل مرة يومىء إليه: أن استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، قال: فسكت ميكائيل، فقال جبريل: خذه على سبعة أحرف، كلها كاف شاف، كقول الرجل: هلم وأقبل، واذهب وأدبر ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو عذاب برحمة.
وأخرجه الِإمام أحمد بإسنادين - قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال
الصحيح - والبزار، وأبو جعفر بن جرير الطبري في أول تفسيره، عن أبي
هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
عليم حكيم غفور رحيم.
وفي رواية: أنزل القرآن على سبعة أحرف، فالمراء في القرآن كفر -
ثلاث مرات - فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه.
стр. 296
وفي رواية: فاقرأوا ولا حرج، ولكن لا تجمعوا ذكر رحمة بعذاب، ولا
ذكر عذاب برحمة
ورواه عنه - أيضاً - أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، وابن حبان في
صحيحه ولفظه: أنزل القرآن على سبعة أحرف: عليماً حكيما، غفوراً رحيماً.
وروى الِإمام أحمد، والحميدي، وأبو يعلى، في مسانيدهم، وابن جرير
والطبراني في الكبير - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن أم أيوب الأنصارية
﵂، أن رسول الله ﷺ قال: نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت، أصبت.
وروى الِإمام أحمد، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، في مسنديهما عن عمرو
ابن العاص، ﵁، أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو:
إنما هي كذا وكذا، لغير ما قرأها الرجل، قال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول
الله ﷺ حتى أتياه، فقال: يا رسول الله، آية كذا، وكذا، فقرأها عليه فقال: صدقت، فقال الآخر: أليس أقرأتنِيها - على نحو ما قرأها على صاحبه - فرد صاحبه عليه، فقال رسول الله ﷺ : بلى، أنزل القرآن على سبعة أحرف.
فأي ذلك قرأت، فقد أصبت.
وفي رواية: فأي حرف قرأتم، فقد أصبتم، ولا تتماروا فيه، فإن المراء
فيه كفر.
ورواه الإمام أحمد، وأبو عبيد في الفضائل، عن أبي قيس مولى عمرو
بن العاص قال: سمع عمرو بن العاص رجلا يقرأ آية من القرآن، فقال:
стр. 297
من أقرأكها؟. قال رسول الله ﷺ ، قال: فقد أقرأنيها رسول الله ﷺ على غيرهذا.
فذهب إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله آية كذا وكذا، ثم قرأها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت وقال الآخر: يا رسول الله، فقرأ على رسول الله ﷺ وقال: أليس هكذا يا رسول الله؟. فقال:
هكذا أنزلت، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، ولا تماروا فيه، فإن المراء فيه كفر، أو آية الكفر
قال الحافظ الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، إلا أنه مرسل.
وللبخاري والنَّسائي، وأبي عبيد، عن ابن مسعود ﵁، أنه
سمع رجلًا يقرأ آية سمع رسول الله ﷺ يقرؤها على خلاف ذلك.
قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: اقرأ فكلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى، في مسنديهما، عن عبد الله
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف.
زاد أبو يعلى: ولكل آية منها ظهر وبطن.
ورواه الطبراني عنه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله، ونزل القرآن على سبعة أحرف.
لكل آية منها ظهر وبطن.
стр. 298
ورواه ابن جرير الطبري في مقدمة التفسير عنه أيضاً ولفظه: قال
رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن.
ولكل حرف حد. ولكل حد مطلع.
ورواه ابن جرير - أيضاً - عن عبد الله ﵁، أن رسول
الله ﷺ قال: أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ.
النهي عن المراء والجدال في القرآن
ولابن جرير عنه - أيضاً ﵁ قال: اختلف رجلان في
سورة، فقال هذا: أقرأني النبي ﷺ . وقال هذا: أقرأني النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، قال: فتغير وجهه وعنده رجل فقال: اقرأوا كما
علمتم - فلا أدري: أشيء أمر به، أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه - فإنما
أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم.
قال: فقام كل رجل منا وهو يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا، أو معناه.
ورواه أبو عبيد عنه ﵁ وقال: فأتيت رسول الله ﷺ وعنده رجل أنتم له كذا وكذا - يعني: عليا ﵁ فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال علي - فلا أدري أشيء أسرَّه إليه رسول الله ﷺ لم أسمعه، أم
علم الذي في نفسه فتكلم به -: قال: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل أحد كما عُلّم.
стр. 299
وروى عن عبد الله أيضاً ﵁ قال: تمارينا في سورة من
القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون، أو ست وثلاثون (آية) قال: فانطلقنا إلى
رسول الله ﷺ ، فوجدنا عليا ﵁ يناجيه، قال: فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة؟.
قال: فاحمر وجه رسول الله ﷺ وقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، قال: ثم أسرَّ إلى علي ﵁ أشياء، فقال لنا علي ﵁: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرأوا القرآن كما عُلِّمتم.
وروى الطبراني قي الكبير، والطبري في مقدمة التفسير، عن زيد بن
أرقم ﵁، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه سورة أقرأنيها زيد رضى الله عنه وأقرأنيها أبي بن كعب ﵁، فاختلفت قراءاتهم، بقراءة أيهم آخذ؟.
قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: وعلي ﵁ إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان بما عُلِّم، كل حسن جميل.
ولأحمد، وابن جرير وهذا لفظه وسياقه، عن علقمة قال: لما خرج
стр. 300
عبد الله ابن مسعود ﵁ من الكوفة، اجتمع إليه أصحابه، فودعهم
ثم قال: لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف، ولا يتلاشى، ولا يتغير لكثرة
الرد، وإن شريعة الإِسلام واحدة، وحدوده وفرائضه فيه واحدة، لو كان
شيء من الحرفين ينهي عن شيء مما أمر به الآخر، لكان ذلك الاختلاف.
ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض، ولا شيء من
شرائع الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله ﷺ ، فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أنا كلنا محسن. ولو أعلم أحداً أعلم بما أنزل على رسول الله ﷺ مني لطلبته حتى أزداد علْمَهُ (إلى) علمي، ولقد قرأت من لسان رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل
رمضان، حتى كان عام قبض، فعرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف، فلا يدعنَّهُ رغبة عنه، فإنه من جحد بآية - وفي
رواية: بحرف منه - جحد به كله.
ورواه الطبراني عن عبد الرحمن بن عابس، حدثنا رجل من همذان.
من أصحاب عبد الله - وما سماه لنا - قال: لما أراد عبد الله أن يأتي المدينة.
جمع أصحابه فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح فيكم من الفضل
ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه، والعلم بالقرآن. إن هذا
القرآن لا يختلف، ولا يستشنأ ولا ينفذ لكثرة الرد، فمن قرأ على حرف، فلا يدعه رغبة عنه، فإنه من يجحد بآية منه، يجحد به كله، فإنما هو كقول
أحدكم لصاحبه: أعجل وحيهلا (١) .
стр. 301
وروى أبو عبيد في غريب الحديث، عن عمر بن الخطاب، وأبى رضي
الله عنهما أن النبي ﷺ قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها كاف شاف.
قال: وبعضهم يرويه: فاقرأوا كما علمتم.
وروى هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁، من طريق
البخاري مثل رواية أبي يعلى.
ورواه الِإمام أحمد مختصراً.
وروى الإِمام أحمد - أيضاً - وهذا لفظه، والحارث في مسنديهما، وابن
جرير في مقدمة التفسير، وأبو عبيد في الغريب والفضائل، عن أبي الجهم -
ويقال: أبو الجهيم - الأنصاري ﵁: أن رجلين اختلفا في آية من
القرآن، قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ فقال: القرآن يقرأ على سبعة أحرف.
وفي رواية للحارث: أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ تماريا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، وكلاهما ذكر لرسول الله ﷺ أنه سمعها منه.
ذكر أن رسول الله ﷺ قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر.
قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح.
وروى الحارث بن أسامة، وأبو يعلي في مسنديهما بسند منقطع، أن
عثمان ﵁ قال على المنبر: اذَكِّرُ الله رجلاً سمع النبي ﷺ يقول:
стр. 302
إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلهن كاف شاف، لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك، ثم قال عثمان: وأنا أشهد معكم لأني سمعت رسول
الله ﷺ يقول ذلك.
وسيأتي في سورتي النحل والفرقان أحاديث كثيرة من هذا.
ويأتي هناك عن أبي عبيد: أنها متواترة المعنى.
وللشيخين، وأبي عبيد، والدارمي، عن جندب بن عبد الله البجلي
﵁ قال: قال النبي ﷺ : اقرأوا القرآن ما اتفقت - وفي رواية: ما ائتلفت - عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه.
стр. 303
ولأبي عبيد عن نافع بن سهيل قال: قال رسول الله ﷺ : اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم يَنْهَكَ فَلَسْتَ تقرأ.
أو قال: فلا تقرأه.
وقال ابن رجب: وروى يعقوب بن أبي شيبة، عن عبد الله بن مسعود
﵁ قال: اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه.
وروى عن الحسن ومكحول، من قولهما.
وروى مرفوعا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بإسناد
لا يصح.
وروى مسلم في القدر، والنسائي في فضائل القرآن والمواعظ، وأبو
داود الطيالسي، ومُسَدد، وأبو بكر بن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، في مسانيدهم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: هجَّرت إلى رسول
الله - سبب يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول
الله ﷺ يُعرف في وجهه الغضبُ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم على أنبيائهم.
стр. 304
وفي رواية: تنازعنا - أي القرآن - على عهد رسول الله ﷺ فقال قائل:
ألم يقل الله كذا وكذا؟. فأجابه الآخر: ألم يقل الله كذا وكذا؟.
وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: جئت يوماً، فإذا نفر من أصحاب
رسول الله ﷺ جلوس بفناء رسول الله ﷺ ، وكنت من ورائهم، وكنت من
أصغر القوم، فقال رجل: يا فلان فيم أنزلت آية كذا وكذا؟. فاختلفوا"
وعلت أصواتهم. وفي رواية له كنا جلوساً عند باب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟.
وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟.
وفي رواية الحارث: جلست من رسول الله ﷺ مجلساً، ما جلست قبله ولا بعده، أغبط عندي منه.
قال: قعد من وراء حجرته قوم يتجادلون بالقرآن فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج مُغْضَباً كأنما فقيء في وجهه حب
الرمان.
وفي رواية الحارث: فخرج محمرةً وجْنتَاه كأنما يقطران دماً، فقال: يا
قوم أبهذا أمرتم، أبهذا بعثتم. إن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، ولا
تجادلوا بالقرآن، إنما ضل من كان قبلكم بجدالهم.
وفي رواية: دعوا المراء في القرآن، إنما هلك الأمم قبلكم بهذا.
وفي رواية: قال: الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا في القرآن، إن القرآن
لم ينزل ليكذِّب بعضُه بعضاً، ولكن نزل ليصدِّق بعضُه بعضاً، فانظروا ما
أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه.
وفي رواية: فما كان من محكم فاعملوا به، وما كان من متشابهه
стр. 305
فآمنوا به ولستم مما ههنا في شيء، فإن المراء - وفي رواية: فكل مراء - في
القرآن كفر.
وفي رواية: لا تجادلوا في القرآن، فإن جدالاً فيه كفر.
وفي رواية أبي عبيد في الفضائل من طرق كثيرة، عن عبد الله بن عمرو
بن العاص ﵄ قال: صلينا - وفي رواية: صليت - مع رسول
الله ﷺ الغداة، فتنحى ناس من أصحابه في بعض حجر أزواجه يقرأون القرآن، فتنازعوا في شيء منه، وأنا منتبذ عنهم - وفي رواية: فجلست ناحية - فخرج عليهم رسول الله ﷺ مغْضَباً فقال: إن القرآن يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، ماعلمتم منه فاقبلوه، وما لم تعلموا فَكِلُوه إلى عالمه.
قال: قال عبد الله بن عمرو: فما اغتبطت بشيء اغتباطي بانتباذي عنهم
إذ لم تصبني عينا رسول الله ﷺ
قال شيخنا البوصيري بعد سوق هذه الروايات مفصلة: ورواه ابن
ماجة في سننه مختصراً، بإسناد صحيح، من طريق أبي معاوية عن داود -
يعني: ابن أبي هند - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله
عنه.
стр. 306
وساقه ابن رجب من هذه الطريق، وقال فيه: لا تجادلوا، فإنما هلكت
الأمم من قبلكم بهذا، جادلوا القرآن بعضه ببعض، فما كان فيه من حلال
فاعملوا به، وما كان فيه من حرام فدعوه وانتهوا عنه، وما كان فيه من
متشابه فآمنوا به.
وروى مسدد في مسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لا تضربوا
كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم.
وروى أبو داود: وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله
عنه، والطبراني وغيره عن زيد بن ثابت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: المراء في القرآن كفر.
قال أبو عبيد في غريب الحديث: ليس المراد بهذا المراء في التأويل بل
في اللفظ، (على) أن يقرأ الرجل القرآن على حرف، فيقول له الآخر:
ليس هو كذا، ولكنه هكذا، على خلافه، وقد أنزلهما الله (تعالى) جميعاً.
انتهى.
وهو في المراء، الذي يلزم منه - لا محالة - الكفر، لأن مطلق الجدال
منهى عنه كما دل عليه حديث عبد الله بن عمرو الماضي وغيره، سواء كان في اللفظ أو المعنى لأنه لا يأتي إلا من ارتكاب الهوى.
ومتى ترك حظ النفس، حصل الاتفاق على ما يظهر من النصوص.
لأنه لا اشتباه فيه أصلاً.
стр. 307
وإن تعارض الظاهران، صرف أحدهما إلى أقرب ما يحتمله من ظاهر
آخر وإن أشكل الحال، وجب أن نكف، ويقال: آمنا به، كل من عند ربنا.
وروى أبو بكر بن أبي عاصم، عن النواس بن سمعان، عن
النبي ﷺ قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، ولا تكذبوا بعضه ببعض، فوالله إن المؤمن ليجادل بالقرآن فيُغْلَبُ، وإن المنافق - أو قال: الفاجر - ليجادل بالقرآن فَيَغْلِب.
وقال - أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس بن عبيد قال:
كتبت إلى ميمونُ بن مهران، فأتاني كتابه، فذكر فيه أشياء ومنها:
ولا تمارين عالماً ولا جاهلاً، فإنك إذا ما ريت الجاهل خشن
بصدرك، (أولم يطعك، وإذا ما ريت العالم خزن عنك علمه، ثم لم
يبال ما صنعت.
ورواه الدارمي في أوائل مسنده قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن
إسماعيل ابن إبراهيم فذكره بمعناه.
خطأ من يقول في القرآن برأيه
وروى أبو داود في العلم، والترمذي في التفسير وقال: غريب وقد
تكلم بعض أهل العلم في سهل بن أبي حزم. والنَّسائي في فضائل القرآن،
стр. 308
وابن جرير في مقدمة التفسير، عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
والمعنى: أخطأ في إقدامه على الكلام بالرأي.
وروى هؤلاء الأربعة أيضاً في الأبواب المذكورة، وقال الترمذي: حسن
عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار.
وقد كتبت في بيان المعنى الرواية التي فيها "بغير علم" فبينت أن النهى
عنه: الكلام بمحض الرأي، من غير استناد إلى شيء من قوانين العلم.
وأما من تدبر كما أمره الله، وتكلم بما أدى إليه اجتهاده، فيما يعلم من
لسان العرب، وسنة النبي ﷺ ، وأقوال السلف، فأظهر المعنى، لم يُسبق إليه، جارياً على تلك القوانين، غير مخالف لها، فلقد أجاد كل الإِجادة وأفاد أعظم الإفادة.
стр. 309
وروى ابن جرير، وأبو يعلي، والبزار، عن عائشة ﵂، أنها
قالت: ما كان النبي ﷺ يفسر شيئاً من القرآن برأيه، إلا آياً تعد، علمهن إياه جبريل ﵇.
وهذا الحديث ضعيف.
قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه راو لم يحرر اسمه
عند واحد منهما، أما البزار فقال: عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن
هشام بن عروة وقال أبو يعلي: عن فلان بن محمد، بن خالد، عن هشام.
انتهى.
وأما ابن جرير فسماه: جعفر بن محمد الزبيري، وقال: إنه ممن لا
يعرف في أهل الآثار، فلا يجوز الاحتجاج بخبره. انتهى.
فقد كفانا ضعفُه مؤنتَه.
وعلى تقدير صحته، فالمراد: آي من المغيبات. ونحو ذلك، مما لا
سبيل للبشر إلى الِإطلاع عليه، إلا بالوحي.
وإلا كان ذلك - كما قال ابن جرير - مخالفاً لقول الله تعالى:
(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
فلو اقتصر على آي معدودة، لم يكن مبيناً لهم ما نزل إليهم، بل بعضه
ولكان مخالفاً لما رواه ابن مسعود ﵁.
стр. 310
قال: كان الرجل إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن، حتى يعرف
معانيهن والعمل بهن.
وغير ذلك مما شابهه عنه، وعن غيره من الصحابة، وكلام ابن عباس
البحر في التفسير، وتوسعه فيه معروف، والله الموفق.
ولأبي عبيد - أيضاً - عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ﵁
ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، فأرسل
إلى ابن عباس ﵄، فسأل: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها
واحد وقبلتها واحدة؟.
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآنُ فقرأناه، وعلمنا فيم نزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأى، فإذا كان لهم فيه رأى اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا.
قال: فزبره عمر ﵁ وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر
عمر فيما قال فعرفه، فأرسل إليه فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده عليه.
فعرف عمر قوله.
وروى أحمد، وابن عبد الحكم في الفتوح، عن عقبة بن عامر رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هلاك أمتي في الكتاب واللين.
قالوا: يا رسول الله: وما الكتاب واللين؟.
قال: يتعلمون الكتاب فيتأولونه على غير ما أنزله الله، ويحبون اللين، فيدعون الجماعات والجُمَع.
стр. 311
جمع الصحابة ﵃ للقرآن
١ - جمع أبي بكر الصديق ﵁.
وروى البخاري، والترمذي، وأبو عبيد في الفضائل، وأبو بكر بن أبي
داود في كتاب المصاحف، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليَّ
أبو بكر ﵁ قتل أهل اليمامة، وعنده عمر ﵁، فقال
أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس -
وفي رواية: بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن.
فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وأني لأرى: أن يجمع القرآن.
قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟.
فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه، حتى شرح الله لذلك
صدري، ورأيت الذي رأى عمر.
قال زيد بن ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك
رجل عاقل شاب، ولا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه.
فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثْقَلَ عليَّ مما أمرني به من
جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟. فقال أبو بكر: هو - والله - خير. فلم أزل أراجعه، حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر.
وفي رواية: فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر ﵄.
حتى شرح الله صدري، للذي شرح له صدرهما.
стр. 312
فقمت فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع، والأكتاف والعُسُب.
واللَخَاف - يعني الخزف -، وقال أبو بكر بن أبي داود: اللخف واللخاف: الحجارة الرقاق - وقال: ومن الأضلاع، يعني: الأكتاف. وصدور الرجال، حتى وجدتِ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت، أو أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مكتوبتين مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
فكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر ﵁ حتى توفاه الله، ثم عند عمر ﵁ حتى توفاه الله ﵁، ثم عند حفصة بنت عمر، ﵃.
ولأبي بكر بن أبي شيبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر
القتل بالقراء يومئذ، فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن
الخطاب ولزيد ابن ثابت ﵄: اقعدا على باب المسجد، فمن
جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.
أي بشاهدين يشهدان أن الذي أتى به كتب بين يدي رسول الله ﷺ .
وروى إسحاق بن راهوية، وأحمد بن منيع، عن ابن عباس، عن
стр. 313
أبي بن كعب ﵃ قال: آخر ما نزل من القرآن (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
ورواه عبد الله بن أحمد بلفظ: آخر آية نزلت: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) الآية.
وتقدم في أوائل هذه الفضائل في آخر ما نزل غير هذا.
وروى عبد الله بن الِإمام أحمد، وعبد الله بن أبي داود، عن أبي بن
كعب ﵁، أنهم جمعوا القرآن في مصاحف - وقال ابن أبي داود:
في مصحف - في خلافة أبي بكر ﵁، وكان رجال يكتبون، ويملي
عليهم أُبي بن كعب ﵃ أجمعين، فلما انتهوا إلى هذه الآية من
سورة براءة (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)
فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب ﵁:
إن رسول الله ﷺ أقرأني آيتين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
قال: هذا آخر ما أنزل من القرآن.
فختم (الأمر) بما فتح الله به: بالله الذي لا إله إلا هو، وهو قوله
﵎: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) .
стр. 314
وروى عبد الله بن الِإمام أحمد - أيضاً - والطبراني في الكبير، عن أبي
بن كعب ﵁ قال: آخر آية نزلت: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) الآية.
قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيء الحفظ.
وبقية رجاله ثقات.
وروى عبد الله بن الِإمام أحمد، وأبو بكر بن أبي داود، عن عباد بن
عبد الله ابن الزبير قال: أتى الحارث بن خزيمة ﵁ بهاتين
الآيتين من آخر سورة براءة (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) إلى عمر بن
الخطاب، فقال: من معك على هذا؟. قال: لا أدري، والله إني لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها، فقال عمر ﵁: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، ثم قال: لو كانت شت ثلاث آيات، لجعلتها سورة
على حدة، فانظروا أي سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعها في آخر
براءة.
وروى ابن أبي داود، عن عبد الرحمن بن يحيى بن حاطب، أن عثمان
﵁ قال: من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به، وكان لا
يقبل شيئاً من ذلك حتى يشهد عليه شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال:
стр. 315
إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قيل: وما هما؟. قال: تلقيت من
رسول الله ﷺ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)
إلى آخر السورة، فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما؟.
فقال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة.
٢ - جمع عثمان ﵁ .
وروى البخاري والترمذي، وابن أبي داود عن أنس ﵁.
أن حذيفة بن اليمان ﵁، قدم على عثمان ﵁، وكان
يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان، مع أهل العراق.
وفي رواية: كان يغازي أهل الشام مع أهل العراق، في فتح أرمينية
وأذربيجان.
وقال ابن أبي داود: في مرج أرمينية، وقال المرج: الثغر.
وفي رواية له: وكان يغزو قِبَلَ أرمينية وأذربيجان، وأهل الشام.
فتنازعوا في القرآن.
وفي رواية: اجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق.
فتذاكروا القرآن، فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فأفزع حذيفة
﵁ اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان ﵄
وفي رواية: فركب حذيفة بن اليمان لما رأى من اختلافهم إلى عثمان فقال:
يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود
والنصا رى.
قال ابن أبي داود: ففزع لذلك عثمان فزعاً شديداً، فأرسل عثمان إلى
حفصة ﵄: أن أرسلي إلينا بالصحف - وفي رواية: بالمصحف -
стр. 316
ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة (رضي الله
عنها) إلى عثمان ﵁ ، فأمر زيداً بن ثابت وعبد الله بن
الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله
عنهم، فنسخوا في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا
اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما
نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان
الصحف إلى حفصة ﵂، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما
نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن - في كل صحيفة أو مصحف - أن يُحْرَق.
وقال ابن أبي داود، وقال غيره: أن يُخَرق.
أي بالمعجمة.
وفي رواية له: وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف.
وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان
حرقت المصاحف بالعراق بالنار.
وروى ابن جرير عن أنس بن مالك ﵁، أنه اجتمع في
غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن، فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة - لما رأى اختلافهم في القرآن
- إلى عثمان ﵄ فقال: إن الناس اختلفوا في القرآن، حتى إني
خشيت أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف.
قال: ففزع لذلك فزعاً شديداً، فأرسل إلى حفصة ﵂.
فاستخرج الصحيفة التي كان أبو بكر ﵁ أمر زيداً ﵁
بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق.
стр. 317
وروى الِإمام أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع في الرسم" عن حذيفة
﵁، أنه قال لعثمان بن عفان ﵁: ما كنت صانعاً إذا
قال الناس: قراءة فلان، وقراءة فلان كما صنع أهل الكتاب؟ ، فاصنع الآن فجمع عثمان الناس على هذا المصحف، وهو حرف زيد ﵁.
حرق عثمان الصحف بعد نسخ المصحف
ولابن أبي داود في كتاب المصاحف، عن سالم وخارجه: أن أبا بكر
الصديق ﵁ كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيداً بن
ثابت ﵁ النظر في ذلك، فأبي حتى استعان عليه بعمر رضي
الله عنه، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر ﵁، حتى
توفي، ثم عند عمر ﵁ حتى توفي، ثم عند حفصة زوج النبي ﷺ فأرسل إليها عثمان ﵁، فأبت أن تدفعها، حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان في هذه المصاحف، ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان، فأخذها فحرقها.
وفي رواية: فلما كان مروان أمير المدينة، أرسل إلى حفصة رضي الله
عنها يسألها عن الصحف ليحرقها.
وفي رواية أبي عبيد: ليمزقها، وخشى أن يخالف بعض الكتَّاب
بعضا فمنعته إياها.
قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله قال: فلما توفيت حفصة.
أرسل إلى عبد الله بن عمر ﵄ بعزيمة ليرسلن بها ساعة رجعوا
стр. 318
من جنازة حفصة فأرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان فغشاها.
وحرقها.
وفي رواية أبي عبيد: فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف
لما نسخ عثمان ﵁.
وفي رواية: فأمر بها فشقت.
وقال مروان: إنما فعلت هذا، لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف.
فخشيت - إن طال بالناس زمان - أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب.
أو يقول: إنه قد كان منها شيء لم يكتب.
وروى الطبراني - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن سالم أن
مروان كان يرسل إلى حفصة ﵂ يسألها عن المصحف الذي
نسخ منه القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، فلما دفنا حفصة، أرسل
مروان إلى ابن عمر ﵄ أرسل إلي بذلك الصحف.
فأرسلها إليه.
وقال أبو عبيد في الفضائل - بعد أن روي الحديث -: لم تسمع في
شيء من الحديث أن مروان هو الذي مزق المصحف إلا في هذا الحديث.
وروى أبو عبيد عن عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة قال: أتى علي رجل
وأنا أصلي فقال: ثكلتك أمك، ألا أراك تصلي، وقد أمر بكتاب الله أن
يمزق؟. قال: فتجوزت في صلاتي، وكنتُ لا أحْبَسُ، فدخلت الدار فلم أحبس، ورقيت فلم أحبس فإذا أنا بالأشعري، وإذا حذيفة وابن مسعود ﵃ يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم المصحف. فقال:
стр. 319
والله لا أدفعه، فقال: ادفعه اليهم فإنهم لا يألون أمة محمد ﷺ خيراً، فقال: والله لا أدفعه، أقرأني رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ثم أدفعه إليهم؟.
والله لا أدفعه إليهم.
وللبخاري وأبي عبيد وعبد بن حميد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، أنه
سمع زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف في المصحف.
فقدت آية من سورة الأحزاب، كنتُ كثيرا أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري.
وفي رواية: فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين:
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)
وفي رواية: مع خزيمة، فألحقناها في سورتها في الصحف.
قال عبد في روايته: ؤكان خزيمة يُدعى ذا الشهادتين، فقتل يوم
صفين، مع عليٍّ ﵄.
стр. 320
وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان لا أمره الصديق ﵁ ألا
يكتب إلا إذا كان قد وجد مكتوباً بحضرة النبي ﷺ وأمره، وقابله - مع ذلك - على المحفوظ في صدور الرجال.
وفي هذا الأخير دليل من قوله: "نسخنا الصحف في المصاحف" إلى
آخره أنه أعاد التتبع كما فعل أولًا، ليصح قوله: "فقدت آية من سورة
الأحزاب". لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد: أن يكون سمع
النبي ﷺ كثيراً يقرؤها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي ﷺ .
والظاهر من هذا التتبع الذي لا يجوز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن
يفهم غيره: أن يكون لا ينقل آية، إلا إذا وجد من صفاتها على حسب ما
هي مكتوبة عدد التواتر، ولإرادة حفظ هذا المكتوب بحضرة النبي ﷺ وبأمره إذا جاز له لمثل هذه النازلة، نهى ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، فلا يوجد مثل هذه الواقعة، فلا تكون الثقة به
وإن كان محفوظاً في الصدور، كالثقة به إذا وجد ما كتب منه