← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة (رضي الله عنها) إلى عثمان ﵁ ، فأمر زيداً بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، فنسخوا في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة ﵂، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن - في كل صحيفة أو مصحف - أن يُحْرَق. وقال ابن أبي داود، وقال غيره: أن يُخَرق. أي بالمعجمة. وفي رواية له: وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف. وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به، فذلك زمان حرقت المصاحف بالعراق بالنار. وروى ابن جرير عن أنس بن مالك ﵁، أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن، فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة - لما رأى اختلافهم في القرآن - إلى عثمان ﵄ فقال: إن الناس اختلفوا في القرآن، حتى إني خشيت أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. قال: ففزع لذلك فزعاً شديداً، فأرسل إلى حفصة ﵂. فاستخرج الصحيفة التي كان أبو بكر ﵁ أمر زيداً ﵁ بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق.

стр. 317

وروى الِإمام أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع في الرسم" عن حذيفة ﵁، أنه قال لعثمان بن عفان ﵁: ما كنت صانعاً إذا قال الناس: قراءة فلان، وقراءة فلان كما صنع أهل الكتاب؟ ، فاصنع الآن فجمع عثمان الناس على هذا المصحف، وهو حرف زيد ﵁. حرق عثمان الصحف بعد نسخ المصحف ولابن أبي داود في كتاب المصاحف، عن سالم وخارجه: أن أبا بكر الصديق ﵁ كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيداً بن ثابت ﵁ النظر في ذلك، فأبي حتى استعان عليه بعمر رضي الله عنه، ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر ﵁، حتى توفي، ثم عند عمر ﵁ حتى توفي، ثم عند حفصة زوج النبي ﷺ فأرسل إليها عثمان ﵁، فأبت أن تدفعها، حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان في هذه المصاحف، ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان، فأخذها فحرقها. وفي رواية: فلما كان مروان أمير المدينة، أرسل إلى حفصة رضي الله عنها يسألها عن الصحف ليحرقها. وفي رواية أبي عبيد: ليمزقها، وخشى أن يخالف بعض الكتَّاب بعضا فمنعته إياها. قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله قال: فلما توفيت حفصة. أرسل إلى عبد الله بن عمر ﵄ بعزيمة ليرسلن بها ساعة رجعوا

стр. 318

من جنازة حفصة فأرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان فغشاها. وحرقها. وفي رواية أبي عبيد: فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمان ﵁. وفي رواية: فأمر بها فشقت. وقال مروان: إنما فعلت هذا، لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف. فخشيت - إن طال بالناس زمان - أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب. أو يقول: إنه قد كان منها شيء لم يكتب. وروى الطبراني - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن سالم أن مروان كان يرسل إلى حفصة ﵂ يسألها عن المصحف الذي نسخ منه القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، فلما دفنا حفصة، أرسل مروان إلى ابن عمر ﵄ أرسل إلي بذلك الصحف. فأرسلها إليه. وقال أبو عبيد في الفضائل - بعد أن روي الحديث -: لم تسمع في شيء من الحديث أن مروان هو الذي مزق المصحف إلا في هذا الحديث. وروى أبو عبيد عن عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة قال: أتى علي رجل وأنا أصلي فقال: ثكلتك أمك، ألا أراك تصلي، وقد أمر بكتاب الله أن يمزق؟. قال: فتجوزت في صلاتي، وكنتُ لا أحْبَسُ، فدخلت الدار فلم أحبس، ورقيت فلم أحبس فإذا أنا بالأشعري، وإذا حذيفة وابن مسعود ﵃ يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم المصحف. فقال:

стр. 319

والله لا أدفعه، فقال: ادفعه اليهم فإنهم لا يألون أمة محمد ﷺ خيراً، فقال: والله لا أدفعه، أقرأني رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ثم أدفعه إليهم؟. والله لا أدفعه إليهم. وللبخاري وأبي عبيد وعبد بن حميد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، أنه سمع زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف في المصحف. فقدت آية من سورة الأحزاب، كنتُ كثيرا أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري. وفي رواية: فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) وفي رواية: مع خزيمة، فألحقناها في سورتها في الصحف. قال عبد في روايته: ؤكان خزيمة يُدعى ذا الشهادتين، فقتل يوم صفين، مع عليٍّ ﵄.

стр. 320

وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان لا أمره الصديق ﵁ ألا يكتب إلا إذا كان قد وجد مكتوباً بحضرة النبي ﷺ وأمره، وقابله - مع ذلك - على المحفوظ في صدور الرجال. وفي هذا الأخير دليل من قوله: "نسخنا الصحف في المصاحف" إلى آخره أنه أعاد التتبع كما فعل أولًا، ليصح قوله: "فقدت آية من سورة الأحزاب". لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد: أن يكون سمع النبي ﷺ كثيراً يقرؤها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي ﷺ . والظاهر من هذا التتبع الذي لا يجوز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره: أن يكون لا ينقل آية، إلا إذا وجد من صفاتها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر، ولإرادة حفظ هذا المكتوب بحضرة النبي ﷺ وبأمره إذا جاز له لمثل هذه النازلة، نهى ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، فلا يوجد مثل هذه الواقعة، فلا تكون الثقة به وإن كان محفوظاً في الصدور، كالثقة به إذا وجد ما كتب منه

стр. 321

بحضرته ﷺ ، وكأنه لم يكن كالذي فعله الصديق ﵁ من كل وجه. وروى الِإمام أحمد عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: طوبي للشام. قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟. قال: إن ملائكة الرحمة باسطة أجنحتها عليها. الذين جمعوا القرآن من الصحابة وروى الشيخان، والترمذي، وأبو عبيد، وأبو داود الطيالسي، عن أنس ﵁ قال: جَمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وأبو زيد، وزيد. يعني زيد بن ثابت. ﵃. قيل لأنس: من أبو زيد؟. قال: أحد عمومتي. وفي رواية للبخاري عنه: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد: ونحن ورثناه. واسمه سعد بن عبيد.

стр. 322

وهذا الحصر بالنسبة إلى علم أنس ﵁، أو بالنسبة إلى الأنصار ﵃. قال الإِمام أبو شامة في كتاب "المرشد الوجيز": وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في كتاب "الانتصار" الكلام في حملة القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، وأقام أدلة كثيرة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدّة المذكورة وأن العادة تحيل خلاف ذلك، ويشهد لصحة (ذلك) كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة باليمامة، وذلك في أول خلافة أبي بكر ﵁، وما في الصحيح من قتل سبعين من الأنصار يوم بئر معونة، كانوا يسمون القراء. وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال لي رسول الله ﷺ : اقرأه في شهر، الحديث. وعبد الله غير مذكور في هذه العِدَّة، فدل على أنها ليست للحصر، وما كان من ألفاظها للحصر، فله تأويل. قال: وقد ذكر القاضي له تاويلات سائغة، منها:

стр. 323

أنه لم يجمعه على جميع وجوهه، والأحرف والقراءات التي نزل بها. وأخر رسول الله ﷺ أنها كلها شاف كاف، إلا أولئك النفر فقط. ثم قال: المازري: وإن لم يكمل القرآن سوى أربعة، فقد حفظ جميع أجزائه مئون، لا يحصون، وما من شرط كونه متواتراً أن يحفظ الكلُ الكل. وقال النووي في أواخر التبيان: اعلم أن القرآن العزيز، كان مؤلَّفاً في زمن النبي ﷺ على ما هو في المصاحف اليوم، ولكن لم يكن مجموعاً في مصحف، بل كان محفوظاً في صدور الرجال. فكان طوائف من الصحابة يحفظونه كلَّه، وطوائف يحفظون أبعاضاً منه، فلما كان زمن أبي بكر ﵁ وقتل كثير من حملة القرآن. خاف موتهم، واختلاف من بعدهم، فاستشار الصحابة ﵃ في جمعه في مصحف، فأشاروا بذلك. يعني خاف عليه فجمعه. وروى البخاري في المناقب عن عبد الله بن عمرو، أنه ذُكر عنده عبد الله بن مسعود ﵃، فقال: ذلك رجل لأزال أحبه بعد ما سمعت

стр. 324

رسول الله ﷺ يقول: استقرؤوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة، وأبَى بن كعب، ومعاذ بن جبل، ﵃. وروى ابن أبي داود عن مسروق قال: قال عبد الله - حين صنع بالمصاحف ما صنع -: والذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة إلا أعلم حيث أنزلت، وما من آية إلا أعلم فيم أنزلت، ولو أني أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإِبل لأتيته. ورواه عنه أبو عبيد، ولفظه: قال: لو أعلم أحداً تبلغنيه الإِبل. أحدث عهداً بالعرضة الأخيرة مني لأتيته. أو قال: لتكلفت أن آتيه. وروى ابن أبي داود عن زر قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد قرأت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، وإن لزيد ابن ثابت ذؤابتين (يلعب مع الصبيان) . وروى أبو بكر - أيضاً - عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه، وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، قال: فغضب عمر ﵁ وانتفخ حتى كاد أن يملأ ما بين شعبتي الرجل، قال: من هو ويحك؟. قال: هو عبد الله بن مسعود ﵁، قال: فما زال يطفأ ويتسري عنه الغضب.

стр. 325

حتى عاد إلى حاله التي كان عليها ثم قال: ويحك، والله ما أعلم بفتى من الناس أحداً هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك، كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة، كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله ﷺ يمشي، وخرجنا معه نمشي، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقال رسول الله ﷺ : من سرَّه أن يقرأ القرآن رطباً كما نزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله ﷺ يقول: سل تعطه، سل تعطه، فقال عمر رضى الله عنه: فقلت: والله لأغدون فلأبشرنه. قال: فغدوت لأبشره، فوجدت أبا بكر ﵁ قد سبقنى إليه فبشره ولا - والله - ما سابقته قط إلى خير، إلا سبقني إليه. ورواه أبو عبيد ولفظه: عن علقمة، عن عمر ﵁ قال: سمرنا ليلة عند أبي بكر ﵁ في بعض ما يكون من حاجة رسول الله عنه فخرجنا ورسول الله ﷺ يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا الى المسجد، إذا رجل يقرأ، فقام يستمع، فقلت: يا رسول الله أنِمْتَ؟ ، فَغَمَزني بيدِهِ، فسكتُ، فقرأ وركع وسجد، وجلس يدعو ويستغفر، فقال رسول الله ﷺ : سَلْ تعطه، ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأ كما قرأه ابن أم عبد. قال: علمت أنا وصاحبي أنه عبد الله فلما أصبحت غدوت عليه لأبشره فقال: قد سبقك أبو بكر ﵁، قال: وما سابقته إلى خير قط، إلا سبقني إليه.

стр. 326

وروى عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة. دقة المسلمين في جمع القرآن وروى الِإمام أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع" عن أبي قلابة، عن رجل من بني تميم يقال له - فيما أحسب - أنس بن مالك ﵁ قال: اختلف المعلمون في القرآن حتى اقتتلوا، وكان بينهم قتال، فبلغ ذلك إلى عثمان ﵁ فقال: أعندي تختلفون وتكذبون وتلحنون فيه يا أصحاب رسول الله ﷺ ؟. اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً يجمعهم، فكانوا في المسجد فكثروا، فكانوا إذا تماروا في الآية يقولون: إنه أقرأها رسول الله ﷺ فلان بن فلان وهو على رأس أميال من المدينة، فيُبْعث إليه من المدينة فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟. فيقول كذا وكذا. فيكتبون كما قال. وله من رواية أخرى عن أبي قلابة قال: حدثنا من كان يكتب معهم - قال حماد: أظنه أنس بن مالك القشيري ﵁ قال: كانوا يختلفون في الآية فيقولون: أقرأها رسول الله ﷺ فلان ابن فلان، فعسى أن يكون على رأس ثلاث ليال من المدينة.

стр. 327

فذكره نحو ما مضى. ولان أبي داود، وابن جرير، عن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان ﵁، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين. قال أيوب: فلا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراء بعض، فبلغ ذلك عثمان ﵁، فقام خطيباً فقال: أنتم عندي تختلفون فيه وتنحتون، فمن نأى عنى من الأمصار أشد فيه اختلافاً، وأشد بحثاً. فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً. قال أبو قلابة: فحدثني مالك بن أنس قال: كنت فيمن أملي عليهم، فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ﷺ ولعله أن يكون غائباً، أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها. ويدَعْون موضعها، حتى يجيء، أو يرسل إليهم، فلما فرغ من المصحف. كتب عثمان ﵁ إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا، وصنعت كذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم. وقد ساق ابن جرير خبر أبي بكر الصديق ﵁ في جمعه المصحف، وخبر عثمان ﵁ في مثل ذلك سياقاً واحداً، حسناً شافياً، بسند رجاله رجال الصحيح، فقال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، بنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي،

стр. 328

عن عمارة ابن غُزِية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه زيد ﵁ قال: لما قتل أصحاب رسول الله ﷺ باليمامة، دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر، ﵄ فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ باليمامة، تهافتوا تهافُتَ الفراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطناً إلا فعلوا ذلك، حتى يُقْتَلُوا وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن وُينسى، فلو جمعته وكتبته؟. فنفر منها أبو بكر ﵁ وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ ؟. فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر ﵁ إلى زيد بن ثابت ﵁. قال زيد: فدخلت عليه، وعمر ﵁ عنده، فقال أبو بكر: إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبَيْتُ عليه، وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه أوافقكما، وإن توافقتي لا أفعل. قال: فاقتص أبو بكر قول عمر، وعمر ساكت، فنفرت من ذلك فقلت: أنفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ ؟. إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لوفعلتما؟. قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شيء، والله ما علينا في ذلك شيء. قال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قِطَع الأُدُم، وكسِرَ الأكتاف. والعُسُب فلما هلك أبو بكر وكان عمر، كتب ذلك في صحيفة واحدة،

стр. 329

فكانت عنده، فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة زوجِ النبي ﷺ ، ثم إن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم من غزوة غزاها بمرْج أرمينية، فلم يدخل بيته، حتى أتى عثمان ابن عفان ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس، قال عثمان: وما ذاك؟. قال: غزوت مَرْج أرمينية، فحضرها أهل العراق وأهل الشام فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أبيِّ بن كعب ﵁، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود ﵁، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام، قال زيد ﵁: فأمرني عثمان بن عفان ﵁ أن أكتب له مصحفاً وقال: إني مدخل معك رجلًا لبيباً فصيحاً، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليَّ، فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص. قال: فلما بلغنا (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) . قال زيد: فقلت: "التابوه " وقال أبان: "التَّابُوتُ" فرفعنا ذلك إلى عثمان، فكتِبَت "التَّابُوتُ". قال: فلما فرغت عرضته (عرضة) . فلم أجد فيه هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) . فاستعرضت المهاجرين أسألهم فلم أجدها عند أحد منهم. ثم استعرضت الأنصار أسألهم فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت فكتبتها، ثم عرضته عرضة أخرى، فلم أجد فيه هاتين

стр. 330

الآيتين (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) . فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم (عنها) فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر - أيضاً - يدعى خزيمة، فأثبتها في آخر براءة، ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة. ثم عرضته عريضة أخرى، فلم أجد فيه شيئاً، ثم أرسل عثمان إلى حفصة ﵂ يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها. فأعطته إياها فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردها إليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة رضي الله عنها، أرسل إلى عبد الله ابن عمر ﵄ في الصحيفة بعزمة. فأعطاهم إياها، فغسلت غسلاً.

стр. 331

وقوله: "لم يفعله رسول الله ﷺ لعله يعني: كاملًا وإلا فقد كان النبي ﷺ لا ينزل عليه شيء، سواء كان آية، أو بعض آية، أو آيات، أو سورة كاملة إلا دعى كُتَّاب الوحي فيكتبونها، أو من يكتبها منهم. وقد روى الإِمام أحمد، والبيهقي ﵁ في كتاب "المدخل " والدلائل عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنا حول رسول الله ﷺ نؤلِّف القرآن من الرقاع، إذ قال: طوبى للشام، فقيل: ولم؟. قال: إن ملائكة الرحمة باسطوا أجنحتها عليهم. قال أبو شامة: ثم قال - يعني البيهقي -: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما أنزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ، ثم كانت مثبتة في الصدور، مكتوبة في الرقاع واللخاف، والعسب، فجمعها منها في مصحف بإشارة أبي بكر وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان ﵁، على ما رسم المصطفى ﷺ . وأخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

стр. 332

قال: وفيه البيان الواضح: أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة النبي ﷺ ، ثم جمع بحضرة أبي بكر الصديق ﵁. والجمع الثالث، وهو ترتيب السور، كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان، ﵃ أجمعين. قال أبو شامة: وخزيمة هذا - يعني صاحب آية الأحزاب - غير أبي خزيمة الذي وجد معه آخر براءة. ذاك أبو خزيمة بن أوس بن زيد، من بني النجار، شهد بدراً، وما بعدها وتوفي في خلافة عثمان ﵁. وهذا خزيمة بن ثابت بن الفاكه، من الأوس، شهد أحُداً وما بعدها، وقتل يوم صفين. وقيل غير ذلك. قال ابن جرير: فإن قيل: فما بال الأحرف الستة غير موجودة، أنسخت فرفعت بعد ما أنزلها الله تعالى على نبيه ﷺ ، وأقرأها ﷺ أصحابه ﵃، أم نسيتها الأمة، فذلك تضييع لما أُمِرَتْ بحفظه؟. قيل: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها، ولكنها

стр. 333

أمرت بحفظ القرآن وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة - أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة. فلو اجتمع جميعها على التكفير بأي الكفارات الثلاث شاء المكفر. كانت مصيبة حكم الله: مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله. فكذلك (الأمة) أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت علة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، ورفض القراءة بالستة الباقية، ولم يحظر على أحد قراءته بجميع حروفه، على ما أذن له فيه. وروى أبو عمرو الداني عن عامر قال: (قال صعصعة) : استخلف الله أبا بكر ﵁، فأقام المصحف. وعن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر ﵁ أول من جمع القرآن في المصحف حين قتل أهل اليمامة وعثمان ﵁ الذي جمع المصاحف على مصحف واحد. وروى أبو عبيد في الفضائل عن المطلب بن زياد عن السدي، عن عبد خير قال: أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر.

стр. 334

وله عن عبد خير، عن علي ﵁ قال: رحم الله أبا بكر. كان أول من جمع القرآن. وروى الداني عن ابن وهب، عن مالك ﵀، أنه قال: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ . تأييد الناس عثمان في حرق الصحف وعن سويد بن غَفَلة قال: قال لي علي ﵁: لو وُلِّيت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان بن عفان ﵁. وروى أبو عبيد، وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف، عن سويد بن غفلة الجعفي، قال: قال علي ﵁ في المصاحف - وفي رواية: حين حرق عثمان ﵁ المصاحف -: لو لم يصنعه عثمان رضي الله عنه لصنعته. وفي رواية: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً - أو قولوا له خيراً - في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا

стр. 335

، فقال: ما تقولون في هنه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتى خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفرا. قلنا: فما ترى؟. قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة. ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت. قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟. قالوا: أفصح سعيد ابن العاص، وأقرؤهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما، ويملي الآخر، ففعلا وجمع الناس على مصحف واحد. قال علي ﵁: والله لو وليت لفعلت الذي فعل. ورواه من طريق مصعب بن سعد، وقال في آخره: فما رأيت أحدا عاب ذلك عليه. وقال النووي في التبيان: وكان فعله - أي عثمان ﵁ أي الذي ذكر في جمع المصحف، وإتلاف ما سواه - باتفاق منه ومن علي بن أبي طالب ﵁، وسائر الصحابة ﵃ وغيرهم. وإنما لم يجمعه ﷺ (في مصحف واحد) ، لما كان يتوقع من زيادة، أو نسخ بعض المتلو، ولم يزل ذلك التوقع إلى وفاته ﷺ . وروى ابن أبي داود - أيضاً - عن أبي المحياة عن بعض آل طلحة بن مصرف قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر.

стр. 336

وروى ابن أبي داود، وأبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد خير، أنه قال: قال علي ﵁: يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع ما بين اللوحين. وفي السنن الكبرى للبيهقي عن علي ﵁ قال: اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان ﵁، فجعل الرجل يقول للرجل: قراءتي خير من قراءتك فبلغ ذلك عثمان ﵁، فجمع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: إن الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة وأنتم بين ظهرانيهم، فقد رأيت أن أجمعهم على قراءة واحدة، قال: فاجتمع رأينا مع رأيه على ذلك. قال: وقال علي ﵁: لو وليت مثل هذا الذي ولى، لصنعت مثل الذي صنع. وفي رواية: يرحم الله عثمان، لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان ﵁. أخرجه البيهقي في المدخل. وروى الداني، وأبو عبيد، وابن أبي داود، عن مصعب بن سعد - يعني: ابن أبي وقاص - قال: أدركت الناس - قال ابن أبي داود -: متوافرين - حين شقق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك. أو قال: لم يعب ذلك أحد.

стр. 337

وقال أبو عبيد: وقال مصعب بن سعد: أدركت الناسَ حين فعل عثمان ﵁ ما فعل، فما رأيت أحداً أنكر ذلك. يعني من المهاجرين والأنصار. وأهل العلم. عدد المصاحف التي نسخها عثمان قال أبو عمرو: وأكثر العلماء على أن عثمان ﵁، لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن. فوجه إلى الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة. وأمسك عند نفسه واحدة. وقد قيل: إنه جعله سبع نسخ، ووجه من ذلك - أيضاً - نسخة إلى مكة، ونسخة إلى اليمن، ونسخة إلى البحرين. والأول: أصح، وعليه الأئمة، انتهى. وقد روى ابن أبي داود قي كتاب "المصاحف " القول الأول عن حمزة الزيات وقال: فبعث بمصحف منها إلى الكوفة، فوضع عند رجل من مراد. فبقي حتى كتبت مصحفي عليه. والقول الثاني رواه عن أبي حاتم السجستاني.

стр. 338

وتصديق ما مضى من النقول عن الصحابة ﵃ بموافقة أمير المؤمنين عثمان ﵁: أنه ببركته وحسن نيته، وقع الحفظ لهذه الأمة، فانقطع ما كان به الخلاف بحفظ ما أثبته على سبيل التواتر، وذهاب ما أمر بتركه، فلم ينقل منه شيء من وجه يصح، واجتمعت الأمة على حظر قراءته، والمنع الشديد من تلاوته. المنع من القراءات الشاذة قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب: ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآناً، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر فلو خالف وقرأ بالشاذ، أنكر عليه.

стр. 339

وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ. ونقل الِإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يُصَلى خلف من قرأ بها. قال العلماء: فمن قرأ بالشاذ - إن كان جاهلًا به وبتحريمه - عُرف ذلك فإن عاد إليه بعد ذلك، أو كان عالماً به، عُزرَّ تعزيراً بليغاً، إلى أن ينتهي عن ذلك، ويجب على كل مكلَّف قادر على الإنكار أن ينكر عليه. فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ، فإن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف ولا نقصه، صحت صلاته، وإلا، فلا.

стр. 340

ترك البسملة بين الأنفال وبراءة روى أحمد وأبو داود، والترمذي وقال: حسن، وأبو عبيد في الفضائل وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف، والحاكم - وصححه على شرط الشيخين، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لعثمان ﵁: ما حملكم إلى أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني. وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ووضعتموها في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟. فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها - وقال أبو عبيد: في الموضع الذي يذكر فيه - كذا وكذا، فإذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت - براءة من أواخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أمرها. وفي رواية: أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ووضعتها في السبع الطول.

стр. 341

وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قلت لعثمان ﵁: الآية التي في البقرة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) لم تكتبها وقد نسختها الآية الأخرى؟ قال: يا ابن أخي لا أغَير شيئا عن مكانه. بدعة تزيين المصحف وروى ابن أبي داود، عن أبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، ﵃، أن كلا منهم قال: إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم فعليكم الدثار. وروى أيضاً - عن برد بن سنان قال: ما أساءت أمة العمل، إلا زَينَتْ مصاحفها ومساجدها. وروى أيضاً عن شقيق، وأبي وائل من طريقين، أن كلا منهما قال: مر عليَّ عبد الله بمصحف، قد زين بالذهب، فقال: إن أحسن ما زُيِّنَ به المصحف، تلاوته في الحق. وعن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: الرجل يقرأ القرآن منكوساً. فقال: منكوس القلب.

стр. 342

ورواه أبو عبيد بسند صحيح. وللطبراني برجال - قال الهيثمي: ثقات - عن عبد الله ﵁، أنه جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت رجلًا يقرأ القرآن منكوساً؟. قال: ذاك منكوس القلب، فأتى بمصحف قد زُين وذُهِّب، فقال عبد الله: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته في الحق. وقد تقدم في أوائل الفضائل. وتقدم كلام أبي عبيد عليه في غريب الحديث. النهي عن خلط سورة بسورة في القراءة وفي مصنف عبد الرزاق في الجامع عن ابن عيينة، عن "عبد الرحمن بن حرملة: سمعت بن المسيب يقول: مر النبي ﷺ بأبي بكر ﵁ وهو يصلي وهو يخافت، ومر بعمر ﵁ وهو يجهر، ومر ببلال ﵁ وهو يخلط فأصبحوا فاجتمعوا عنده فقال: مررت بك يا أبا بكر وأنت تخافت، قال: أجل بأبي وأمي، إني أسمع من أناجي. قال: ارفع شيئاً. قال: مررت بك يا عمر وأنت تجهر. قال: أجل بأبي وأمي، أسمع الرحمن، وأوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان. قال: اخفض شيئاً.

стр. 343

قال: ومررت بك يا بلال وأنت تخلط. قال: أجل بأبي وأمي، أخلط الطيب بالطيب. قال: اقرأ كل سورة على نحوها. ورواه أبو عبيد عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد ابن المسيب، وقال: قال لبلال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: أخلط الطيب بالطيب. فقال: اقرأ السورة على وجهها. ورواه عن عمر مولى غُفْرة وقال: قال لبلال: إذا قرأت السورة فانفذها. وروى هذا الحديث أبو داود بإسناد - قال النووي في شرح المهذب: صحيح - عن أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ خرج ذات ليلة، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، ومر بعمر ﵁ وهو يصلي رافعاً صوته، فلما اجتمعا عند النبي ﷺ ، قال النبي ﷺ : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك. قال قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، وقال لعمر ﵁: مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك؟. فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان. فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً. وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً.

стр. 344

قال النووي: ورواه أبو داود - أيضاً - بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ﵁ بهذه القصة، ولم يذكر قوله: "فقال لأبي بكر" وزاد: "وقد سمعتك يا بلال تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة. قال: كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض، فقال النبي ﷺ : كلكم قد أصاب". هذا ما أردت جمعه من فضائل القرآن، وحَمَلَته، وآدابه، والاعتناء بجمعه على العموم.

стр. 345

فضائل القرآن بخصوص السور وأما بخصوص السور: ما جاء في الاستعاذة فروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجة، عن أبي سعيد

стр. 346

الخدري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل كبَّر. ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، ثلاثاً، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله، ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثلاثاً، أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم. من همزه، ونفخه، ونفثه. قال النووي: ولكن الحديث ضعيف. ورواه أبو عبيد في غريب الحديث، ولفظه: "كان إذا استفتح القراءة في الصلاة قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 347

من همزه ونفثه ونفخه، فقيل: يا رسول الله، ما همزه ونفثه ونفخه؟. فقال: أما همزه: فالموتة. وأما نفثه: فالشعر. وأما نفخه: فالكبر. قال أبو عبيد: الموَتة: الجنون. وإنما سمَّاه همزاً لأنه جعله من النَخْس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. وسمى الشعر نفثاً، لأنه كالشيء ينفثه الِإنسان من فيه، مثل الدقيقة ونحوها وأما الكبر فإنه سمي نفخاً، لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه. فيعظمها عنده ويحقر الناس في عينه حتى يدخله الكبر، والتجبر والزهو. لكن المختار لجميع القراء العشرة، وعامة الفقهاء، في لفظ التعوذ: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " من غير زيادة، موافقة لما ورد في سورة النحل من قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) - أي أردت قراءته، إرادةً قاربت الشروع فيها (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . وموافقة لما في الصحيحين عن سليمان بن صُرَد ﵁ قال: استبّ رجلان عند النبي ﷺ ، وأحدهما يسب صاحبه مُغْضَباً، قد

стр. 348

احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجده، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنَّسائي في اليوم والليلة، وأبو يعلى الموصلي في مسنده، عن أبي بن كعب ﵁. ورواه الترمذي عن ابن مسعود ﵁. قال شيخنا العلامة مقرىء زمانه شمس الدين بن الجزري في كتابه النشر، وقد روى الطبراني في الكبير، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكر حديثاً يأتي في سورة الحجر - إلى أن قال: ثم قرأ

стр. 349

رسول الله ﷺ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) . وروى أبو الفضل الخزاعي، من طريق يعقوب الحضرمي. عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: قرأت على النبي ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم. فقال لي: يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أخذته عن جبريل، عن ميكائيل، عن اللوح المحفوظ. وقال: حديث غريب جيد الإسناد من هذا الوجه. وذكر شيخنا له طرقاً غير هذه، ثم قال: ورواه الخزاعي - أيضاً - في كتابه " المنتهى " بإسناد غريب،

стр. 350

عن عبد الله بن مسلم بن يسار قال: قرأت على أبي بن كعب ﵁ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم. فقال: يا بني عمن أخذت هذا؟. قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر الله . وأورد شيخنا عن أبي عمرو الداني، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما نزل جبريل على رسول الله ﷺ علمه الاستعاذة، فقال: يا محمد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ورواه ابن جرير بلفظ: "أستعيذ بالله السميع العليم" من وجه ضعيف ومنقطع. ما جاء في البسملة وروى ابن مردويه في تفسيره بسند - قال ابن رجب: ضعيف - عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ قال: أنزلت عليَّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود ﵇ وغيري. وهي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 351

وروى أبو داود عن ابن عباس، والبراء، ﵃، وصحح الحاكم حديث ابن عباس قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة، حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ورواه البزار - قال الهيثمي: بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح - عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ لا يعرف خاتمة السورة، حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإذا نزل (بسم الله الرحمن الرحيم) ، علم أن السورة قد ختمت، واستقبلت - أو ابتدَأت - سورة أخرى. قال ابن رجب: وروى أبو ذر الهروي في معجمه بإسناد ضعيف. عن أبي بريدة ﵁، أن النبي ﷺ قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فسردها عشرين مرة. فضل سورة الفاتحة وروى الِإمام أحمد في المسند، عن ابن جابر ﵁، أن النبي ﷺ -

стр. 352

قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخْيَر سورة في القرآن؟. قلت: بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد للهِ رب العالمين، حتى تختمها. قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ. وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. وروى البخاري، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجة -، والدارمي. عن أبي سعيد بن المُعَلى رضي الله - عنه قال،: كنت أصلي بالمسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ألم يقل الله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ؟. ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلتَ: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: (الحمد لله رب العالمين) ، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته. ولابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ في مسير فنزل، ونزل رجل إلى جانبه، فالتفت النبي ﷺ وقال: ألا أخبرك بأفضل القرآن؟. قال: بلى، فتلا: (الحمد لله رب العالمين) .

стр. 353

وروى مالك في الموطأ عن أبي سعيد بن المُعَلى - أيضاً - رضي اللُه عنه، أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب ﵁ وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال أبي: فوضع رسول الله ﷺ يده على يدي فقال: إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد، حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الِإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، قال أبي: فجعلت أبطىء في المسجد رجاء ذلك، فلما دَنَوْتُ قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني؟. قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟. قال أبن: فقرأت - الحمد لله رب العالمين - حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله ﷺ : هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، الذي أعطيت. وأخرجه إسحاق في المسند عن أبي نفسه ﵁. وعند ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم باختصار. وقال: على شرط مسلم عن أبي هريرة ﵁.

стр. 354

وعند الترمذي وقال: حسن صحيح. وعبد بنِ حميد عن أبي هريرة نفسه ﵁، أن رسول الله ﷺ خرج على أبي بنِ كعب ﵁ فقال: يا أبي - وهو يصلي - فالتفت أبي فلم يجبه، وصلى أبى فخفَّف، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : وعليك السلام ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟. فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة. قال: أفلم تجد فيما أنزل الله إليَّ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ؟. قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله. قال: أتحب أن أعلِّمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل. ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: لعلك أن لا تخرج من ذلك الباب حتى أخبرك بها. قال: فقمت معه، فجعل يحدثني ويدي في يده، فجعلت أتباطأ. كراهية أن يخرج قبل أن يخبرني بها، فلما دنوت من الباب، قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتني، فقال رسول الله : كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت أم الكتاب، قال: هي، هي، وهي السبع المثاني التي قال الله عز وجل: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) . الذي أوتيت. وفي رواية غيره قال: فقرأت أم القرآن، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 355

والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة، ولا في الِإنجيل، ولا في الزبور. ولا في الفرقان مثلها، وأنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته. ولأحمد في المسند، والدارمي، وأبي عبيد في الفضائل والغريب، بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال - وقرأ عليه أبي ﵁ أم القرآن - فقال: والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل - قال الدارمي: والزبور، وقال أبو عبيد: ولا في الزبور - ولا في الفرقان مثلها، وإنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت. ورواه أبو داود، والدارمي، عنه أيضاً، وقال: قال: رسول الله ﷺ : الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني. وللطبراني عن أبي زيد ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في بعض فجاج المدينة، فسمع رجلًا يتهجد، ويقرأ بأم القرآن، فقام رسول الله ﷺ فاستمع حتى ختمها، ثم قال: ما في القرآن مثلها. وفي الفضائل لأبي عبيد، عن الحسن ﵀ رفعه: من قرأ فاتحة الكتاب، فكأنما قرأ التوراة والِإنجيل، والزبور والقرآن.
следующие страницы →