← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ونبيكم.. - يعني: وإبراهيم من كوثا - وسائرهم من بني إسرائيل. على الكل أفضل الصلاة والسلام. فأول الأنبياء: آدم، وآخرهم: أنا، وأول أنبياء بني إسرائيل: موسى وآخرهم: عيسى ﵇. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله "فكم كتابا أنزله الله؟. قال: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب. أنزل الله على شيث بن آدم ﵉ خمسين صحيفة، وأنزل الله على جنوخ وهو إدريس ﵇ ثلائين صحيفة، وأنزل الله على إبراهيم ﵇ عشر صحائف، وأنزل الله على موسى ﵇ من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والِإنجيل، والزبور والفرقان. وقوله: "كحلقة ملقاة في فلاة"، يدل على أن السماوات كُرَيَّة متداخِلة. وعند الحاكم - وقال: صحيح الِإسناد - من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سورة

стр. 422

البقرة فيها آية، هي سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت وفيه شيطان. إِلا خرج منه، آية الكرسي. وللقاضي أبي عبد الله المحاملي في الخامس عشر من فوائده، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله عَلمْني شيئاً ينفعني الله به، قال: اقرأ آية الكرسي، فإنه يحفظك وذريتك ويحفظ دارك. حتى الدويرات حول دارك. وروى الدينوري في الجزء الحادي والعشرين من المُجالسة، عن الحسن ﵀، أن النبي ﷺ قال: إِن جبريل ﵇ أتاني فقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إِلى فراشك، فقل: (الله اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتى تختم آية الكرسي. ولأبي عبيد عن أبي أمامة، عن علي بن أبي طالب ﵄، أنه قال: ما أرى رجلاً ولدَ في الِإسلام، أو أدرك عقلُه في الِإسلام، يبيت أبداً، حتى يقرأ هذه الآية (الله اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، الآية، ولم تعلموا ما هي، إِنما أعطيها نَبِيكم ﷺ من كنز تحت العرش، ولم يعطها أحد قبل نبيكم وما بت ليلة قط حتى أقرؤها ثلاث مرات، أقرؤها في الركعتين بعد العشاء الآخرة، وفي وِتْرِي، وحين آخذ مضجعي من فِراشي. والسر - والله أعلم - في طردها الشيطان في جميع الأوقات: أن المقصود

стр. 423

منها - كما بينتُه في نظم الدرر -: الدلالة على مضمون الآية التي قبلها، من تمام القدرة المستلزم للوحدانية، المستلزمة للإِحاطة بجميع صفات الكمال، مع التصريح بتلك الصفات الثبوتية والسلبية، كلها أو جلها، وذكر الاسم الأعظم، وما يدل عليه فيها عشرين مرة. فلا جرم أن - من قرأها، فتَنَسمَتْ أنفاسه من تلك القدرة، ضربت على بيته من سرادقات العظمة، فطردت عنه وعمن شاء الله من جيرانه الشيطان. وأعْلَتْهُ عن حضيض الآفات، إلى حضرات الرحمن. وعلى هذا المقصود دلت تسميتها بالكرسي، لأنه على قدر مملكة المَلِك. تكون قدرته، وعلى حسب قدرته، يكون علوه وعظمته. وما تقدم من كونها تُقَدِّسُ، مؤيِّدُ لما ذكرت من مقصودها، فإن النطق آية تمام القدرة، ولما كانت نسبتها بذلك من سائر آيات القرآن، مثل نسبة الِإنسان من جميع الحيوان، بُيِّنَتْ أبهي البيان، انتظم قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) . وروينا في "سباعيات " الصيدلاني ومسند الإِمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ سال رجلاً من أصحابه: معك آية الكرسي؟. قال: نعم. قال: ربع القرآن.

стр. 424

وكذا قال في الكافرون والنصر. وسبب كون هذه الآية ربعاً، لا ثلثاً كالإِخلاص: أنها - وإن أثبتت الإلهية - لم يُصرح فيها بالصمدية، ولا بنفي الولد والمكافىء، فهي بسورة "الكافرون " أشبه من حيث إنها داعية إلى الإقبال على صاحب تلك الأوصاف دون غيره. وسيأتي لهذا في "الكافرون " تتمة. وعند النسائي والطبراني باسانيدَ، أحدها صحيح - قال المنذري: وقال شيخنا أبو الحسن: على شرط البخاري - وابنُ حبان في "كتاب الصلاة" وصححه من حديث أبي أمامة ﵁، أن رسول الله - ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي دُبَر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. وزاد الطبراني في بعض طرقه: وقل هو الله أحد. قال المنذري: وإسناده بهذه الزيادة جيد أيضا

стр. 425

وعند الطبراني بإسناد حسن، عن الحسن بن علي ﵄، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة، كان في ذِمَّة الله إلى الصلاة الأخرى. ولصاحب الفردوس عن أنس، وأبي أمامة ﵄، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة، قال أنس: كان له مثل أجر نبي. وقال أبو أمامة: كان الرب يتولى قبض روحه بيده، وكان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله حتى يستشهد.

стр. 426

ولأبي الشيخ ابن حيان، والترمذي في فضائل القرآن وقال: غريب. عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي حين يصبح وآيةً من أول "حم المؤمن" حُفِظَ في يومه ذلك حتى يُمْسِي، ومن قرأها حين يمسي حُفِظَ في ليلته حتى يُصْبحَ. ولفظ الترمذي: من قرأ حم المؤمن إلى: "وإليه المصيرُ"، وآية الكرسي حين يصبح، حفظ بها حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي، حفظها بهما حتى يصبح. وسيأتي هذا الحديث في غافر، إن شاء الله تعالى، وفيه زيادة قراءة الدخان. فضل خواتيم سوره البقرة ولصاحب الفردوس عن أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، عند الكَرْبِ، أغاثه الله. وعند الستة، وعبد الرزاق في جامعه، وابن خُزَيْمَة، والدارِمِي، وعبدِ. ابن حميد وأبي عُبَيد، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كَفَتَاهُ.

стр. 427

ورواه الدارمي - كما في نُسْخَتَيْن - عن ابن مسعود ﵁. قال المنذري: أجزأتاه عن قيام تلك الليلة، وقيل: كفتاه ما يكون من الآفات تلك الليلة. وقيلِ: كفتاه مِنْ كل شيطان فلا يقربُه ليلتَه. وقيل: معناه: حَسْبُه بها فَضْلاً وأجْراَ. والله أعلم. انتهى. والصواب في مثل هذا: التعميم، فإنَّ اللفظ يحتمله، والفَضْلُ أوْسَعُ.

стр. 428

وفي الفردوس عن عقبة بن عامر، وأبي مسعود، ﵄، أن النبي ﷺ قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة حتى يختمها في ليلة، أجزأت عنه قيام تلك الليلة. وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة، فقد أكثر وأطاب. وله برجال - قال الهيثمي: ثقات - عن شَدَّاد بن أوسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلُقَ السماوات والأرض بألفَيْ عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يُقْرآنِ في دار ثَلاَثَ لَيَال، فيقربُها شيطان. وله عن عقبة بنِ عامر ﵁ قال: تَرَدَّدُوا في الآيتين من آخر سورة البقرة "آمن الرسول" إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بهما محمداً ﷺ . وعند مسلم، والنًسائي في الصلاة، والترمذي في التفسير، وأبي يعلى الموصلي في مسنده، وأبي نعيم في الحلية في ترجمة طلحةَ بنِ مصرِّف، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما أسْرِيَ برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى (وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فَيُقْبَضُ منها، وإليها يَنْتَهِي ما يَهْبِطُ به من فوقها، فيُقْبَضُ منها، قال:

стр. 429

(إذ يغشى السًدْرَةَ ما يَغْشَى) ، قال: فراش من ذهب، قال: فأعْطِي رسولُ الله ﷺ ثلاثا: أعْطِيَ الصلواتِ الخَمْسَ، وأعْطِيَ خَواتِيمَ سورةِ البقرة، وغُفِر لمن مات لا يشرك بالله شيئاً من أمته المُقْحَمَاتُ. وقال أبو نعيم: صحيح متفق عليه من حديث طلحة، لم نكتبه إلا من حديث مالك عن أبي الزبير. ورواه أبو عبيد عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: الآيات الأواخر من سورة البقرة، إنهن لمن كنز تحت العرش. وعند أبي عبيد فِى الفضائل، والترمذي في الجامع واللفظ لهما، والنسائي وابن حبان في صحيحه، وأحمد بن منيع في مسنده، والدارمي، والطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، وأحمد بن عمرو القَطَوَاني. والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه

стр. 430

أن النبي ﷺ قال: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا تقْرَءانِ في دار ثلاث ليال، فيقربُها شيطان. ولفظ ابن منيع: فمن قرأ بهما في (بيته) لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام. وقال: هو عنده على العرش. ولفظ ابن صدقة بعد قوله: "بألفي عام فهو عنده على العرش: أنزل في ذلك الكتاب آيتين ختم بهما سورة البقرة، وأن الشيطان لا يلج بيتاً قرئت فيه ثلاث ليال. والباقي سواء. وفي رواية الحاكم: ولا يقرآن في بيت فيقربه الشيِطِان ثلاث ليال. وقال صحيح على شرط مسلم. وعند مسدد، وأبي بكر بن أبي داود، عن علي ﵁ أنه قال: ما كنت أرى أحدا يعقل، ينام حتى يقرأ - الآيات الأواخر من سورة البقرة فإنهن من كنز تحت العرش. ولفظ ابن أبي داود: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام - قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة.

стр. 431

قال النووي: وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.. وروى أيضاً عن علي ﵁: ما أرى أحداً يعقل في الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي. وللإِمام أحمد بن حنبل - قال الهيثمي: بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح - وأحمد بن منيع، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت من تحت العرش - (وفي رواية: آيتين أوتيتهما من كنز من بيت تحت العرش) - لم يؤتهما نبي قبلي: الآيتان من آخر سورة البقرة. وللطبراني في الكبير والأوسط، وأحمد في السند - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن حذيفة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة - وفي رواية: خواتيم سورة البقرة - من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي. قال ابن رجب: وخرَّجه النسائي، وعِندَه: وأوتيتُ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي، ولا يعطي منه أحد بعدي. وأشار إلى أنه في صحيح مسلم.

стр. 432

وللدارمي عن أيفع بن عبد الله الكلاعي - وجزم الذهبي أنه تابعي - قال: قال رجل يا رسول الله، أي سورة في القرآن أعظم؟. قال: "قل هو الله أحد" قال: فأي آية في القرآن أعظم؟. قال: آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، قال: فأي آية يا نبى الله تحب أن تصيبك وأمتك؟. قال: خاتمة سورة البقرة، فإنها من خزائن رحمة الله، من تحت عرشه، أعطاها هذه الأمة، لم تترك خيراً من خير الدنيا والآخرة، إلا اشتملت عليه. وفي رواية: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي آية في القرآن أعظم؟. قال: آية الكرسي، وخاتمة البقرة. فعلى هذه الرواية هو متصل، فيه مبهم. وخرج ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي، ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش. وإذا قرأ: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) استرجع واستكان.

стр. 433

وله عن علي ﵁ قال: ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام. حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، وأنهن لمن كنز تحت العرش. ولابن جرير في التفسير، والبزار في مسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه - أو غيره - عن النبي ﷺ ، وبعضهم وقفه على أبي هريرة. فذكر حديثاً في الإِسراء. وفيه: إن الله قال: يا محمد جعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيل. وأعطيتك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، لم أعطها نبياً قبلك. وأعطيتك خواتيم سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم أعطها نبياً قبلك. وسيأتي في الكوثر ما يتصل بهذا. وعند الحاكم وصححه على شرط البخاري، عن أبي ذر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ : إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء. وفي إسناده معاوية بن صالح، قال المنذري: لم يحتج به البخاري، إنما احتج به مسلم.

стр. 434

وهو عند أبي عبيد في الفضائل، وأبي داود في المراسيل، والدارمي، من حديث جبير بن نفير مرسلا. وللِإمام أحمد، وأبي يعلى الموصلي، في مسنديهما، والطبراني، وأبي عبيد في الفضائل، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرأ - وفي رواية: يقول على المنبر: اقرأوا - بهاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، إني أعطيتهما من تحت العرش. قال الهيثمي: والحديث حسن. ولفظ أبي عبيد: فإن ربي ﷻ أعطانيهما من تحت العرش. وفي سورة الشعراء حديث في فضل البقرة، وهاتين الآيتين. وروى الدارمي، عن عبد الله ﵁ قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة، لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح: أربع من أولها وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتيهما، أولها: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)

стр. 435

وقال في رواية أخرى: من قرأها، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يُقْرآنَ على مجنون إلا أفاق. وله عن المغيرة بن سبيع - وكان من أصحاب عبد الله - قال: من قرأ عشر آيات من البقرة عند منامه، لم ينس القرآن: أربع آيات من أوَلها، وآية الكرسي، وآيتان مِنْ بعدها، وثلاث من آخرها. وللبيهقي في الدعوات - وقال: موقوف حسن - عن العلاء بن اللجلاج. أنه قال لبنيه:إذا أدخلتموني في قبري، فضعوني في اللحد وقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ ، وسنوا عليَّ التراب سنا، واقرأوا عندي أول البقرة وخاتمتها، فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك. وفي الفردوس عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: من قرأ من أول البقرة أربع آيات، وآية الكرسي، والآيتين بعدها، والثلاث من آخرها، كلأه الله في أهله، وولده، وماله، ودنياه، وآخرته. وللطبراني - قال الهيثمي: عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح. صدوق إن شاء الله، كما قال الذهبي، قال ابن أبي حاتم: وقد تلكموا فيه، وبقية رجاله وثقوا - عن بريدة ﵁ قال: بلغني أن معاذ بن جبل ﵁ أخذ الشيطان على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيته فقلت: بلغني أنك أخذت الشيطان على عهد رسول الله - ﷺ ؟. قال: نعم، ضَمَّ إلى رسول الله ﷺ تمر الصدقة، فجعلته في غرفة لي، فكنت أجد فيه كل يوم

стр. 436

نقصاناً، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده، فرصدته ليلاً، فلما ذهب هَوِي من الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب، دخل من خلل الباب على صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقم، فشددت عليَّ ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يا عدو الله وَثَبْتَ إلى تمر الصدقة فأخذته، وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فيفضحك، فعاهدني أن لا يعود، فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: ما فعل أسيرك؟. فقلت: عاهدني أن لا يعود. قال: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثانية فصنع مثل ذلك، فصنعت مثل ذلك، وعاهدني ألا يعود، فخلًيْتُ سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله ﷺ الأخيرة فإذا مناديه ينادي: أين معاذ؟. فقال لي: يا معاذ ما فعل أسيرك؟. فأخبرته، فقال لي: إنه عائد فارصده فرصدته الليلة الثالثة، فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك. فقلت: يا عدو الله، عاهدتني مرتين وهذه الثالثة، لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فيفضحك. فقال: إني شيطان ذو عيال. وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئاً دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه، حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان، أنفرتنا منها. فوقعنا بنصيبين، ولا يقرآن في بيت، إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثا، فإن خليت سبيلي علمتكهما؟. قلت، نعم، قال: آية الكرسي وخاتمة سورة البقرة، "آمن الرسول" إلى آخرها، فخليت سبيله، فغدوت إلى رسول الله ﷺ لأخبره، فإذا مناديه ينادي: أين معاذ بن جبل؟. فلما دخلت عليه قال لي: ما فعل أسيرك؟. قلت: عاهدني ألا يعود، وأخبرته بما قال فقال رسول الله ﷺ : صدق الخبيث وهو كذوب. قال: فكنت أقرؤهما عليه بعد ذلك، فلا أجد فيه نقصانا.

стр. 437

وللطبراني في الكبير أيضاً - قال الهيثمي: ورجاله وثقوا كلهم، وفي بعضهم ضعف - عن مالك بن حمزة، بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه. عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي ﵁، وله بئر بالمدينة يقال لها: بئر بضاعة، قد بصق فيها النبي ﷺ ، فهي يتبشر بها، ويتيمن بها. قال: فلما قطع أبو أسيد تمر حائطه، جعلها في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مسربته، فتسرق تمره، وتفسده عليه، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: تلك الغول يا أبا أسيد، فاستمع عليها، فإذا سمعت اقتحامها، فقل: بسم الله أجيبي رسول الله ﷺ ، فقالت الغول: يا أبا أسيد، اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله ﷺ وأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك، ولا أسرق تمرك، فأدلك على آية تقرؤها على بيتك، فلا تخالف إلى أهلك، وتقرؤها على إنائك فلا يكشف غطاؤه فأعطته الموثق الذي رضي به منها، فقالت: الآية التي أدلك عليها هي آية الكرسي. ثم حكت أسنانها تضرط. فأتى النبي ﷺ فقص عليه القصة حيث ولَّت. فقال النبي ﷺ : صدقت وهي كذوب. اشتمال سورة البقرة على آخر ما نزل من القرآن وروى البخاري في التفسير، عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ ، آية الربا.

стр. 438

وروى أبو عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش: آية الربا وآية الديْنِ. وله عن ابن عباس ﵄ قال: آخر آية أنزلت من القرآن: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) .

стр. 439

قال: زعموا: أن رسول الله ﷺ مكث بعدها تسع ليال بدأ به يوم السبت، وتوفي يوم الإثنين. انتهى. ولا مخالفة، لأنها من آيات الربا والذين. وقال بعض العلماء: هي أرجى آية في القرآن، لأنها أطول آية فيه. وقد أرشد الله فيها العباد إلى حفظه بأنواع كثيرة من الاحتياط، وإذا كان هذا لطفه بأموالهم الفائتة، فكيف يكون حفظه عليهم لإيمانهم الذي ينفعهم في آخرتهم على الدوام. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس - وغيره ﵄ قال: لما نزلت: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ، دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخلها من شيء، فقال النبي ﷺ : قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله في قلوبهم الإيمان، فأنزل الله (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) - "إلى قوله

стр. 440

قوله - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . قال: قد فعلت، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) ، قال: قد فعلت (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ، قال: قدفعلت. ورواه عن أبي هريرة بنحوه، وقال: "نعم" موضع "قد فعلت ". وفي سورة طه عن أبي أمامة ﵁ في فضلها. وتقدم في الفاتحة من ذلك.

стр. 441

سورة آل عمران مدنية إجماعاً. هكذا قالوا. وقال النجم النسفي في تيسيره: مكية في قول عكرمة والحسن البصري مدنية في قول عامة أهل التفسير. وقال الجعبري في شرح الشاطبية: مدنية، إلا خمس آيات فمكية. وهي إحدى الزهراوين. وتاج القرآن. عدد آياتها وفواصلها وآيها مائتان في جميع العدد، فهي متفقة الِإجماع، مختلفة التفصيل. اختلافها في سبع آيات:

стр. 442

(الم) عدها الكوفي وحده. (الإِنجيل) الأول، أسقطها الشامي وحده. (وأنزل الفرقان) أسقطها الكوفي وحده. (الِإنجيل) الثاني، عدها الكوفي وحده. (ورسولاً إلى بني إسرائيل) عدها البصري وحده. (مما تحبون) الأول، أسقطها الكوفي والبصري، وأبو جعفر القاريء وعدها الباقون وشيبة بن نصاح. (مقامُ إبراهيم) عدها الشامي وأبو جعفر، ولم يعدها الباقون وشيبة. وفيها مما يشبه الفواصل ما يتلفق من قولى الداني والجعبري، ثلاث عشرة كلمة: (ولهم عذاب شديد) . (عِنْدَ الله الإِسْلامُ) . (وحَصُوراً) (إلا رَمْزاً) ، (يخلق ما يشاء) ، (في الأميين سبيل)

стр. 443

(أفغير دين الله يبغون) (لهم عذاب أليم) . (إليه سبيلاً) ، (من بعد ما أراكم ما تحبون) . (يوم التقى الجمعان) ، (أذى كثيراً) (متاع قليل) . وفيها عكس ذلك وهو ما يشبه الوسط، وهو رأس آية: ست. (بالأسحار) ، (يفعل ما يشاء) ، (يقول له كن فيكون) ، (قال له كن فيكون) (ولِيَعْلَم المؤمنيِن) (في البلاد) رويها تسعة أحرف: مر لقد أطنب. القاف: (الحريق) ، والهمزة: (السماء) ، و (الدعاء) ، و (ما يشاء) .

стр. 444

مقصودها ومقصودها: التوحيد. وذلك أن الفاتحة - وهي أم القرآن - لما كانت جامعة للدِّين إجمالاً جاء ما به التفصيل، وهو القرآن، الذي هي أمه، محاذياً لذلك، فابتدأ بسورة الكتاب، المحيط بأمر الدين، كما أن الفاتحة محيطة بأم القرآن، ثم بسورة التوحيد، الذي هو سر حرف الحمد، أول حروف الفاتحة السبعة، لأن التوحيد هو الأساس الذي لا يقوم بناء شيء من الدين بدونه، كما أن الفاتحة أس القرآن. وأيضاً: فلما ثبت بالبقرة أم الكتاب، في أنه هدى، وقامت به دعائم الِإسلام الخمس، جاءت هذه لإِثبات أمر الدعوة الجامعة، في قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ، فأثبت الوحدانية له سبحانه بإبطال إلهية غيره بإثبات أن عيسى ﵇ الذي كان يحيي الموتى - عبده، فغيره بطريق الأولى. وعلم أن الذي أقدره على إحياء الموتى، تارة بالنفخ، وتارة بغيره، هو الذي أقدر أحاد بني إسرائيل - على عهد موسى ﵇ على إحياء ذلك القتيل، بضربه بلحم تلك البقرة، التي أمرهم موسى ﵇ بذبحها وسميت بها السورة إشارة إلى ما تقدم من التطبيق بين اسمها ومسماها. فلما ثبت بهذا: أن الكل عبيده سبحانه، جاءت سورة النساء داعية إلى إقبالهم إليه، واجتماعهم عليه. والدليل على أن المقصود من هذه السورة، الدلالة على التوحيد: تسميتها بآل عمران، فإنه لم يعرب عن هذا القصد في هذه السورة، ما

стр. 445

أعرب عنه ما ساقه سبحانه فيها من أخبارهم، بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد، الذي ليس في درج الِإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته المعقولة. والتوحيد موجب لزهادة المتحلي بهذه السورة. فلذلك سميت الزهراء، وهو في نفسه ملزوم للأنوار الزاهرة، والأضواء الباهرة كلها، التي هي الأدلة الحقة للدين الحق، فلا يمكن رؤيتها على الحقيقة بدون تصحيحه. والله تعالى الهادى".

стр. 446

فضائلها وأما فضائلها: فروى مسلم في صحيحه، والترمذي وقال: حسن غريب، عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 447

يقول: يؤتي يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال، ما نسيتهن بعد، فقال: تأتيان كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان، بينهما شَرْقٌ، أو كأنهما فِرْقان من طير صواف، يحاجان عن صاحبهما. ولفظ الترمذي: كأنهما غمامتان بينهما إشراق، أو كأنهما غمامتان سوداوان، أو كأنهما ظلتان من طير صواف، يجادلان عن صاحبهما. وللطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : تعلَّموا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن صاحبهما تعلموا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة. وله في الأوسط، عن أنس ﵁ نحوه. والمعنى في هذا الحديث - وما أشبهه -: أنه يجيء فضل العمل وثواب القراءة، لما أشار إليه قوله: وأهله الذين كانوا يعملون به. وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة السجدة التعبير عن هذا المراد بأوضح مما هنا، وأقرب إلى الظاهر، والله الموفق. والِإشارة بالسواد إلى قوة الإظلال.

стр. 448

والشرق: قال المنذري: بفتح الشين المعجمة، وقد تكسر وبسكون الراء، بعدهما قاف، أي بينهما فرق يضيء. وفي القاموس: أن الشرق: الضوء نفسه، فهو حينئذ الفارق بينهما. وسر تمثيلهما بذلك: أما بالغمام والظلة: فلما مضى في البقرة من ظهور مجد الله تعالى - الذي هذه سورة توحيده - في الغمام. وذلك لأن مظهر الرحمة بالغيث والظل، والنسيم، والروح، كما كان لبني إسرائيل. ولأن بني إسرائيل كانت علامة قبول أعمالهم: نزول نار تأكل القربان فعوضنا من ذلك ظلا يروح الأجسام، وينعش الأرواح، معه نور يشرح الصدور ويبهج النفوس. وأما الطير: فللِإيمان بما فيها من إكرام عيسى ﵇ بتكوين الطير مع أنه عبد الله، وإكرام الشهداء بأن أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها. وشاركتها البقرة في الشهداء، وفي إكرام الخليل ﵇ بإحياء الطيور. وأما النور: ففي مقابلة النار، وكما كان لبني إسرائيل المذكورين في كثير منها من عمود النور في الغمام بالنهار. والله الموفق.

стр. 449

وعند الطبراني في الأوسط والكبير، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى عليه الله وملائكته حتى تغيب الشمس. وللبيهقي في الشعب عن مكحول مرسلاً، أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة، صلت عليه الملائكة إلى الليل. ورواه الدارمي عن مكحول موقوفاً عليه. وللطبراني في الأوسط بسند - قال المنذري: فيه بقية - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما خيب الله امرءاً قام في جوف الليل، فافتتح سورة البقرة وآل عمران. ولأحمد وأبي داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجة، عن أسماء بنت يزيد ﵂، أن النبي ﷺ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) . وفاتحة سورة آل عمران: (الله لا إله إلّاَ هو الحي القيوم) .

стр. 450

وفي رواية للإِمام أحمد: أن الآية الثانية لآية آل عمران، آية الكرسي. ولأحمد عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول، اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلوب لتتقلب؟. قال: نعم، ما خلق الله من بشر من بنى آدم، إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ، فإن شاء الله أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟. قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مُضِلات الفتن ما أحييتني. قال الهيثمي: وروى الترمذي بعضه، ورواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق.

стр. 451

وللطبراني بسند فيه عمر بن المختار - قال الهيثمي: وهو ضعيف - عن غالب القطان، قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) . قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة، وهي عند الله وديعة، (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) قالها مراراً، قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فغدوت إليه فودَّعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بلغك فيها؟. قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لأحدثنًك بها سنة، فأقمت سنة فكتبت على بابه، فلما مضت السنة. قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة، قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليَّ وأنا أحق من وفي بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة. وله - أيضاً - عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم

стр. 452

قال الهيثمي: وهو ضعيف - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، يقولون: يا عباد الله، هذا الطريق، واعتصموا بحبل الله جميعاً. قال: الصراط المستقيم: كتاب الله. وللإِمام أحمد عن أبي يحيى مولى آل الزبير عن الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) . وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. ورواه الطبراني، إلا أنه قال: وسمعت رسول الله يكبر ويقول حين قرأ هذه الآية ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا أنت العزيز الحكيم. قال الهيثمي: وفي إسناديهما مجاهيل. ولصاحب الفردوس عن أنس ﵁، وأبي الشيخ بن حيان عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إلى قوله: (الِإسلام) قال أنس ﵁: عند منامه -، خلق الله منه سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة (١) .

стр. 453

وقال ابن مسعود ﵁: قال: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، جيء به يوم القيامة. فقيل: عبدي هذا عهد إليّ عهدا، وأنا أحق من وَفي بالعهد. ولأبي الشيخ ابن حبان، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة البقرة وآل عمران، إيماناً واحتساباً، جعل الله له يوم القيامة جناحين منظومين بالدر والياقوت، يطير بهما على الصراط أسرع من البرق. ولأبي عبيد في الفضائل والغريب، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من قرأ سورة آل عمران، فهي غنى. وله فيهما عنه ﵁: نعم كنز الصعلوك سورة آل عمران. يقوم بها الرجل من آخر الليل. وللطبراني عن معاذ بن جبل ﵁، أن رسول الله ﷺ افتقده يوم الجمعة، فلما صلى رسول الله ﷺ أتى معاذاً فقال: يا معاذ مالي لم أرك؟. فقال: يارسول الله ليهودِيٍّ عَلَيَّ وقية من تبر، فخرجت إليك، فحبسني عنك، فقال له رسول الله ﷺ : يا معاذ ألا أعلمك دعاء تدعو به، فلو كان

стр. 454

عليك من الدَّين مثل. صَبِر أداه الله عنك - وصبر، أي بالمهملة. وزن كتف: جبل باليمن - قال في القاموس: مطل على ثغر - فادع الله يا معاذ، قل: (اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما، وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك. وفي رواية بعده: اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين، وتوفني في عبادتك، وجهاد في سبيلك. ورواه الطبراني في الصغير بإسناد جيد، عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاذ بن جبل: ألَا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل دَيْنا لأداه الله تعالى عنك؟. (قل اللهم مالك الملك - فساقه - إلى: كل شيء قدير) ، رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، تعطيهما من تشاء، وتمنعهما من تشاء، بيدك الخير، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك. قال العلائي: وأخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ آخر.

стр. 455

وروى البزار - قال الهيثمي: برجال الصحيح - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: (وجنة عرضها السماوات والأرض) ، فأين النار؟. قال: أرأيت الليل يطمس كل شيء، فأين النهار؟. قال: حيث شاء الله، قال: فكذلك حيث شاء الله. وعند ابن حبان في صحيحه من طريق عبيد بن عمير أنه قال لعائشة ﵂: أخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة

стр. 456

لربي، فقلت: والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بَل حجره، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤْذِنُه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟. قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟. لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إن في خلق السماوات والأرض) الآية كلها. ورواه ابن مردويه في التفسير، وابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر" من وجه آخر. وفيه: أتاني في ليلته حتى مس جلده جلدي، ثم قال: ذريني حتى أتعبد لربي. وفيه: فقام إلى القِرْبَةِ فتوضأ منها، ولم يكثر صب الماء، وقال بعد البكاء في السجود: ثم اضطجع على جنبه يبكي، حتى أتاه بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قال ابن رجب: وخرَّجه عبد بن حميد بسياق مطول، من طريق أبي جناب الكلبي، وهو متكلم فيه.

стр. 457

وروى ابن أبي الدنيا عن سفيان يرفعه: من قرأ آخر آل عمران، ولم يتفكر فيها ويله، فعد بأصابعه عشراً. وروى ابن أبي الدنيا - أيضاً - أن الأوزاعي سئل: ما أدق ما يخرج عن العهدة في التفكر؟. (فأطرق هنيهة) ، فقال: يقرؤهن وهو يعقلهن. وللطبراني في الكبير - بسند فيه يحيى الحماني وهو ضعيف - عن ابن عباس ﵄ قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟. قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟. قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص، ويحي الموتى. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزلت هذه الآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) ليتفكروا فيها.

стр. 458

وللبيهقي في الشعب، عن عثمان ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة، كتب له قيام ليلة. ورواه الدارمي موقوفاً على عثمان ﵁. وللشيخين، وأبي داود في السنن، والنَّسائي، وابن ماجه، وعبد بن حميد والبيهقي في الدعوات، عن ابن عباس ﵄ أنه رقد عند رسول الله ﷺ ، فرآه استيقظ فتسوك وتوضأ، وهو يقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) . حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات: ست ركعات، كل ذلك يستاك ثم يتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، ثم أتاه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، ورسول الله ﷺ يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً. . . الحديث.

стр. 459

ورواه أبو بكر الشامي في الخامس من "الغيلانيات"، عن الفضل بن العباس ﵄ قال: بتّ ليلةً عند النبي ﷺ ، فلما انصرف من العشاء الآخرة، انصرفتُ معه، فلما دخل البيت ركع ركعتين خَفِيفَتَيْن، ركوعهما مثلُ قعودهما، وسجودهما مثل قيامهما، وذلك في الشتاء، ورسول الله ﷺ في الحجرة، وأنا في البيت، فقلتُ: والله لارْمُقَن الليلةَ رسولَ الله ﷺ ولأنْظُرَ كيف صَلاَتُهُ، قال: فاضطجع في مُصَلاَّهُ حتى سمعت غطيطه. قال: ثم تَعَارَّ، فنظر في أفق السماء وكبَّر، ثم قرأ العشر الآيات من سورة

стр. 460

آل عمران، ثم أخذ سواكاً فاستن، ثم خرج فقضى حاجته، ثم رجع إلى شَنٍّ مُعلَّقةٍ فصبَّ على يده، ثم توضأ ولم يوقظ أحداً، وصلى ركعتين. ركوعهما مثل سجودهما، وسجودهما مثل قيامهما، وقال: فأراه صلى مثل ما رقد، ثم اضطجع مكانه، ورقد حتى سمعت غطيطه. وللدارمي عن أبي أمامة ﵁ قال: إن أخاً لكم أُري في المنام: أن الناس يسلكون في صدع جبل وَعْرٍ طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خَضْرَوَانِ تَهْتِفان: هل فيكم مَنْ يقرأ سورة البقرة، هل فيكم من يقرأ سورة آل عمران؟. فإذا قال الرجل: نعم. دنتا بأعذاقهما - أي أغصانهما - حتى يتعلق بهما فتخطو به الجبل. وله عن مسروق قال: قرأ رجل عند عبد الله ﵁ البقرة وآل عمران
следующие страницы →