Полный текст (1 180 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
لربي، فقلت: والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر
ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بَل حجره، قالت: وكان جالساً
فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال
يُؤْذِنُه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما
تقدم من ذنبك وما تأخر؟.
قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟.
لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إن في خلق السماوات والأرض) الآية كلها.
ورواه ابن مردويه في التفسير، وابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر" من
وجه آخر.
وفيه: أتاني في ليلته حتى مس جلده جلدي، ثم قال: ذريني حتى
أتعبد لربي.
وفيه: فقام إلى القِرْبَةِ فتوضأ منها، ولم يكثر صب الماء، وقال بعد
البكاء في السجود: ثم اضطجع على جنبه يبكي، حتى أتاه بلال يؤذنه بصلاة
الصبح.
قال ابن رجب: وخرَّجه عبد بن حميد بسياق مطول، من طريق أبي
جناب الكلبي، وهو متكلم فيه.
стр. 457
وروى ابن أبي الدنيا عن سفيان يرفعه: من قرأ آخر آل عمران، ولم
يتفكر فيها ويله، فعد بأصابعه عشراً.
وروى ابن أبي الدنيا - أيضاً - أن الأوزاعي سئل: ما أدق ما يخرج
عن العهدة في التفكر؟. (فأطرق هنيهة) ، فقال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
وللطبراني في الكبير - بسند فيه يحيى الحماني وهو ضعيف - عن ابن
عباس ﵄ قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟.
قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان
عيسى؟. قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص، ويحي الموتى. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزلت هذه الآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)
ليتفكروا فيها.
стр. 458
وللبيهقي في الشعب، عن عثمان ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة، كتب له قيام ليلة.
ورواه الدارمي موقوفاً على عثمان ﵁.
وللشيخين، وأبي داود في السنن، والنَّسائي، وابن ماجه، وعبد بن
حميد والبيهقي في الدعوات، عن ابن عباس ﵄ أنه رقد عند
رسول الله ﷺ ، فرآه استيقظ فتسوك وتوضأ، وهو يقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) .
حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات: ست ركعات، كل ذلك يستاك ثم يتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، ثم أتاه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، ورسول الله ﷺ يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً. . . الحديث.
стр. 459
ورواه أبو بكر الشامي في الخامس من "الغيلانيات"، عن الفضل بن
العباس ﵄ قال: بتّ ليلةً عند النبي ﷺ ، فلما انصرف من العشاء الآخرة، انصرفتُ معه، فلما دخل البيت ركع ركعتين خَفِيفَتَيْن، ركوعهما مثلُ قعودهما، وسجودهما مثل قيامهما، وذلك في الشتاء، ورسول الله ﷺ في الحجرة، وأنا في البيت، فقلتُ: والله لارْمُقَن الليلةَ رسولَ الله ﷺ
ولأنْظُرَ كيف صَلاَتُهُ، قال: فاضطجع في مُصَلاَّهُ حتى سمعت غطيطه.
قال: ثم تَعَارَّ، فنظر في أفق السماء وكبَّر، ثم قرأ العشر الآيات من سورة
стр. 460
آل عمران، ثم أخذ سواكاً فاستن، ثم خرج فقضى حاجته، ثم رجع إلى
شَنٍّ مُعلَّقةٍ فصبَّ على يده، ثم توضأ ولم يوقظ أحداً، وصلى ركعتين.
ركوعهما مثل سجودهما، وسجودهما مثل قيامهما، وقال: فأراه صلى مثل ما رقد، ثم اضطجع مكانه، ورقد حتى سمعت غطيطه.
وللدارمي عن أبي أمامة ﵁ قال: إن أخاً لكم أُري في
المنام: أن الناس يسلكون في صدع جبل وَعْرٍ طويل، وعلى رأس الجبل
شجرتان خَضْرَوَانِ تَهْتِفان: هل فيكم مَنْ يقرأ سورة البقرة، هل فيكم من
يقرأ سورة آل عمران؟.
فإذا قال الرجل: نعم. دنتا بأعذاقهما - أي أغصانهما - حتى يتعلق بهما فتخطو به الجبل.
وله عن مسروق قال: قرأ رجل عند عبد الله ﵁ البقرة وآل عمران
стр. 461
فقال: قرأت سورتين فيهما اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعى به
أجاب، وإذا سُئِل به أعطى.
وله عن كعب قال: من قرأ البقرة وآل عمران، جاءتا يوم
القيامة تقولان: يا رب لا سبيل عليه.
وله عن عبد الله ﵁ قال: نعم كنز الصعلوك سورة آل
عمران يقوم بها في آخر الليل.
وله عن أبي السليل قال: أصاب رجل دما، فأوى إلى وادي مجنة.
وَادٍ لا يمشي فيه أحد، إلا أصابته حية، وعلى شفير الوادي راهبان، فلما
أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك - والله - الرجل.
قال: فافتتح سورة آل عمران، فقالا: قرأ سورة، لعله سينجو قال:
فأصبح سليماً.
ولابن السنى عن السيد الجليل - قال النووي: المجمع على جلالته -
стр. 462
أبي عبد الله: يونس بن عبيد الله، بن دينار البصري، التابعي المشهور.
قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) .
إلا وقفت بإذن الله تعالى.
ورواه البيهقي في كتاب "الدعوات" عن ابن عباس ﵄ من
قوله. -
ولفظه: إذا استصعبت دابة أحدكم، أو كانت شموساً، فليقرأ هذه
الآية في أذنها: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) .
وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، عن عوف بن مالك رضي
الله عنه قال: قمت مع النبي ﷺ (فبدأ فاستاك، وتوضأ ثم قام فصلى، فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة، إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة ثم سجد بقدر قيامة، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة، سورة.
وفي سورة طه عن أبي أمامه ﵁ حديث في فضل القرآن.
стр. 463
سورة النساء
مدنية إجماعاً، كذا قال بعضهم.
وقال الأصبهاني: إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح، في عثمان
بن أبي طلححة، وهي: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) .
وقيل: نزلت عند هجرة النبي ﷺ .
وقيل: السورة مكية، ولا خلاف أن منها ما نزل بالمدينة.
والظاهر الأول، فإن في البخاري عن عائشة ﵂: ما نزلت
سورة النساء، إلا وأنا عند رسول الله ﷺ .
стр. 464
ولا خلاف أن النبي ﷺ إنما بنى بها بالمدينة.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها مائة وسبعون وخمس ايات في المدنيين، والمكي والبصري، والكوفي
والشامي، دون غيرهم.
(فيُعذَبُهم عذاباً أليماً) عدها الشامي وحده.
وفيها مما يشبه الفواصل ثمانية:
(إحداهن قِنْطاراً) ، (عليهن سبيلاً) ، (إلى أجَل قريب) (للناس رسولا) ، (لَمَنْ ليبَطًئَنَّ) ، (يكتب ما يُبَيتُون) ، (مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفا) ، (ولا الملائكة المقربون)
وعكسه أربعة:
(ألا تَعُولوا) ، (مرِيئاً) ، (أجْراً عَظِيماً) ، (ولا لِيَهْدِيَهُمْ طريقاً) .
стр. 465
ورويها أربعة أحرف: ملنا.
كذا قال الجعبري، وليس كذلك، وإنما رويها سبعة عشر حرفاً، كما
عرف في علم العروض، يجمعها قولك: أغث مرض، صلف، قد طعن.
تطلب.
مقصودها
مقصودها: الاجتماع على التوحيد، الذي هَدَتْ إليه سورة آل عمران
والكتاب الذي حدت إليه سورة البقرة، لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة
تحذيراً مما أراده شاس بن قيس وأنظاره من الفرقة.
ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من
стр. 466
التوحيد، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل - عادة - الأرحام
العاطف التي مدارها النساء، سميت "سورة النساء". لذلك.
ولأن بالاتقاء فيهن تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد، عن حارثة بن مضرِّب لأم قال: كتب
إلينا عمر ﵁: - تعلموا سورة النساء، والأحزاب، والنور.
وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، عن عبد الله بن
مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ في القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟. قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية:
стр. 467
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) .
قال: حسبك الآن، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان.
وفي رواية الترمذي: تهملان.
وفي رواية لمسلم: أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر اقرأ على، فذكر الحديث.
وروى الطبراني برجال - قال الهيثمي: ثقات -، وابن أبي الدنيا عن
محمد بن فضالة الظفري، وكان ممن صحب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ أتاهم في مسجد بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في مسجد
стр. 468
بني ظفر اليوم، ومعه عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأناس من
أصحابه، وأمر النبي ﷺ قارئاً، فقرأ حتى أتى على هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) .
فبكى رسول الله ﷺ ، حتى اضطرب لحياه، فقال: أي رب شهدت على من أنا بين ظهرانيه، فكيف بِمَنْ لم أره.
وروى عن يحيى بن عبد الرحمن، بن لبيبة، عن أبيه، عن جده، أن
رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أر.
وروى الروياني - وذكره ابن رجب - عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه قال: دخلت المسجد أنا وفلان وفلان حين هدأ الناس للمَقِيل، فجاء
стр. 469
رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا، قال: فيومئذ نزلت هذه الآية: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) ، وكان ابن مسعود ﵁ حسن الصوت، فقال له رسول الله ﷺ : اقرأ يا ابن مسعود سورة النساء، فقرأ حتى بلغ (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) . الآيات، فاشار النبي ﷺ : اسكت ثم قال: حق والله لهم
إذا صافحتهم النار وصافحوها، أن يودوا لو تسوى بهم الأرض، وبكى رسول الله ﷺ وبكينا، حتى كدنا نموت.
ثم قال: أرددها علينا، فقرأ حتى انتهى عند هذه الآية، قال: حق لهم إذا صافحتهم النار - مثل قوله الأول - ثم بكى وبكينا معه، ثم قال: ارددها، فرددها سبع مرات، كل ذلك يبكي ويقول: حق لهم - مثل قوله الأول - لم يسكت حتى اشتهينا أن يسكت من شدة حزنه وبكائه وما نراه صنع.
قال ابن رجب: وهذا سياق غريب، وفيه نكارة، وفيه أبو داود.
نفيع، وفيه ضعف شديد.
وروى ابن المبارك عن موسى بن عبيدة، عن خالد بن يسار، قال: لا قرأها ابن أم عبد علي النبي ﷺ بكى فاشتد بكاؤه، ثم قام
стр. 470
مغطياً رأسه حتى دخل بيته.
قال ابن رجب: وهذا مرسل ضعيف.
وفي جامع الأصول - غير معزو - عن علي ﵁ أنه قال: ما
في القرآن أحب إلي من هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: خمس آيات ما يسرني أن لي
بهن الدنيا وما فيها، إحداهن: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)
و (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) .
стр. 471
و (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) .
و (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
و (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
وروى البخاري في فضائل القرآن، عن يوسف بن ماهك "، أن
عراقياً سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عها أن تريه مصحفاً، فقالت:
لم؟. قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يُقْرَا غير مؤلَّف، قالت: وما
يضرك أيه قرأت قبل؟! إنما نزل ما نزل (منه) ، سورة من المفصل، فيها
ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الِإسلام، نزل الحلال والحرام،
стр. 472
ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نَدَعُ الخمر أبداً، ولو
نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)
وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السور.
ورواه أبو عبيد عن يوسف بن ماهك، قال: إني لعند عائشة أم
المؤمنين ﵂، إذ جاء أعرابي فقال: يا أم المؤمنين أريني
مصحفك؟.
قالت: لم؟ ، قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنَا نقرؤه غير
مؤلَّف - فذكره.
وقال في آخره: فأمليت عليه آي السور.
وروى الِإمام أحمد في المسند، عن مسلم بن مِخْرَاق، عن عائشة رضي
الله عنها، قال: ذُكر لها: أن ناساً يقرؤون القرآن في الليلة مرة أو مرتين.
فقالت: أولئك قرأوا، ولم يقرأوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام فكان يقرأ بالبقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذه، ولا يمر بآية فيها استبشار، إلا دعا الله، ورَغِبَ إليه.
وروى أبو عبيد في الفضائل والغريب، عن حذيفة ﵁ قال:
صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله سبح.
стр. 473
ولفظه في الغريب: أنه كان يصلي من الليل، فإذا مر بآية فيها ذكر
الجنة سأل، وإذا مر بآية فيها ذكر النار تعوذ، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله
سبح.
وقال: يعني ما ينزه عنه تبارك اسمه، من أن يكون له شريك.
أو ولد وما أشبه ذلك.
وأصل التنزيه: البعد مما فيه الأدناس، والقرب مما فيه الطهارة
والبراءة ثم كثر استعمال الناس النزهة في كلامهم حتى جعلوها في البساتين
والخضر ومعناه راجع إلى ذلك الأصل.
وله في الفضائل عن عوف بن مالك ﵁ قال: قمت مع
رسول الله ﷺ ، فبدأ فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم قرأ آل عمران، ثم قرأ سورة النساء، أو قال: ثم قرأ سورة، سورة يفعل مثل ذلك.
وله عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام، فيقرأ بسورة البقرة، وآل عمران، والنساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ.
стр. 474
وله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه ﵁ قال: كان
رسول الله ﷺ يصلى، فإذا مر بآية فيها ذكر النار قال: أعوذ باللُّه من النار.
وللدارمي عن ابن مسعود ﵁ قال: من قرأ آل عمران فهو
غني والنساء مُحَبِّرة.
قال أبو محمد: أي مُزَيِّنة.
وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: صليت مع
رسول الله ﷺ ذات ليلة، فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت:: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا إذا مر بآية تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام قياماً طويلاً، قريباً مما ركع، ثم سجد
стр. 475
فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده، قريباً من قيامه.
ورواه أبو داود وهذا لفظه، والترمذي، والنَّسائي: أنه رأى النبي ﷺ يصلي من الليل، فكان يقول: الله أكبر ثلاثاً، ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحواً من ركوعه، يقول: لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحواً من قيامه، فكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، وكان يقول: ربي اغفر لي، فصلي أربع ركعات، فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة.
قال أبو داود: أو الأنعام، شك شعبة.
ورواه عبد الرزاق في جامعه، ولفظه: عن حذيفة ﵁، أنه
مر بالنبي ﷺ وهو يصلي بالمسجد في المدينة، قال: فقمت أصلي وراءه، يخيل إلى أنه لا يعلم، فاستفتح سورة البقرة، فقلت: إذا جاء مائة آية ركع، فلم
يركع، فقلت: إذا جاء مائتي آية ركع، فجاءها فلم يركع، فقلت: إذا
ختمها ركع، فختم فلم يركع، فلما ختم قال: قال: اللهم لك الحمد.
اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، وقرأ ثم افتتعآل عمران، فقلت: إن
ختمها ركع فختمها فلم يركع، وقال: اللهم لك الحمد ثلاث مرات، ثم
стр. 476
افتتح سورة المائدة فقلت: إذا ختم ركع، فختمها فركع، فسمعته يقول:
سبحان ربي العظيم ويرجِّع شفتيه فاعلم أنه يقول غير ذلك فلا أفهم
غيره، ثم افتتح سورة الأنعام فتركته وذهبت.
ورواه الحارث بن أبي أسامة عن حذيفة ﵁، أنه صلى مع
النبي ﷺ ليلة، فاستقبل القبلة، وأقامني عن يمينه، ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم استفتح البقرة لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية خوف إلا استعاذ ولا بِمَثَلٍ إلا فكَّر، حتى ختمها، وقال في الركعة الثانية: قرأ بفاتحة الكتاب ثم استقبل آل عمران، لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية خوف إلا استعاذ ولا بمثل إلا فكر، حتى ختمها.
وروى أحمد، عن عائشة ﵂، أنه ذكر لها: أن ناساً يقرأون
القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: أولئك قرأوا، ولم يقرأوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار، إلا دعا الله ورغب إليه.
وروى أبو عبيد عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: من قرأ
البقرة وآل عمران والنساء في ليلة، كان - أو كتب - من القانتين.
стр. 477
وروى الطبراني عن إبراهيم، عن ابن مسعود ﵁، أنه
قال: إن في القرآن لَآيتَيْن، ما أذنب عبد ذنباً، ثم تلاهما واستغفر الله، إلا
غفر له فسألوه عنهما، فلم يخبرهم، فقال علقمة والأسود أحدهما لصاحبه: قم بنا، وقاما إلى المنزل، فأخذا المصحف، فتصفحا سورة البقرة، فقالا: ما
رأيناهما، ثم أخذا في سورة النساء، حتى انتهيا إلى هذه الآية: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
فقالا: هذه واحدة، ثم تصفحا آل عمران، حتى انتهيا إلى قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) .
قالا: هذه أخرى، ثم أطبقا المصحف، ثم أتيا عبد الله فقالا: هما هاتان الآيتان؟ ، قال: قال: نعم.
قال الهيثمي: وإسناده جيد، إلا أن إبراهيم لم يدرك ابن مسعود.
ورواه أبو عبيد في الفضائل من وجه آخر، ولفظه: أن عبد الله بن
مسعود ﵁ قال: في القرآن آيتان، ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب
إلا غفر له قال: فسمع بذلك رجلان من أهل البصرة، فأتياه، فقال: أئتيا
أبي بن كعب فإني لم أسمع فيهما من رسول الله ﷺ إلا وقد سمعه أبي، فأتيا أبي بن كعب فقال لهما: اقرأا القرآن، فإنكما ستجدانهما، فقرأا حتى إذا بلغا آل عمران (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) .
وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
فقالا: قد وجدناهما، فقال أبي: أين؟.
فقالا: في آل عمران والنساء. فقال: هما هما.
стр. 478
وروى أبو نعيم في الحلية، في ترجمة حماد بن سلمة، عن عاصم بن
بهدلة عن زر بن حبيش قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قائماً
يصلي، فلما بلِغ الآية من النساء، قال له النبي ﷺ : سل تعطه، فقال: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى الخلد.
والآية تنتهي إلى قوله: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) .
وروى الطبراني - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن
عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ قال: إن في النساء لخمس آيات، ما يسرني الدنيا وما فيها، وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها:
(إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنه نُكَفرْ عنكم سَيئَاتِكُمْ ونُدْخِلْكُمْ
مُدْخَلاً كريماً) .
وقوله: (إن اللَّه لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْها ويُؤتِ
مِنْ لَدُنْهُ أجراً عظيما) .
стр. 479
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) الآية.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) .
هذه أربع آيات، لم أر الخامسة في النسخة التي نقلت منها.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، فذكره كما هنا.
ثم قال: وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
وقال عبد الله: ما يسرني أن لي الدنيا بها ومافيها.
وللبزار - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير أبي عبيدة بن
حذيفة وقد وُثق - عن حذيفة رضى الله عنه قال: نزلت آية الكلالة على
النبي ﷺ في مسير له، فوقف النبى ﷺ ، فإذا هو بحذيفة وإذا رأس ناقة حذيفة ﵁ عند مؤتزر النبي ﷺ فلقَّاها إياه، فنظر
حذيفة، فإذا عمر ﵁ فلقَّاها إياه، فلما كان في خلافة عمر رضي
الله عنه، نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد
لقَّانيها رسول الله ﷺ ، فلقَّيْتُكَها كما لقَّاني واللهِ إني لصادق، ووالله لا أزيد على ذلك شيئاً أبداً.
стр. 480
وروى أبو عبيد، عن البراء بن عازب ﵁ قال: آخر آية
نزلت: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) .
стр. 481
سورة المائدة
مدنية إجماعاً وان أنزل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية بعرفة
فإن العبرة في المدني بالنزول بعد الهجرة، كما مضى.
قال الأصفهاني: وروى أن السورة نزلت منصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، ومنها ما نزل عام الفتح، وهو:
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) الآية.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائة وعشرون للكوفي، وثلاث وعشرون للبصري، واثنتان
وعشرون للباقين.
стр. 482
اختلافها ثلاث آيات:
(أوْفوا بالعُقُود) ، (وَيَعْفُو عن كثير) ، لم يعدهما
الكوفي، وعدهما غيره.
(فإنَّكُمْ غالِبُون) عدها البصري وحده.
وفيها مما يشبه الفواصل، ولم يعد بإجماع، تسعة مواضع:
(نَقِيباً) ، (جَبَّارِينَ) ، (لِقَوْمِ آخَرِينَ)
(ومِنْهَاجاً) ، (الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) ، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) .
و (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ)
على قراءة من قرأ بالجمع.
ولا عكس لذلك.
ورويها ستة أحرف: مل ندبر. اللام: ثلاثة السبيل.
стр. 483
مقصودها
ومقصودها: الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودل عليه ميثاق العقل من
توحيد الخالق، ورحمة الخلائق، شكراً للنعمة، واستدفاعاً للنقمة.
وقصة المائدة أدل ما فيها على ذلك، فإن مضمونها: أن من زاغ عن
الطمأنينة، وزاغ عن الثبات والسكينة، بعد الكشف الشافي، والإنعام الوافي، نوقش الحساب، فأخذه العذاب.
وتسميتها بالعقود، أوضح دليل على ما ذكرت، وكذا الأحبار.
стр. 484
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد في الفضائل، والنَّسائي، وابن ماجة
بسند صحيح، والإمام أحمد: أن أبا ذر ﵁ قال: قام رسول
الله ي ليلة من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله، حتى أصبح بها يقوم، وبها
يركع، وبها يسجد، قال القوم لأبي ذر: أي آية هي؟.
قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) .
وفي رواية للإمام أحمد: فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ
هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد؟.
قال: إني سألت ريى الشفاعة فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً.
ولمسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في إبراهيم
﵇: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) .، وقول عيسى ﵇: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) .
فرفع يده وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى.
стр. 485
فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله. فأتاه جبريل ﵇، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال. فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك.
وللِإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ ردد آية حتى أصبح.
وروى الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن
النبي ﷺ قال: آخر سورة أنزلت المائدة.
وروى أبو عبيد في كتاب الفضائل عن عطية بن قيس، وضمرة بن
حبيب - رحمهما الله تعالى - قالا: قال رسول الله ﷺ : المائدة من آخر القرآن تنزيلا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها.
стр. 486
وروى أبو عبيد - أيضاً - عن محمد بن كعب القرظي ﵀ قال:
نزلت سورة المائدة على رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فيما بين مكة والمدينة، وهو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول الله ﷺ .
وأخرجط الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال:
стр. 487
أنزلت على رسول الله ﷺ المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها.
قال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة، وقد يحسّن حديثه.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أم عمرو ابنة عيسى، قالت:
(حدثني) عمى ﵁، أنه كان مع النبي ﷺ في مسير، فأنزلت عليه سورة المائدة، فعرفنا أنه ينزل عليه، فاندقت كتف راحلته العضباء من ثقل السورة.
وعند الإمام أحمد، وأبي بكر بن أبي شيبة، والطبراني - أيضاً - عن
أسماء بنت يزيد ﵂، أنها قالت: إني لآخذة بزمام ناقة رسول
الله ﷺ العضباء، إذْ نزلت عليه سورة المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة.
стр. 488
ورواه أبو يعلى الموصلي عنها - أيضاً ﵂، وفيه: أنها أنزلت
جميعاً، وهي آخذة بزمام الناقة.
وللإمام أحمد عنها أيضاً، ﵂، قالت: نزلت سورة المائدة
على النبي ﷺ جميعاً إن كادت من ثقلها لتكسر الناقة.
ولأبي عبيد، عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة
﵂ فقالت: يا جبير هل تقرأ المائدة؟.
قلت: نعم، قالت أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.
وله أن ابن عون سأل الحسن: هل نسخ من المائدة شيء؟.
فقال: لا.
وروى البيهقي في أواخر الدلائل عن ابن عباس ﵄ أنه
قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، ونبىء يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم ال‘ثنين، وفتح مكة يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، وتوفي يوم الإثنين.
стр. 489
وفي رواية أخرى: ودخل المدينة يوم الإثنين.
ولعله أراد: أن السورة نزلت فيه. إلا الآية المذكورة، وأراد بذكرها
بالخصوص: أنها هي التي دلت على أن الدين كمل بنزول المائدة، وإن
كان نزولها هي يوم الجمعة، كما يأتي.
فدل ذلك على عظم يوم الإثنين، لأنه ختم فيه أعظم الأديان، لأن الله
جعله محل افتتاح الخير واختتامه، بثباته وكماله.
وروى البخاري في المغازي وغيره، ومسلم في آخر الكتاب،. والترمذي
في التفسير، والنَّسائي في الحج، عن عمر بن الخطاب ﵁، أن
رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا
معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟. قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
فقال عمر ﵁: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
وللبخاري في التفسير، ومسلم، والترمذي، والنَّسائي، عن طارق بن
شهاب ﵁ قال: قالت اليهود لعمر ﵁: إنكم تقرأون
стр. 490
آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر ﵁: إني لأعلم حيث
أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت (يوم عرفة، وَإِنًا والله نعرفه، قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أم لا "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) .
وللترمذي وقال: حسن غريب، عن ابن عباس ﵄، أنه
قرأ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، وعنده يهودي فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذناها عيداً، فقال
ابن عباس ﵄: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة، ويوم
عرفة.
وللبخاري عن سفيان قال: ما في القرآن آية أشد عليَّ من قوله تعالى:
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) ، أي فكذلك نحن لسنا على شيء حتى نقيم
الكتاب والسنة.
وروى ابن المبارك عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى:
стр. 491
(لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) .
فقال: والله ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
وروى عبد بن حميد عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قرأ في خطبته المائدة وسورة التوبة، ثم قال: قال النبي ﷺ : أحلوا ما أحل الله فيهما، وحرموا ما حرم الله فيهما.
يعني لأنهما من آخرما نزل، فلم ينسخ منهما شيء كما مضى.
وأورده ابن رجب، إلا أنه قال: المائدة وسورة البقرة.
والظاهر: أن التوبة أصح.
وقال ابن رجب: إنَّ في سند عبد شيخه إبراهيم بن الحكم بن أبان
وهو ضعيف.
стр. 492
سورة الأنعام
مكية.
قال أبو عمرو الداني: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة.
وقال النجم النسفي: بين مكة والمدينة، (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ - إلى قوله -: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
وعزا الجعبري ذلك إلى ابن عباس ﵄ ومجاهد.
وقال: قال الكلبي: إلا قوله تعالى جواب قول فنحاص - أو مالك -: (إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) إلى
آخر الثنيتين.
стр. 493
وقال الأصفهاني: وعن ابن عباس ﵄: هي مكية كلها إلا
آيتين منها نزلتا بالمدينة، قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، وقوله
تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ) .
وقيل: مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة، قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) إلى آخر ثلاث آيات، وقوله: ((قُلْ تَعَالَوْا) إلى آخر ثلاث آيات.
وباقي السورة كلها نزلت بمكة جملة واحدة، انتهى.
وهذا القول الذي فيه استثناء الست ذكره البغوي عن الكلبي، عن أبي
صالح، عن ابن عباس ﵄.
وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالِّي في مفتاحه: إن قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) الآية مدنية،
стр. 494
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائة وخمس وستون في الكوفي، وست في البصري والشامي.
وسبع في المدنيّين والمكي.
اختلافها أربع آيات:
(وجعل الظلمات والنور) عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها
الباقون.
(قل لست عليكم بوكيل) عدها الكوفي وحده.
(كن فيكون) و (إلى صراط مستقيم) أسقطهما وحده.
وعدها غيره.
وفيها ما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع خمسة مواضع:
(من طين) ، (إنما يستجيب الذين يسمعون) ، (مبشرين ومنذرين) .
(صراط ربك مستقيماً) ، (فسوف تعلمون) .
ولا عكس لذلك.
стр. 495
رويها خمسة أحرف: لم نظر.
مقصود السورة
ومقصودها: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السور الماضية من
التوحيد بأنه سبحانه الحائز لجميع الكمالات، من الإيجاد والإعدام، والقدرة
على البعث وغيره.
وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد: الأنعام. لأن الإِذن فيها -
كما ذكرته في أصل هذا الكتاب - مسبَّب في قوله: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عما ثبت له من الفلق، والتفرد بالخلق، وتضمن باقي
ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا، لأنه لم يأذن فيه، ولا إذن لأحد معه، لأنه المتوحد بالألوهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم التي جلّها في هذا الدين وغيره.
فدل ذلك على إحاطة علمه اللازم عنه شمول القدرة، وسائر
الكمالات، وذلك عين مقصودها.
следующие страницы →