(لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) .
فقال: والله ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
وروى عبد بن حميد عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قرأ في خطبته المائدة وسورة التوبة، ثم قال: قال النبي ﷺ : أحلوا ما أحل الله فيهما، وحرموا ما حرم الله فيهما.
يعني لأنهما من آخرما نزل، فلم ينسخ منهما شيء كما مضى.
وأورده ابن رجب، إلا أنه قال: المائدة وسورة البقرة.
والظاهر: أن التوبة أصح.
وقال ابن رجب: إنَّ في سند عبد شيخه إبراهيم بن الحكم بن أبان
وهو ضعيف.
стр. 492
سورة الأنعام
مكية.
قال أبو عمرو الداني: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة.
وقال النجم النسفي: بين مكة والمدينة، (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ - إلى قوله -: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
وعزا الجعبري ذلك إلى ابن عباس ﵄ ومجاهد.
وقال: قال الكلبي: إلا قوله تعالى جواب قول فنحاص - أو مالك -: (إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) إلى
آخر الثنيتين.
стр. 493
وقال الأصفهاني: وعن ابن عباس ﵄: هي مكية كلها إلا
آيتين منها نزلتا بالمدينة، قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، وقوله
تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ) .
وقيل: مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة، قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) إلى آخر ثلاث آيات، وقوله: ((قُلْ تَعَالَوْا) إلى آخر ثلاث آيات.
وباقي السورة كلها نزلت بمكة جملة واحدة، انتهى.
وهذا القول الذي فيه استثناء الست ذكره البغوي عن الكلبي، عن أبي
صالح، عن ابن عباس ﵄.
وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالِّي في مفتاحه: إن قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) الآية مدنية،
стр. 494
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائة وخمس وستون في الكوفي، وست في البصري والشامي.
وسبع في المدنيّين والمكي.
اختلافها أربع آيات:
(وجعل الظلمات والنور) عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها
الباقون.
(قل لست عليكم بوكيل) عدها الكوفي وحده.
(كن فيكون) و (إلى صراط مستقيم) أسقطهما وحده.
وعدها غيره.
وفيها ما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع خمسة مواضع:
(من طين) ، (إنما يستجيب الذين يسمعون) ، (مبشرين ومنذرين) .
(صراط ربك مستقيماً) ، (فسوف تعلمون) .
ولا عكس لذلك.
стр. 495
رويها خمسة أحرف: لم نظر.
مقصود السورة
ومقصودها: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السور الماضية من
التوحيد بأنه سبحانه الحائز لجميع الكمالات، من الإيجاد والإعدام، والقدرة
على البعث وغيره.
وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد: الأنعام. لأن الإِذن فيها -
كما ذكرته في أصل هذا الكتاب - مسبَّب في قوله: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عما ثبت له من الفلق، والتفرد بالخلق، وتضمن باقي
ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا، لأنه لم يأذن فيه، ولا إذن لأحد معه، لأنه المتوحد بالألوهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم التي جلّها في هذا الدين وغيره.
فدل ذلك على إحاطة علمه اللازم عنه شمول القدرة، وسائر
الكمالات، وذلك عين مقصودها.
стр. 496
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد في كتاب "الفضائل"، والدارمي، عن
عمر بن الخطاب ﵁ قال: الأنعام من نواجب القرآن.
وروى محمد بن الظفر الحافظ في "غرائب شعبة"، عن عبد الله
ولفظه: الأنعام من نواجب - أو نجائب - القرآن.
وروى أبو عبيد - أيضاً - عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت
سورة الأنعام بمكة جملة، ونزل معها سبعون ألف ملك، يجأرون حولها
بالتسبيح.
وأخرجه الطبراني في الصغير.
قال الهيثمي: وفي سنده يوسف بن عطية الصفار، وهو ضعيف.
стр. 497
وأخرجه أبو نعيم في الحلية، في ترجمة عبد الله بن عون، من
حديث ابن عمر رضىِ الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : نزلت الأنعام: جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد.
وروى الطبراني في الأوسط، في ترجمة محمد بن عبد الله بن عرس
المصري:
من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : نزلت سورة الأنعام، ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج، ورسول الله ﷺ يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم.
ولابن حبان عن جابر ﵁ قال: لما نزلت سورة الأنعام.
سبح النبي ﷺ ، ثم قال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق.
وروى أحمد بن منيع، والطبراني في الكبير - وفي سنده شهر وهو
стр. 498
ضعيف وقد وثق - عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت نزلت
سورة الأنعام على رسول الله ﷺ ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة
وتقدم مثله عنها في سورة المائدة
وللدارمي عن كعب ﵀ فاتحة التوراة، الأنعام، وخاتمتها هود.
وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من زياداته في كتاب الزهد لأبيه
ولفظه: فاتحة التوراة، فاتحة الأنعام، وخاتمتها خاتمة هود.
وهذا كلام من هو بصير بالكتابين ﵀ فإن أول التوراة خلق
السماء والأرض، والنور والظلمة، والنجوم والمياه، والنبات والأشجار
والدواب كلها والطيور، وخلق آدمٍ ﵇ وتقدير ذريته، وأنه سلطهم على جميع ما في الأرض براً وبحرا، سهلا وجبلا كما ذكرته في كتاب نظم الدرر" في أوائل سورة البقرة.
وكذلك سورة الأنعام من أولها (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ. . .) ، إلى آخرها (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)
وما بين ذلك: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)
стр. 499
(وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) .
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) إلى آخرها.
(فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) .
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) .
إلى غير ذلك من الأنعام والحرث وغيرها، وذكر في آخرها - وهو
(في) آخر السفر الخامس - وهو تلخيص ما مضى في التوراة من الأحكام
وغيرها، بزيادة لعن من يكفر من بني إسرائيل ويعمل بغير ما شرع الله له.
وأخبر سبحانه بما هم فيه من صلابة الرقاب وقساوة القلوب، وغلظ الأكباد.
وقد ذكرت في الكتاب المذكور كثيراً من ذلك، عند (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) في سورة النساء، وعند: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)
في المائدة، وذكر سبحانه في السفر المذكور: إن كلمته نفذت فيهم
بالخلافة فلا انفكاك لهم عنها، وأن من أطاع كان طاهراً، وأحسن سبحانه
جزاءه، وذكر من عظمته سبحانه وقدرته على الانتقام شيئاً كثيراً، وذكر ما
يمكن أن يراد به الآخرة، بخلاف ما مضى فإنه لم يذكر فيه الآخرة،
стр. 500
لا تصريحاً ولا تلويحاً. وذلك أنه قال في هذا السفر عن بني إسرائيل: "هذا
الجيل جيل متقلب بنوا من لم يكن فيهم أمانة، همءَاسَفوني بآلهتهم.
وأسخطوني بأوثانهم، وأنا ابتليهم بأمة جاهلة، وأسخطهم بها، لأن النار تتقد
من غضبي، وتحرق أسفل الجحيم، وتأكل الأرض وأنهارها، وتلهب أساس
الجبال، ثم قال: يقول الرب: هذا كله محفوظ في خزائني، في يوم النقلة
أجازيهم في الوقت الذي تزل فيه أقدامهم.
وكذلك في سورة هود، فيها البشارة والنذارة، ولعن كثير من كفرة
الأمم أمة أمة، وذكر ما قاساه منهم أنبياؤهم، إلى أن ختم بقصة موسى عليه
السلام ثم لعن فرعون وآله، ثم ذكر اليوم المجموع له الناس، وتفصيل
الناس فيه إلى قسمين، ثم ذكر أن بني إسرائيل اختلفوا بعد أن جاءهم البيان
بالكتاب ثم ذكر التطهر بالصلاة، دعم بجميع الحسنات، وذكر أن الاختلاف
لا يزال قائماً، إتماما لكلمته سبحانه التي سبقت بذلك.
وروى أبو عبيد عن كعب قال: إن أول ما أنزل الله من التوراة "بسم
الله الرحمن الرحيم، قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" ثم ذكر الآيات.
انتهى.
وهو يعني: أن هذه الآيات التي كتبها الله تعالى لموسى عليه
السلام في ألواح الجوهر أول ما كتب، كما بينته في كتاب "نظم الدرر" وهي: توحيد الله، والنهي عن الشرك، واليمين الكاذبة، والعقوق، والقتل، والزنا والسرقة، والزور، ومد العين إلى ما في يد الغير، والأمر بتعظيم السبت.
ويؤيده ما روى أبو عبيد في الفضائل أيضاً، والترمذي في الاستئذان
وقال: حسن صحيح، والنَّسائي في السير، وابن ماجة في الأدب، عن
صفوان بن عسال ﵁ قال قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى
стр. 501
هذا النبي فقال صاحبه: لا تقل نبي، فإنه لو سمعك كان له أربع
أعين، قال: فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيت بينات، فقال: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببرىء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة، أو قال: لا تولّوا يوم الزحف، وعليكم خاصَّة يهود ألا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي قال: فما منعكما أن تتبعوني؟.
فقالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود.
стр. 502
ويمكن تطبيق الحديث على ما في التوراة عندهم الآن، فإن كلا من
اليمين الحانثة، والزور، يمكن دخوله في قذف المحصنة، والمشي بالبريء
والربا في مد العين إلى الغير، ويبقى العقوق، فلعل الراوي وهم في إبداله
بالسحر، أوهم بدلوا ما في التوراة، والله أعلم.
وروى أبو عبيد أيضاً، عن ابن عباس ﵄ في قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) ، قال: هي الآيات الثلاث في سورة
الأنعام (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ، والتي في بني إسرائيل:
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، إلى آخر الآيات.
وله عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن
تلقى صحيفة محمد ﷺ عليها خاتمه؟
قال: نعم وأنا أرى أنه سيطرفني، قال: فما زادني على هؤلاء الآيات (. سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) . إلى آخر الآيات..
وروى ابن رجب عن ابن مسعود ﵁ قال: من سره أن
ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ؟ (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)
стр. 503
إلى قوله: (تتقون) .
وروى الِإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن العرباض بن سارية
﵁ قال: ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وفي جنبتي الصراط
سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً، ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه إنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله،، الداعي من فوق: واعظ الله في قلب كل مسلم.
وروى رزين - قال المنذري: ولم أره في شيء من أصوله، إنما رواه
أحمد والبزار مختصراً بغير هذا اللفظ بإسناد حسن - عن ابن مسعود ﵁ -
стр. 504
أن رسول الله ﷺ قال: ضرب الله مثلًا صراطاً مستقيماً وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط داع يدعو: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئاً من الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه، ثم فسره فأخبر أن الصراط: هو الإِسلام، وأن الأبواب المفتحة: محارم الله، وأن الستور المرخاة: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: هو القرآن، والداعي من فوقه: هو واعظ الله في قلب كل مؤمن.
ويمكن تطبيق هذا على: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) .
وللطبراني في الصغير - قال: وإسناده جيد - عن عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ " لعائشة ﵂: يا عائشة، (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) أصحاب البدع وأصحاب
الأهواء، ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني براء.
стр. 505
سورة الأعراف
مكية، قال أبو حيان: كلها، قاله ابن عباس وجماعة.
وقال مجاهد وقتادة - قال الأصفهاني وأبو حيان: ومقاتل -: إلا قوله
تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) الآية.
قال النجم النسفي: إلى قوله: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ) ، فإنها نزلت
بالمدينة.
قال الأصفهاني: وهي ثماني آيات.
قال أبو حيان: وروى هذا أيضاً عن ابن عباس ﵄.
стр. 506
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائتان وخمس في البصري والشامي، وست في المدني والمكي
والكوفي.
واختلافها خمس آيات:
(المص) عدها الكوفي وحده.
(مخلصين له الدين) عدها البصري والشامي، ولم يعدها
الباقون.
(كما بدأ كم تعودون) عدها الكوفي وحده.
(ضعفا من النار) عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
(الحسنى على بني إسرائيل) الثالث، عدها المدنيان والمكي أيضاً
لم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع: تسعة مواضع:
(فدلاهما بغرور) .
(في سم الخياط) .
(والإنس في النار) ، (بكل صراط توعدون) ،
стр. 507
(آل فرعون بالسنين) ، (وخر موسى صعقاً) .
(ولا يهديهم سبيلا) (عذاباً شديدا) ، ورابع بني إسرائيل.
وعكسه ستة:
(وخلقته من طين) ، (فسوف تعلمون) ، (ثم لأصلبنكم أجمعين)
وثلاثة بني إسرائيل.
ورويها أربعة أحرف: من دلَّ، الدال: من (ص) .
واللام: ثلاثة بني إسرائيل.
مقصودها
ومقصودها: إنذار من أعرض عما دعا إليه الكتاب في السور الماضية.
من التوحيد والاجتماع على الخير، والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل في
الأنعام وتحذيره بقوارع الدارين.
стр. 508
وأدل ما فيها على هذا المقصد: أمر الأعراف، فإن اعتقاده يتضمن
الإشراف على الجنة والنار، والوقوف على حقيقة ما فيها، وما أعد لأهلها
الداعي إلى امتثال كل خير، واجتناب كل شر، والاتعاظ بكل مرقق.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد في الفضائل، والطبراني في الكبير، وأبو
داود الطيالسي، وعند الِإمام أحمد، وهذا لفظهما - وفي السند عمران
стр. 509
القطان وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات
- عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن النبي ﷺ قال: أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل.
ولفظ أبي عبيد: أعطيت السبع مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان
الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل.
ورواه الطبراني في الكبير، عن أبي أمامة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : أعطاني ربي السبع الطول مكان التوراة، والمثين مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل.
قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وقد ضعفه جماعة، ويعتبر
بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ثم أسند أبو عبيد عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن رسول
الله ﷺ قال: أعطيت السبع الطول مكان التوراة.
ثم ذكر حديثه عن وائلة ﵁.
ورواه الدارمي عن عبد الله ﵁ موقوفا عليه قال: السبع
стр. 510
الطول مثل التوراة، والمئون مثل الإنجيل، والمثاني مثل الزبور، وسائر القرآن
بعد فضل.
ولأبي عبيد وأحمد - قال الهيثمي: ورجال بعض أسانيده رجال
الصحيح - والبزار، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: من أخذ السبع الطوال فهو حبر.
قال الهيثمي: ورواه أحمد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ مثله.
ورواه الطبراني - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن
عباس ﵄ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)
стр. 511
قال: هي السبع الطوال.
وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير في
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) .
قال: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.
ثم أسند عن مكحول وعطية بن قيس مثل قول سعيد سواء، إلا أنه
قال: والتي يقال لها: يونس، قال: وهي السابعة.
وكذا عن أبي محمد شداد بن عبيد الله القادمي، ويحيى بن الحارث
الذماري، وقال: وأن يونس تسمى السابعة.
стр. 512
وقال يحيى: وليست تعد الأنفال ولا براءة من السبع الطول.
وللطبراني في الكبير - قال المنذري: ورواته رواة الصحيح، إلا المسيب
ابن واضح، قال الهيثمي: وهو ضعيف وقد وثق - عن عبد الله بن
بشير ﵁ قال: خرجت من حمص، فآواني الليل إلى البقيعة.
فحضرني من أهل الأرض، فقرأت هذه الآية من الأعراف: (إن ربكم الله
الذي خلق السماوات والأرض) إلى آخر الآية، فقال بعضهم لبعض:
احرسوه الآن حتى يصبح، فلما أصبحت ركبت دابتي.
وروى ابن أبي داود عن عروة، أن زيداً بن ثابت ﵁ قال
لمروان: رأيتك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطولي الطوليين"، الأعراف.
وقال مرة في تفسير الطوليين: الأنعام والأعراف
стр. 513
ورواه أبو داود نفسه في السنن.
وقال: قلت: ما طولي الطوليين؟.
قال: الأعراف، (والأخرى: الأنعام) .
قال - يعني ابن جريج -: وسألت أنا ابن مليك: فقال لي من قبل نفسه: المائدة والأعراف.
قال الحافظ المنذري في مختصره: ورواه البخاري مختصراً، ورواه
النسائي، انتهى.
ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه: قلت: وما طولي الطوليين؟.
قال: الأعراف. قال: قلت لابن أبي مليكة: وما الطوليان؟.
فكأنه قال من قبل رأيه: الأنعام، والأعراف.
وروى النسائي بإسناد - قال النووي في شرح المهذب: حسن - عن
عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف، فرقها في الركعتين.
ولأبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أيوب - أو زيد بن ثابت ﵄ -
стр. 514
أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف، في ركعتين.
ولعبد الله بن أحمد في زوائد المسند - قال الهيثمي: عن شيخه محمد
ابن يعقوب الربالي وهو مستور، وبقية رجاله رجال الصحيح - عن أبي بن
كعب ﵁ في قوله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) قال: جمعهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم
فاستنطقهم، فتكلموا ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على
أنفسهم: ألست بربكم؟. قالوا: بلى. قال: فإني أشهد عليكم السماوات
السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا.
اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، إني سأرسل
إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا
بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا، ورفع عليهم
آدم ﵇ ينظر إليهم، فرأى الغنى والفقير وحسن الصورة، ودون
ذلك. فقال: يا رب لولا سويت بين عبادك؟.
قال: إني أحببت أن أشكر.
ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم، خصوا بميثاق آخر الرسالة
والنبوة، وهو قوله تعالى: (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم - إلى قوله -
وعيسى ابن مريم) ﵉، كان في تلك الأرواح، فأرسله إلى
مريم ﵍، فحدث عن أبيّ أنه دخل من فيها.
стр. 515
ولأحمد - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس
﵄، عن النبي ﷺ أن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذراهم، فنثرهم بين يديه، ثم كلمهم قبلاً، قال: ألست بربكم؟. قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا - إلى قوله -: المبطلون.
ولابن السنى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل عن أبيه، قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي به وجع، فقال: ما وجع أخيك؟. قال: به لمم، قال: فابعث به إليَّ، فجاء فجلس بين يديه، فقرأ
стр. 516
عليه النبي ﷺ فاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول سورة البقرة وآيتين من وسطها: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
حتى فرغ من الآية، وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر
سورة البقرة، وآية من أول آل عمران، و (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) .
إلى آخر الآية، وآية من سورة الأعراف: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وآية من سورة المؤمنين - وفي رواية: وآخر سورة
المؤمنين -: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) .
وآية من سورة الجن: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) .
وعشر آيات من سورة الصافات من أولها وثلاثاً من آخر
سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.
ورواه البيهقي في الدعوات عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثني
أبي بن كعب ﵁.
ورواه ابن ماجة في السنن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثني أبي أبو
ليلى ﵁ قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: يا نبي الله، إن لي أخاً وبه وجع. قال: وما وجعه؟. قال: له لممَ، قال: فأتني به
стр. 517
فذكره، وفي آخره: فقام الرجل كأنه لم يشتك شيئاً قط.
ولابن السنى عن فاطمة ﵂، أن رسول الله ﷺ لما دنا ولادها - أمر أم سلمة وزينب بنت جحش ﵄ أن تأتيا فتقرءا عندها آية الكرسي. و "إن ربكم الله" إلى آخرها وتعوذاهِا بالمعوذتين.
وفي كتاب "الاستغناء بالقرآن " لابن رجب: أن ابن عدي خرج من
طريق ابن لهيعة عِن أبي صخر - وهو حميد بن زياد. - عن نافع،
стр. 518
عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ لم يكن يدع قراءة آخر سورة الأعراف في كل جمعة.
قال ابن رجب: ولعل سر ذلك: أن فيه (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) .
وقد قال كثير من السلف: إنها نزلت في قراءة القرآن في الصلاة، وفي خطبة الجمعة، حتى قال الإمام أحمد: أجمعوا على ذلك.
ففي تلاوتها في خطبة الجمعة أمر للناس بالإنصات للموعظة وما فيها
من تلاوة القرآن والذكر، وقد أبدل الناس ذلك في هذه الأزمان، بذكر
حديث أبي هريرة ﵁: "إذا قلت لصاحبك: أنصت ".
الحديث، لكن إنما يورده المؤذن بين يدي الِإمام.
وروى الحافظ زين الدين ابن رجب بسنده إلى سليم بن عيسى
قال: دخلت على حمزة فوجدته يمرغ خده في الأرض ويبكى.
فقلت: أعيذك بالله، فقال: يا هذا استعذت لماذا؟.
فقال: رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت وقد دعى بقراء القرآن، فكنت ممن حضر، فسمعت قائلاً يقول بكلام عذب: لا يدخل علي إلا من عمل بالقرآن، فرجعت القهقري، فهتف باسمي: أين حمزة بن حبيب الزيات؟.
فقلت: لبيك داعي
стр. 519
الله، فبادرني ملك فقال: قُلْ لبيك اللهم، فقلتُ كما قال لي.
فأدخلني داراً سمعت فيها ضجيج القرآن، فوقفت أرعد، فسمعت قائلًا يقول: لا بأس عليك، أرق واقرأ، فأدرت وجهي فإذا أنا بمنبر من در أبيض، وحافتاهُ من ياقوت أصفر، مراقيه من زبرجد أخضر، فقيل لي: ارق واقر
فرقيت، فقيل لي: اقرأ سورة الأنعام فقرأت وأنا لا أدري على من أقرأ، حتى بلغت الستين آية: (وهو القاهر فوق عباده) ، فقال لي: يا حمزة ألست
القاهر فوق عبادي؟.
فقلت: بلى، فقال: صدقت، اقرأ، فقرأت حتى أتممتها.
ثم قال لي: اقرأ، فقرأت الأعراف، حتى بلغت آخرها، فأومات بالسجود، فقال لي: حسبك ما مضى لا تسجد يا حمزة، من أقرأك هذا القرآن؟. قلت: سليمان.
قال: صدقت من أقرأ سليمان؟.
قلت: يحيى، قال: صدق يحيى، على من قرأ يحيى؟.
قلت: على أبي عبد الرحمن السلمى، فقال: صدق أبو عبد الرحمن السلمى، من أقرأ أبا عبد الرحمن السلمى؟.
قلت: ابن عم نبيك علي بن أبي طالب قال: صدق علي، من أقرأ علياً؟. قلت: نبيك محمد ﷺ . قال: فمن أقرأ نبيي محمداً؟. قلت: جبريل ﵇،
стр. 520
قال: فمن أقرأ جبريل ﵇؟.
فسكت، قال: فقال لي: يا حمزة قل: أنت.
قال: فقلت: ما أحسن أن أقول: أنت!!.
قال: قل: أنت. فقلت: أنت، فقال: صدقت يا حمزة.
وحق القرآن لأكرمن أهل القرآن يا حمزة، سيما إذا عملوا بالقرآن كلامي، وما أحببت أحداً كحبي أهل القرآن، أدن يا حمزة، فدنوت فضمخني بالغالية (١) ، ثم قال: ليس أفعل بك وحدك، قد فعلت ذلك بنظرائك: من فوقك، ومن دونك، ومن أقرأ القرآن كما أقرأت لم يرد به غيري، وما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر، فاعلم أصحابك بمكاني من حبي لأهل القرآن وفعلى بهم، فهم المصطفون الأخيار ولا أذنا سمعته، ولا عينا نظرته، فقلت: سبحانك، سبحانك أي رب. فقال: يا حمزة، أي نظار المصاحف؟.
فقلت: يا رب أحفاظ هم؟. فقال: لا، ولكن أحفظه لهم
حتى يوم القيامة، فإذا لقوني رفعت لهم بكل آية درجة.
أفتلومني أن أبكي وأتمرغ في التراب؟
وسيأتي في سورة يس منام له أيضاً حسن.
стр. 521
سورة الأنفال
وتسمى: الجهاد.
مدنية اجماعاً، نزلت في بدر، كما رواه أبو عبيد عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس ﵄.
قال الجعبري: واختلف في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .
وقال النجم النسفى والشمس الأصفهاتي: وقيل: إلا آية، وهي قوله
تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .) الأية.
قال الأصفهاني: نزلت في قصة وقعت بمكة، ويمكن أن تنزل الآية في
ذلك بالمدينة. ولا خلاف أن هذه السورة نزلت في يوم بدر وأمر غنائمه.
стр. 522
وقال النسفي: وقيل: غير قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ) ، فإنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.
وقال البغوي: مدنية، قيل: إلا سبع آيات، من قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، إلى آخر سبع آيات، فإنها نزلت بمكة.
والأصح: أنها نزلت بالمدينة وإن كانت الواقعة بمكة.
وقال الجعبري في شرح الشاطبية: وقيل: هي أول المدني.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها خمس وسبعون في الكوفي، وست في المدنيين والمكي والبصري
وسبع في الشامي.
اختلافها ثلاث آيات:
(ثم يغلبون) عدها البصري والشامي، ولم يعدها الباقون.
(وليقضي الله أمراً كان مفعولا) الأول، أسقطها الكوفي وحده.
وعدها الباقون.
(بنصره وبالمؤمنين) أسقطها البصري وحده، وعدها غيره.
стр. 523
وفيها ما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، ثمانية مواضع:
(أولئك هم المؤمنون) ، (رجز الشيطان) ، (فوق الأعناق) .
(عن المسجد الحرام) ، (إلا المتقون) ، (يوم الفرقان) ، (يوم التقى الجمعان) .، وثاني: (كان مفعولاً) .
وعكسه أوله.
رويها سبعة أحرف: مدن قطرب، أو: قطرب ندم. الدال: للعبيد
والقاف: الحريق والباء: أربعة العقاب.
مقصودها
ومقصودها: تبرؤ العباد من الحول والقوة، وحثهم على التسليم لأمر
الله واعتقاد: أن الأمور ليست إلا بيده، وأن الِإنسان ليس له فعل يثمر ذلك الاعتصام بأمر الله، المثمر لاجتماع الكلمة، المثمر لنصر الدين، وإذلال المفسدين، المنتح لكل خير، والجامع لذلك كله: أنه كما ثبت بالسور الماضية وجوب اتباع أمر الإله، والاجتماع عليه، لما ثبت من تفرده واقتداره، كان مقصود هذه السورة إيجاب اتباع الداعي إليه بغاية الإذعان والتسليم
стр. 524
والرضا، والتبرؤ من كل حول وقوة، إلى من أنعم بذلك كله، ولو شاء
سلبه.
وأدل ما فيها على هذا المقصود: قصة الأنفال، التي اختلفوا في أمرها
وتنازعوا قسمها، فمنعهم الله منها، وكف عنهم حظوظ الأنفس، وألزمهم
الإخبات والتواضع، وأعطاها نبيه ﷺ ، لأنه الذي هزمهم بما رمى من الحصيات التي خرق الله فيها العادة، بأن بثها في أعين جميعهم، وبما أرسل من جنوده، فكان الأمر له وحده يمنحه من يشاء، ثم لما صار له ﷺ ، رده فيهم، منة منه عليهم، وإحساناً إِليهم.
واسمها الجهاد كذلك، لأن الكفار دائماً أضعاف المسلمين، وما جاهد
قوم منا قط إلا أكثر منهم.
وتجب مصابرة الضعيف: فلو كان النظر إلى غير قوته سبحانه ما أطيق ذلك.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أبو عبيد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
﵄: أنها نزلت في بدر.
ولأحمد - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن عبادة بن الصامت رضي
الله عنه، أنه سُئِلَ عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين
стр. 525
اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى
رسول الله ﷺ ، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء.
يقول: على السواء.
وفي كتب الفتوح في وقعة القادسية من بلاد العراق، قالوا: ولما صلى
سعد بن أبي وقاص ﵁ الظهر، أمر غلاماً - كان عمر رضي الله
عنه ألزمه إياه، وكان من القراء - بقراءة سورة الجهاد - يعني الأنفال - وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها، فقرأها على الكتيبة التي تليه، وقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس، وعرفوا السكنية مع قراءتها.
قال مصعب بن سعد: وكانت قراءتها سنة، يقرؤها رسول الله ﷺ عند الزحف وويستقرئها، فعمل الناس بذلك.
قالوا: ولما فرغ من القراءة كبّر سعد، فكبر الذين يلونه، وكبّر
стр. 526
بعض الناس بتكبير بعض، فتخشخش الناس، ثم ذكر أمر اليوم الأول في
القتال.
وفي الفتوح لأبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وكذا تلميذه الحافظ
أبو الربيع بن سالم الكلاعي، في أواخر وقعة اليرموك، عن كتاب سيف
بن عمر، عن أشياخه: وكان القارىء يوم ذاك المقداد بن الأسود.
стр. 527
قالوا: ومن السنة التي سنَّ رسول الله ﷺ بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء، وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد على ذلك.
وروى البزار - وفي مسنده عبد العزيز بن عمران، وهو ضعيف - عن
عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: نزل الِإسلام بالكره والشدة.
فوجدنا خير الخير في الكراهة، فخرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة فجعل لنا في ذلك العلاء والظفر، وخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدر على الحال التي ذكر
الله : (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون) - إلى قوله: (وتودون
أن غير ذات الشوكة تكون لكم) ، والشوكة: قريش، فجعل الله لنا
في ذلك العلاء والظفر، فوجدنا خير الخير في الكره.
стр. 528
سورة براءة
وهي من المثين، والأنفال من المثاني، وهي ما دون المئة، وقد بين ذلك
في أصل هذا الكتاب.
واسمها أيضاً: التوبة، والفاتحة، والبحوث، والمبعثرة، والمثيرة
والحافرة، والمخزية، والمهلكة، والمشردة، والمرشدة، والمنكلة والمدمدمة.
وسورة البعوث، وسورة العذاب، والمقشقشة.
وهي مدنية إجماعاً.
قال الجعبري: وقيل: هي آخر المدني.
وقال أبو حيان: إلا آيتين من آخرها نزلتا بمكة، وهذا قول
الجمهور.
стр. 529
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائة وتسع وعشرون في المكي، وثلاثون في عدد الباقي.
اختلافها ثلاث آيات:
(أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، عدها البصري وحده.
(إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) وهو الأول، عدها الشامي وحده.
(وعاد وثمود) ، عدها المدنيان والمكي، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع: خمسة عشر موضعاً:
(إلا الذين عاهدتم من المشركين) بعده: (ثم لم ينقصوكم) .
قال أبو عمرو الداني: على أن أهل البصرة قد جاء عنهم خلاف فيه.
وفي قوله: (برىء من المشركين) ، والصحيح عندهم ما قدمناه.
(وقاتلوا المشركين) ، (برحمة منه ورضوان) ، (وقَلَّبوا لك الأمور)
(وفي الرقاب) ، (ويؤمن للمؤمنين) ، (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) ، (ويعذبهم الله عذاباً أليما) وهو الثاني
стр. 530
(ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) ، (ما على المحسنين من سبيل) .
(من المهاجرين والأنصار) ، (وتفريقاً بين المؤمنين) ، (فيقتلون ويقتلون) .
(أن يستغفروا للمشركين) ، (أنهم يفتنون) .
وعكسه موضع:
(ويشف صدور قوم مؤمنين) .
رويها خمسة أحرف: برنمل.
اللام: قليل. والباء: الغيوب.
مقصودها
ومقصودها: معاداة من أعرض عما دعت إليه السور الماضية، من اتباع
الداعي إلى الله في توحيده، واتباع ما يرضيه، ومولاة من أقبل عليه.
وأدل ما فيها على الإبلاع في هذا المقصد: قصة المخلفين، فإنهم -