← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فضلها وأما فضلها: فروى أبو عبيد في الفضائل عن عون بن عبد الله بن عتبة أن أصحاب رسول الله ﷺ مَلُّوا، فقالوا: يا رسول الله حَدِّثْنَا، فأنزل اللة تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) ، قال ثم نعته فقال: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية. قال: ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، حَدِّثنا شيئاً فوق الحديث، ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله جل ثناؤه:

стр. 562

(الر تلك آيات الكتاب المبين، إلى قوله: نحن نقص عليك أحسن القصص) . قال: فإن أرادوا الحديث، دلهم على أحسن الحديث، وإن أرادوا القصص، دلهم على أحسن القصص. وروى إسحاق بن راهويه، وابن مردويه في تفسيره من طريقه وأبو يعلى الموصلي في مسنده، عن سعد - هو ابن أبي وقاص ﵁ في قوله: (نحن نقص عليك أحسن القصص) . الآية، قال: أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ ، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) إلى (نحن نقص عليك أحسن القصص) الآية، فتلاها رسول الله ﷺ زماناً، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟. فأنزل الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً) الآية، كل ذلك يؤمرون بالقرآن. قال خلاد: وزاد فيه آخر، قالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا؟. فأنزل الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) . قال شيخنا البوصيري: هذا حديث حسن. وروى ابن إسحاق: أن الأنصار لما بايعوا رسول الله ﷺ بالعقبة ورجعوا، قام رافع بن مالك في المدينة بسورة يوسف، بعث بها معه رسول الله ﷺ -

стр. 563

وكانت أول سورة دخلت المدينة. وروى أبو داود والدارمي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: تعلقت بقدم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقرئني سورة هود وسورة يوسف ﵉، فقال لي رسول الله ﷺ : يا عقبة إنك لن تقرأ من القرآن أحب إلى الله، ولا أبلغ عنده من (قل أعوذ برب الفلق) . ولفظ أبي داود: قلت يا رسول الله أقرئني من سورة يوسف، ومن سورة هود، ﵉، قال: يا عقبة اقرأ بأعوذ برب الفلق، فإنك لن تقرأ بسورة أحب إلى الله، وأبلغ عنده منها، فإن استطعت ألا تفوتك فافعل. هذا القول - مع أنه حق في نفسه، لأن كل القرآن بالنسبة إلى حب الله تعالى ليس واحدا، لأن المراد به: لازمه، وهو الإثابة - ترغيب في الفلق، لا تزهيد في السورتين. وذلك لأن النبي ﷺ قرأ المعوذتين أول ما أنزلتا على عقبة ﵁، فلم يرهما وقعتا عنده بما يليق بهما، كما يأتي إن شاء الله تعالى عند ذكرهما.

стр. 564

سورة الرعد قال الداني وتبعه الجعبري: وعطاء: مكية. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقال قتادة: هي مدنية، إلا قوله تعالى: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) . قال الجعبري: وعنه من أولها إلى: (ولو أنَّ قرآناً) . والأحاديث الواردة في سبب نزول آية الرعد في أرْبَدَ وعامرِ بن الطُفَيْلِ وغيرهما تدل على أنها مدنية.

стр. 565

والأحاديث الواردة في سبب نزول: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) تدل على أنها مكية. والله أعلم. وقال النجم النسفي: هي مدنية في قول عكرمة والحسن وقتادة ولم يستثن شيئاً، وكذا قال الغزنوي: قال قتادة: كلها مدنية. وقال مقاتل: هي مكية، إلا الآية التي في آخر السورة. وقال الأصفهاني: وقيل: هي مكية، إلا آيتين: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) الآية، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا) الآية. وعزا الغزنوي هذا القول إلى ابن عباس ﵄. وقال الأصفهاني: وعن ابن عباس ﵄، أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، وهما قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) إلى آخرهما. وقيل: المدني منها قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق) ، إلى قوله: (دعوة الحق) .

стр. 566

عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها وأيها ثلاث وأربعون في الكوفى، وأربع في المدنيين والمكي، وخمس في البصري، وسبع في الشامي. واختلافها خمس آيات: (لفي خلق جديد) ، أسقطها الكوفي وحده. (هل يستوي الأعمى والبصير) ، عدها الشامي وحده. (أم هل تستوي الظلمات والنور) ، أسقطها الكوفي وحده. (أولئك لهم سوء الحساب) ، عدها الشامي وحده. (من كل باب) أسقطها المدنيان والمكي. وفيها ما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، خمسة مواضع: (المر) ، (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ، (لربهم الحسنى) . (يكفرون بالرحمن) . وعكسه موضع واحد: (يضرب الله الأمثال) .

стр. 567

رويها سبعة أحرف: (نرق لعبد) ، العين: متاع وردف النون والقلوب: واو، والباقي: ألف. مقصودها ومقصودها: وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه، وتارة يتأثر عنه، مع أن له صوتاً وصيتاً، وإرغاباً وإرهاباً، يهدي بالفعل. وتراه لا يتأثر، بل يكون سبباً للضلال والعمى. وأنسب ما فيها لهذا المقصد: الرعد، فإنه مع كونه حقاً في نفسه يسمعه الأعمى والبصير، والبارز والمستتر، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر وتارة لا. وإذا نزل المطر: فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من عاهة، وتارة يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة، وتارة يضر بالإغراق، أو الصواعق، أو البرد، وغيرها.

стр. 568

فضائلها وروى الترمذي، والنَّسائي، والحاكم، والبيهقي في الدعوات، عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سَمِعَ الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. وللطبراني في الكبير - قال الهيثمي: وفيه قابوس بن أبي ظبيان وهو ضعيف، وقد وثق - عن ابن عباس ﵄ قال: قالوا للنبي ﷺ :

стр. 569

إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأول من الموتى، وافتح لنا هذه الجبال. جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) . وسيأتي في سورة الشعراء - إن شاء الله تعالى - حديث في ذلك وغيره عن الزبير ﵁.

стр. 570

سورة إبراهيم ﵇ مكية كلها. قال الغزنوي: عند أكثر المفسرين. ويروي عن ابن عباس ﵄، وعطاء، وقتادة، إلا آيتين نزلتا بالمدينة في قتلى قريش يوم بدر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) إلى آخرهما (وَبِئْسَ الْقَرَارُ) . وقال البغوي: إلى قوله: (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) مع تسميتهما آيتين. عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها وآيها إحدى وخمسون في البصرى، واثنتان في الكوفى، وأربع في المدنيين والمكي، وخمس في الشامي.

стр. 571

واختلافها سبع آيات: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) ، و (أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور) ، لم يعدهما الكوفي والبصري، وعدهما الباقون. (وعادًا وثمود) لم يعدها الكوفي والشامي، وعدها الباقون. (بخلق جديد) عدها المدني الأول والكوفي والشامي، ولم يعدها الباقون. (وفرعها في السماء) لم يعدها المدني الأول، وعدها الباقون. (وسخر الليل والنهار) لم يعدها البصري، وعدها الباقون. (عما يعمل الظالمون) عدها الشامي، ولم يعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع، سبعة مواضع: (الر) ، (يضل الله الظالمين) ، (دائبين) ، (يأتيهم العذاب) (أجل قريب) ، (غير الأرض والسماوات) (من قطران) .

стр. 572

وعكسه ثلاثة: (ما يشاء) ، (فيها سلام) ، (وأفئدتهم هواء) ورويها عشرة أحرف: أصدم لظن بذر. مقصودها ومقصودها: التوحيد، وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاع إلى الله، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه، المؤدي إليه. وأدل ما فيها على هذا المرام: قصة إبراهيم ﵇. أما التوحيد: فواضح. وأما أمر الكتاب: فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم، ذرية إسماعيل ﵇: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) .

стр. 573

ما ورد في شأنها أما ما ورد في شأنها: فروى البزار عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح. وديوان فيه ذنوبه. وديوان فيه النعم من الله عليه. فيقول

стр. 574

الله تعالى لأصغر نعمة - أحسبه قال: في ديوان النعم - خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح ثم تتنحى فتقول: وعزتك وجلالك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبداً قال: يا عبدي قد ضاعت حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك - أحسبه قال -: ووهبت لك نعمتي. وروى البزار - برواةٍ قال المنذري: ثقات - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، تبتلي هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟. قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) . وروى الشيخان وغيرهما - وهذا لفظ مسلم - عن البراء بن عازب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟. فيقول: ربي الله، ونبي محمد، فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) . وفي رواية لأبي داود عنه، أن النبي ﷺ قال: إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قول الله تعالى:

стр. 575

(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) . وللطبراني في الأوسط - قال الهيثمي: وفيه عطية العوفي وهو ضعيف - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عليه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) قال: في الآخرة في القبر. وروى ابن رجب عن مسروق قال: سألت عائشة ﵂ عن هذه الآية (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) قالت: بينما رسول الله ﷺ رأسه في حجري وأنا ألمسه إذ ذكرت هذه الآية ففاضت عيناي حتى قطرت دموعي على وجهه، فرفع رأسه إليَّ فقال لي: ما يبكيك؟ فقالت: يا رسول الله ذكرت قول الله : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) ، فقال: سبقت الناس يا عائشة. قلت: فأين الناس يومئذ؟. قال: على الجسر. وآخره في مسلم. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: أخبرت عن سياد بن جعفر قال: دخلت على حبيب أبي محمد، فقال: اقرأ علي، فأخذت مصحفه، فأول ما وقع في يدي: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) . فجعل يقول وَاسْتَفْتَحُوا) ، ويبكي.

стр. 576

سورة الحجر مكية كلها إجماعاً. عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها وآيها بالإجماع: تسع وتسعون، على عدد الأسماء الحسنى الكافلة لحفظ الوجود، وانتظامه على ما يراد منه. فلا غرو ان كانت هذه السورة كفيلة بالوعد بالحفظ للذكر، وإظهار ذلك الوعد في مظهر العظمة، للإعلام بنفوذ الكلمة. ولذلك تمت الكلمة في الكفاية لأمر المستهزئين، الذين كانوا رؤوس من جعلوا القرآن عضين. قال الجعبري: وفيها ما يشبه الفواصل موضع واحد: (الر)

стр. 577

ورويها ثلاثة أحرف: ملن. مقصودها ومقصودها: وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني. الموضحة للحق من غير اختلاف أصلًا. وأشكل ما فيها وأمثله وأشبهه في هذا المعنى: قصة أصحاب الحجر فإن وضوح آيتهم عندهم - وعند كل من شاهدها، أي سمع بها وصحت عنده - كوضوح ما دل عليه مقصود هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب، لاسيما قريش. وأيضاً آيتهم في غاية الإيضاح للحق، والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد، المقتضى للاجتماع على الداعي. ومن هنا يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) . من تعليقي له بقوله: (فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) كما حققته في أصل هذا الكتاب. على أن لفظ الحجر يدل على ما دل عليه مقصود السورة من الجمع والاستدارة التي روحها الإحاطة، المميزة للمحاط به من غيره، بلا لبس أصلاً.

стр. 578

فضائلها وأما فضائلها: فروى البزار - مرسلاً ومتصلاً - عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: قالا: جاز رسول الله ﷺ ورجلاً يقرأ سورة الحجر

стр. 579

وسورة الكهف، فسكت. فقال رسول الله ﷺ : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم. وللطبراني في الكبير بسند فيه خالد بن نافع الأشعري - قال الهيثمي: قال أبو داود: متروك، وقال الذهبي: هذا تجاوز في الحد لا يستحق الترك، فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره، وبقية رجاله ثقات - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين، ألم تكونوا مسلمين؟. قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار في النار، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا. قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) . وروى أبو عبيد في كتاب "الفضائل، والغريب "

стр. 580

عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً: أن النبي ﷺ مر هو وأصحابه على إبل لحي يقال لهم بنو الملوح - أو بنو المصطلق - وقد عبست أبوالها من السمن، فتقنع بثوبه، ثم قرأ قول الله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) إلى آخر الآية. ومعنى "عبست": أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها وذلك إنما يكون من كثرة الشحم، فذلك العبس. وروى الطبراني - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: ما هلك قوم لوط إلا في الأذان، ولا تقوم القيامة إلا في الأذان. قال الطبري: معناه عندي - والله أعلم -: في وقت أذان الفجر وهو وقت الاستغفار والدعاء.

стр. 581

سورة النحل وتسمي أيضاً سورة النعم. (مكية) إلا ثلاث آيات وهي قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إلى آخرها، فإنها نزلت بالمدينة حين هَمَّ النبي ﷺ بالتمثيل بقريش إن أظهره الله بهم، كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله حين قتلوه بأحد. قال أبو عمرو الداني في كتاب العدد: هذا قول عطاء،

стр. 582

وقال ابن عباس ﵄ مثله، إلا أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة منصرف رسول الله ﷺ من أحد. وما نزل بين مكة والمدينة، وكذا ما نزل بعد الهجرة، فهو مدني. وقال الأصفهاني: وفي رواية أخرى عن ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله: (ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً - إلى قوله -: يعلمون) . وعن قتادة: هي مكية، إلا خمس آيات: (ولا تشتروا بعهد الله) . الآيتين، ومن قوله؟ (وإن عاقبتم) إلى آخرها. وعن ابن السائب: هي مكية، إلا خمس آيات، قوله: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) ، (وإن عاقبتم) إلى آخرها. (وعن مقاتل: مكية، إلا سبع آيات، قوله: (ثم إن ربك) . الآيتن، وقوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) الآيتين،

стр. 583

وقوله: (وإن عاقبتم) إلى آخرها. وقال قتادة - قال الجعبري: وجابر بن زيد -: من أولها أربعون آية قال الجعبري: إلى (والذين هاجروا في الله) مكي، ومن ثم إلى آخرها مدني. قال الجعبري: فجوز الأمرين باعتبار الطرفين. انتهى. وذكرابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد، أن خالد بن عقبة جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ عليَّ، فقرأ عليه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) الآية. فقال: أعد، فأعاد فقال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر. ورواه البيهقي في الشعب، من حديث ابن عباس ﵄ بسند جيد، إلا أنه قال: الوليد بن المغيرة، بدل خالد بن عقبة. وكذا ذكره ابن إسحاق في السيرة بنحوه. ورواه البيهقي في الدلائل. وفي بعض رواياته: أن الوليد قال لقريش - وقد أنكروا عليه اجتماعه بالنبي ﷺ ، وسماعه لبعض ما جاء به - فقال: ما فيكم رجل أعلم بالشعر

стр. 584

مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. وفي رواية عن ابن عباس ﵄: أن الوليد قال قريش وقد حضر الموسم: أن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم. فأجمعوا فيه رأياً، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضاً، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا فيه رأياً نقوم به، فقال: بل أنتم فقولوا أسمع. فقالوا: نقول كاهن، قال: ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بمزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: نقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر: رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، قد رأينا السَّحار وسحرهم. فما هو بنفثهم وعقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟. قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجني، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف

стр. 585

إنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سجع يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. ولقد كان هذا الذي ظنه الوليد عليه من الله ما يستحق، حتى لقد كان كذبهم سبباً لِإسلام كثير من الصحابة ﵃. ومن ألطف ما في ذلك: ما رواه مسلم في الجمعة من صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن ضماداً ﵁ قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقى من هذه الريح، فسمع سفهاء مكة يقولون: إن محمداً مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي. قال: فلقيه، فقال: يا محمد أني أرقى من هذه الريح، وإن الله يشفى على يديّ من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،

стр. 586

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، فقال: أعد على كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال ة لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناموس - وفي نسخة: قاموس، وفي نسخة: قاعوس - البحر. هات يدك أبايعك على الِإسلام، فبايعه. فقال رَسُول الله ﷺ : وعلى قومك، فقال: وعلى قومي. الحديث. عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها وآيها مائة وثمانون وعشرون بلا خلاف بين العادين. وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع: اثنا عشر موضعاً (قصد السبيل) ، (وما يشعرون) ،

стр. 587

(والله يعلم ما يسرون وما يعلنون) أي الذي بعده: (إنه لا يحب المستكبرين) ، (ما يشاؤون) ، (والملائكة طيبين) ، (ما يكرهون) ، (أفبالباطل يؤمنون) ، (هل يستوون) ، (وما عند الله باق) ، (متاع قليل) . وعكسه خمسة: (ويخلق ما لا تعلمون) ، (وما تعلنون) ، (وهم مستكبرون) ، (كن فيكون) ، (على الله الكذب لا يفلحون) . رويها ثلاثة أحرف: نمر. الراء: موضعان (قدير) . مقصودها ومقصودها: الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص.

стр. 588

وأدل ما فيها على هذا المعنى: أمر النحل، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم، في ترتيب بيوتها على شكل التسديس، ترتيباً لا يصل إليه أكابر المهندسين، إلا بعد تكامل كبير، وقانون يقيسون به ذلك التقدير وذلك على وجه هو أنفع الوجوه لها، وفي رعيها، وسائر أمرها، من اختلاف ألوان ما يخرج منها، من أعسالها وشموعها، وجعل الشمع نوراً وضياء، والعسل بركة وشفاء، مع أكلها من كل الثمار، النافع منها والضار، وغير ذلك من الأسرار. ووسمها بالنعم واضح في ذلك، والله أعلم. فضائلها وأما فضائلها: فروى مسلم وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي،

стр. 589

وابن جرير، عن أبي بن كعب ﵁ قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه: فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ - وفي رواية: ثم قرأ هذا سوى قراءة صاحبه - فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأا، فحسن النبي ﷺ شأنهما - وفي رواية: فقال لهما النبي ﷺ : قد أصبتم وأحسنتم - فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضت - وفي رواية: فارفضضت - عرقا فكأنما أنظر إلى الله فرق، فقال لي: يا أبي إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن يهون على أمتي، فرد إلي الثانية أن أقرأه على حرفين، فزددت إليه أن هون على أمتي، فرد إليَّ في الثالثة أن أقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردّة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الناس - وفي رواية: الخلق كلهم - حتى إبراهيم ﵇.

стр. 590

وفي رواية لابن جرير عن أبي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : أعيذك بالله من الشك والتكذيب، وقال: إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف، فقلت: اللهم رب خفف عن أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف، من سبعة أبواب من الجنة، كلها شاف كاف. وللنسائي ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة، فبينا أنا في المسجد جالس، إذ سمعت رجلاً يقرؤها بخلاف قراءتي، فقلت له: من علمك هذه السورة؟ فقال: رسول الله ﷺ ، فقلت: لا تفارقني حتى نأتي رسول الله ﷺ فأتيت فقلت: يا رسول الله، إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني يا رسول الله - فقال ﷺ : اقرأ يا أبي، فقرأتها، فقال رسول الله ﷺ : أحسنت، ثم قال للرجل: اقرأ فقرأ فخالف قراءتي، فقال له رسول الله ﷺ : أحسنت، ثم قال رسول الله ﷺ : يا أبي إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها كاف شاف. وفي (رواية) أخرى له: ما حاك في صدري منذ أسلمت، إلا أني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، وقال الأخر: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا؟. قال: نعم، وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟.

стр. 591

قال: نعم قال: إن جبريل وميكائيل ﵉ أتياني، فقعد جبريل عليه السلام عن يميني، وميكائيل ﵇ عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف فكل حرف شاف كاف. وروى أبو عبيد هذه الرواية عن أبي ﵁. وروى عقبها عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ﵄ أنه أتى النبي ﷺ برجلين قد اختلفا في القراءة، ثم ذكر مثل ذلك. وأخرجه المحاملي في الجزء السادس عشر من أماليه الأصبهانيات. ولفظه (فقال) : يا أبي إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأه على حرفين، فقال الآخر: زده، قلت، زدني، قال: اقرأ على ثلاثة أحرف، فقال الآخر: زده، فقلت: زدني، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: حتى انتهى إلى سبعة أحرف، فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف. ورواه النسائي في سننه، وعبد بن حميد في مسنده،

стр. 592

ولفظه: قالَ: قرأ رجل آية، وقرأتها على غير قراءته، فقلت: من أقرأك هذا؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى النبي فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا؟ فقال: نعم، فقال الرجل: أقرأتني آية كذا وكذا؟ ، فقال: نعم، فقال: إن جبريل وميكائيل ﵉ أتياني، فجلس جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: يا محمد اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، فقال: اقرأه على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، فقال: اقرأه على ثلاثة، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني كذلك حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأه على سبعة أحرف، كلٌ شاف كاف. ورواه أحمد بن منيع في مسنده عن سليمان بن صرد وهو الخزاعي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف، كل شاف كاف. وفي رواية له عن سليمان - أيضاً ﵁ قال: أتى أبي بن كعب ﵁ رسول الله ﷺ برجلين قد اختلفا في القرآن فاستقرأهما فاختلفا، فقال لكل واحد منهما: أحسنت، فقال: إني أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف. قال شيخنا البوصيري: ورواه النسائي أيضاً، ورواه أبو داود في سننه من طريق سليمان عن أبي ﵄، فجعله من مسند أبي ﵁.

стр. 593

ورواه الطبراني عن سليمان بن صرد ﵁ قال: أتى محمداً ﷺ الملكان، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف فقال الآخر: زده، فلم يزل يستزيده، حتى قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف. وفي رواية عنده، عن سليمان ﵁ يرفعه، قال: أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال الآخر: على كم، قال: على حرف قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف. وروى ابن جرير عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف. وروى ابن جرير أيضاً عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب رضي الله عنهما قال: رحت إلى المسجد، فسمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟. فقال رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرىء هذا، قال: فقرأ، فقال: أحسنت قال: فقلت: فإنك أقرأتني كذا وكذا. فقال: وأنت قد أحسنت، قال: فقلت: قد أحسنت، قد أحسنت؟ ، قال: فضرب بيده على صدري، ثم قال: اللهم أذهب عن أبي الشك. قال: ففضت عرقاً، وامتلأ جوفه فرقاً ثم قال: إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف وقال الآخر: زده، قال: قلت: زدني، قال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف. ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن سليمان، عن أبي ﵄ قال: قرأت آية، وقرأ ابن مسعود ﵁ خلافها، فأتينا النبي ﷺ ، فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟. قال: بلى، قال ابن مسعود ﵁ -

стр. 594

ألم تقرئنيها كذلك؟. قال: بلى. قال: كلاكما محسن، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل. قال: فضرب صدري وقال: يا أبيّ إني أقرئت القرآن. فقيل لي: على حرف، أم على حرفين؟. فقال: الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين. فقيل لي: على حرفين أم ثلاثة؟. فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، قال: ليس فيها إلا شاف كاف، قلت: غفور رحيم عليم حكيم، نحو هذا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب. ولابن جرير عن أنس بن مالك ﵁، عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: ما حاك في صدري منذ أسلمت، إلا أني قرأت آية فقرأها رجل غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، وقال الرجل: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: أليس أقرأتني آية كذا وكذا؟ ، قال: بلى، قال الرجل: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟. قال: بلى، إن جبريل وميكائيل ﵉ أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده، قال جبريل: اقرأ القرآن على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف وكل شاف كاف. وفي رواية: حتى بلغ ستة أحرف، قال: اقرأه على سبعة أحرف كل كاف شاف. وروى أبو عبيد في الفضائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁،

стр. 595

أنه قال: ليس الخطأ أن تدخل بعض السورة في الأخرى، ولا أن تختم الآية بحكيم عليم، أو عليم حكيم، أو غفور رحيم، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس منه، أو أن تختم آية رحمة بآية عذاب، أوآية عذاب بآية رحمة. وقال أبو عبيد في معنى ذلك ما حاصله: أنه إذا أبدل شيئاً من ذلك غلطاً، أو سبق لسان، أو نحو ذلك، لم يخرج عن كونه شافياً كافياً، فإن الكل صفات الله، ومعاني نحو هذا يقارب بعضه بعضاً، فلا يعنف على هذا الإبدال، ولا يقال له: أخطات، بل يقال له: التلاوة كذا وكذا بخلاف ما إذا ختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة، فإنه غيّر المعنى فحينئذ يطلق عليه الخطأ. وليس المراد بالحديث والأثر: أنه يجوز له أن يتعمد إبدال ذلك والله أعلم. وهذه السورة التي وقع لأبيّ الخلاف فيها مع صاحبيه ﵃ هي سورة النحل. روى الِإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في أول تفسيره عن أبي ﵁ قال: دخلت المسجد فصليت، فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي، ثم دخل رجل آخر، فقرأ بخلاف قراءتنا. فدخل في نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فأخذت بأيديهما، فأتيت بهما النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله استقرىء هذين، فقرأ أحدهما، فقال: أصبت، ثم استقرأ الآخر، فقال: أحسنت، فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب فضرب رسول الله ﷺ صدري فقال: أعاذك الله من الشك وخسأ عنك الشيطان، ففضت عرقاً. فقال: أتاني جبريل ﵇ فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك حتى قال سبع مرات، فقال: اقرأ على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة.

стр. 596

وفي رواية: سمعت رجلًا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ثم سمعت آخر يقرؤها يخالف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرأان في سورة النحل، فسألتهما من أقرأهما؟ فقالا: رسول "الله ﷺ ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: اقرأ، فقرأ فقال: أحسنت، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ، فقال: أحسنت، فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهم اخسأ الشيطان عنه، يا أبي أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد مثله، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة، فقلت: يا رب اغفر لأمتي، رب اغفر لأمتىِ، واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة. وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن رجلين اختصما في آية من القرآن، وكلّ يزعم أن النبي ﷺ أقرأه، فتقارأا إلى أبي ﵁، فخالفهما أبي ﵃، فتقارأوا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله اختلفنا في آية من القرآن، وكلنا يزعم أنك أقرأته، فقال لأحدهما: اقرأ، فقرأ، فقال: أصبت، وقال للآخر: اقرأ فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه، فقال: أصبت، وقال لأبي: اقرأ، فقرأ فخالفهما، فقال: أصبت، قال أبي: فدخلني من الشك في أمر النبي ﷺ ما دخل بي من أمر الجاهلية، قال: فعرف رسول الله ﷺ الذي في وجهي، فرفع يده فضرب صدري، وقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله فرقاً،

стр. 597

وقال: إنه أتاني آت عن ربي وقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، قال: ثم جاء فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي. قال: ثم جاء الثالثة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، قال: ثم جاء في الرابعة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة قال: قلت: رب اغفر لأمتي، رب اغفر لأمتي، واختبات الثالثة شفاعة لأمتي، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ليرغب فيها. وفي رواية: اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة. وفي رواية: من قرأ منها حرفاً، فهو كما قرأ. قال أبو عبيد في كتاب الفضائل، بعد إيراد طرق حديث السبعة الأحرف: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلا حديثاً واحداً يروي عن سمرة ﵁، ثم أسند ما تقدم عنه في الفضائل العامة وقال: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة، وقد بينت فيما مضى: أنه لا معارضة. وسيأتي الالتفات إلى هذا الحديث بالتفات بديع في سورة "لم يكن" إن شاء الله تعالى، وبيان أنه بسبب ما تضمنه هذا الحديث قرأها النبي ﷺ على أبي ﵁، فيا لها من كرامة ما أجلها وأعلى قدرها ومحلها. ويأتي في سورة الفرقان حديث عمر ﵁ في السبعة الأحرف.

стр. 598

وقال النووي في التبيان: عن عمر ﵁، أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس. حتى إذا كانت الجمعة الثانية قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁، رواه البخاري. قال: وهذا الفعل والقول منه في هذا المجمع دليل ظاهر على: على أنه لا وجوب. وقال ابن رجب: وقد روى عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قرأ في يوم عيد في خطبة العيد سورة البقرة، وكذلك عمر ﵁. كان يكثر تلاوة القرآن على المنبر، وربما قرأ سورة النحل ثم نزل فسجد. وروى الإِمام أحمد والطبراني بسند فيه شهر - قال الهيثمي: وثقة أحمد وجماعة، وفيه ضعف لا يضر، وبقية رجاله ثقات - عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فَكَشَرَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أَلَا تَجْلِسُ قَالَ بَلَى قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَقْبِلَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى السَّمَاءِ فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى

стр. 599

وَضَعَهُ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ وَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَالُ لَهُ شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى قَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ كُنْتُ أُجَالِسُكَ وَآتِيكَ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ قَالَ وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ قَالَ رَأَيْتُكَ تَشْخَصُ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ قَالَ وَفَطِنْتَ لِذَاكَ قَالَ عُثْمَانُ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا قَالَ لَكَ قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمداً ﷺ . وروى أحمد باسناد - قال الهيثمي: حسن - عن عثمان بن أبي العاضي ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالساً إذ شخص ببصره، ثم صوبه، حتى كاد أن يلزقه بالأرض، قال: وشخص ببصره

стр. 600

قال: أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الوضع من هذه السورة، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) . وللطبراني في حديث طويل، وفي مسنده - كما قال الهيثمي - عاصم ابن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، عن أبي الضحى قال: اجتمع مسروق وشتير بن شكل في المسجد، فقال مسروق. هل سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: أن أجمع آية في القرآن: حلال وحرام، وأمر ونهي، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) إلى آخر الآية؟. قال: نعم. قال: وأنا قد سمعته. ورواه أبو عبيد في الفضائل، من طريق أخرى، عن الشعبي قال: التقى مسروق بن الأجدع وشتير بن شكل، فذكره. وذكر الحافظ زين الدين بن رجب، عن الحسن، أنه قرأ هذه الآية ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير
следующие страницы →