وفي رواية: سمعت رجلًا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ثم
سمعت آخر يقرؤها يخالف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرأان في سورة النحل، فسألتهما من أقرأهما؟ فقالا: رسول "الله ﷺ ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني
رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: اقرأ، فقرأ فقال: أحسنت، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ، فقال: أحسنت، فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب بيده في
صدري، ثم قال: اللهم اخسأ الشيطان عنه، يا أبي أتاني آت من ربي
فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد مثله، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة، فقلت: يا رب اغفر لأمتي، رب اغفر لأمتىِ، واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة.
وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن رجلين اختصما في آية من
القرآن، وكلّ يزعم أن النبي ﷺ أقرأه، فتقارأا إلى أبي ﵁، فخالفهما أبي ﵃، فتقارأوا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله اختلفنا في آية من القرآن، وكلنا يزعم أنك أقرأته، فقال لأحدهما: اقرأ، فقرأ، فقال: أصبت، وقال للآخر: اقرأ فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه، فقال: أصبت، وقال لأبي: اقرأ، فقرأ فخالفهما، فقال: أصبت، قال أبي: فدخلني من الشك في أمر النبي ﷺ ما دخل بي من أمر الجاهلية، قال: فعرف رسول
الله ﷺ الذي في وجهي، فرفع يده فضرب صدري، وقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله فرقاً،
стр. 597
وقال: إنه أتاني آت عن ربي وقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، قال: ثم جاء فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي.
قال: ثم جاء الثالثة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، قال: ثم جاء في الرابعة فقال: إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة قال: قلت: رب اغفر لأمتي، رب اغفر لأمتي، واختبات الثالثة شفاعة لأمتي، حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ليرغب فيها.
وفي رواية: اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة.
وفي رواية: من قرأ منها حرفاً، فهو كما قرأ.
قال أبو عبيد في كتاب الفضائل، بعد إيراد طرق حديث السبعة
الأحرف: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلا حديثاً
واحداً يروي عن سمرة ﵁، ثم أسند ما تقدم عنه في الفضائل
العامة وقال: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة، وقد بينت فيما
مضى: أنه لا معارضة.
وسيأتي الالتفات إلى هذا الحديث بالتفات بديع في سورة "لم يكن" إن
شاء الله تعالى، وبيان أنه بسبب ما تضمنه هذا الحديث قرأها النبي ﷺ على أبي ﵁، فيا لها من كرامة ما أجلها وأعلى قدرها ومحلها.
ويأتي في سورة الفرقان حديث عمر ﵁ في السبعة الأحرف.
стр. 598
وقال النووي في التبيان: عن عمر ﵁، أنه قرأ يوم الجمعة
على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس.
حتى إذا كانت الجمعة الثانية قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها
الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم
عليه، ولم يسجد عمر ﵁، رواه البخاري.
قال: وهذا الفعل والقول منه في هذا المجمع دليل ظاهر على: على أنه لا وجوب.
وقال ابن رجب: وقد روى عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه
قرأ في يوم عيد في خطبة العيد سورة البقرة، وكذلك عمر ﵁.
كان يكثر تلاوة القرآن على المنبر، وربما قرأ سورة النحل ثم نزل فسجد.
وروى الإِمام أحمد والطبراني بسند فيه شهر - قال الهيثمي: وثقة
أحمد وجماعة، وفيه ضعف لا يضر، وبقية رجاله ثقات - عن ابن عباس
﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فَكَشَرَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أَلَا تَجْلِسُ قَالَ بَلَى قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَقْبِلَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى السَّمَاءِ فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى
стр. 599
وَضَعَهُ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ وَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَالُ لَهُ شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى قَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ كُنْتُ أُجَالِسُكَ وَآتِيكَ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ قَالَ وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ قَالَ رَأَيْتُكَ تَشْخَصُ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ قَالَ وَفَطِنْتَ لِذَاكَ قَالَ عُثْمَانُ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا قَالَ لَكَ قَالَ
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت
محمداً ﷺ .
وروى أحمد باسناد - قال الهيثمي: حسن - عن عثمان بن أبي
العاضي ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالساً إذ شخص ببصره، ثم صوبه، حتى كاد أن يلزقه بالأرض، قال: وشخص ببصره
стр. 600
قال: أتاني جبريل ﵇، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الوضع من هذه السورة، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) .
وللطبراني في حديث طويل، وفي مسنده - كما قال الهيثمي - عاصم
ابن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، عن أبي
الضحى قال: اجتمع مسروق وشتير بن شكل في المسجد، فقال مسروق.
هل سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: أن أجمع آية في القرآن:
حلال وحرام، وأمر ونهي، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) إلى آخر
الآية؟.
قال: نعم. قال: وأنا قد سمعته.
ورواه أبو عبيد في الفضائل، من طريق أخرى، عن الشعبي قال:
التقى مسروق بن الأجدع وشتير بن شكل، فذكره.
وذكر الحافظ زين الدين بن رجب، عن الحسن، أنه قرأ هذه الآية
((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير
стр. 601
كله، والشر كله، في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والاحسان شيئاً من
طاعة الله إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا
جمعه.
وروى ابن رجب من طريق أبي مسعود الجريري، حدثني شيخ في
مسجد الأشياخ، كان يحدثنا عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا نحن
حول مريض لنا، إذ هدأ وسكن، حتى ما يتحرك منه عرق، فسجيناه
وأغمضناه، وأرسلنا إلى ثيابه وصدره وسريره، فلما ذهبنا لنحمله لنغسله.
تحرك، فقلنا: سبحان الله، سبحان الله، ما كنا نراك إلا قد مت، قال: فإني قد مت وذهب بي إلى قبري، فإذا إنسان حسن الوجه، طيب الريح، قد وضعني في لحدي، وطواه بالقراطيس، إذ جاءت إنسانة سوداء منتنة الريح، فقالت: هذا صاحب كذا، وهذا صاحب كذا، أشياء استحي من ذكرها، كأنما أقلعت عنها ساعتئذ، قال: قلت: أنشدك الله أن تدعني، وهذه قالت: انطلق يخاصمك، فانطلقت، فإذا دار فيحاء واسعة، فيها مصطبة كأنها من فضة، وفي ناحية منها مسجد، ورجل قائم يصلي، فقرأ سورة النحل، فتردد في مكان منها، ففتحت عليه فانفتل، فقال: السورة معك؟. فقلت: نعم، فقال: أما إنها سورة النعم، ورفع وسادة قريبة منه، فأخرج صحيفة فنظر فيها، فبادرته السوداء، فقال: فعل كذا، وفعل كذا قال: وجعل الحسن الوجه يقول: وفعل كذا، وفعل كذا، يذكر محاسني، قال: فقال الرجل: عبد ظالم لنفسه، ولكن الله تجاوز عنه، لم يجيء أجل هذا بعد أجل هذا يوم الإثنين، فقال لهم: انظروا، فإن أنا مت يوم الإثنين فأرجو إلى ما رأيت، وإن لم أمت يوم الإثنين، فإنما هو هذيان الوجع، فلما كان يوم الإثنين صح، حتى بعد العصر، ثم أتاه أجله فمات.
стр. 602
سورة الإسراء
وتسمى سورة بني إسرائيل، وسورة سبحان، والأقصى.
مكية إجماعاً.
وقال الغزنوي: غير ثماني آيات، فيها خبر وفد ثقيف، وخبر ما قالت
اليهود للنبي ﷺ : (ليست هذه بأرض الأنبياء) ، وذلك من قوله تعالى:
(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ - إلى قوله -: (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) فإن هذه الآيات مدنيات.
روى ذلك عن ابن عباس ﵄
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها
وآيها مائة وإحدى عشرة في الكوفى، وعشر في عدد الباقين.
ورويها أحد عشر حرفاً: "قلّ من سعد بفره"، وبعد كلّ ألف
التنوين، إلا الراء من (البصير) أول آيها.
مقصودها
ومقصودها: الإقبال على الله وحده، وخلع كل ما سواه، لأنه وحده
المالك لتفاصيل الأمور، وتفضيل بعض الخلق على بعض.
وذلك هو العمل بالتقوى، التي أدناها خلع الأنداد، واعتقاد التوحيد.
على ما دعا إليه افتتاح النحل. وأعلاها: الإحسان، الذي اختتمت به، وهو الفناء عما سوى الله.
وذلك شرح ما أشار إليه آخر التي قبلها، من قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) .
وكل ما أسمائها واضح الدلالة على هذا:
أما سبحان - الذي هو علم للتنزيه - فمن أظهر ما يكون فيه، لأن من
كان على غاية النزاهة عن كل نقص، كان جديراً بأن: (لا تعبدوا إلا
إياه) وأن يعرض كل مخلوق عن كل ما سواه، لكونه متصفاً بما ذكر.
стр. 605
وأما الإِسراء: فمن عرف أموره كلها في السّرى
بالنبي ﷺ من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى، ثم العروج من المسجد الأقصى، إلى السماوات العلي، إلى سدرة النتهي، ثم إلى ما شاء العليُّ الأعلى، ثم التردد بين موسى ﵇، وبين من أسرى به من السماء السادسة إلى ما وصل إليه في المرة الأولى من الحد الأسمى، والحضرة الشماء، والمحل الأقدس الأنهى، الذي وصل إليه دون غيره من الخلائق وهو فوق السماء السابعة، بما لا يعلمه إلا الله تعالى، مرة بعد أخرى ثم الرجوع إلى المسجد الأقصى، ثم إلى الكعبة العظمى، قبل فجر تلك الليلة، علم أن الفاعل لذلك متصف بكل ما ذكر، فأقبل بكليته، وانقطع دائماً إليه.
وكذا تسميتها بالأقصى، فإنه مشير إلى قصة الإِسراء.
وأما بنو إسرائيل، فمن أحاط - أيضاً - بتفاصيل أمرهم في مسيرهم إلى
الأرض المقدسة، الذي هو كالِإسراء، وإيتائهم الكتاب، وما ذكر مع ذلك
من شأنهم في هذه السورة، الذي هو معروف بالفرق بين الإسراءين والفرق
بين الإيتاءين، عرف ذلك.
стр. 606
فضائلها
وأما فضائلها: فروى البخاري في فضائل القرآن، عن ابن مسعود
﵁ قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، إنهن
من العتاق الأول، وهن من تلادي.
ورواه أبو عبيد، فأسقط سورة الأنبياء، وقال: هن من تلادي، وهن
من العتيق الأول.
وقال: إن معناه: من أول ما أخذت من القرآن، شبهة بتلاد المال
القديم، ومعناه: أن ذلك كان بمكة.
وروى الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، والبيهقي في
стр. 607
الدعوات، من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ - وفي رواية البيهقي: كان يقرأ كل ليلة - بني إسرائيل والزمر.
ولأحمد عن ابن عباس ﵄ قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: لا، بل أستأني بهم، وأنزل الله
هذه الآية: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) .
وفي رواية: فدعا، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن ربك يقرئك
السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد
ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب
التوبة والرحمة، قال: بل افتح لهم باب التوبة والرحمة.
قال البيهقي: ورجال الروايتين رجال الصحيح، إلا أنه وقع في أحد
طرقه عمران بن الحكم، وفي بعضها: عمران أبو الحكم، وهو ابن
стр. 608
الحارث - وهو الصحيح - وهو من رجال الصحيح.
ورواه البزار بنحوه.
وروى ابن رجب من طريق الطبراني، عن أبي الدرداء ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : يهبط الله آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع يدعوتي فأستجيب له، حتى يطلع الفجر، قال: فقال: "إن قرآن الفجر كان مشهوداً"، فيشهده الله وملائكته ".
وروى أبو طاهر المخلص عن أبي هريرة ﵁، أن رسول
الله ﷺ قال: ينزل ربنا " كل ليلة إلى السماء الدنيا نصف الليل الأخير، أو الثلث الأخير، فيقول - فذكره نحوه - وقال: حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارىء من صلاة الصبح.
وروى الطبري في الصغير بسند - قال الهيثمي: فيه ابن إسحاق
стр. 609
وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات - عن عبد الله بن عباس رضي الله
عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها، ليخر لوجهه، فيقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) حتى مر عليها كلها.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في سبأ حديث ابن مسعود ﵁ عند
الشيخين بنحوه.
ولأبي عبيد، عن خيثمة قال: قال عبد الله: عليكم بالشفاءين:
القرآن والعسل، قال أبو عبيد: يريد عبد الله هذه الآية: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ، والآية التي في النحل: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) .
стр. 610
ولأحمد في المسند، والطبراني، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله
عنه، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يقول: آية العزة - وفي رواية: العز - (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) إلى آخر السورة.
وللطبراني والبيهقي في الدعوات، والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما كربني أمْرٌ إلا تمثل لي جبريل ﵇، قال: يا محمد قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) .
стр. 611
وللطبراني في الدعاء، وأبي يعلى - قال الهيثمي: وفيه موسى بن عبيدة
الربذي وهو ضعيف - عن أبي هريرة - أيضاً ﵁ قال: بينا أنا
أمشي مع رسول الله ﷺ ، استقبله رجل رث الثياب رث الهيئة، مستقام، فقال النبي ﷺ : يا فلان ما الذي بلغ بك ما أرى؟.
قال: الفقر والسقم.
قال: أفلا أعلمك كلمات إذا قلتهن ذهب عنك الفقر والسقم؟.
فقال: لا، ما يسرني بهذا إني شهدت معك بدراً وأحداً، قال: فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟.
قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله فعلمنيهن.
قال: قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد للهِ الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً. قال: فلقي النبي ﷺ أبا هريرة بعد أيام فقال: يا أبا هريرة، ما الذي أرى من حسن حالك؟.
فقال: يا رسول الله ما زلت أقرأ الكلمات منذ علمتنيهن.
وروى عبد الرزاق في جامعة عن جعفر بن سليمان، عن سعيد
الجريري قال: بلغني أنه من قرأ الآية: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم
يكن له شريك في الملك) إلى آخر السورة، لم يصبه سرق.
ورواه الأستاذ أبو عثمان الصابوني في كتاب "المائتين" موصولاً عن
стр. 612
ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : هي - يعني (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الآية - أمان من السرق.
قال: وكان رجل من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعة فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت، ثم حمله والرجل ليس بنائم، حتى انتهى إلى الباب، فوجد الباب مرذوماً، فوضع الكارَّة، وفعل ذلك ثلاث مرات، فضحك صاحب البيت وقال: إني قد حصنت بيتي، قال: فذهب اللص.
قال الصابوني: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، لم أكتبه إلا من هذا
الطريق.
وفي الفردوس عن أبي موسى ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ في مصبح أو مسمى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) ، الآية. لم يمت قلبه في ذلك اليوم، ولا تلك الليلة.
وروى الأصفهاني في ترغيبه، عن إبراهيم - يعني ابن الأشعث -
قال: سمعت الفضل يقول: إن رجلًا على عهد النبي ﷺ أسره العدو، فأراد أبوه أن يفديه، فأبوا عليه، إلا بشيء كثير لم يطقه فشكى ذلك إلى النبي ﷺ فقال: أكتب إليه فليكثر من قوله: (توكلت على الحي الذي لا يموت) .
стр. 613
و (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) إلى آخرها، قال: فكتب بها الرجل إلى
ابنه، فجعل يقولها، فغفل العدو عنه، فاستاق أربعين بعيراً، وقدم بها إلى
المدينة.
قال المنذري: وهذا معضل (١) .
وسيأتي في الطلاق مما يمكن أن يتصل بهذا.
стр. 614
سورة الكهف
مكية إجماعاً.
وقال الأصفهاني: قيل هذا إجماع المفسرين من غير خلاف.
وقد روى عن ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: أن فيها آية
مدنية، وهي قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) .
وجعلها الغزنوي آيتين.
قال الأصفهاني: وعن مقاتل: من أولها إلى (صَعِيدًا جُرُزًا) مدني
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآيتين، وباقيها مكي.
стр. 615
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها مائة وخمس آلِات في المدنيين والمكي، وست في الشامي، وعشر في
الكوفي، وإحدى عشرة فِى البصري.
اختلافها إحدى عشرة آية:
(وزدناهم هدى) لم يعدها الشامي، وعدها الباقون.
(ما يعلمهم إلا قليل) ، عدها المدني الأخير، ولم يعدها الباقون.
(إني فاعل ذلك غداً) ، لم يعدها المدني الأخير، وعدها الباقون.
(وجعلنا بينهما زرعاً) لم يعدها المدني الأول والمكي، وعدها الباقون.
(لن تبيد هذه أبداً) ، لم يعدها المدني الأخير والشامي، وعدها
الباقون.
(من كل شيء سبباً) ، لم يعدها المدني الأول والمكي، وعدها
الباقون.
(فأتبع سبباً) ، (ثم أتبع سبباً) .
стр. 616
(ثم أتبع سبباً) عدهن الكوفي والبصري ولم يعدها الباقون.
(عندها قوماً) ، لم يعدها الكوفي والمدني الأخير، وعدها الباقون.
(بالأخسرين أعمالاً) ، لم يعدها المدنيان والمكي، وعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع، اثنا عشر موضعاً:
(قيماً) ، (بأساً شديداً) ، (ويبشر المؤمنين) ، (وهم رقود) (عليهم بنياناً) (بسلطان بين) ، (مراء ظاهرا) ، (خضراً) ، (ولم تظلم منه شيئاً) .
(على ربك صفا) (آذانهم وقرا) (من دونهما قوماً)
وعكسه ثلاثة:
стр. 617
(عوجا) ، (نهراً) ، (عندها قوماً)
ورويها خمسة عشر - حرفاً، (ازل مرض فظ بعفص نجد) ، وبعد
كل ألف التنوين.
مقصودها
ومقصودها: وصف الكتاب بأنه قيم، لكونه زاجراً عن الشريك الذي
هو خلاف ما قام عليه الدليل في "سبحان "، من أنه لا وكيل دونه، ولا إله
إلا هو وقاصًّا (بالحق) أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم، وفق ما وقع الخبر
به في سبحان، من أنه يفضل من يشاء، ويفعل ما يشاء.
стр. 618
وأدل ما فيها على هذا المقصد: قصة أهل الكهف، لأن خبرهم أخفى
ما فيها من القصص، مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك، وكان أمرهم
موجباً بعد طول رقادهم للوحدانية، وإبطال الشرك.
стр. 619
فضائلها
وأما فضائلها: فروى مسلم وأبو داود، والنَّسائي، والترمذي
وأحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي
أسامة، والطبراني، عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: من قرأ - وفي رواية: من حفظ - عشر آيات من أول - وفي رواية: من آخر - سورة الكهف، عصم من الدجال.
وفي رواية: من فتنة الدجال.
وفي رواية للترمذي: من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الكهف.
ورواه النسائي في "اليوم والليلة" عن ثوبان ﵁. ولفظه:
من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من الدجال.
ولمسلم وأبي داود، عن النواس بن سمعان ﵁، أن
النبي ﷺ ذكر الدجال - إلى أن قال -: فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف.
стр. 620
زاد أبو داود: فإنها جواركم من فتنته.
وروى النسائي في السنن، والبيهقي في الدعوات وغيره مرفوعاً.
والحاكم موقوفاً ومرفوعاً وقال: صحيح الإسناد، والدارمي في مسنده.
وسعيد بن منصور في سننه، كلاهما موقوفاً فقط، عن أبي سعيد رضي الله
عنه: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين
الجمعتين.
ولفظ الدارمي: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء له من النور
ما بينه وبين البيت العتيق.
ومثله لا يقال من قبل الرأي، فهو مرفوع على كل حال.
قال المنذري: وفي أسانيدهم كلها - إلا الحاكم - أبو هاشم يحيى بن
دينار الرماني، والأكثرون على توثيقه، وبقية الإسناد ثقات، وفي إسناد
الحاكم الذي صححه نعيم بن حماد.
ثم قال في فصل الرواة في آخر الكتاب: قال النسائي: ضعيف، وابن
معين: صدودق، وأنا أعرف الناس به، كان رفيقي في البصرة، كتب عن
стр. 621
روح بن عبادة خمسين ألف حديث.
ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
والطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، مرفوعاً إلى
النبي ﷺ .
ولفظ النسائي والحاكم: من قرأ الكهف كما أنزلت، كانت له نوراً يوم
القيامة من مقامة إلى مكة، ومن قرأ عشر آيات من آخرها، ثم خرج
الدجال، لم يسلط عليه.
ورواه الطبراني لى الأوسط، في حديث طويل - قال الهيثمي: ورجاله
стр. 622
رجال الصحيح - بلفظ: من قرأ سورة الكهف، كانت له نوراً يوم القيامة
من مقامه إلى مكة، ومن قرأ عشر آيات من آخرها، ثم خرج الدجال، لم
يضره.
ورواه عبد الرزاق في جامعه، عن أبي سعيد الخدري ﵁
موقوفاً عليه -، قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت، ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه - أو لم يكن عليه سبيل - ومن قرأ خاتمة سورة الكهف، أضاء
نوره من حيث قرأها ما بينه وبين مكة.
وفي الفردوس عن البراء، وابن عباس، ﵃، أن النبي ﷺ قال: من قرأ عشر آيات من الكهف، ملئ من قرنه إلى قدمه إيماناً، ومن قرأها في ليلة جمعة، كانت له نوراً، فإن خرج الدجال لم يتبعه.
وفيه أيضاً: عن ابن عباس، وأبي هريرة، ﵃، أن
النبي ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أعطى نوراً كما بين صنعاء إلى بصري، ومن قرأها في يوم جمعة حفظ إلى الجمعة الأخرى وعوفي من الداء والدَّبيلة، وذات الجنب، والبرص والجذام، والجنون وفتنة الدجال.
ولابن مردويه في تفسيره بإسناد - قال المنذري: لا بأس به - عن ابن
عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين.
стр. 623
ولأحمد في المسند، والطبراني، بسند حسن، عن معاذ بن أنس الجهني
﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ أول سورة الكهف وآخرها، كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها، كانت له نورا ما بين الأرض والسماء.
وعند البزار، وإسحاق بن راهويه، عن عمر بن الخطاب ﵁
أنَ النبي ﷺ قال: من قرأ في ليلة: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .
كان له نور من عدن أبين إلى مكة، حشوه الملائكة.
قال المنذري: ورواته ثقات، إلا أن أبا قرة الأسدي لم يرو عنه -
فيما أعلم - غير النضر بن شميل.
ولأبي عبيد في الفضائل، والدارمي، كلاهما عن محمد بن كثير، عن
стр. 624
الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش ﵀، أنه قال:
من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقومها من الليل، قامها -
وقال: قال عبدة: فجربناه فوجدناه كذلك.
وقال ابن كثير: وقد جربناه - أيضاً - في السرايا غير مرة، فأقوم في
الساعة التي أريد.
قال: وابتدىء من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) ، إلى آخرها.
وللشيخين، وأحمد، والترمذي، عن البراء ﵁ قال: كان
رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته
سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن، وهذا الرجل هو أسيد بن الحضير، كما مضى في البقرة.
стр. 625
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير: وفي المختارة للحافظ
الضياء المقدسي، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي ﵁ مرفوعاً: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال، عصم منه.
ولابن السنى عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم تضره
العين.
ورواه البيهقي في الدعوات، ولفظه: ما أنعم الله على عبد نعمة في
стр. 626
أهل ولا مال أو ولد، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت.
وبنحو هنذا اللفظ رواه الأستاذ أبو عثمان الصابوني في كتاب "المائتين"
وقال: وما أنعم الله على عبد نعمة من أهل، أو مال، أو ولد. . . الحديث.
(وقال) : هذا حديث غريب الإِسناد والمتن، ولا أعلم أني كتبته إلا
من هذا الوجه.
وشرح ما تقدم من أسرار كثير مما تضمنته هذه الأخبار:
أما تخصيصها بيوم الجمعة، فلتذكيرها بالبداية من خلق آدم عليه
السلام، والنهاية من قيام الساعة، الخاصين بيوم الجمعة، مع ما فيها
من لواحقهما من ذكر الجنتين وإن اختلف الحالان.
ومن ذكر قصة أصحاب الكهف بما فيها من الدلالة على البعث، ومن ضرب المثل للحياة الدنيا، ومن قصة الحشر، ومن قصة الحوت، وأمر ذي القرنين في السد وما يتبعه، وغير ذلك من نفخ الصور، وتلك التي تكون في البعث والنشور، وما ذكر في الجنان والنيران، من الثبور والحبور.
وأما ما ينشأ عنها من النور، ولكونها سورة الكتاب الهادي للصواب.
стр. 627
الموصوف بدوام الاستقامة، المانعة من الشك والارتياب، والزلزلة
والاضطراب وكذلك فعل النور بصاحبه، يوضح له الخفايا، ويفتح له
الخبايا، وكل باب.
وأما السكينة: فلما خص الله به أصحاب الكهف وموسى والخضر وذا
القرنين ﵈، من الطمأنينة على الحق، والسكون على الخير.
والنصر على المبطلين، وفي كونها سورة الكتاب أعظم مشير إلى ذلك، وكاشف لسره.
ولهذا كان ما تقدم في فضائل البقرة، الواصفة للكتاب المذكور، فيها
آية السكينة الموروثة عن آل موسى وآل هارون، ﵈: من دُنُوِّ
الملائكة والمصابيح المزهرة، لكونها سورة الكتاب المنير للألباب.
وأما عصمتها من الدجال: فلما فيها من التذكير بتنزيه الله تعالى عن
كل نقص، وماله من القدرة التامة، وكل كمال، وما اتفق من عصمة
أصحاب الكهف ممن ناوأهم والربط على قلوبهم مع ضعفهم، وكثرة المخالفين لهم.
والاكتفاء فيها بالعشر من أولها، لجمعه بين التنزيه والبعث، ولقاء الله
الذي لا يكون شيء منها إلا بعد الدجال، بل وبعد الموت.
وذكر قصة أهل الكهف إجمالاً، وبالعشر من آخرها، لجمعها للبعث
المذكور، والتنزيه والتوحيد، الذي وقع به الاختتام، المنافي للانقسام وقبول
الانقسام بوجه، فأعلم ببطلان أمر الدجال، إلى غير ذلك من الأسرار التي
تدق عن الأفكار.
وبالثلاث لتنبيهها على التفكر في الكتاب، الهادي إلى كل صواب ولا
سيما البشارة والنذارة، الموجبان للعدل، الحاملات على المتاب والعدول عن
كل ارتياب، ولإعلامها بالتوحيد بالبراءة من الولد، المستلزم قبوله للمجانسة
стр. 628
المستلزمة للقسمة، المستلزمة للحاجة، المبرهنة على إبطال أمر الدجال، إلى
غير ذلك من أمور لا تدخل تحت المقدور، وبدور لا تسع أنوارها الصدور.
كما تشير إليه قصة موسى مع الخضر ﵉، والتسليم من أنه فوق
كل ذي علم عليم.
стр. 629
سورة مريم ﵍
وتسمى - أيضاً - كهيعص.
مكية. قال الأصفهاني: قيل: بإجماعهم، من غير خلاف علمناه.
وعن ابن عباس ﵄ قال أبو حيان: ومقاتل: هي
مكية غير سجدتها.
وقيل: غير آيتين منها، قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) والتي تليها.
عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها
وآيها تسع وتسعون في المدني الأخير والمكي، وثمان في عدد الباقين.
اختلافها ثلاث آيات:
стр. 630
(كهيعص) عدها الكوفي وحده.
(في الكتاب إبراهيم) عدها المدني الأخير والمكي، ولم يعدها
الباقون. (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) ، لم يعدها الكوفي، وعدها
الباقوِن.
وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، أربعة مواضع:
(الرأس شيبا) ، (وقري عينا) ، (للرحمن صوما) .
(اهتدوا هدى)
وعكسه موضع:
(كن فيكون) .
ورويها ستة أحرف: أدم يزن.
مقصودها
ومقصودها: بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإضافة جميع
النعم على جميع خلقه، المستلزم للدلالة على اتصافه بجميع صفات الكمال.
المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب، المستلزم لتمام العلم، الموجب للقدرة على البعث، والتنزه عن الولد، لأنه لا يكون إلا لمحتاج، ولا يكون إلا مثل الوالد، ولا سمَِىَّ له سبحانه، فضلاً عن مثيل.
стр. 631
وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام
القدرة، وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقاً الآدمي
وأعجب أقسام توليده الأربعة: ما كان من أنثى بلا توسط ذكر، لأن ذلك
أضعف الأقسام، وأغرب وجوه ذلك، أن يتولد منها - على ضعفها - أقوى النوع، وهو الذكر، ولا سيما وقد أوتي قوة في الخلق والخلق، كما دل عليه وصفه هنا بغلام، ولا سيما وقد أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب، التي هي خواص الآدمي في حال الطفولية، ولا سيما إذا انضم إلى ذلك أن يخبر بسلامته الكاملة التي لا يشوبها نوع من عطب، فيكون الأمر كذلك، لم
يقدر - ولا يقدر - أحد مع كثرة الأعداء، على أن يمسه بشيء من أذى، ثم حفظ في هذه المدد الطويلة، والدهور المديدة، في جميع جواهره وأعراضه.
هذا إلى ما جمعته القصة من إخراج الرطب في غير حينه من يابس
الحطب ومن إنباع الماء في غير موضعه، وعلى مثل ذلك أيضاً دلت تسميتها، بما في أولها من الحروف المقطعة.
بيان ذلك: أن مخرج الكاف من أقصى اللسان، مما يلي الحلق ويحاذيه
من أسفل الحنك، وهي أدق مخرج القاف قليلاً إلى مقدم الفم، ولها من
الصفات الهمس، والشدة، والانفتاح، والاستفال.
ومخرج الهاء من أقصى الحلق، لكنها أدق من الهمزة، إلى جهة اللسان
قليلا، ولها من الصفات: الهمس، والرخاوة، والانفتاح، والاستفال والخفاء.
стр. 632
ومخرج الياء من وسط اللسان، ووسط الحنك الأعلى، ولها من
الصفات: الجهر، والرخاوة، والانفتاح، والاستفال، وهو أغلب صفاتها.
ومخرج العين، من وسط الحلق، ولها من الصفات: الجهر، وبين الشدة
والرخاوة، والانفتاح والاستفال.
ومخرج الصاد: من طرف رأس اللسان، وبين أصول الثَّنيتين السفليين
وله من الصفات: الهمس، والرخاوة، والإطباق، والاستعلاء، والصفير.
فالافتتاح بهذه الأحرف في هذه السورة، إشارة - والله أعلم - إلى أن
أهل الله عامة، من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم، يكون أمرهم عند
المخالفين - أولاً - كما تشير إليه الكاف ضعيفاً، مع شدة وانفتاح، كما كان حال النبي ﷺ أول ما دعا إلى الله تعالى، فإنه اشتهر أمره، ولكنه كان ضعيفاً بإنكار قومه عليه، إلا أنهم لم يبالغوا في الإِنكار، ثم يصير الأمر في أوائل العراك - كما تشير إليه الهاء - إلا استفال، ثم يزداد بتمالؤه المستكبرين عليهم ضعفاً وخفاء، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور، كما يشير إليه انفتاح الهاء، وعليه نبهت قراءة الفتح.
وهكذا كما كان النبي ﷺ حين رح بسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وتضليل آبائهم، فقاموا عليه الباً واحدا، فهاجر أكثر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة، وخاف أبو طالب عم النبي ﷺ دهماء العرب، فقال قصيدته اللامية الطويلة في ذلك، يستعيذ فيها بحرم الله وببيته من
стр. 633
المبطلين، وتمادي الحال، حتى الجأتهم قريش إلى الشِّعْب، فانحاز فيه بنو هاشم.
وانضم معهم بنو المطلب، وتكوّن في وسط أمرهم - كما تشير إليه الياء
وقراءتها بالفتح - لهم قوة، مع رخاوة واشتهار واستفال، وهو الأغلب عليهم ظاهراً، كما تشير إليه قراءة الإمالة فيكون ذلهم من وراء عز، وعزهم من ساتر ذل، فتنة من العليم الخبير ليتميز المخلص من غيره، يعرف ذلك من عاناه، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاه، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش في نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب، ثم كان عند موت خديجة ﵂ وأبي طالب وخرج النبي ﷺ لما توالى عليه من المصائب إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي وولدي وعيني - على تلك الصورة التي يعرفها من طالع السيرة، فلما قرب من مكة المشرفة، لم يستطع دخولها بغير جوار فاختفى في غار حراء، وأرسل إلى من يجيره، ثم أرسل، ثم كرر الإرسال حتى أجاره المطعم بن عدي، فلبس السلاح هو ومن أطاعه من عشيرته وأدخله ﷺ ، حتى طاف بالبيت، ثم انصرف إلى منزله ثم قضى الله
سبحانه - وهو الذي يفعل ما يشاء، لا يسأل عما يشاء، ولا راد لحكمه، ولا معقب لأمره - أن قتل المطعم هذا في بدر كافراً إلى النار وبئس القرار، بعد أن اجتهد النبي ﷺ في سلامته، والإيصاء به في أن لا يقتل، ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم رحمته، التي أشارت إليها هذه السورة وخصوصها،
стр. 634
لئلا ييأس عاص، أو يأمن طائع، وليظهر سر قوله ﷺ : ((إن الله ليؤيد هذا الحديث بالرجل الفاجر".
ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعداً قوي، كما تشير إليه العين.
فصار بين الشدة والرخاوة، وفيه انفتاح بشهرة، مع استفال في بعض الأمر.
كما كان حاله مجيهئم عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم.
وأما آخر أمرهم: فهو - وإن كان فيه نوع من الضعف، وضرب من
الرخاوة واللين، كما كان في غزوة حنين والطائف - فإنه يعقبه قوة عظيمة
بالإطباق واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق، كما يشير إليه الصفير.
هذا في أهل الله عامة، المذكورين في هذه السورة، وغيرهم.
стр. 635
وامَّا مَا يخص عيسى عليه الذي هو صورة سورتها، ومطمح إشارتها.
فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف، أغلبها ثلاثة أحرف منها، إشارة
إلى أن إبراهيم ﵇ بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق
المذكور به، إجابة لدعوته في قوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ، وتحقيقاً لوعده في هذه السورة في قوله: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) ، هو لسان هذا الوجود، وإلى أن دولة إله الذين عيسى ﵇ من أعيانهم، هي وسط هذا الوجود حقيقة وخياراً.
فموسى ﵇ أول أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف، التي هي
من أقصى اللسان من أول مخارجه، وله حظ كبير منها، فإنه من أجله قتل
أبناء بني إسرائيل، وولد في سنة القتل، وكان سبب هجرته وابتداء سيره
إلى الله تعالى، قتله القبطي، وقرب نجيا، ومن صفاتها الجهر، والشدة -
والانفتاح والاستعلاء والقلقلة، وهو ﷺ عريق في كل من خيرات ذلك.
وداود ﵇ ثاني ذوي كتبهم، بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من
مخرج الهاء إحدى هذه الحروف، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك
والنبوة، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره، وفي آخره بما كان من
بكائه ونواحه، قتواضعه وإخباته لربه وصلاحه.