← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة، وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقاً الآدمي وأعجب أقسام توليده الأربعة: ما كان من أنثى بلا توسط ذكر، لأن ذلك أضعف الأقسام، وأغرب وجوه ذلك، أن يتولد منها - على ضعفها - أقوى النوع، وهو الذكر، ولا سيما وقد أوتي قوة في الخلق والخلق، كما دل عليه وصفه هنا بغلام، ولا سيما وقد أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب، التي هي خواص الآدمي في حال الطفولية، ولا سيما إذا انضم إلى ذلك أن يخبر بسلامته الكاملة التي لا يشوبها نوع من عطب، فيكون الأمر كذلك، لم يقدر - ولا يقدر - أحد مع كثرة الأعداء، على أن يمسه بشيء من أذى، ثم حفظ في هذه المدد الطويلة، والدهور المديدة، في جميع جواهره وأعراضه. هذا إلى ما جمعته القصة من إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ومن إنباع الماء في غير موضعه، وعلى مثل ذلك أيضاً دلت تسميتها، بما في أولها من الحروف المقطعة. بيان ذلك: أن مخرج الكاف من أقصى اللسان، مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك، وهي أدق مخرج القاف قليلاً إلى مقدم الفم، ولها من الصفات الهمس، والشدة، والانفتاح، والاستفال. ومخرج الهاء من أقصى الحلق، لكنها أدق من الهمزة، إلى جهة اللسان قليلا، ولها من الصفات: الهمس، والرخاوة، والانفتاح، والاستفال والخفاء.

стр. 632

ومخرج الياء من وسط اللسان، ووسط الحنك الأعلى، ولها من الصفات: الجهر، والرخاوة، والانفتاح، والاستفال، وهو أغلب صفاتها. ومخرج العين، من وسط الحلق، ولها من الصفات: الجهر، وبين الشدة والرخاوة، والانفتاح والاستفال. ومخرج الصاد: من طرف رأس اللسان، وبين أصول الثَّنيتين السفليين وله من الصفات: الهمس، والرخاوة، والإطباق، والاستعلاء، والصفير. فالافتتاح بهذه الأحرف في هذه السورة، إشارة - والله أعلم - إلى أن أهل الله عامة، من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم، يكون أمرهم عند المخالفين - أولاً - كما تشير إليه الكاف ضعيفاً، مع شدة وانفتاح، كما كان حال النبي ﷺ أول ما دعا إلى الله تعالى، فإنه اشتهر أمره، ولكنه كان ضعيفاً بإنكار قومه عليه، إلا أنهم لم يبالغوا في الإِنكار، ثم يصير الأمر في أوائل العراك - كما تشير إليه الهاء - إلا استفال، ثم يزداد بتمالؤه المستكبرين عليهم ضعفاً وخفاء، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور، كما يشير إليه انفتاح الهاء، وعليه نبهت قراءة الفتح. وهكذا كما كان النبي ﷺ حين رح بسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وتضليل آبائهم، فقاموا عليه الباً واحدا، فهاجر أكثر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة، وخاف أبو طالب عم النبي ﷺ دهماء العرب، فقال قصيدته اللامية الطويلة في ذلك، يستعيذ فيها بحرم الله وببيته من

стр. 633

المبطلين، وتمادي الحال، حتى الجأتهم قريش إلى الشِّعْب، فانحاز فيه بنو هاشم. وانضم معهم بنو المطلب، وتكوّن في وسط أمرهم - كما تشير إليه الياء وقراءتها بالفتح - لهم قوة، مع رخاوة واشتهار واستفال، وهو الأغلب عليهم ظاهراً، كما تشير إليه قراءة الإمالة فيكون ذلهم من وراء عز، وعزهم من ساتر ذل، فتنة من العليم الخبير ليتميز المخلص من غيره، يعرف ذلك من عاناه، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاه، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش في نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب، ثم كان عند موت خديجة ﵂ وأبي طالب وخرج النبي ﷺ لما توالى عليه من المصائب إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي وولدي وعيني - على تلك الصورة التي يعرفها من طالع السيرة، فلما قرب من مكة المشرفة، لم يستطع دخولها بغير جوار فاختفى في غار حراء، وأرسل إلى من يجيره، ثم أرسل، ثم كرر الإرسال حتى أجاره المطعم بن عدي، فلبس السلاح هو ومن أطاعه من عشيرته وأدخله ﷺ ، حتى طاف بالبيت، ثم انصرف إلى منزله ثم قضى الله سبحانه - وهو الذي يفعل ما يشاء، لا يسأل عما يشاء، ولا راد لحكمه، ولا معقب لأمره - أن قتل المطعم هذا في بدر كافراً إلى النار وبئس القرار، بعد أن اجتهد النبي ﷺ في سلامته، والإيصاء به في أن لا يقتل، ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم رحمته، التي أشارت إليها هذه السورة وخصوصها،

стр. 634

لئلا ييأس عاص، أو يأمن طائع، وليظهر سر قوله ﷺ : ((إن الله ليؤيد هذا الحديث بالرجل الفاجر". ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعداً قوي، كما تشير إليه العين. فصار بين الشدة والرخاوة، وفيه انفتاح بشهرة، مع استفال في بعض الأمر. كما كان حاله مجيهئم عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم. وأما آخر أمرهم: فهو - وإن كان فيه نوع من الضعف، وضرب من الرخاوة واللين، كما كان في غزوة حنين والطائف - فإنه يعقبه قوة عظيمة بالإطباق واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق، كما يشير إليه الصفير. هذا في أهل الله عامة، المذكورين في هذه السورة، وغيرهم.

стр. 635

وامَّا مَا يخص عيسى عليه الذي هو صورة سورتها، ومطمح إشارتها. فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف، أغلبها ثلاثة أحرف منها، إشارة إلى أن إبراهيم ﵇ بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به، إجابة لدعوته في قوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ، وتحقيقاً لوعده في هذه السورة في قوله: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) ، هو لسان هذا الوجود، وإلى أن دولة إله الذين عيسى ﵇ من أعيانهم، هي وسط هذا الوجود حقيقة وخياراً. فموسى ﵇ أول أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف، التي هي من أقصى اللسان من أول مخارجه، وله حظ كبير منها، فإنه من أجله قتل أبناء بني إسرائيل، وولد في سنة القتل، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى، قتله القبطي، وقرب نجيا، ومن صفاتها الجهر، والشدة - والانفتاح والاستعلاء والقلقلة، وهو ﷺ عريق في كل من خيرات ذلك. وداود ﵇ ثاني ذوي كتبهم، بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره، وفي آخره بما كان من بكائه ونواحه، قتواضعه وإخباته لربه وصلاحه.

стр. 636

فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى ﵇، هو ثاني الشارعين منهم في الوجود، و "الهاء"، عبارة عن أنه من عقب داود، ﵉، كل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه، الدَّال عليه. والصاد التي هي من طرف اللسان، وهي خاتمة هذه الحروف، إشارة - بما فيها من الإطباق، المشير إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجود، ومن الاستعلاء المشير إلى نهاية العظمة، والصفير المشير إلى غاية الانتشار والشهرة - إلى محمد ﷺ ، وإلى مقرر دينه ومجدّده عيسى ﵇. ويشير الكاف - أيضاً - بما فيه من الصفات، إلى أن أول أمر عيسى ﵇ يكون فيه مع الشدة ضعف. ثم تشير - أيضاً - الهاء التي هي من أقصى الحلق، إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور، ويخفي بارتفاعه إلى السماء، ويدل وصفها بالاستفال على أن السماء التي يكون بها قريبة إلى العالم السفلي، وهو كذلك، فإنه في الثانية، بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجهما. وتشير الياء بجهرها إلى ظهور بنزوله، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره، وباعتلائها على شيء في ذلك، وهو ضعف الأتباع وحصرهم في ذلك الوقت، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهور على الدجال في أولئك القوم الذي جهدهم البلاء عند نزوله، ومسهم الضر قبل حلوله. وتليح غلبة الاستفال عليها إلى أمر يأجوج ومأجوج لما يوحيه إليه: "إني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحدهم، فجرّز عبادي إلى الطور". وتدل العين بكونها من وسط الحلق على انحصارهم، وبجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم، ولا وصول بوجه إليهم، وبما فيها من البينية

стр. 637

والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة، وتبشر بما فيها من الانفتاح بحصول الفتح الذي ليس فوقه فتح. وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الدين جميع الناس. وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور، لعموم الهلاك لكل موجود مقطور ثم بعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور. وكل هذا من ترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع، وترتيب هذه الحروف على النظم الدال عليه، دائر على القدرة التامة، والعلم الشامل، والحكمة الباهرة، رحمهم سبحانه بأن نكبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجىء - ولا بد - إلى الشقوة، فجعل نصرهم في لوامع انكسار، وكسرهم في جوامع انتصار، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذ وعلو واستكبار ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار، فلقد انطبق الاسمان على المسمى واتضحا غاية الاتضاح في أمره وتما.

стр. 638

فضائلها وأما فضائلها: فقال أبو عبيد في الفضائل، حدثنا إسماعيل بن مجالد. عن هلال الوزان، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه قرأ سورة مريم عليها السلام حتى انتهى إلى السجدة (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) ، فسجد بها. فلما رفع رأسه قال: هذه السجدة قد سجدناها، فأين البكاء؟.

стр. 639

رضي الله عنهما - وقد اختلف ناس في ورود النار - فأهوى بأصبعه إلى أذنيه وقال: صمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر، إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ﵇، حتى إن للنار - أو قال: لجهنم - ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا. وروى الإِمام أحمد من حديث أم سلمة ﵂ في قصة هجرتهم إلى الحبشة والنجاشي، وفيه: أنه دعا أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله وقال لجعفر بن أبي طالب ﵁: هل معك مما جاء به - يعني النبي ﷺ من شيء؟ قال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدراً من "كهيعص"، قالت: فبكى والله النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: والله إن هذا والذي جاء به موسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة. وروى ابن المبارك، عن عباد المنقري، عن بكر المزني قال: لما

стр. 640

نزلت هذه الآية: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ، ذهب ابن رواحة إلى بيته، فبكى فجاءت امرأته فبكت، وجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون، فلما انقضت عبرته قال: يا أهلاه ما يبكيكم؟ قالوا: لا ندري، ولكنا رأيناك بكيت فبكينا، قال: آية نزلت على رسول الله ﷺ ينبئني فيها ربي أني وارد النار، ولم ينبئني أني أصدر عنها.

стр. 641

سورة طه وتسمى: سورة موسى ﵇. مكية إجماعاً. عدد آياتها وآيها مائة وثلاثون وآيتان بصري، وأربع مدنيان ومكي، وخمس كوفي وأربعون شامي. اختلافها إحدى وعشرون آية: (طه) عدها الكوفي وحده. (نسبحك كثيراً) ، وكذا: (ونذكرك كثيراً) ، لم يعدهما البصري وعدهما الباقون.

стр. 642

(ومحبة مني) ، لم يعدها الكوفي والبصري، وعدها الباقون. (كي تقر عينها ولا تحزن) ، عدها الشامي، ولم يعدها الباقون. (وفتناك فتوناً) ، عدها البصري والشامي، ولم يعدها الباقون. (في أهل مدين) عدها الشامي، ولم يعدها الباقون. (واصطنعتك لنفسي) ، عدها الكوفي والشامي، ولم يعدها الباقون. (فأرسل معنا بني إسرائيل) ، عدها الشامي وحده. (ولقد أوحينا إلى موسى) ، عدها الشامي - أيضاً - وحده. (ما غشيهم) عدها الكوفي وحده. (غضبان أسفا) عدها المدني الأول والمكي، ولم يعدها الباقون. (وعداً حسنا) عدها المدني الأخير وحده. (ألقى السامري) لم يعدها المدني الأخير، وعدها الباقون. (وإله موسى) عدها المدني الأول والمكي، ولم يعدها الباقون. (فَنَسيَ) لم يعدها المدني الأول والمكي، وعدها الباقون.

стр. 643

(إليهم قولاً) عدها المدني الأخير وحده. (إذ رأيتهم ضلوا) عدها الكوفي وحده. (قاعا صفصفا) ، لم يعدها المدنيان والمكي، وعدها الباقون. (منى هدى) ، (زهرة الحياة الدنيا) لم يعدها الكوفي وحده. ما يشبه الفاصلة فيها وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، اثنان وعشرون موضعاً: (فاعبدني) ، (بآياتي) ، (قولًا ليناً) ، (فيها سبلا) (وبينك موعدا) (على الله كذبا) ، (ثم ائتوا صفا) ، (سجدا) ، (والذي فطرنا) ، (ما أنت قاض) ، (عليكم غضبي) ، (بملكنا) ، (جسداً له خوار) ،

стр. 644

(ولا برأسي) ، (لا مساس) ، (منها جميعاً) ، (ضنكا) . (حشرتني أعمى) ، (لزاماً) ، (رزقا) (رسولا) . وعكسه خمسة: (فتردى) (يا موسى) ، (المقدس طوى) ، (من أهلي) ، (هارون أخي) ، (على عيني) . ورويها ستة عشر حرفاً: قدح، عوف، تاري، الخمسة. تعتبرتاء التأنيث هاء للوقف، وتاء للوصل. الهاء: (طه) فإن ألفها لبيان الحركة. الياء: (السامري) التاء: (أمتا) الواو: (سوى) ،

стр. 645

الحاء: (ضحى) ، فإن ألفها للتنوين. مقصودها ومقصودها: إعلام الداعي ﷺ بإقبال المدعوين، والترفق إلى أن يكونوا أكثر الأمم زيادة في شرفه ﷺ . وعلى هذا المقصد الشريف دل اسمها المشهور بطريق الرمز والإِشارة ليتبين أهل الفطنة والبصارة، وذلك كما في أولها من الحروف المقطعة لأنه لما كان ختام سورة مريم ﵍ حاملًا على الخوف العظيم، من أن تهلك أمته ﷺ قبل ظهور أمره الذي أمره الله به، وقبل اشتهار دعوته، لقلة من آمن منهم إذ ذاك، ابتدأه سبحانه بالطاء إشارة بمخرجها الذي هو من رأس اللسان وأصول الثنيتين العليين، إلى قوة أمره وانتشاره، وعلوه وكثرة أتباعه. لأن هذا المخرج أكثر المخارج حروفاً، وأشدها حركة، وأوسعها انتشاراً، وبما فيها من صفات الجهر والإطباق، والاستعلاء والقلقلة، إلى انقلاب ما هو فيه من الأسرار جهراً، وما هو فيه من الرقة فخامة، لأنها من حروف التفخيم، وأنه يستعلي أمره، وينشر ذكره، حتى يطبق جميع الوجود ويقلقل سائر الأمم. ولكن يكون ذلك مما تشير إليه الهاء، بمخرجها من أقصى الحلق، على حد بعده من طرف اللسان، مع طول كبير، وتماد كثير، بما فيها من صفات الهمس والرخاوة، والانفتاح، والاستفال، والخفاء، مع مخافته وضعف كبير، وهدوء وخفاء عظيم، ومقاساة شدائد كبار، مع نوع فخامة واشتهار وهو وإن

стр. 646

كان اشتهاراً يسيراً يغلب هذا الضعف كله وإن كان قوياً شديداً وقراءة الِإمالة للهاء تشير إلى شدة الضعف، وقراءة التفخيم - هي لأكثر القراء - مشيرة إلى فخامة القدر، وقوة الأمر، بما لها من الانفتاح، وإن رئي أنه ليس كذلك. "لقد أمر أمره: إنه ليخافه ملك بني الأصفر". وإن كان معنى الحرفين: يا رجل، فهو إشارة إلى قوته، وعلو قدره. وفخامة ذكره، وانتشار أتباعه، وعموم أمره. وإن كان إشارة إلى وطء الأرض فهو إلاحة إلى قوة التمكن، وعظيمِ القدرة، وبعد الصيت، حتى تصير الأرض كلها ملكًا له ولأتباعه، وملكًا لأمرائه وأشياعه، والله أعلم. وذكر ابن الفرات في تاريخه: أن هجرة الحبشة كانت في السنة الثامنة من المبعث.

стр. 647

فالظاهر - على ما يأتي في فضائلها من قصة إسلام عمر رضي الله عنه -: أن نزول هذه السورة، أولها، كان قريب هجرة الحبشة، فيكون سبحانه قد رمز له ﷺ على ما هو ألذ في محادثة الأحباب، من صريح الخطاب، بعدد مسمى الطاء، إلى أن وهن الكفار الوهن الشديد، يقع في السنة التاسعة من نزولها، وذلك في غزوة بدر الموعد في سنة أربع من الهجرة، وبعدد اسمها إلى أن الفتح الأول يكون في السنة الحادية عشرة من نزولها، وذلك في عمرة الحديبية في ذي القعدة، سنة ست من الهجرة عند نزول سورة الفتح. ورمز له بعدد مسمى الهاء إلى أن مبدأ النصرة بالهجرة في السنة الخامسة من نزولها، وذلك في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة. وبعدد حرفي اسمها - لا بعدد اسميهما - إلى أنه في السنة الثالثة عشرة من نزولها، يكون الفتح الأكبر بالاستعلاء على مكة المشرفة، الذي كان سبباً قريباً للاستعلاء على جميع الأرض، وذلك في أواخرها في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكان تمامه بفتح الطائف، بإرسال وفدهم وإسلامهم وهدم طاغيتهم في سنة تسع، وهي السنة الرابعة عشرة. وبعدد اسميهما: إلى أن تطبيق أكثر الأرض بالإِسلام، يكون في السنة الثامنة عشرة من نزولها، وذلك بخلافة عمر ﵁، وهو الوزير المطلوب بإشارتها التي كانت سبب إسلامه، وكانت خلافته في السنة الثالثة عشرة من الهجرة.

стр. 648

وكذا دل مقصودها بإضافتها إلى موسى ﵇، بتأصل قصته وما كان فيها من قدرة الله وحكمته. والله الموفق.

стр. 649

فضائلها وأما فضائلها: فروى أبو عبيد في الفضائل، عن شهر بن حوشب رحمه الله قال: يرفع القرآن عن أهل الجنة، إلا طه ويس. ولابن ماجة، والطبراني في الأوسط في ترجمة موسى بن سهل أبي عمران الجوني، والحاكم، والمخلّص في التاسع من فوائده، عن أبي أمامة ﵁، أن النبي ﷺ قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، في سور ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه. قال القاسم: فالتمستها، أنه: (الحي القيوم) .

стр. 650

قال ابن رجب: قال هشام بن عمار: (هو الحي القيوم) . وللطبراني في الأوسط - أيضاً - والدارمي في المسند، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، عن أبي هريرة رضي الله عنهْ فال: قال رسول الله ﷺ : إِنَ الله قرأ طه وشى، قبل أن يخلق آدم ﵇ في رواية الدامي: قبل أن يخلق السماوات والأرض - بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن، قالت: طوبي لأمة ينزل هذا عليها، وطوبي لأجواف تحمل هذا، وطوبي لألسن تتكلم بهذا. قال شيخنا حافظ العصر ابن حجر: وقد زعم ابن حيان: أنه موضوع وتبعه ابن الجوزي. وقال الهيثمي: في سند الطبراني إبراهيم بن مهاجر بن مسمار ضعفه البخاري بهذا الحديث، ووثقه ابن معين.

стр. 651

وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: هذا غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم ابن مهاجر وشيخه تكلم فيهما. ولأبي يعلى، عن معقل بن يسار، ﵁ قال: قال النبي ﷺ : اعملوا بالقرآن، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه، ما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله، وإلى أولى العلم من بعدي كما يخبروكم، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور، وما أوتي النبيون من ربهم، وليسعكم القرآن، وما فيه من البيان، فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأولى، وأعطيت طه، والطواسين والحواميم، من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة. وسيعاد هذا الحديث في الشعراء. وأخرج الحاكم منه من قوله: وأعطيت طه، إلى آخره. قال ابن رجب في كتابه الاستغناء بالقرآن، وقال: صحيح الإسناد. وليس كما قال، عبد الله بن أبي حميد ضعيف جداً.

стр. 652

ورواه من طريق أخرى، أولها: أعطيت البقرة من الذكر الأول. وأعطيت طه، إلى آخره. قال: وأخرجه هشام بن عمار في كتاب "المبعث" له، ولفظه: أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الإنجيل المئين، وأعطيت مكان الزبور المثاني، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة تحت العرش لم يعطها نبي قبلي، وأعطاني ربي المفصل نافلة. وروى أبو عبيد في الفضائل عن ابن عوف قال: حدثني رجل من أهل الكوفة أن عبد الله بن مسعود ﵁ صلى ليلة، قال: فذكروا ذاك فقال بعضهم: هذا مقام صاحبكم منذ الليلة يردد آية، حتى أصبح قال ابن عوف: بلغني أن الآية (رب زدني علماً) . وروى الطبراني في الكبير بسند - قال الهيثمي: فيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف - عن جرير ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) قال: قبل طلوع الشمس: صلاة الصبح، وقبل غروبها: صلاة العصر.

стр. 653

وللطبراني في الأوسط بسند - قال الهيثمي: رجاله ثقات - عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا نزل بأهله الضيف، أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، الآية. ومن أعظم فضائلها: أن قراءة أولها كان سبباً لإسلام عمر بن الخطاب ﵁، وهو الفاروق، الذي كان إسلامه فتحاً أيَّد الله به هذا الدين ففرق به بين الحق والباطل، فعزّ به المسلمون، فرغب في الِإسلام بسبب ذلك من وفقه الله له، وذلك هو عين مقصودها. روى عبد بن حميد في مسنده، والبيهقي في دلائل النبوة، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : اللَهُمَّ أعزَّ الدين - وقال البيهقي: الإِسلام - بأحب هذين الرجلين إليك: أبو جهل ابن هشام، أو عمر بن الخطاب - وقال عبد: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام - قال: فكان - يعني عمر بن الخطاب ﵁ أحبهما إلى الله تعالى.

стр. 654

وقال عبد: فكان أحبهما إليه عمر ﵁. وروى البيهقي - أيضاً - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج عمر ﵁ متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال له: أين تعمد يا عمر؟. قال: أريد أن أقتل محمداً، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة، وقد قتلت محمداً؟. قال: فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه؟. قال: أفلا أدلك على العجب؟. إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر زامراً - يعني غضبان - حتى أتاهما، وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خباب، فلما سمع خباب ﵁ بحس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟. قال: وكانوا يقرأون "طه"، فقالا: كان حديثاً تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما؟. فقال له ختنه: يا عمر إن كان الحق في غير دينك. قال: فوثب عمر على ختنه - وفي رواية: زوج أخته - سعيد بن زيد ابن

стр. 655

عمرو بن نفيل، فوطئه وطئاً شديداً. قال فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها فقالت - وهي غضبانة -: وإن كان الحق في غير دينك، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه. قال: وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت له أخته: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، أو توضأ. قال: فقام عمر فتوضأ، وأخذ الكتاب، فقرأ طه، حتى انتهى إلى: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) . قال: فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر رضي الله عنهما، خرج من البيت وقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: "اللهم أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام ". وكان رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا. قال: فانطلق عمر، حتى أتى للدار، وعلى باب الدار حمزة وطلحة ﵄، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى حمزة، وجل القوم من عمر، فقال حمزة عم رسول الله ﷺ هذا عمر، إن يرد اللهُ

стр. 656

بعمر خيراً يسلم، فيتبع النبي ﷺ وإن يرد غير ذلك، يكن قتله علينا هيناً. قال: والنبي ﷺ داخل يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر ﵁، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزى والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟. فهذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الِإسلام - أو الدين - بعمر بن الخطاب. فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك عبد الله ورسوله. وأسلم وقال: أخرج يا رسول الله ﷺ . وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار في المغازي، وقال في الحديث: فقرأ طه، حتى إذا بلغ: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لنجزي كل نفس بما تسعى - إلى قوله -: فتردى) وقرأ: (إذا الشمس كورت - حتى بلغ -: علمت نفس ما أحضرت) ، فأسلم عند ذلك. وروى البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد العزيز بن عبد اللُه بن عامر ابن ربيعة، عن أمه ليلى ﵂ قالت: كان عمر بن

стр. 657

الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة جاءني عمر بن الخطاب وأنا على بعيري نريد أن نتوجه، فقال: أين أم عبد الله؟. فقلت له: آذيتمونا في ديننا فنذهب إلى أرض الله حيث لا نؤذي في عبادة الله، فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر ابن ربيعة ﵁، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر. فقال: ترجين يسلم؟. فقلت: نعم. قال: فوالله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب وهذا من شدته على المسلمين، ثم رزقه الله تعالى الِإسلام. قال ابن إسحاق: والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلاً، وإحدى عشرة امرأة. وروى هذا الحديث ابن هشام في تهذيب السيرة من طريق ابن إسحاق وزاد فيه: أنه اغتسل، كما أمرته أخته. وفيه: أنه لما قرأ الآيات من صدر طه قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، فلما سمع ذلك خباب ﵁ خرج إليه. وفيه أشياء حسنة، وقد سقته مستوفى في "نظم الدرر" مع أشياء حسنة. وفيه: أنه أراد أن يعلم بإسلامه جميع قريش، فأتى أنقلهم للحديث

стр. 658

جميل بن معمرة فأخبره، فصرخ بأعلى صوته: أن ابن الخطاب صبأ؟ فقال عمر: كذب، ولكني أسلمت، فثاروا إليه، فما برح يقاتلهم حتى قامت الشمس على رؤوسهم وأعيا فقعد، وقال: أما والله لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا. وروى البخاري، والبيهقي في الدلائل وهذا لفظه، عن ابن عمر ﵄ قال: إني لعلي سطح، فرأيت الناس مجتمعين على رجل وهم يقولون: صبأ عمر، صبأ عمر، فجاء العاص بن وائل، عليه قباء ديباج فقال: إن كان عمر قد صبأ فمه أنا له جار، قال: فتفرق الناس عنه فتعجبت من عزه. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام الجمحي في كتابي، فضائل القرآن. وغريب الحديث عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً: أن النبي ﷺ مر هو وأصحابه على إبل لحي يقال لهم: بنو الملوح، أو بنو المصطلق، وقد عبست أبوالها من السمن، فتقنع بثوبه، ثم قرأ هذه الآية - وفي رواية: قول الله تعالى -: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى آخر الآية. قال: ومعنى "عبست": أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها وذلك إنما يكون من كثرة الشحم، فذلك العبس.

стр. 659

سورة الأنبياء ﵈ مكية إجماعاً. عدد آياتها وما يشبه الفاصلة فيها وآياتها مائة واثنتا عشرة في الكوفى، وإحدى عشرة في الباقين. اختلافها آية، (ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم) ، عدها الكوفي وحده. وفيها مما يشبه الفاصلة ولم يعد بإجماع: أربعة مواضع: (أكثرهم لا يعلمون) ، (ولا يشفعون) ، (لكم ولما تعبدون) (إنكم وما تعبدون) .

стр. 660

وعكسه ثلاثة: (له إبراهيم) (يا إبراهيم) ، (على إبراهيم) . ورويها: من. مقصودها ومقصودها: الاستدلال على تحقق الساعة وقربها، ولو بالموت، ووقوع الحساب فيها، على الجليل والحقير، لأن موجودها لا شريك له يعوقه عنها. وهو من لا يبدل القول لديه. والدال على ذلك أوضح دلالة: مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياء ﵈، ولا تستقل قصة منها استقلالا ظاهراً لجميع ذلك. كما بينته في أصل هذا الكتاب "نظم الدرر"، ولا تخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك، فنسبت إلى الكل.

стр. 661

فضائلها وأما فضائلها: فروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن زيد، بن أسلم. عن أبيه عن عامر بن ربيعة ﵁، أنه نزل به رجل من

стр. 662

العرب، فأكرم مثواه وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ وَادِياً، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك. قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) . وروى الترمذي - واللفظ له -، والنَّسائي، وابن السنى، والإمام أحمد - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير إبراهيم بن محمد ابن سعد، بن أبي وقاص، وهو ثقة -، والحاكم وقال: صحيح الِإسناد، عن سعيد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت، (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللهُ له. ولفظ الحاكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعى به أجاب الدعوة التي دعا بها يونس ﵇، حيث نادى في الظلمات الثلاث: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

стр. 663

فقال رجل: يا رسول الله هل كانت ليونس ﵇ خاصة، أم للمؤمنين عامة؟. فقال رسول الله ﷺ : ألا تسمع إلى قول الله : (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) . ولفظ ابن السنى قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إِلا فرج عنه، كلمة أخي يونس ﵇: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) . وعند الإمام أحمد في أوله قصة بين سعد وعثمان ﵄.

стр. 664

سورة الحج مكية. قال أبو عمرو الداني: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة في الذين تبارزوا يوم بدر، وهم ثلاثة مؤمنون: علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث ﵃، وثلاثة كافرون: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة وهي قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ- إلى قوله -: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) .

стр. 665

هذا قول ابن عباس ﵄، وعطاء بن يسار، إلا أن ابن عباس ﵄ لم يذكر إلى أين ينتهين، وذكره عطاء. وقيل عن ابن عباس: هي أربع آيات، ينتهين إلى قوله (الحريق) وقال الجعبري: (قال) ابن عباس: مكية إلا أربعاً، وعطاء: إِلًا سِتاً. واتفقا على أنهن من (هذان خصمان) ، إلى: (الحميد) ، فكأنَّ عطاء عد (الحميم) و (الجلود) ، ولم يعدهما ابن عباس. وقال قتادة: الحج مدنية، إلا أربع آيات منها نزلت بمكة، وهن:

стр. 666

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى - إلى قوله -: عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) . وعزاه الأصفهاني إلى ابن عباس ﵄. قال الجعبري: ويجمع بينهما بالأصالة والتبع. قلت: ويقدح في هذا الجمع الاستثناء في كل قول، ومن أغرب الأشياء: أن البغوي قال: مكية، إلا عشر آيات من قوله: (هذان خصمان - إلى قوله -: (وهُدُوا إلى صراط الحميد) . وقال الأصفهاني: وقال أبو سليمان الدمشقي: أولها مدني، إلى قوله: (وبشر المحسنين) ، وسائرها مكي. وقال هبة الله بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن، لأن فيها مكيا ومدنيا، وحضرياً وسفرياً، وحربياً وسِلْمِيَّاً، وليلياً ونهارياً، وناسخاً ومنسوخاً. فأما المكي: فمن رأس الثلاثين إلى آخرها، وأما المدني: فمن رأس

стр. 667

خمس وعشرين، إلى رأس ثلاثين منها، وأما الليلي: فمن أولها، إلى رأس خمس آيات، وأما النهاري: فمن رأس خمس، إلى رأس تسع، وأما السفري: فمن رأس تسع، إلى اثنتي عشرة، وأما الحضري: فإلى رأس العشرين. عدد آياتها وما يشبه الفاصلة منها وآيها أربع وسبعون في الشامي، وخمس في البصري، وست في المدنيين وسبع في المكي، وثمان في الكوفي. اختلافها خمس آيات: (من فوق رؤوسهم الحميم) ، (والجلود) ، عدها الكوفي وحده. (وعاد وثمود) ، لم يعدها الشامي. (وقوم لوط) ، لم يعدها البصري والشامي، وعدها الباقون. (هو سماكم المسلمين) ، عدها المكي، ولم يعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، أربعة مواضع: (ثياب من نار) ، (والباد) ، (فأمليت للكافرين) (معاجزين)

стр. 668

وعكسه ثلاثة: (ما يشاء) ، (من حديد) ، (تقوى القلوب) . ورويها: أنظم، زبرجد، قط.. الهمزة: (يشاء) . مقصودها ومقصودها: الحث على التقوى، المعلية عن دركة الاستحقاق الحكيم بالعدل، إلى درجة استئهال الإنعام بالفضل، في يوم الجمع، لطيف التذكير به.

стр. 669

فضائلها وأما فضائلها: فروى عبد بن حميد في مسنده، والبزار - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خبَّاب وهو ثقة - عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوته، حتى دأب إليه أصحابه، فقال: أتدرون أي يوم هذا؟. (قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك) يوم يقول الله لآدم ﵇: يا آدم، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد في الجنة، فكبُرَ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا، وأبشروا، فوالذي نفسي بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانا

стр. 670

مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس والجن. وقال ابن رجب: وروى الجورجاني في كتاب "النواحين" عن النضر ابن عربي، عمن حدثه، قال: كان النبي ﷺ في بعض أسفاره، إذ قال:
следующие страницы →