← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1404

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 180 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فضائلها وأما فضائلها: فروى أبو عبيد في كتاب الفضائل، عن ابن عباس ﵄ قال: إن لكل شيء لبابا ولباب القرآن آل حم. أو قال الحواميم. وروى أيضاً، عن عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ قال: إذا وقعتُ في آل حم وقعت في روضات دمثات، أتأنَق فيهن. وأيضاً عنه، أنه قال: حم ديباج القرآن.

стр. 807

وأيضاً عن مسعر أنه قال: بلغني أنَّه كُنَّ يُسمَّيْنَ العرائس. ورواه الدارمي في مسنده فقال: حدثنا جعفر بن عون، عن مسعر. عن سعد بن إبراهيم قال: إن الحواميم يسمين العرائس. وقال الأصفهاني: وعن النبي ﷺ أنه قال: إن لكل شيء ثمرةً وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هن روضات مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتفع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم. وروى أبو عبيد عن محمد بن قيس قال: رأى رجل في المنام سبع نسوة حسان في مكان واحد، فقال: من أنتن بارك الله فيكن؟. فقلن: إن شئت كنا لك، نحن الحواميم أو قال: آل حميم. وأيضاً عن ابن سيرين: أنه كان يكره أن يقول: الحواميم. ويقول: آل حميم. قال أبو عبيد: كما يقول: هؤلاء آل فلان، كأنك أضفتهم إليه. وقال ابن الجوزي في: زاد المسير: قال ابن قتيبة: إن "حم" اسم

стр. 808

من أسماء الله تعالى، أضيفت هذه السور إليه لشرفها، فقيل: آل حميم. قال الكميت: وجدنا لكم في آل حميم آية. . . تأولها منا تقي ومعرب وقد يجعل "حم" اسماً للسورة، ويدخل الِإعرابَ ولا ينصرف، ومن قال هذا، قال في الجمع الحواميم. كما يقال: طس، والطواسين. وقال محمد بن القاسم الأنباري: العرب تقول: وقع في الحواميم، وفي آل حميم. وأنشد أبو عبيدة: حلفت بالسبع اللواتي طولت. . . وبمئين بعدها قد أمبئت

стр. 809

وبمثاني ثنيت فكررت. . . وبالطواسين اللواتي ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت. . . وبالمفصل اللواتي فصلت انتهى ما في زاد المسير. وروى البغوي بسنده عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات، فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له: إن مثل الغيث الأول، مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القر وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ الدخان كلها، وأول حم غافر، إلى: (إليه المصير) ، وآية الكرسي، حين يمسي حفظ بها حتى يصبح، ومن قرأها حين يصبح حفظ بها حتى يمسي.

стр. 810

قال الترمذي: غريب، وقد تكلم بعضهم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة - يعني: أحد رواته - من قبل حفظه. ورواه الدارمي، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : من قرأ آية الكرسي وفاتحة المؤمن - إلى قوله -: (إليه المصير) لم ير شيئاً يكرهه حتى يمسي، ومن قرأها حين يمسي لم ير شيئاً يكرهه حتى يصبح. وقال النووي ﵀: وروى الترمذي وابن السني بإسناد ضعيف. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ حم المؤمن - إلى قوله -: (إليه المصير) وآية الكرسي حين يصبح، حُفظ بها حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بها حتى يصبح. وروى أبو داود، والترمذي، والترمذي. واللفظ له وقال: حسن صحيح، والنَّسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الِإسناد، عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ قال: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) .

стр. 811

وروى أبو عبيد عن امرأة من أهل بيت عامر بن عبد قيس، أن عامر بن عبد قيس ﵀ قرأ ليلة من سورة المؤمن، فلما انتهى إلى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) قالت: فكظم، أي سكت مكروبا، سكوت من انسدت مجاري أنفاسه، حتى أصبح. أو قالت: فلم يزل يرددها حتى أصبح.

стр. 812

سورة فصلت (السجدة) وتسمى: المصابيحِ، وفصلت. مكية كلها إجماعاَ. قاله ابن الجوزي. عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها وآيها خمسون وآيتان في البصرى والشامي، وثلاث في المدنيين والمكي. وأربع في الكوفي. اختلافها آيتان: (حم) عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون. (عاد وثمود) لم يعدها البصري والشامي، وعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، موضعان:

стр. 813

(عذاباً شديداً) . (هدى وشفاء) . ورويها عشرة أحرف: رز، طب، ظن، مض، ضد. مقصود ها ومقصودها: الإِعلام بأن العلم إنما هو ما اختاره المحيط بكل شيء قدره، وعلماً من علمه لعباده فشرعه لهم فجاءتهم به عنه رسله. وذلك العلم هو الحامل على الإيمان بالله، والاستقامة على طاعته. المقترن بهما النافع في وقت الشدائد، كما تقدم تصريحاً في الزمر في قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) . وتلويحاً آخر غافر في قوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الآية. فتكون عاقبة الكشف الكلي حين يكون سبحانه سمع العالم الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، إلى آخر الحديث القدسي. وعلى ذلك دل اسمها "فصلت " (بالإِشارة إلى ما في الآية المذكورة فيها

стр. 814

هذه الكلمة من الكتاب المفصَّل لقوم يعلمون. والمصابيح بالِإشارة إلي اعتبار ما فيها من لطف الصنع، فتكون هدى للباطن، كما أنها هدى في الظاهر، والسجدة بالِإشارة إلى ما فيها آيتها من الطاعة بالسجود الذي هو أقرب مقرب من الملك الديان، والتسبيح الذي هو المدخل للإيمان.

стр. 815

فضائلها وأما فضائلها: فروى الدارمي عن طاووس قال: فضلت حم السجدة وتبارك على كل سورة في القرآن بستين حسنة. وروى عبد بن حميد في مسنده، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلًا عالماً بالسحر والكهانة والشعر فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره؟ ، فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحر والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علماً، وما يخفي في أن كان كذلك، فأتاه فلما أتاه قال له عتبة: يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، أنت خير أم عبد الله؟ فلم يجبه. قال: فيم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، فإن كنت إنما بك الرياسة، عقدنا ألويتنا لك، فكنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش شئت، وإن كان بك المال. جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك؟. ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم، فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) . حتى بلغ: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه فأتوه

стр. 816

فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حَسِبْنَا إلا أنك قد صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن يَك بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد؟. فغضب وأقسم بالله أنه لا يكلم محمداً أبدا، وقال لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته - فقص عليهم القصة - فأجابني بشيء والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، قرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا "لقوم يعقلون" لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) . قال يحيى: كذا قال: لقوم يعقلون - حتى بلغ: (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) . فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. وروى البيهقي في الدلائل - أيضاً - من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال: حُدِّثتً أن عتبة ابن ربيعة - وكان سيداً حليماً قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش. ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منا بعضها، ويكف عنا؟. قالوا: بَلَى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث فيما قال له عتبة، وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله ﷺ : أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال فاستمع مني، قال: أفعل. قال رسول الله ﷺ : بسمِ الله الرحمن الرحيم (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، فمضى رسول الله ﷺ يقرؤوها

стр. 817

عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمداً عليها. يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة، فسجد فيها ثم قال: سمعت أبا الوليد؟ قال: سمعت قال: فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال " بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي. ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟. قال: ورائي: أنِّي - والله - قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بِالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي، خَلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وأن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك - والله - يا أبا الوليد بلسانه؟ ، فقال هذا رأي، فاصنعوا ما بدا لكم. وروى البيهقي في الأسماء والصفات عن الحاكم، عن جبير بن نفير. عن عقبة بن عامر الجهني ﵄، أن رسول الله ﷺ تلا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . فقال رسول الله ﷺ : إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أحب إليه من شيء خرج منه يعني: القرآن.

стр. 818

ورواه أيضاً من هذا الوجه عن جبير، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما، وقال: قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإِسناد - وقال البيهقي: ويحتمل أن يكون جبير رواه عنهما جميعاً، ورواه غيره عن أحمد بن حنبل، دون ذكر أبي ذر.

стр. 819

سورة حم عسق وتسمى: عسق، والشورى. مكية. قال ابن الجوزي وغيره: عن ابن عباس ﵄، وقاله الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور. وحكى عن ابن عباس وقتادة، أنهما قالا: إلا أربع آيات من قوله: (قل لا أسألكم عليه أجراً) إلى آخر الأربع،، فنزلن بالمدينة. وتبعه عليه أبو حيان. عدد آياتها وفواصلها وآيها خمسون آية فيما سوى الكوفي.

стр. 820

وتزيد ثلاث آيات عند الكوفي لانفراده بعدِّ (حم) ، وبعدِّ (عسق) وبعدِّ (كالأعلام) . فاختلافها هذه الثلاث، انفرد بعدهن الكوفي، ولم يعدهن الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل وليس معدوداً بإجماع، ستة مواضع: (أن أقيموا الدين) ، (كَبُر على المشركين) ، (من كتاب) (طرف خفي) ، (عليهم حفيظا) ، (من يشاء عقيماً) . ورويها تسعة أحرف: قدم، لصب، نزر مقصودها ومقصودها: الاجتماع على الدين، الذي أساسه الإيمان، وأمُّ دعائمه الصلاة، وروح أمره الألفة بالمشاورة، المقتضية لكون أهل الدين كلهم فيه سواء، كما أنهم في العبودية لشارعه سواء.

стр. 821

وأعظم نافع في ذلك الِإنفاق، والمواساة فيما في اليد، والعفو والصفح عن المسيء والِإذعان للحق، والخضوع للأمر، وإن صعب وشق، وذلك كله هو الداعي إليه هذا الكتاب الذي هو روح جسد هذا الدين، المعبر عما دعا إليه من محاسن الأعمال، وشريف الخلال بالصراط المستقيم. وتسميتها بالشورى واضح المطابقة لذلك لما في آياتها، وكذلك بالأحرف المقطعة فإنها جامعة للمخارج الثلاثة: الحلق، والشفة، واللسان، وكذا جمعها لصنفي المنقوطة والعاطلة، ووصفي المجهورة والمهموسة. وكذا تسميتها ببعضها، بدلالة الجزء على الكل، على أن هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم، يشير إلى معنى هذا الجمع، نحو أن يقال: حكمة محمد عَلَتْ وعمت، فشفت سقام القلوب. ويجوز أن تعتبر مفردة، فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار، وتشرح الصدور والأفكار. فإن نظرت إلى مخارجها، وجدتها قد حصل الابتداء فيها باد في وسط الحلق إلى اللسان باسم الحاء، وثنى بأوسط حروف الشفة وهي الميم. وحصل الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين، وهو جامع للحلق واللسان. وقصد ثالثاً إلى اللسان بالسين، الذي هو مع كونه أوسط حروف اسمه من أدق ما يخرج منه إلى الشفتين وهو رأسه، وله التصاق بالثنيتين السفليين، واتصال بأعلى الفم، ففيه بهذا الاعتبار "حم" ثُمَّ حصل بعد هذا الظهور بطون إلى أصل اللسان، وهو أقصاه من الشفة بالقاف. ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق. والاختتام بأصل الشفة العليا، والثنيتين السفليين. ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر، بما فيها الجمع إلى

стр. 822

مقصود السورة وقد اتسق الابتداء فيها بما كان من حرفين، جمعهما مخرج بالأعلى تْم بالأدنى، إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون، كما كان في أول الِإسلام، حيث حصر النبي ﷺ وأقاربه في الشِّعب. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن: مَنْ زيَّن ظاهره بجميع الأعمال الصالحة، صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة، على أن هذا التدلي بُشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول، كما كان أعلى من الأول، كما كان عند الظهور من الشِّعب، بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجاً، فإن الحاء لها من الصفات: الهمس والرخاوة، والاستفال والانفتاح، والميم له من الصفات: الجهر والانفتاح، والاستفال، وبين الشدة والرخاوة. والعين لها من الصفات ما للميم سواء. والسين لها من الصفات: الهمس والرخاوة، والاستفال والانفتاح، والصفير. والقاف لها من الصفات: الجهر والشدة، والانفتاح والاستعلاء، والقلقلة. فالحرفان الأخيران لكل منهما خمس صفات، فتلك عشر كاملة، أغلبها قوة، هي بمنزلة ما بعد هجرة النبي ﷺ ، فإنه عشر سنين، أغلبها نصر وفتح. والحرف الأخير منهما كله قوة، بمنزلة الخمس الأخيرة من سني الهجرة من سنة الحديبية التي هي أول الفتح، إلى سنة الوفاة، فإنها كلها فتح. والحرف الأول من أصل حروف هذا الاسم، أكثر صفاته الضعف. ويزيد بالِإمالة التي قرأ بها كثير من القراء. والثاني والثالث، هما على السواء في القوة والضعف، وهما إلى القوة

стр. 823

ارجَحَ قليلاً، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروج من الشِّعب. والرابع فيه قوة وضعف، وضعفه أكثر، فإن فيه للضعف ثلاث صفات، وللقوة صفتين. وذلك كما كان حال النبي ﷺ عند آخر أمره بمكة الشرّفة حين مات الوزيران: خديجة ﵂، وعمه أبو طالب. ولكن ربما كانت الصفتان القويتان غالبتين على الصفات الضعيفة، بما فيهما بالانتشار بالصفير، والجمع الذي مضت الِإشارة إليه، من الإِشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار. والخامس - وهو الأخير - كله قوة، كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة، كما قال ﷺ : "فلما هاجرنا انتصفنا من القوم، وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم ". ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع، بعد قتال أهل الردة، بعد موته: ﷺ ، لا جرم، انتشر - بعد الاجتماع - أهل هذا الدين في أقطار الأرض يميناً وشمالًا فما قام لهم مخالف، ولا واقفتهم أمة من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم، وقوة غيرهم وكثرتهم، إلا ومروا عليهم، فجعلوها كأمس الذاهب. وقد جمعت هذه الحروف - كما مضى - وصفي المجهورة والمهموسة، وكانت المجهورة أغلبها، إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود، وصنفا المنقوطة والعاطلة. وكانت كلها عاطلة - إلا حرفاً واحداً - إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن:

стр. 824

أن يكون الأغلب عليه المحو، لا يرى لنفسه صفة من الصفات، بل يعدها في زمرة الأموات، وإلى أن المتحلى بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين، قليل جداً. وكان المنقوط آخرها، إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق: الجمع بعد المحو والفرق. وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم، وهي ذات الدائرة المستوية الاستدارة: إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع، والانطباق عليه. والِإطافة به، والِإسراع إليه، ما ليس لمن تقدمهم، وإلى أن لهم من القدم الراسخ في القول، المقتطع من الفم، المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم. بحيث أنه لا نهاية له، مع حسن استنارته، بتناسب استدارته. ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في الأحرف، بأن جمعت أعداد مسمياتها، وهو مائتان وثمانية وسبعون، إلى أعداد أسمائها، وهو خمسمائة وأحد وثلاثون، بلغ تسعاً وثمانمائة سنة وفي السنة الموافقة لهذا العدد من هجرة نبينا ﷺ وُلدت. فكان الابتداء في أصل هذا الكتاب حينئذ بالقوة القريبة من الفعل. وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين، في شعبان منها، كان سني إذ ذاك قد شارف أربعاً وخمسين سنة وهو موافق لعد حرفي "دن" أمراً من الدين، الذي هو مقصود السورة. فكأنه برز الأمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب، لتحصيل مقصودها. وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين، في شعبان منها، كان سني قد شارف أربعاً وستين سنة. وهو موافق لعدد أحرف دين، الذي هو مقصود السورة. فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب، أن يكون ذلك مشيراً إلى أن الله تعالى يجمع بكتابي "نظم الدرر" الذي خصني بإلهامه، وادخرُه إلى أهل الدين جمعاً

стр. 825

عظيماً، جليلَاَ جسيماً يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم، وحسن تأسيهم برؤوس نقلته واتباعهم. ومن الآثار الجليلة في لحظ هذه الأحرف للجمع، أنه لما كان مقصود سورة مريم ﵍ وصف الرحمن، المنزل لهذا القرآن، بشمول الرحمة لجميع الأكوان، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة هي الاجتماع على هذا الدين، فكانت هذه الخاصة ثانية لتلك العامة، ومتشعبة منها، كانت بمنزلة اليسار، وتلك بمنزلة اليمين. فلذلك - والله أعلم - قال الأستاذ أبو الحسن الحِرَالِيِّ في كتاب له في الحرف: ولما كان ذلك - أي هذا الاسم - المجتمع من هذه الأحرف المقطعة. أول هذه السورة، مما ينسب إلى أمر الشمال، كان متى وضع على أصابع اليسار، ثم وضعت على هائجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله، وكانت خمستها مضافة إلى خمس "كهيعص" المستولية على حكمة اليمين، محيطاً ذلك بالعشر، المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء، الذي هو أول العشر، ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف.

стр. 826

فضائلها وأما فضائلها: فروى الطبراني في الكبير - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، غير شيخ الطبراني محمد بن عبدوس - عن ميمونة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ "حم عسق"، فقال: يا ميمونة نسيتُ ما بين أولها إلى آخرها، قالت: فقرأتها فقرأها رسول الله ﷺ . وروى الترمذي في القدر من جامعه وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي في التفسير، والبغوي من طريق الِإمام أحمد وهذا لفظه: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابضاً على كفيه ومعه كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ ، قلنا: لا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في

стр. 827

الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا بناقص، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة. فقال عبد الله بن عمرو ﵄: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟. فقال: اعملوا وسَدِّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل. ثم قال: فريق في الجنة فضل من الله وفريق في السعير، عدل من الله . وروى البغوي في تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) الآية، بسنده عن أنس بن مالك ﵁، عن

стр. 828

النبي ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن الله قال: من أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحَرِد، وما تقرب إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليها وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، إن دعاني أجَبْتُه، وإن سألني أعطيته، وما ترددت في شيء أنا فاعله، تردُدِي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألتي الباب من العبادة فأكفُه عنها لا يدخله العجب فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانَه إلا الفقر، ولو أغنيتُه لأفسده ذلك. وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانَه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك. وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم وإني عليم خبير. التردد له بداية ونهاية، فبدايته الجهل، وغايته اللطف والرفق. فبدايته مما يتعالى الله عنه، والمراد هنا غايته، وهو أنه فعل فعل المتردد فيما يكره حبيبه ولا بد له منه، وذلك أنه يتطلف حتى يكون ذلك المفعول على أرفق الوجوه بحبيبه كمن يريد أن يسقي من يعز عليه جداً دواءً، فهو يجتهد في أقل ما يجد من الأدوية كراهة حتى إنه إن قدر أن يجعله في مشموم أو ملموس لا يجد له كراهة أصلاً، فعل.

стр. 829

وهو موافق للأحاديث الأخر: "موت المؤمن بعرق الجبين ".

стр. 830

"من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه ". فسره النبي ﷺ بأنه عند الغَرْغَرَة، يرى مقعده من الجنة، فيهون ذلك عليه ما يلقى من الألم، ويُحبُّ أن يموت ليصل إلى ما رأى من الخير

стр. 831

مثل ما يجد الشهيد من ألم القتل، إلا ما يجد غيره من ألم القرصة. وإذا علم هذا وحفظ، دفع كل إشكال يمكن أن يورد في هذا المقام. والله أعلم. وهذه اللفظة التي أزيل إشكالها، وحل - ولله الحمد - عقالها، رواها البخاري في الرقاق من صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ﵎ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه، ولئن استعادني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته. وهذا الحديث انفرد به البخاري، وهو وإن كان من رواية خالد بن مخلد القطواني وقد قال الِإمام أحمد: إن له مناكير. فهذا الحديث ليس منها، كما قال شيخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر، في مقدمة شرح

стр. 832

البخاري: إن أبا أحمد بن عدي تتبعها وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه البخاري. قال: وروى له الباقون، سوى أبي داود. وروى البغوي، والإِمام أحمد، وأبو يعلى - قال الهيثمي: وفيه أزهر بن راشد وهو ضعيف - عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله، حدثنا بها رسول الله ﷺ ؟ (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) ، وسأفسرها لك يا علي، ما أصابكم من مرض، أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم - وفي رواية أحمد: عليهم - العقوبة في الآخرة، وما عفى الله عنه في الدنيا، فالله أجل من أن يعود بعد عفوه ". ونقله ابن رجب من تفسير سفيان بن عيينة عنه بلفظ: ألا أخبركم بأرجى آية؟. والباقي بنحوه. وروى الترمذي، واللفظ له وقال: حسن، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الِإسناد، والبيهقي في الزهد،

стр. 833

عن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ) الآية، ثم قال: يقول الله : ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غني، وأسد فقرك، وإن لا تفعل، ملأت صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك.

стр. 834

سورة الزخرف مكية. قال ابن الجوزي: بإجماعهم. قال: وقال مقاتل: هي مكية إلا آية، قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا) . عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها وآيها ثمان وثمانون في الشامي، وتسع في الباقين. اختلافها آيتان: (حم) عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون.

стр. 835

(فإنه سيهدين) ولم يعدها الكوفي والشامي، وعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل، ولم يُعَدُّ بإجماع، موضع: (عن السبيل) . وعكسه موضعان: (مقرنين) ، (قرين) . ورويها ثلاثة أحرف: ملن. مقصودها ومقصودها: البشارة بإعلاء هذه الأمة بالعقل والحكمة، حتى يكونوا أعلى الأمم شأناً، لأن هدايتهم بأمر لدني هو من غريب الغريب، الذي هو للخواص، فهو من المرتبة الثانية من الغرابة، وأن ذلك أمر لا بد لهم منه. وإن اشتدت نفرتهم منه، وإعراضهم عنه. قال تعالى شاهداً لذلك: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) ، أي تكونون أهلاً لأن يسألكمِ العلماء من جميع الأمم عن دقائق الأحكام والحكم، وحتى تكونوا أهلاً للجنة لما قال تعالى:

стр. 836

(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) . وغير ذلك من الدلالات في آيات هذه السورة، كما يشهده أهل البصائر. وعلى ذلك دلت تسميتها بالزخرف، كما في آيتها، من أنه لو أراد أن يعم الكفر جميع الناس لعمهم بسبوغ النعم، ولكنه لم يعمهم بذلك، بل فاوت بينهم، فأفقر بعضهم وأكثر بؤسهم وضرهم وفرق أمرهم، ليسهل ردهم عن الكفر الذي أدتهم إليه طبائعهم ونقائصهم، لما يشهدون من قباحة الظلم والعدوان، إلى ما يرونه من مجالس العرفان، واجتماع كلمة الدين والإيمان، ولذة الخضوع للملك الديان، فيخضع لهم الملوك والأعيان. ويصير لهم الفرقان على جميع أهل العصيان.

стр. 837

فضائلها وأما فضائلها: فروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي - قال النووي في الأذكار: بالأسانيد الصحيحة - والبيهقي في الدعوات، عن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب ﵁، أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) . ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات - قال البيهقي ثم قال: سبحان الله، يعني ثلاث مرات - ثم قال: لا إله إلا أنت سبحانك، إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلتُ ثم ضحك فقلت: يا رسول الله، من أي شيء ضحكت؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي. يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري. وقال البيهقي: قال: علم عبدي أنه لا رب له غيري. ورواه البغوي في التفسير، وفي روايته: فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، ثم قال:

стр. 838

(سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) . ثم حمد ثلاثاً، وكبر ثلاثاً. وروى البيهقي في الدعوات عن عبد الله بن ربيعة أيضاً قال: خرج علي ﵁ من باب القصر، فوضع رجله في غرز السرج فقال: بسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي حملنا في البر والبحر، ورزقنا من الطيبات، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) . وسبح ثلاثاً، وحد ثلاثاً ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع. ثم قال: رب اغفر لي لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. والعجب - كما مضى في التردد - له بداية هي الجهل، ونهاية هي الِإكرام، وهي المراد هنا، فإن الِإنسان إذا أعجبه شيء فعله من يحبه. أكرمه غاية الِإكرام، والله (تعالى) الموفق. ولمسلم في المناسك، عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذ استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبَّر، ثم قال: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) .

стр. 839

سورة الدخان مكية كلها إجماعاً. قال ابن الجوزي: وقال الزمخشري، وأبو حيان، قيل: إلا قوله: (إنَا كاشفوا العذاب) عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها وآيها خسون وتسع في الكوفي، وسبع في البصرى، وست فيما عداهما. اختلافها أربع آيات:

стр. 840

(حم) عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون. (إن هؤلاء ليقولون) ، عدها الكوفي أيضاً، ولم يعدها الباقون. (إن شجرة الزقوم) ، لم يعدها المدني الأخير والمكي، وعدها الباقون. (في البطون) ، لم يعدها المدني الأول والمكي والشامي، وعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفواصل، وليس معدوداً بإجماع، موضعان: (يحي ويميت) ، (بني إسرائيل) . ورويها حرفان: من. مقصودها ومقصودها: الِإنذار بالهلكة لمن لم يقبل ما في الذكر الحكيم من الخير والبركة رحمة جعلها بين عامة خلقه مشتركة. وعلى ذلك دل اسمها "الدخان" إذا تؤملت آياته، فإنه تعالى هددهم بآيتان العذاب لهم من جهة السماء، في صورة الدخان. وهددهم بالانتقام منهم بالبطشة الكبرى لكذبهم، ومرتكبهم.

стр. 841

فضائلها وأما فضائلها: فروى الترمذي وقال: غريب. والدارقطني، والبغوي في التفسير، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ حم الدخان، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك.

стр. 842

وفي رواية للترمذي: من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة، غفر له. وفي رواية للدارقطني: من قرأ يس في ليلة، أصبح مغفوراً له، ومن قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له. ورواه الأصبهاني في ترغيبه، والقاضي أبو عبد الله المحاملي في الثاني عشر من فوائده ولفظه: "من صلى بسورة الدخان في ليلة، بات يستغفر له سبعون ألف ملك حتى يصبح ". وروى الدارمي عن عبد الله بن عيسى قال: أخبرت أنه من قرأ حم

стр. 843

الدخان ليلة الجمعة إيماناً وتصديقاً، أصبح مغفوراً له. وله أيضاً عن يحي بن الحارث - هو الذماري عن أبي رافع قال: من قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له، وزوج من الحور العين. وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. وللطبراني والأصبهاني، عن أبي أمامة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، بنى الله له بيتاً في الجنة. وتقدم في التوبة حديث علي ﵁ في فضلها.

стр. 844

سورة الجاثية وتسمى الشريعة. مكية إجماعاً. وقال ابن الجوزي: رواه العوفي وابن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد ومقاتل وقتادة والجمهور. وحكى عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: هي مكية إلا آية، وهي قوله: (قل للذين آمنوا يغفروا) . وتبعه على ذلك الأصفهاني. عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها وآيها ثلاثون وسبع في الكوفي، وست في عدد الباقين. لقوله تعالى فيها: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) .

стр. 845

اختلافها آية واحدة: (حم) عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون. وفيها مما يشبه الفاصلة موضع: (أهواء الذين) . ورويها حرفان: (من) ، كالتي قبلها سواء. مقصودها ومقصودها: الدلالة على أن منزل هذا الكتاب - كما دل عليه ما في الدخان - ذو العزة لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء، والحكمة لأنه لمِ يصنع شيئاً إلا في أحكم مواضعه، فعلم أنه المختص بالكبرياء، فوضع شرعا هو في غاية الاستقامة، لا تستقل العقول بإدراكه، أمر فيه ونهى، ورغب ورهب، ثم بطن حتى إنه لا يعرف، وظهر حتى إنه لا يجهل. فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه، فشهد جلاله، فسمع وأطاع، ومنهم من اتبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ. فاقتضت الحكمة - ولا بد - أن يجمع سبحانه الخلق، ويظهر كل الظهور، وبدين عباده ليشهد رحمته المطيع، وكبرياءه العاصي المضيع، وينشر العدل، ويظهر الفضل، ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه يوم الفصل. وعلى ذلك دل اسمها "الشريعة".
следующие страницы →