فضائلها
وأما فضائلها: فروى الترمذي وقال: غريب. والدارقطني، والبغوي في
التفسير، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ حم الدخان، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك.
стр. 842
وفي رواية للترمذي: من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة، غفر له.
وفي رواية للدارقطني: من قرأ يس في ليلة، أصبح مغفوراً له، ومن
قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له.
ورواه الأصبهاني في ترغيبه، والقاضي أبو عبد الله المحاملي في الثاني
عشر من فوائده ولفظه: "من صلى بسورة الدخان في ليلة، بات يستغفر له
سبعون ألف ملك حتى يصبح ".
وروى الدارمي عن عبد الله بن عيسى قال: أخبرت أنه من قرأ حم
стр. 843
الدخان ليلة الجمعة إيماناً وتصديقاً، أصبح مغفوراً له.
وله أيضاً عن يحي بن الحارث - هو الذماري عن أبي رافع قال:
من قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفوراً له، وزوج من الحور
العين.
وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
وللطبراني والأصبهاني، عن أبي أمامة ﵁، أن النبي ﷺ قال: من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، بنى الله له بيتاً في الجنة.
وتقدم في التوبة حديث علي ﵁ في فضلها.
стр. 844
سورة الجاثية
وتسمى الشريعة.
مكية إجماعاً.
وقال ابن الجوزي: رواه العوفي وابن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي
الله عنهما، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد ومقاتل وقتادة والجمهور.
وحكى عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: هي مكية إلا آية، وهي قوله:
(قل للذين آمنوا يغفروا) .
وتبعه على ذلك الأصفهاني.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها ثلاثون وسبع في الكوفي، وست في عدد الباقين.
لقوله تعالى فيها: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) .
стр. 845
اختلافها آية واحدة:
(حم) عدها الكوفي، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفاصلة موضع:
(أهواء الذين) .
ورويها حرفان: (من) ، كالتي قبلها سواء.
مقصودها
ومقصودها: الدلالة على أن منزل هذا الكتاب - كما دل عليه ما في
الدخان - ذو العزة لا يغلبه شيء، وهو يغلب كل شيء، والحكمة لأنه لمِ
يصنع شيئاً إلا في أحكم مواضعه، فعلم أنه المختص بالكبرياء، فوضع شرعا
هو في غاية الاستقامة، لا تستقل العقول بإدراكه، أمر فيه ونهى، ورغب
ورهب، ثم بطن حتى إنه لا يعرف، وظهر حتى إنه لا يجهل.
فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه، فشهد جلاله، فسمع
وأطاع، ومنهم من اتبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ.
فاقتضت الحكمة - ولا بد - أن يجمع سبحانه الخلق، ويظهر كل
الظهور، وبدين عباده ليشهد رحمته المطيع، وكبرياءه العاصي المضيع، وينشر العدل، ويظهر الفضل، ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه يوم
الفصل.
وعلى ذلك دل اسمها "الشريعة".
стр. 846
واسمها "الجاثية" واضح الدلالة فيه، إذا تؤمل كل من آيتيهما، والله الهادي.
فضائلها
وأما فضائلها: فاختصاصها بما اختص الله به من الكبرياء (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
روى مسلم عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄، وأبو داود.
وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله
стр. 847
عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما.
أدخلته النار.
وفي رواية: عذبته.
وفي رواية: قصمته.
ولأبي عبيد عن تيمم الداري ﵁ أنه أتى المقام ذات ليلة.
فقام يصلى، فافتتح السورة التي يذكر فيها الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) .
فلم يزل يرددها حتى أصبح.
وروى البيهقي عن الخليل بن مره، أن النبي ﷺ قال: الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع، تجيء كل حميم تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا يدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني.
ثم قال: هكذا بلغنا بهذا الِإسناد المنقطع.
стр. 848
سورة الأحقاف
مكية.
قال النجم النسفي: إلا قوله: (والذي قال لوالديه) الآيتين.
فإنهما نزلتا بالمدينة.
وقال أبو حيَّان: قال ابن عباس ﵄: (قل أرأيتم إن كان
من عند الله) . و (فاصبر كما صبر أولو العزم) الآيتان مدنيتان.
وقال ابن الجوزي: وروى العوفي وابن أبي طلحة، عن ابن عباس
﵄: أنها مكية.
وبه قال الحسن ومجاهد، وعكرمة وقتادة، والجمهور.
وروى عن ابن عباس وقتادة أنهما قال: فيها آية مدنية:
стр. 849
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) .
وقال مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) و، (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) ، نزلتا بالمدينة.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها ثلاثون وخمس في الكوفى، وأربع في عدد الباقين.
اختلافها كالتي قبلها: (حم) ، عدها الكوفي دون غيره.
وفيها مما يشبه الفواصل ولم يعد بإجماع، موضعان:
(عذاب الهون) ، (ما يوعدون) .
ورويها ثلاثة أحرف: نمر.
مقصودها
ومقصودها: إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة.
اللازم للعزة والحكمة الكاشف لها أتم كشف، بما وقع الصدق في الوعد به.
من إهلاك المكذبين، وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع، لأنه لا شريك
له، فهو المستحق للإِفراد بالعبادة.
وعلى ذلك دلت تسميتها بالأحقاف، بما دلت عليه قصة قوم هود ﵇ -
стр. 850
من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى، ومن إهلاكهم، وعدم
إغناء ما عبدوه عنهم، ودفنهم تحت أحقافهم، بما تحقق من إعراضهم
وخلافهم، ومباعدتهم للحكمة في عبادتهم حجراً، وإنكارهم أن يكون النبي
بشراً، فسلبت أرواحهم بالريح العقيم، ودمرت أشباحهم بالعذاب الأليم.
فدل ذلك قطعاً على أنه العزيز الحكيم.
стр. 851
فضائلها
وأما فضائلها: فروى أحمد بإسنادين - قال الهيثمي: رجال أحدهما
ثقات - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة (من الثلاثين) من آل حم - يعني: الأحقاف - قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين.
وروى الطبراني - قال الهيثمي: برجال الصحيح - عن عوف بن
مالك الأشجعي ﵁ قال: انطلق النبي ﷺ وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه، فأسكتوا فما أجابه منهم أحد. ثم رد عليهم فلم يجبه أحد (ثم ثلَّث فلم يجبه أحد) ، فقال: أبيتم؟. فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى، آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف وأنا معه، حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل. فقال ذاك الرجل: أي رجل تعلموني منكم يا معشر اليهود؟. قالوا: والله ما نعلم فينا رجلا كان أعلم بكتاب، ولا أفقه منك ولا من أبيك من قبلك، ولا من جدك قبل أبيك.
قال: فإني أشهد أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا: كذبت، ثم
стр. 852
ردوا عليه وقالوا فيه شراً.
فقال رسول الله ﷺ : كذبتم لن يقبل منكم قولكم.
قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ ، وأنا، وابن سلام.
فأنزل الله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) . انتهى.
ويجمع بين هذا فيما يفهم: أن هذا أول إسلامه، وبين ما في
الصحيح: أنه كان في منزل النبي ﷺ بأنه أسلم في بيته ﷺ ، فدعا أقاربه من اليهود وهم من بني قينقاع، فقالوا فيه ما قالوه، ثم أراد أن يرى النبي ﷺ
كرامته في غير قومه، فذهب إلى طائفة أخرى في الحال قبل أن يعلموا
بإسلامه، فدخل إليهم ودخل النبي ﷺ في أثره، فكان ما تقدم.
ومعنى حط الغضب عن جميع اليهود بإسلام اثني عشر: إن إسلام
أولئك يستلزم إسلام بقية اليهود كما ذكر في حديث آخر، والله تعالى الموفق.
وروى أبو عمرو الداني في كتاب "البيان بعدد آي القرآن" من طريق
أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه قال: قلت لرجل: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني - وفي
رواية، فقرأ - خلاف ما أقرأني رسول الله ﷺ وقلت لآخر: أقرئني من "الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني الأول، فأتيت بهما إلى
стр. 853
النبي ﷺ فغضب، وعلي بن أبي طالب ﵁ جالس، فقال علي: قال لكم: اقرأوا كما علمتم.
وللطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن أحمد بن لبيد البيروق.
عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: (حتى إذا بلغ أشده)
قال: ثلاث وثلاثون سنة وهو الذي رفع عليه عيسى بن مريم (عليه
السلام) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه صدقة بن يزيد، وثقة أبو زرعة.
وأبو حاتم، وضعفه أحمد وجماعة، وبقية رجاله ثقات.
стр. 854
سورة محمد ﷺ
وتسمى: القتال، والذين كفروا.
مدنية.
وقال النجم النسفي: مكية، ويقال: مدنية وهو الصحيح، انتهى.
ويقال: فيها آية مدنية نزلت على النبي ﷺ حين خرج إلى الغار في ابتداء الهجرة، وجعل ينظر إلى مكة، وهي: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) .
стр. 855
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها ثلاثون وثمان في الكوفي، وتسع في المدنيين والمكي والشامي.
وأربعون آية في البصرى.
اختلافها آيتان:
(أوزارها) ، لم يعدها الكوفي، وعدها الباقون.
(للشاربين) ، عدها البصري، ولم يعدها الباقون.
وفيها مما يشبه الفواصل، ولم يعد بإجماع، تسعة مواضع:
(فضرب الرقاب) ، (بعضكم ببعض) ، (تنصروا الله ينصركم)
(فتعسا لهم) ، (الذين من قبلهم) ، (دمَّر الله عليهم) .
(قال آنفاً) ، (لأريناكهم) ، (بسيماهم) .
رويها حرفان: "مل"
اللام: (أقفالها) ، (أمثالها)
وقيل: الميم كاف، أو هما مضمومتان.
مقصودها
ومقصودها: التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين، بإدامة الجهاد
стр. 856
للكفار، حتى يلزموهم الصغار، أو يبطلوا ضلالهم، كما أضل الله
أعمالهم، لا سيما أهل الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال
المبين، والتزام هذا الخلق الشريف، إلى أن تضع الحرب أوزارها، بإسلام
أهل الأرض كلهم، بنزول عيسى ﵇.
وعلى ذلك دل اسمها "الذين كفروا" لأن من المعلوم: أن من صدك
عن سبيلك قاتلته، وأنك إن لم تقاتله كنت مثله.
واسمها "محمد" واضح في ذلك، لأن الجهاد كان خلقه ﷺ ، إلى أن توفاه الله تعالى، وهو نبي الملحمة، لأنه لا يكون حمد، وثم نوع ذم، كما تقدم تحقيقه في سورة فاطر وفي سبأ والفاتحة. ومتى كان كَفٌّ عن أعداء الله، كان ذم.
وأوضح أسمائها في هذا المقصد: "القتال"، فإن من المعلوم: أنه لأهل
الضلال.
стр. 857
فضائلها
وأما ما ورد فيها، ففي آية الساعة:
ما روى الترمذي، وأبو يعلى، عن أبي هريرة ﵁، عن
النبي ﷺ أنه قال: ما ينتظر أحدكم، إلا غِنًى مُطغياً، أو فقرًا منسياً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال، والدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.
ومن فضائلها: ما خصت به من سبب الترقي في مصاعد الكمال،
стр. 858
بالأمر بالاستغفار، في قوله تعالى: (واستغفر لذنبك) زيادة في الشرف.
روى مسلم في الدعوات وأبو داود في الصلاة، والنَّسائي في اليوم
والليلة، عن الأغَر المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنه لَيُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة.
يعني: أنه ﷺ إذا ارتقى من مقام أكمل، إلى مقام أكمل منه، رأى أن الأول بالنسبة إلى الثاني ذا غَيْن فيستغفر منه، فيرتقي إلى أكمل منه، وهكذا، والله أعلم.
وروى البغوي بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه - قال ابن رجب
والدارقطني في أفراده: بإسناد ضعيف - عن سهل بن سعد ﵁.
وهذا لفظ عروة قال: تلا رسول الله ﷺ : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)
فقال شاب من اليمن: بل على قلوب أقفالها، حتى يكون الله
يفتحها، أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولى
فاستعان به.
وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن الأشعث، أن فضيل بن عياض قرأ
стр. 859
سورة محمد، فشرع يبكي ويردد هذه الآية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) .
وجعل يقول: إن بلوت أخبارنا (فضحتنا وهتكت أستارنا، إنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا، ويبكى.
стр. 860
سورة الفتح
مدنية كلها إجماعاً.
نزلت على النبي ﷺ وهو راجع من عمرة الحديبية.
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها تسع وعشرون، ثلاثون إلا واحدة، بلا خلاف.
وفيها مما يشبه الفواصل، ولم يعد بإجماع، سبعة مواضع:
(بأس شديد) ، (أو يسلمون) ، (آية للمؤمنين) ، (وعلى المؤمنين) ، (آمنين) ، (ومقصرِّين) ، (لا تخافون) .
стр. 861
ورويها سبعة أحرف: لمزن برد.
مقصودها
ومقصودها: اسمها الذي يعم فتح مكة وما تقدمه من صلح الحديبية
وفتح خيبر ونحوهما. وما تفرع عنه من. إسلام أهل جزيرة العرب، وقتال
أهل الردة، وفتوح جميع البلاد، الذي يجمعه كله إظهار هذا الدين
على الدين كله.
وهذا كله في غاية الظهور، بما نطق به ابتداؤها وأثناؤها، في مواضع
منها: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) .
وانتهاؤها: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - إلى
قوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) . أي بالفتح الأعظم، وما دونه من
الفتوحات.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً) .
كما كان للرسول ﷺ .
стр. 862
(وَأَجْرًا عَظِيمًا) كذلك بسائر الفتوحات، وما حوت من الغنائم.
ثم الثواب الجزيل على ذلك في دار الجزاء.
ومن عجائب هذه السورة: أنها تسع وعشرون آية، وقد جمعت حروف
المعجم وهي تسع وعشرون حرفاً، في آخر آية فيها، وهي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. إلى آخرها، إثر قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) .
ولم تجتمع هذه الحروف في آية إلا في هذه، وفي آية في أواخر سورة
التوحيد "آل عمران" إشارة إلى علو التوحيد على كل كفر، كما أشارت إليه الآية التي قبلها، وأشير في آية آل عمران إلى تمادي الوقت، كما ذكر في أصل هذا الكتاب.
وأشير في هذه إلى قربه.
وذلك أنه لما كانت هذه العمرة التي نزلت فيها هذه السورة، وهي
عمرة الحديبية، قد حصل لهم فيها كسر، لرجوعهم قبل وصولهم إلى
قصدهم، ولم يكن ذلك بسبب خلل أتى من قِبَلِهم، كما كانت في غزوة أحد، بشَّرهم سبحانه فيما في هذه السورة، من البشائر الظاهرة تصريحاً وبما في هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف العجم تلويحاً، إلى أن أمرهم لا بد من تمامه وخفوق ألويته وأعلامه.
وافتتحها بميم محمد المضمومة، وختمها بميم "عظيما" المنصوبة، إشارة
стр. 863
بما للميم من الختام بمخرجها، إلى أن تمام الأمر قد دنا جدا إبانه، وحضر من
غير شك زمانه.
وبما في أوله من الضم إلى رفعة دائمة في حمد كبير. وبما في آخر من
النصب إلى تمام الفتح، وقربه على وجه عظيم.
فكان جمع الأحرف في آية واحدة على هذا الوجه، مشيراً إلى ما ذكر.
وكان كونها تسعا وعشرين، وكون عدد الآيات فيها مطابقاً لذلك، مشيراً إلى أن الفتوح من ذلك الحين، لا تزال في ازدياد إلى نهاية تسع وعشرين سنة، فيحصل هناك التمام، فيبدأ - كما قال عمر بن الخطاب ﵁ عند نزول آية المائدة بكمال الدين - النقص.
ولقد كان الأمر كذلك، فإن الله تعالى فتح بعد جميع بلاد العرب، بلاد
فارس بكمالها وقتل ملكها يزدجرد، ومزق ملكها، فلم يقم بعده لهم ملك
إلى اليوم، وفتح أكثر بلاد الروم والغرب وتواترت الفتوح، وارتفعت رايات الِإسلام براً وبحراً، إلى أن ظهر الدين، كما قال تعالى: (على الدين
كله) ، ثم قتل عند تمام ذلك أمير المؤمنين عثمان الشهيد ﵁.
ختام سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وذلك لتسع وعشرين من نزول هذه
стр. 864
السورة سنة ست من الهجرة، فنقص بقتله ﵁ كثيراً، وتفرقت
الكلمة، وانحل - بعد - النظام، فقام أمير المؤمنين علي ﵁ في جمع شمله، فكان كلما رتق رتقا، فتُقِ من ناحية أخرى فَتْقُ، واستمر الأمر
متماسكاً، ألى أن مضت خلافة النبوة ثلاثون سنة، لنزول أمير المؤمنين
الحسين بن علي ﵄ عن الأمر للِإصلاح بين الناس في ربيع
الأول، سنة إحدى وأربعين، ثم ظهر النقصان، وجاء الملك العضوض كما
أخبر به الصادق، وحكم به الخلائق، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فضائلها
وأما فضائلها: فروى القعنبي، وأبو مصعب، في موطأيهما.
والبخاري في الصحيح من رواية القعنبي عن مالك، عن زيد بن أسلم عن
أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يسير مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فسأله عن شيء فلم يجبه، فقال عمر ﵁ ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك
стр. 865
قال عمر ﵁: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، فخشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت، فقال: لقد أنزلت في الليلة سورة، لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) .
وروى الإِمام أحمد في المسند عن مخفَع بن جارية الأنصاري رضي الله
عنه وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، قال: شهدنا الحديبية، فلما
انصرفنا عنها، إذ الناس ينفرون - ولا رواية: يوجفون - الأباعر، فقال
الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟.
قالوا: أوحى إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نوجف، حتى وجدنا رسول الله ﷺ على راحلته عند كراع الغميم، واجتمع الناس إليه، فقرأ عليهم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .
فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : أي رسول الله أو فتح هو؟.
قال: أي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح.
стр. 866
وللنسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقبلنا مع رسول
الله ﷺ زمن الحديبية، فذكر أنهم نزلوا دهاساً من الأرض - يعني بالدهاس: الرمل - فذكر قصة نومهم عن الصبح، وصلاة النبي ﷺ حين استيقظوا، ثم قال: فركب، فسرنا وكان النبي ﷺ إذا أنزل الوحي، اشتد عليه وعرفنا ذلك منه، فتنحى منتبذاً خلفنا.
فجعل يغطي رأسه، فيشتد عليه، حتى عرفنا أنه قد أنزل عليه، فأتانا فأخبرنا أنه قد أنزل عليه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) ..
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب "قيام الليل" عن هشام بن
عروة عن أبيه، أن النبي ﷺ كان إذا أوحى إليه وهو على ناقة وضعت جرانها (١) فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه.
وقد مضى في سورة المائدة ما يشبهه.
وللشيخين - وهذا لفظ مسلم - وأحمد، والترمذي، والنَّسائي، عن
أنس ﵁ قال: لما نزلت على النبي ﷺ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .
إلى آخر الآية مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطوا الحزن والكآبة، قد
حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا الهدى بالحديبية، فقال: نزلت عليّ آية
стр. 867
هي أحب إليَّ من الدنيا، فلما تلاها رسول الله ﷺ ، قال رجل من أصحابه: قد بين الله لك ما يفعل بك - وفي رواية: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، هذا لك - فماذا يفعل بنا؟.
فأنزل الله الآية التي بعدها:
(لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
وروى البيهقي في الدلائل، من طريق ابن إسحاق، عن المسور
ومروان في قصة الحديبية قالا: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعاً، فلما كان بين مكة والمدينة، نزلت عليه سورة الفتح من أولها إلى آخرها: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .
وروى عبد الرزاق عنِ معمر، عن ابن إسحاق، عن أبي برزة رضي
الله عنه، أن النبي ﷺ قرأ في الصبح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .
سورة الحجرات
مدنية إجماعاً.
وشذَّ من قال: مكية.
عدد آياتها
وآيها ثماني عشرة باتفاق العادِّين، وأجمعوا - أيضاً - على أن نظيرتها:
التغابن. وليس فيها اختلاف، ولا ما يشبه الفواصل.
ورويها ثلاثة أحرف: نمر.
مقصودها
ومقصودها: توقير النبي ﷺ ، وحفظ ذلك من إجلاله بالظاهر ليكون
стр. 870
دليلاً على الباطن فيسمى إيماناً، كما أن الِإيمان بالله تعالى يشترط فيه تقبل
الأعمال الظاهرة، والِإذعان لفعلها بشرائطها وأركانهاوحدودها، لتكون بينة
على الباطن، وحجة شاهدة له (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) .
واسمها "الحجرات" واضح الدلالة على ذلك، بما دلت عليه آيته، من
ذم المنادين والتلويح لهم إلى الِإقبال على ما يحصِّل المغفرة، بأنهم قد
ارتكبوا ما كانوا به من المذنبين.
стр. 871
فضائلها
وأما ما ورد في بعض أمرها:
فروى الِإمام أحمد - قال الهيثمي: ورجاله ثقات - والطبراني عن الحارث
بن ضرار الخزاعي - وقال الطبراني: ابن سرار ﵁ قال: قدمت
على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الِإسلام فدخلت فيه وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها.
وقلت: يا رسول الله، أأرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته فيرسل إليَّ رسول الله ﷺ : رسولاً لإِبان كذا وكذا، ليأتيك بما جمعت من الزكاة؟.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإِبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله ﷺ .
فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقّت وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة.
وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ . وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة
ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض
стр. 872
الطريق، فرق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه إذا استقل البعث وفصل من المدينة، فلقيهم الحارث فقالوا:
هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى أين بعثتم؟.
قالوا: إليك قال: ولم؟.
قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله.
قال: والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟
قال: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني. وما أقبلت
إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسول الله ﷺ ، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله.
قال: فنزلت الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
إلى هذا المكان: (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) .
والحارث هذا: هو الحارث بن أبي ضرار المصطلقي، أبو جويرية أم
المؤمنين ﵂. وبنوا المصطلق بطن من خزاعة.
وقد سقط من هذه الرواية أداة الكنية.
واسم أبي ضرار: حبيب بن الحارث.
وعن علقمة بن ناجية ﵁ قال: بعث إلينا رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيظ يصدق أموالنا، فسار حتى كان قريباً منا، وذلك
стр. 873
بعد وقعة المريسيع، فرجع فركبت في أثره، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتيت قوماً في جاهليتهم، أخذوا اللباس، ومنعوا الصدقة، فلم يغير النبي ﷺ حتى نزلت الآية: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ. . .) الآية. فأتى المصطلقيون إلى النبي ﷺ إثر الوليد بطائفة من
صدقاتهم يسوقونها، وبنفقات يحملونها، فذكروا ذلك له، وأنهم خرجوا
يطلبون الوليد بصدقاتهم فلم يجدوه، فدفعوا إلى رسول الله ﷺ ما كان معهم قالوا: يا رسول الله، بلغنا مخرج رسولك فسررنا بذلك وقلنا: نتلقاه، فبلغنا رجعته، فخفنا أن يكون ذلك من سخطة علينا، وعرضوا على النبي ﷺ أن يشتروا منه ما بقي، وقبل منهم الفرائض، وقال: ارجعوا بنفقاتكم، لا نبيع شيئاً من الصدقات حتى نقبضه فرجعوا إلى أهليهم، وبعث إليهم من يقبض بقية صدقاتهم.
وفي رواية عن علقمة: أنه كان في وفد بني المصطلق على رسول الله
ﷺ في أمر الوليد بن عقبة، وأن رسول الله ﷺ قال: انصرفوا غير محبوسين، ولا محصورين.
رواه الطبراني بإسنادين.
قال الهيثمي: في أحدهما يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقه ابن حبان.
وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات.
стр. 874
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ الوليد ابن عقبة إلى بني وليعة، وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وليعة استقبلوه، لينظروا ما في نفسه، فخشى الْقَوْمَ فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال:
والله بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وليعة الذي قال
الوليد عند رسول الله ﷺ ، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد، ولكن كان بيننا وبينه شحناء، فخشينا أن يعاقبنا بالذي كان بيننا، فقال رسول الله ﷺ : لينتهين بنوا وليعة، أو لأبعثن إليهم رجلاً
كنفسي، يقتل مقاتلهم، ويسبي ذراريهم، وهو هذا، ثم ضرب بيده على
كتف علي بن أبي طالب ﵁، قال: وأنزل الله في الوليد (يا أيها
الذين إن جاءكم فاسق بنبأ) الآية.
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن عبد القدوس التميمي.
وقد ضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات.
وعن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ انصرف إلى بيتها فصلى فيه ركعتين بعد العصر، فأرسلت عائشة إلى أم سلمة ﵄: ما هذه الصلاة التي صلاها النبي ﷺ في بيتك؟.
فقالت: إن النبي ﷺ كان يصلي بعد الظهر ركعتين فقدم عليه وفد بني المصطلق فيما صنع بهم
عاملهم الوليد بن عقبة، ولم يزالوا يعتذرون إلى النبي ﷺ حتى جاء المؤذن يدعوه إلى صلاة العصر، فصلى المكتوبة، ثم صلى عندي في بيتي تلك الركعتين. ما صلاهما قبل ولا بعد.
стр. 875
وعن أم سلمة - أيضاً ﵂، أنه نزل في بني المصطلق، فيما
صنع، بهم عاملهم الوليد بن عقبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، الآية. قالت: وكان النبي ﷺ بعثه إليهم يصدق أموالهم، فلما سمعوا به أقبل رَكْبٌ منهم، فقالوا: نسير مع رسول رسول الله ﷺ ، ونحمله، فلما سمع بذلك، ظن أنهم ساروا إليه ليقتلوه فرجع، فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم يا رسول الله، وأقبل القوم حتى قدموا المدينة، وصفوا وراء رسول الله ﷺ في الصف، فلما قضى الصلاة انصرفوا، فقالوا:
إنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، سمعنا يا رسول الله برسولك
الذي أرسلت يصدق أموالنا، فسررنا بذلك وقرت به أعيننا، وأردنا أن
نلقاه، ونسير مع رسول رسول الله ﷺ ، فسمعنا أنه رجع، فخشينا أن يكون رده غضب من الله ورسوله علينا، فلم يزالوا يعتذرون إلى النبي ﷺ ، حتى نزلت فيهم هذه الآية.
رواه الطبراني، قال الهيثمي: وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
وفي الصحيح ما يتعلق بالركعتين بعد العصر فقط.
وروى الشيخان في: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) عن أبي هريرة
﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟. قال: أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال
стр. 876
فأكرم الناس يوسف نبي الله، بن نبي الله، بن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك.
قال: فعن معادن العرب تسألونني؟.
قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية، خياركم في الِإسلام إذا فقهوا.
стр. 877
سورة ق
قال الأصفهاني: وتسمى: الباسقات.
مكية.
قال الأصفهاني: رواه العوفي وغيره عن ابن عباس ﵄.
وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور.
وحكى عن ابن عباس وقتادة: أن فيها آية مدنية: (ولقد خلقنا
السماوات والأرض) .
عدد آياتها وما يشبه الفواصل فيها
وآيها خمس وأربعون بالِإجماع، ولا اختلاف فيها.
وفيها مما يشبه الفواصل ولم يعده أحد من العادِّين، أربعة مواضع:
стр. 878
(ق) ، (رزقا للعباد) ، (هذا ما توعدون) ، (عليهم بجبار)
وعكسه موضعان: (وثمود) ، (وإخوان لوط) .
ورويها سبعة أحرف: جد، صد، جظ، بطر.
الجظ - بالجيم والظاء المعجمة -: الضخم.
مقصودها
ومقصودها: تصديق النبي ﷺ في الرسالة، التي معظمها الِإنذار بيوم الخروج بالدلالة على ذلك، بعد الآيات المسموعة الغنية بإعجازنا عن تأييد الآيات المربية، الدالة قطعاً على الِإحاطة بجميع صفات الكمال.
وأحسن من هذا، أن يقال: مقصودها: الدلالة على إحاطة القدرة.
التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات، من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من
البعث ليوم الوعيد، لتنكشف هذه الِإحاطة بما يحصل من الفصل بين العباد
بالعدل، لأن ذلك سر الملك، الذي هو سر الوجود والذي تكفل بالدلالة على هذا كله، ما شوهد من إحاطة مجد القرآن بإعجازه في بلوغه في كل من جمع المعاني، وعلو التراكيب، وجلالة المفردات، وجزالة المقاصد وتلاؤم الحروف،
стр. 879
وتناسب النظم ورشاقة الجمع، وحلاوة التفصيل، إلى حد لا تطيقه القوى.
من إحاطة أوصاف الرسل، الذي اختاره سبحانه لِإبلاغ هذا الكتاب، في
الخلق والخلق، وما شوهد من إحاطة القدرة، بما هدى إليه القرآن من آيات
الإيجاد والِإعدام.
وعلى كل من الاحتمالين، دل اسمها "ق"، بما في آيته من المجد لهذا
الكتاب.
والمجد هو الشرف والكرم، والرفعة والعلو، وذلك لا يكون، إلا والآتي
به كذلك، وهو ملازم لصدقه في جميع ما أتى به.
وللقاف وحدها أتم دلالة على ذلك.
أولاً بمخرجها، فإنه من أصل اللسان، مما يلي الحلق ويحاذيه من الحنك
الأعلى، فإن ذلك إشارة إلى أن المقصود من السورة: الأصل والعلو.
وكل منهما دل على الصدق دلالة قوية.
فإن الأصل في وضع الخبر: الصدق، ودلالته على الكذب عقلية، لا
وضعية، وهي - أيضاً محيطة باسمها ومسماها بالمخارج الثلاث، والإِحاطة
بالحق لا تكون إلا مع العلو وهو لا يكون إلا مع الصدق.
ولِإحاطتها سمي بها الجبل المحيط بالأرض، هذا مخرجها.
стр. 880
وأما صفتها: فإنها عظيمة في ذلك، فإن لها الجهر، والشدة، والانفتاح.
والاستعلاء والقلقلة، وكل منها ظاهر الدلالة على ذلك جيداً.
وأدل ما فيها من المخلوقات على هذا المقصد: النَخل، لما انفردت به
عما شاركها من النبات، بالِإحاطة بالطول، وكثرة المنافع، فإنها جامعة للتفكه بالقلب، ثم الطلع، ثم البسر ثم الرطب، وبالاقتيات بالثمر، والخشب والحطب والعصى، والخوص النافع للافتراش وغيره، والليف النافع للحبال وغيرها، وما سوى ذلك من الخلال.
هذا مع كثرة ملابسة العرب - الذين هم أول مدعو بهذا الذكر - لها.
ومعرفتهم بخواصها وأدل ما فيها على العظمة والمجد: الطول، مع أنه ليس
لعروقها من الامتداد في الأرض ما لغيرها.
ومثل ذلك غير كاف في العادة في