الفرع الثّاني تعريف القربة في الاصطلاح الشرعي
بالنظر في تعريفات للقربة العلماء تبين أن لهم في ذلك اتجاهين:
الاتجاه الأوّل: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها الشيءُ المتقرَّبُ به إلى الله
تعالى، ولذا جاءت تعريفاتهم منصبة على ذات القربة؛ إمّا بذكر جنسها الشامل
لكل أنواعها، وإما بتعداد بعض القرب.
وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، والحنابلة (٤).
واختار هذا الاتجاه جمع من أهل العلم (٥).
الاتجاه الآخر: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها فعل التقرب نفسه، دون النظر إلى ذات القربة من حيث جنسها.
وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشّافعيّة (٨).
стр. 107
وسوف أذكر تعريفات القربة عند أصحاب الاتجاهين، ثمّ أبين الراجح والمختار من هذه التعريفات - إن شاء الله تعالى-.
أوَّلًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الأوّل:
جاءت تعريفات أصحاب هذا الاتجاه متقاربة في معناها، وإن اختلفت في ألفاظها، ولذا سوف أذكر ما اتفقوا عليه من القيود، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم على ما اتفقوا عليه:
أمّا التعريف الّذي اتفقوا على قيوده فهو أن القربة هي:
"ما يتقرب به إلى الله تعالى" (١).
وسوف أبين مفردات هذا التعريف، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم عليه.
مفردات التعريف:
ما: جنس يشمل كلّ ما يتقرب به؛ سواء أكان من العبادات، أم من غيرها كالتبرعات، ونحوها، ويشمل كذلك ما لايتقرب به من الأعمال؛ كالبناء، والخياط، ونحو ذلك، ممّا يفعل لأجل المال، وكذلك الأعمال الّتي يستوي في فعلها المسلم والكافر.
يتقرب به: قيد لإخراج ما لايتقرب به من الأعمال الّتي لايختص فاعلها أن يكون من أهل القربة.
إلى الله تعالى: قيد لإخراج التقرب إلى المخلوقين لحاجة، أو منفعة دنيوية، فهذا
قيد جيء به لبيان أن التقرب المراد هو التقرب إلى الله تعالى، لا إلى غيره من المخلوقين.
* أمّا القيود الّتي زادها بعض الفقهاء فهي على النحو التالي:
стр. 108
زاد بعض الحنفية على التعريف المتقدم قيدًا، وهو: " ... فقط، أو مع الإحسان إلى النَّاس كبناء الرِّباط والمسجد" (١). وذلك ليشمل نوعي القربة من حيث التعدي، وعدمه، فيشمل القرب غير المتعدية، وهي القرب المتعينة من صلاة، ونحوها، والقرب المتعدية كالأذان، والإمامة، والقضاء، والإفتاء، والتعليم.
والذي أراه: أن هذا القيد لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تشمل كلّ
أنواع القرب المتعدية الّتي فيها إحسان للناس، وغير المتعدية كما مثلنا من قبل.
وزاد بعض المالكية (٢)، والشّافعيّة (٣) على التعريف المتقدم ما يأتي: " ... من نسيكة، وصدقة، وعمل صالح". وهذا بيان منهم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وأرى كذلك أنّه لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تفيد العموم، والشمول؛ فتشمل ما ذكروه، وغيره ممّا يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال، سواء أكانت من العبادات، أو غيرها من الأعمال الصالحة.
وعليه، فلا حاجة لتقييد القربة بما ذكروه، ثمّ إنَّ قولهم: "وعمل صالح"، يشمل جميع القرب. وبناء على ذلك فإن هذه الزيادة تكرار في التعريف، وزيادة لا داعي لها.
وبالتالي يسلم التعريف الّذي اتفقوا على قيوده، ويعتبر حدًا لمفهوم القربة عند أصحاب هذا الاتجاه.
ثانيًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الآخر:
وقد عرّف هؤلاء القربة بعدة تعريفات:
стр. 109
التعريف الأوّل: أن القربة "هي فعل ما يثاب عليه، بعد معرفة من يتقرب إليه به، وإنَّ لم يتوقف على نيّة" (١).
وهذا التعريف جارٍ على مذهب المتكلمين؛ وبيان ذلك: أن قوله: "بعد معرفة من يتقرب إليه به"، يدلُّ على أن من شرط القربة العلم بالمتقرَّب إليه، وأنّه لا يمكن أن توجد قربة إِلَّا بعد العلم بالمعبود ، والعلّم بالله تعالى لا يكون إِلَّا بعد النظر، والاستدلال، أو القصد إلى النظر، كما يزعم أرباب الكلام، فإنهم يقولون: إنَّ أول واجب على المكلَّف هو النظر، أو القصد إلى النظر ... ولكن أهل السُّنَّة، وأئمة السلف متفقون على أن أول واجب على المكلَّف هو الشهادتان، والتوحيد أول ما يُدخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يخرج به في الدنيا (٢).
والدّليل على ذلك هو قول النّبيّ ﷺ :
(أمرت أن أقاتل النَّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إِلَّا لله، وأن محمدًا رسول الله ...). وفي رواية: (حتّى يقولوا لا إله إلا الله ...) (٣).
وهذا القيد ذكروه في التعريف؛ ليبينوا أن هناك من الأفعال ما يكون طاعة، ولكن لا يكون قربة، مثل قضية النظر المؤدي إلى معرفة الله الّتي ذكروها، فإنها عندهم طاعة، وليست بقربة؛ لعدم تحقق شرط القربة، وهو العلم بالمتقرب إليه.
стр. 110
وقوله: وإنَّ لم يتوقف على نيّة: قيد ذكِرَ لبيان أن من القرب ما لا يشترط فيه النية، ومنها ما يشترط فيه ذلك، فأمّا ما لا يشترط فيه النية فنحو: القرب الّتي لا لبس فيها كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف، والرجاء، والتوكل، والتسبيح، وقراءة القرآن، ونحو ذلك:
قال القرافي: "القربات الّتي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نيّة؛ كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف من نقمه، والرجاء لنعمه، والتوكل على كرمه، والحياء من جلاله، والمحبة لجماله، والمهابة من سلطانه.
وكذلك التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ... " (١).
وأمّا القربات الّتي تحتاج إلى نيّة، وهي العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وغيرها، سواء أكانت واجبة، أم مندوبة، فلابد فيها من نيّة؛ لأنّ سورة فعلها ليست كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منها، وهي تعظيم الرب ، والخضوع له، وإنّما يحصل ذلك إذا قصدت من أجله؛ لأنّ التعظيم بالفعل دون قصد المعظم محال، ولذلك اشترطت في هذه العبادات النية، وهي إخلاص العمل لله (٢).
وقد شرعت النية في هذا القسم لأمرين:
الأوّل: تمييز العبادات عن العادات .
فمثلًا: الغُسْل قد يكون تبردًا، وقد يكون عبادة شرعية، ولا يميز بينهما إِلَّا النية، وكذلك الذَّبح، قد يكون لمجرد الأكل، وقد يكون للتقرب إلى الله تعالى بإراقة
стр. 111
الدِّم، ولا يميز لنا ذلك إِلَّا النية (١).
الآخر: تمييز مراتب العبادات:
فالصلاة منها ما يكون فرضًا، ومنها ما يكون مندوبًا، والنية هنا لتمييز ما هو فرض ممّا هو غير ذلك. وكذلك الصَّدقة منها ما هو واجب، ومنها ما هو تطوع، ولايفرق بينهما إِلَّا النية، وكذلك الصوم، وغيره من العبادات (٢).
التعريف الثّاني: منهم من عرّفها بأنّها: "طلب القرب إلى الله تعالى، بما أمر به، وتجنب ما نهى عنه" (٣).
وهذا التعريف لا يختلف في مقصوده عن التعريف السابق؛ لأنّ قوله: طلب القرب إلى الله تعالى، يفيد أمرين:
الأوّل: طلب القرب؛ وقد بينه بقوله: بما أمر به - أي: بفعل الأوامر، وتجنب ما نهى عنه. وهذا بعينه معنى قوله في التعريف السابق: "فعل ما يثاب عليه"، فإن اللإنسان يثاب على فعل ما أمره الله به، وترك ما نهاه عنه.
الآخر: أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إِلَّا بعد معرفته ؛ لأنّه هو المقصود بالقربة.
التعريف الثّالث: ومنهم من عرّفها بأنّها: "ما كان معظم المقصود منه رجاء الثّواب من الله تعالى" (٤).
التعريف الرّابع: ومنهم من عرَّفها بأنّها: "ما يصير المتقرب به متقربًا" (٥).
стр. 112
التعريف الخامس: ومنهم من عرّفها بأنّها: "الطّاعة" (١). وليس بصحيح؛ للفرق بين القربة والطاعة - وسيأتي -.
التعريف المختار:
والذي أراه راجحًا من تعريفات القربة هو: ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأوّل، وهو أن القربة هي: "ما يتقرب به إلى الله تعالى".
وذلك لما يأتي:
أوَّلًا: أنّهم نظروا إلى حقيقة القربة في نفسها، وهو المطلوب في التعريف.
ثانيًا: أنّه بالنظر إلى النصوص الواردة في الكتاب والسُّنَّة المتعلّقة - بالقربة نجد أن مفهوم القربة فيها دائر على الأعمال نفسها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ..﴾ [المائدة: ٢٧].
ومن السُّنَّة قول النّبيّ ﷺ : (عليكم بقيام اللّيل، فإنّه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكْفَرَةٌ للسيئات، ومنهاة للإثم) (٢).
وقوله ﷺ : (اللَّهُمَّ فأيَّما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة) (٣).
فهذه النصوص تدل على أن القربة تطلق في الغالب، ويراد بها أعمالها.
стр. 113
ثالثًا: أن هذا الاصطلاح هو ما عليه أكثر أهل العلم، واختاره كثير من المحققين، كما سبق أن ذكرنا، والله تعالى أعلم (١).
стр. 114
المطلب الثّاني الألفاظ ذات الصلة بالقربة
الفرع الأوّل العبادة
المسألة الأولى: العبادة في اللُّغة
العبادة في اللُّغة هي: الطّاعة مع الخُضُوع، ومنه طريق مُعَبَّد، إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، وقال ابن الأنباري (١): فلان عابد: وهو الخاضع لربه المستسلم لقضائه، المنقاد لأمره.
وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: أطيعوا ربكم، وقيل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]: إياك نوحد، والعابد: الموحِّد (٢).
المسألة الثّانية: العبادة في الاصطلاح الشرعي
عرّف العلماء العبادة بتعريفات كثيرة، إِلَّا أنّه يُلْحظ أنّهم انقسموا في تعريفها إلى فريقين:
الفريق الأوّل: من اشترط في العبادة النية: وهم الحنفية.
ومن تعريفات هؤلاء:
стр. 115
التعريف الأوّل: "هي ما يثاب على فعله، ويتوقف على نيّة" (١).
التعريف الثّاني: "هي ما كان طاعة لله منويًا به، سواء كان فعلًا كالصلاة، أو تركًا كالزنا" (٢).
التعريف الثّالث: "هي ما افتقر من الطاعات إلى النية" (٣).
وبناء على هذه التعاريف قالوا: إنَّ الوضوء ليس بعبادة؛ لعدم افتقاره إلى النية. ومعني ذلك أن الوضوء يكون صحيحًا، وتصح به الصّلاة، لكنه لايسمى عبادة إِلَّا إذا نواه العبد. قال ابن عابدين: "وإنّما تسن النية في الوضوء، ليكون عبادة، فإنّه بدونها لا يسمى عبادة ... وإنَّ صحت به الصّلاة" (٤).
وردّ ذلك العلماء: بأن العبادة مشتقة من التعبد، وعدم النية لا يمنع كونه عبادة (٥).
الفريق الآخر: وهم الذين لم يشترطوا النية في العبادة، وقد عرفوها بتعريفات منها:
التعريف الأوّل: "طاعة العبد لربه" (٦).
التعريف الثّاني: "هي موافقة الأمر" (٧).
التعريف الثّالث: "هي فعل المكلَّف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه" (٨).
стр. 116
التعريف الرّابع: "فعل لا يراد به إِلَّا تعظيم الله تعالى بأمره" (١).
التعريف الخامس: "ما لا يجوز لغير الله ﵎" (٢).
وهذه التعريفات وإنَّ اختلفت في العبارات إِلَّا أن مضمونها واحد، فإن طاعة العبد لربه لا تكون إِلَّا بموافقة أمره، ولايكون ذلك إِلَّا تعظيمًا لله تعالى، وتقديم طاعته على هوى النفس.
وُيلحظ هنا: أن هذه التعريفات لم تتعرض للنية، ولم تجعلها شرطًا في العبادة.
التعريف المختار:
ما ذهب إليه أصحاب الفريق الثّاني هو الراجح والصّحيح، وهو الّذي عليه جمهور العلماء، فإن النية - كما تقدّم - شرعت؛ لتمييز العبادة عن العادة، وللتمييز بين مراتب العبادات، وأمّا العبادات الّتي لا تلتبس بعادة، فلا تجب فيها النية لتميزها بصورتها (٣).
стр. 117
الفرع الثّاني الطّاعة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الطّاعة في اللُّغة
الطّاعة اسم من: أطاعه؛ أي: انقاد له، ولا تكون الطّاعة إِلَّا عن أمر. يقال: أمره، فأطاعه؛ فالطاعة هي الانقياد، والموافقة، وامتثال الأمر، والمضي فيه (١).
المسألة الثّانية: الطّاعة في الاصطلاح الشرعي
تقدّم معنا أن الطّاعة لا تكون إِلَّا عن أمر، فهي في حقيقتها امتثال الأمر، والنظر في التعريفات الاصطلاحية عند العلماء نجد أنّها متفقة من حيث المعنى، وإنَّ اختلفت في ألفاظها، وهي لاتكاد تخرج عن المعنى اللغوي لها.
ومن هذه التعريفات: -
التعريف الأوّل: "هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهي عنه" (٢).
التعريف الثّاني: "هي امتثال الأمر" (٣).
التعريف الثّالث: "هي موافقة الأمر" (٤). وزاد بعضهم "طوعًا" (٥).
التعريف الرّابع: "هي فعل المأمورات ولو ندبًا، وترك المنهيات ولو كُرهًا" (٦).
стр. 118
التعريف الخامس: "هي فعل ما يثاب عليه، توقف على نيّة أم لا، عُرف من يفعله لأجله أم لا" (١).
فهذه التعريفات تدور حول امتثال الأمر، سواء أكان أمرًا بالفعل - وهو الإتيان بالمأمورات -، أم كان أمرًا بالترك - وهو ترك المنهيات والانتهاء عنها -.
المسألة الثّالثة: الفرق بين القربة وبين العبادة والطاعة
فرق العلماء بين هذه المصطلحات الثّلاثة من جهتين:
الجهة الأولى: النية.
الجهة الأخرى: معرفة من يُفعل لأجله.
وفي هذا يذكر ابن عابدين الفرق بين هذه المصطلحات الثّلاثة بقوله: "إنَّ الطّاعة فعل ما يثاب عليه، توقف على نيّة، أو لا عُرف من يفعله لأجله أو لا.
والقربة: فعل ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرب إليه به، وإن لم يتوقف على نيّة. والعبادة: فعل ما يثاب عليه، ويتوقف على نيّة".
ثمّ بيَّن ذلك بالمثال فقال: "فنحو الصلوات الخمس، والصوم، والزكاة، والحج، من كلّ ما يتوقف على النية: قربة، وطاعة، وعبادة، وقراءة القرآن، والوقوف، والعتق، والصدقة، ونحوها، ممّا لا يتوقف على نيّة: قربة، وطاعة، لا عبادة. والنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى: طاعة، لا قربة، ولا عبادة" (٢) ا. هـ.
ثمّ قال ابن عابدين معقبًا على ذلك: "وقواعد مذهبنا لا تأباه" (٣).
وعليه، فالطاعة أعم من القربة، والعبادة، فكل قربة، وعبادة، طاعة، ولا ينعكس.
стр. 119
والقربة أعم من العبادة؛ فكل عبادة قربة، ولا ينعكس (١).
وذلك لأنّ الطّاعة لا يشترط فيها النية، ولا يشترط معرفة من تُفعل لأجله، بينما القربة لا يشترط فيها النية، ولكن يشترط فيها معرفة المتقرَّب إليه، والعبادة يشترط فيها النية، ومعرفة من تُفعل لأجله، وهو رب العالمين.
كذلك فإن العبادة ما لا يجوز لغير الله تعالى، والطاعة ما يجوز لغير الله تعالى (٢)؛ قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّساء: ٥٩].
стр. 120
المطلب الثّالث أنواع القرب
وفيه أربعة أفرع:
الفرع الأوّل أنواع القرب من حيث العموم والخصوص
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: القرب الخاصة:
وهي القرب الّتي تجب على الإنسان عينًا، أو تطوع بأدائها، ولا يتعدى نفعها إلى غيره؛ وذلك كالعبادات المحضة، مثل: صلاة الإنسان، وصومه، واعتكافه لنفسه، وحجه، وعمرته عن نفسه، أو أداء زكاته الواجبة عليه، ونحو ذلك، ممّا يتعين على المسلم فعله، أو يتطوع بأدائه عن نفسه؛ نحو قيام اللّيل، ونوافل العبادات المختلفة من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، وغيرها، ولا يتعدى نفعها إلى غيره، بل نفعها عائد إليه (١).
المسألة الأخرى: القرب العامة:
وهي القرب الّتي يتعدى نفعها فاعلها إلى غيره من المسلمين؛ كالأذان، والإقامة، والقضاء، والإفتاء، والحسبة، وتعليم القرآن، والعلّم الشرعي، ونحو ذلك (٢).
стр. 121
الفرع الثّاني أنواع القرب من حيث اشتراط النية وعدمه
قسم الشّافعيّة القرب من حيث اشتراط النية لها إلى قسمين:
القسم الأوّل: قرب يتوقف الاعتداد بها على النيه .
وهذا القسم على نوعين:
النوع الأوّل: ما لا تدخله النِّيابة.
وهذا القسم لا يجوز الاستئجار عليه.
النوع الآخر: ما تدخله النِّيابة.
وهذا يجوز الاستئجار عليه؛ كالحج، وتفرقة الزَّكاة.
القسم الآخر: ما لا تتوقف صحته على النية .
وهذا القسم نوعان كذلك:
النوع الأوّل: فرض كفاية.
وهذا النوع على ضربين:
الضرب الأوّل: ما يختص افتراضه في الأصل بشخص، وموضع معين. ثمّ يؤمر به غيره عند عجزه؛ كتجهيز الميِّت بالغسل، والتكفين، والدفن، ونحو ذلك.
قال النووي: "فإن هذه المؤن تختص بالتركة، فإن لم يكن، فعلى النَّاس القيام بها، فمثل هذا يجوز الاستئجار عليه؛ لأنّ الأجير غير مقصود بفعله حتّى يقع عنه" (١).
ومن ذلك تعليم القرآن، ونحوه كما سيأتي.
стр. 122
الضرب الآخر: ما يثبت فرضه في الأصل شائعًا غير مختص كالجهاد.
قال النووي: "فلا يجوز استئجار المسلم عليه، ويجوز استئجار الذمي على التصحيح" (١).
النوع الآخر: شعار غير فرض: كالأذان تفريعًا على الأصح، وفي جواز الاستئجار عليه ثلاثة أوجه (٢).
стр. 123
الفرع الثّالث أنواع القرب من حيث حكمها التكليفي
يقسم العلماء القرب من حيث حكمها التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي: القرب الواجبة، والمندوبة، والمباحة، والمحرمة، والمكروهة. أي أن القربة تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة. وبيان ذلك كالآتي:
أوَّلًا: القُرب الواجبة:
وتشمل ما كان منها واجبًا بأصل الشّرع؛ كالفرائض الّتي افترضها الله على عباده من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، فهي عبادات مقصودة شرعت للتقرب بها إلى الله تعالى، وهذه هي الّتي يسميها العلماء بالقرب المقصودة (١).
وتشمل كذلك ما كان واجبًا بإيجاب الإنسان على نفسه، وهي القرب الّتي يُلزم الإنسان بها نفسه بالنذر، كمن نذر صلاة، أو صيامًا، أو حجًا، أو اعتكافًا، أو عتقًا، فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف (٢).
ثانيًا: القرب المندوبة:
وتشمل نوافل العبادات من صلاة، وحج، وصيام، ونحوها، وقراءة القرآن، والوقف، والعتق، وصلة الرّحم، والصدقة، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز.
وهذا القسم يشمل ما كان فيه نصّ على استحبابه، وهو الندب الخاص، أو ما ندب إليه الشارع على سبيل العموم، وهو المأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحجِّ: ٧٧]، والأول آكد من الثّاني (٣).
стр. 124
ثالثًا: القرب المباحة:
من المعلوم أن المباحات في الأصل لا يتعلّق بها ثواب ولا عقاب، ولكن تختلف صفتها باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوِّي على طاعة الله، أو التوصل إلى الطّاعة كانت بهذا القصد عبادة، وقربة إلى الله؛ كالأكل بنية التقوي على الطّاعة، وكالنوم، واكتساب المال، والوطء، وغيرها، إذا قصد بها طاعة الله، أو التوصل إلى طاعته كانت قربة إليه (١). ومما يدلُّ على ذلك ما جاء في قصة معاذ مع أبي موسى، حيث قال له معاذ: "فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي" (٢).
قال الحافظ ابن حجر (٣): "ومعناه أنّه يطلب الثّواب في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأنّ الراحة إذا قصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثّواب" (٤).
стр. 125
رابعًا: القرب المحرمة:
وتكون في القربة البدنية؛ كالغلو في العبادة، والإتيان بها على ظن أنّها قربة، أو يتكلف من العبادة ما لا يقدر عليه، أو لا يطيق المدامة عليه، فمن تكلف ما لا يطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله تعالى (١). ومما يدلُّ على ذلك:
١ - ما روته عائشة ﵂ أن النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- بعث إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: (يا عثمان، أرغبت عن سنتي؟). قال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب. قال: (فإني أنام، وأصلّي، وأصوم، وأفطر، وأنكح النِّساء؛ فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا؛ فصم، وأفطر، وصلّ، ونم) (٢).
فقد أنكر النّبيّ-صلّي الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التزامه قيام اللّيل، وصيام النهار، واجتناب النِّساء، وبيّن له أن فعله رغبة عن السُّنَّة، وغلو في الدِّين، وقد فعل عثمان ما فعل على ظن أنّه قربة.
٢ - ما رواه أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ، -صلّي الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النّبيّ، -صلّي الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: فأين نحن من رسول الله، -صلّي الله عليه وسلم- وقد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر؟ قال أحدهم: أمّا أنا فأصلّي اللّيل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر، ولا أُفطِر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء، ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله -صلّي الله عليه وسلم- إليهم، فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمّا
стр. 126
والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (١).
فهؤلاء فعلوا ما فعلوا على ظن أن ما فعلوه قربة إلى الله تعالى، وقد أنكر عليهم النّبيّ ﷺ ، وَبَيَّنَ لهم أن ما فعلوه إنّما هو رغبة عن السُّنَّة، وغلو في الدِّين، فدلَّ على أن هذه القرب الّتي أتوها محرّمة.
ومن الاقربات المحرمة كذلك القربات المالية، كالعتق، والوقف، والصدقة، والهِبَة، إذا فعلها الإنسان، وكان عليه دين، أو عنده من تلزمه نفقته ممّا لا يفضل عن حاجته؛ لأنّ ذلك حق واجب عليه، فلا يحل له تركه لسنة (٢).
خامسًا: القربات المكروهة:
ومن هذه القربات المكروهة: من تصدق بجميع ما يملك، وكان في ذلك مشقة لا يصبر عليها؛ قال الإمام الشيرازي (٣) في المهذب: "ويكره لمن لا يصبر على الإضافة" (٤).
стр. 127
وكذلك الوصيَّة من الفقير إنَّ كان له ورثة محتاجون (١)، قال البهوتي (٢) في الروض: "وتكره وصية فقير عرفًا، وارثه محتاج؛ لأنّه عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب" (٣).
стр. 128
الفرع الرّابع أنواع القرب من حيث تعدي النفع وعدمه
قسم الفقهاء القربات من حيث تعدي النفع، وعدمه إلى نوعين هما:
النوع الأوّل: ما لا يتعدى نفعه فاعِلَه .
النوع الآخر: ما يتعدى نفعه فاعله.
النوع الأوّل: ما لا يتعدى نفْعُهُ فاعِلَه:
وهذا النوع يشمل العبادات المحضة؛ كصلاة الإنسان لنفسه، وصومه، واعتكافه لنفسه، وحجه، وعمرته عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، وكل أمر واجب تعين على المرء أداؤه، فهو داخل في هذا النوع، وكذلك يشمل هذا النوع ما تطوع الإنسان بأدائه عن نفسه من نوافل العبادات المختلفة (١).
وهذا النوع لا يجوز أخذ المال عليه بغير خلاف؛ قال ابن قدامة: "وأمّا ما لا يتعدى نفعُه فاعِلَه من العبادات المحضة، كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها بغير بخلاف؛ لأنّ الأجر عوض عن الانتفاع، ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان الّتي لا نفع فيها" (٢).
وقال ابن حزم (٣): "وكذلك لا تجوز الإجارة على كلّ واجب تعين على المرء من
стр. 129
صوم، أو صلاة، أو حج، أو فتيا، أو غير ذلك ... وكذلك تطوع المرء عن نفسه لا يجوز أيضًا اشتراط أخذ مال عليه؛ لأنّه حينئذٍ يكون لغير الله تعالى" (١).
وقال الكاساني (٢) في معرض ذكره لأنواع الإجارة الفاسدة: "ومنها أن لا يكون العمل المستأجر له فرضًا، ولا واجبًا، على الأجير قبل الإجارة، فإن كان فرضًا، أو واجبًا قبل الإجارة لم تصح الإجارة؛ لأنّ من أتي بعمل يُستحق عليه لا يَستحق الأجرة، كمن قضى دينًا عليه" (٣).
وكما أنّه لا يجوز أخذ الأجرة عليه، لا يجوز كذلك أخذ الجعل عليه. وفي هذا يقول ابن قدامة: "وما يختص فاعِلُه أن يكون من أهل القربة، ممّا لا يتعدى نفعُه فاعله، كالصلاة، والصيام، لا يجوز أخذ الجعل عليه" (٤).
النوع الآخر: ما يتعدى نفعه فاعِلَه:
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: ما يتعدى نفعُه فاعلَه، ولا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة .
القسم الآخر: ما يتعدى نفعه فاعله، ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
القسم الأوّل: ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة:
وهذا القسم لا يشترط في فاعله أن يكون من أهل القربة، وهو المسلم، بل يجوز أن يفعله الكافر؛ كتعليم الخط، والحساب، والشعر المباح، وبناء المساجد، والقناطر، وانشاء الطرق وتعبيدها، ونحو ذلك (٥).
стр. 130
وهذا القسم يجوز أخذ المال عليه بلا خلاف؛ قال ابن قدامة:
"وما لا يختص فاعِلُه أن يكون من أهل القربة؛ كتعليم الخط، والحساب، والشعر المباح، وأشباهه، وبناء المساجد، والقناطر، جاز أخذ الأجر عليه؛ لأنّه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يُمنع من الاستئجار لفعله؛ كغرس الأشجار، وبناء البيوت ... " (١).
وقال الكاساني: "ويجوز الاستئجار على تعليم اللُّغة والأدب؛ لأنّه ليس بفرض واجب، وكذا يجوز الاستئجار على بناء المساجد، والرباطات، والقناطر ... " (٢).
القسم الآخر: ما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة:
هذا هو القسم الآخر ممّا يتعدى نفعه فاعله، وهو ما يختص أن يكون فاعله من أهل القرب، وهو المسلم؛ أي: أنّه يشترط في فاعله الإسلام فلا يتأتى فعله من الكافر.
ومن أمثلة هذا القسم: الإمامة في الصّلاة، والأذان، والقضاء، والفتيا، وتعليم القرآن، والفقه، والحديث، ونحوها من العلوم الشرعية، والحسبة، ونحوها.
وهذا القسم: هو محل الخلاف بين الفقهاء من حيث جواز أخذ المال على القيام به، أو عدم جواز ذلك (٣).
والكلام على هذه المسائل المختلف فيها بالتفصيل، هو ما سيكون عليه مدار هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
стр. 131
ومن المناسب هنا أن نذكر الأسباب الّتي أدت إلى اختلاف العلماء في مسائل هذا القسم، ويمكن حصر هذه الأسباب إجمالًا فيما يأتي:
الأوّل: وصول نفع هذه القرب إلى المستأجر، أو عدم وصوله .
فمن قال من العلماء بوصول النفع إلى المستأجر جوز أخذ الأجرة على هذه القرب، ومن قال إنَّ النفع لا يحصل للمستأجر قال بعدم جواز أخذ الأجرة (١).
وفي هذا يقول شيخ الإسلام: " ... ومن جوز ذلك - أي: أخذ الأجرة على القرب - قال: إنّه نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه ... " (٢).
وقد تقدّم أن من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة حاصلة للمستأجر؛ فإن لم تكن حاصلة للمستأجر فلا تصح الإجارة (٣).
الثّاني: كون هذه القرب ممّا يقبل النيابه أو لا:
فإن كانت ممّا يقبل النِّيابة صح أخذ الأجرة عليها، وإلا فلا (٤).
وقد عد الشّافعيّ ذلك ضابطًا لم يجوز أخذ الأجرة عليه، وما لا يجوز.
قال الشربيني في كتابه مغني المحتاج: "وضابط هذا: أن كلّ من تدخله النِّيابة من العبادة يجوز الاستئجار عليه، وما لا فلا" (٥).
стр. 132
الثّالث: كون هذه القرب من فروض الكفاية (١)، أو من فروض الأعيان (٢):
فإن كانت من فروض الكفاية صح أخذ الأجرة عليها، وإلا فلا (٣).
قال القرطبي: "دلّ قوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) على أن كلّ ما كان من فروض الكفاية كالساعي، والكاتب، والقسام، والعاشر، وغيرهم، فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة، فإن الصّلاة، وإن كانت متوجهة على جميع الخلق، فإن تقدّم بعضهم بهم من فروض الكفايات، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها، وهذا أصل الباب" (٤).
الرّابع: كون القرب لا يختص فاعلها أن يكون من أهلها:
ومعنى ذلك: أنّه لا يشترط فيها كون فاعلها مسلمًا. وعليه، فيجوز أن يفعلها غير المسلم؛ أي: أنّها تقع مرّة قربة، ومرة غير قربة - كما سبق بيانه -. فإذا كانت القربة ممّا يفعلها المسلم وغير المسلم فيجوز أخذ الأجرة عليها بلا خلاف - كما سبق -.
وإن كانت ممّا يختص بفعلها المسلم دون الكافر فهذا ممّا جرى فيه الخلاف (٥).
стр. 133
الخامس: كون القربة يشترط لها النيه أولا يشترط لها ذلك:
فإن كانت ممّا يشترط فيه النية فلا تجوز الأجرة عليه، وما لا يشترط له النية جاز أخذ الأجرة عليه (١).
السّادس: كون فاعل القربة محتاجًا أو غير محتاج:
فإن كان فاعل القربة محتاجًا جاز له أخذ الأجرة، وإن لم يكن محتاجًا فلا يجوز له أخذ الأجرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن فرق بين المحتاج وغيره - وهو أقرب - قال: المحتاج - إذا اكتسب بها - أمكنه أن ينوي عملها لله، ويأخذ الأجرة؛ ليستعين بها على العبادة، فإن الكسب على العيال واجب أيضًا، فيؤدِّي الواجبات بها، بخلاف الغني؛ لأنّه لا يحتاج إلى الكسب، فلا حاجة تدعوه أن يعملها لغير الله، بل إذا كان الله قد أغناه، وهذه فرض على الكفاية، كان هو مخاطبًا به، وإذا لم يقم إِلَّا به كان ذلك واجبًا عليه عينًا، والله أعلم" (٢).
ملحوظة: يُلحَظ فيما سبق أن مآخذ العلماء، واختلافهم حول أخذ المال على القرب يتركز أكثر ما يكون على الإجارة دون غيرها، وهي أكثر ما جرى الخلاف في جوازه على القرب؛ نظرًا لأنّها أهم عقود المعاوضة على القرب، وقريب منها الجعالة؛ لأنّها في معناها.
ولذا قال شيخ الإسلام:
"وأمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة، بل هو رزق للإعانة على الطّاعة؛ فمن عمل منهم لله أُثِيب، وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطّاعة،
стр. 134
وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ، والموصى به كذلك، والمنذور كذلك ليس كالأجرة " (١).
وعليه، فسيكون البحث فيما يأتي من مسائل متعلّقًا بحكم الإجارة، وإن وجدت خلافًا في غيرها ذكرته، ومن المناسب أن نذكر هنا قاعدة في الجعالة ذكرها ابن قدامة، فقال: "إنَّ ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال، جاز أخذه عليه في الجعالة، وما لا مجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة ... لا يجوز أخذ الجعل عليه" (٢).
стр. 135
الباب الأوّل أخذ المال على العبادات
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأوّل: أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها
الفصل الثّاني: أخذ المال على الزَّكاة والصيام
الفصل الثّالث: أخذ المال على الحجِّ والعمرة
الفصل الرّابع: أخذ المال على الجهاد
الفصل الخامس: أخذ المال على القرأن الكريم والعلّوم الشرعية
стр. 136
الفصل الأوّل أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأوّل: أخذ المال على قضاء الصّلاة عن الغير
المبحث الثّاني: أخذ المال على الأذان والإقامة
المبحث الثّالث: أخذ المال على الإمامة والخطابة
المبحث الرّابع: أخذ المال على عمارة المساجد وصيانتها
المبحث الخامس: أخذ المال على الجنازة (تجهيز الميِّت ودفنه)
стр. 137
المبحث الأوّل أخذ المال على قضاء الصّلاة عن الغير
الصّلاة (١) إحدى دعائم الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وهي الركن الثّاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين.
ومشروعية الصّلاة، وفرضيتها على المسلم أمر معلوم من الدِّين بالضرورة، جاء القطع بذلك في الكتاب، والسُّنَّة، وعلى هذا أجمع علماء الأُمَّة (٢).
فمن اعتقد خلاف ذلك فهو كافر بالله العظيم - إنَّ كان مثله ممّن لا يتصور جهله - نعوذ بالله العظيم من ذلك (٣).
стр. 138
ونظرًا لهذه المكانة الخطيرة للصلاة في الإسلام، فقد اعتنى علماء الإسلام بفقه الصّلاة، وما يتعلّق بها من أحكام.
ومن هذه الأحكام ما نحن بصدده، وهو حكم أخذ المال على قضاء الصّلاة عن الغير، وتفصيل ذلك كما يلي:
ونظرًا لخطورة هذه المسألة وأهميتها، فسوف أقوم بتصويرها حتّى يتبين المراد بها، ثمّ أحرر محل النزاع فيها، ثمّ أتابع البحث فيها على نسق ما تقدّم.
صورة المسألة:
هل يجوز أخذ الأجرة على الصّلاة عن الغير؟ سواء أكان هذا الغير حيًا أم ميتًا؟ وسواء أكانت هذه الصّلاة واجبة تركها لعذر أم لغير عذر؟ أم كانت صلاة تطوع؟
تحرير محل النزاع:
الإجارة على الصّلاة عن الغير لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون عن حي .
الحالة الأخرى: أن تكون عن ميت.
الحالة الأولى: أن تكون عن حي:
وهذه الحالة لا تخلو من أمرين:
الأمر الأوّل: أن تكون عن صلاة واجبة . وهنا أجمع العلماء على أنّه لا يجوز الاستئجار على أداء الصّلاة الواجبة عن الحي سواء أكانت واجبة بأصل
стр. 139
الشّرع، وهي الفروض المعروفة، أم كانت واجبة بالنذر، ولا فرق أن يكون قد تركها متعمدًا أم لعذر، وسواء أكان صحيحًا أم مريضًا (١).
الأمر الآخر: أن تكون الإجارة عن صلاة تطوع:
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أنّه لا يجوز الاستئجار على صلاة تطوع عن الغير، وهذا ما عليه جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم (٢).
وقد خالف ابن حزم في ذلك، فقال بجواز الاستئجار على صلاة تطوع عن الغير، قال ﵀: "وجائز للمرء أن يأخذ الأجرة على فعل ذلك عن غيره، مثل أن يحج عنه التطوع، أو يصلّي عنه التطوع، أو يؤذن عنه التطوع، أو يصوم
стр. 140
عنه التطوع ... (١).
دليل ابن حزم على ما ذهب إليه:
علل ابن حزم ما ذهب إليه من جواز التطوع عن الحي بأجرة بما يأتي:
قال: " ... لأنّ كلّ ذلك ليس واجبًا على أحدهما، ولا عليهما؛ فالعامل يعمله عن غيره، لا عن نفسه، فلم يطع، ولا عصى، وأمّا المستأجر فأنفق ماله في ذلك تطوعًا لله تعالى، فله أجر ما اكتسب بماله" (٢).
فحاصل ما علل به ابن حزم أن التطوع ليس بواجب لا على الأجير، ولا على المستأجر، وإذا كان ليس بواجب على أحدهما، فيجوز أخذ الأجرة عليه عن الغير.
مناقشة الاستدلال:
نوقش ما علل به ابن حزم بما يأتي:
أوَّلًا: لا نسلم أن عدم وجوب الصّلاة على الأجير، ولا على المستأجر سبب في جواز أخذ الأجرة؛ وذلك لأنّ الصّلاة عبادة بدنية محضة، لا تقبل النِّيابة في أصلها، وهو الفروض، وتجويز ذلك في التطوع يحتاج إلى دليل، إذ التطوع عن الغير عبادة، والعبادات توقيفية، ولم يردّ نصّ من كتاب، أو سنة يجيز ذلك (٣).
стр. 141
ثانيًا: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع دلت على المنع من الصّلاة عن الحي كما سيأتي، ولم تستثن صلاة دون صلاة؛ فيشمل ذلك ما كان واجبًا، وما كان تطوعًا (١). قال ابن عبد البر: "وأمّا الصّلاة فإجماع من العلماء أنّه لايصلّي أحد عن أحد فرضًا عليه من الصّلاة، ولا سنة، ولا تطوعًا .. * (٢).
ثالثًا: أن هذا القول انفرد به ابن حزم؛ إذ لا قائل به من العلماء، والأئمة، وأرباب المذاهب الفقهية المعتبرة، فهو قول غريب، فلا يعوَّل عليه (٣).
الحالة الأخرى: الاستئجارعلى قضاء الصّلاة عن الميِّت .
والمراد بالصلاة هنا مطلق الصّلاة الواجبة، سواء أكانت صلاة فرض، أم صلاة نذر، وسواء أكان قد تركها لعذر، أم لغير عذر.
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة عن الميِّت على أربعة أقوال:
القول الأوّل: يجوز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة فقط عن الميِّت.
وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند
стр. 142
الحنابلة، وعليها الأكثر (١).
وتفصيل ذلك عند الحنابلة كالآتي:
أن من مات وعليه صلاة نذر، فإنّه يستحب للولي (٢) أن ينوب عنه فيها، وليس بواجب عليه، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له، والمعروف. فإن أبى الولي ذلك فإنّه ينظر:
إن كان للميت تركة، فإنّه يجب على الولي أن يدفع من هذه التركة إلى من يصلّي عنه صلاة النَّذْر الّتي تركها.
وإن لم يخلف الميِّت تركة لم يلزم الولي شيء، ولكن يستحب له فعله عن الميِّت لتفرغ ذمته، كقضاء دينه (٣).
قال ابن النجار الفتوحي (٤): "ومن مات وعليه نذر صوم في الذِّمَّة أو حج،
стр. 143
أو صلاةٍ، أو طوافٍ، أو اعتكافٍ، لم يفْعَل منه شيئًا - مع إمكان غير حج - سُنَّ لوليّه فعله ... وإن خلّف مالًا وجب، فيفعله وليه، أو يدفع لمن يفعل عنه" (١).
والقول بقضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت إنّما هو مقيد بإمكان الفعل حال الحياة، ثمّ لم يفعل حتّى مات، فإنّه يقضى عنه، فإن مات قبل التمكن لم يفعل عنه. قال ابن النجار: "وعلم ممّا تقدّم أن غير الحجِّ، من الصوم، والصلاة، والطواف، والاعتكاف المنذور في الذِّمَّة إنّما يفعل عنه إذا تمكن من فعله قبل موته ولم يفعله؛ وذلك لأنّ النَّذْر، وإن تعلّق بالذِّمَّة، لكنه يتعلّق بالأيام الآتية بعد النَّذْر، فإن مات قبل أن يعيش المدة المقدرة تبينا أن مقدار ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في الذِّمَّة، كما لو نذر صوم شهر معين فمات قبله، أو جُنَّ قبله، ودام الجنون حتّى انقضى الشهر المعين، فإن الشهر المنذور صومه لم يثبت في ذمته، ولا كذلك المقدار الّذي أدركه حيًا وهو مريض؛ لأنّ المرض لا ينافي ثبوت الصوم في الذِّمَّة بدليل وجوب قضاء رمضان على المريض" (٢).
القول الثّاني: يجوز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت، وكذلك قضاء صلاة الفرض الّتي نسيها، أو نام عنها، ولم يصلها حتّى مات.
وهذا هو مذهب الظاهرية (٣).
стр. 144
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "ومن مات وعليه نذر ففرضٌ أن يؤدى عنه من رأس ماله قبل ديون النَّاس كلها، فإن فضل شيء كان لديون النَّاس" (١).
ثمّ قال: "فإن كان نذر صلاةً صلاها عنه وليه ... فإن أبى الولي استؤجر من رأس ماله من يؤدِّي دين الله تعالى ... وهو قول أبي سليمان (٢)، وأصحابنا" (٣).
وقال في موضع آخر: " ... وأمّا الصّلاة المنسية، والمنوم عنها، والمنذورة فهي لازمة للمرء إلى حين موته، فهذه تؤدى عن الميِّت، فالإجارة في أدائها عنه جائزة ... (٤).
والتفصيل في مذهب الظاهرية هو كما مر معنا في مذهب الحنابلة بمعنى: أن على الولي أداء ذلك عن الميِّت استحبابًا، إِلَّا إنَّ خلف تركة ففرض على الأولياء أن يؤدوا ذلك عنه من رأس ماله (٥).
стр. 145
القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على قضاء الصّلاة عن الميِّت، سواء أكانت صلاة فرض، تركها لعذر، أو لغير عذر، أم كانت صلاة نذر. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، وهو الرِّواية الثّانية عند الحنابلة (٤).