← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثانيًا: أن الأدلة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع دلت على المنع من الصّلاة عن الحي كما سيأتي، ولم تستثن صلاة دون صلاة؛ فيشمل ذلك ما كان واجبًا، وما كان تطوعًا (١). قال ابن عبد البر: "وأمّا الصّلاة فإجماع من العلماء أنّه لايصلّي أحد عن أحد فرضًا عليه من الصّلاة، ولا سنة، ولا تطوعًا .. * (٢). ثالثًا: أن هذا القول انفرد به ابن حزم؛ إذ لا قائل به من العلماء، والأئمة، وأرباب المذاهب الفقهية المعتبرة، فهو قول غريب، فلا يعوَّل عليه (٣). الحالة الأخرى: الاستئجارعلى قضاء الصّلاة عن الميِّت . والمراد بالصلاة هنا مطلق الصّلاة الواجبة، سواء أكانت صلاة فرض، أم صلاة نذر، وسواء أكان قد تركها لعذر، أم لغير عذر. وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة عن الميِّت على أربعة أقوال: القول الأوّل: يجوز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة فقط عن الميِّت. وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند

стр. 142

الحنابلة، وعليها الأكثر (١). وتفصيل ذلك عند الحنابلة كالآتي: أن من مات وعليه صلاة نذر، فإنّه يستحب للولي (٢) أن ينوب عنه فيها، وليس بواجب عليه، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له، والمعروف. فإن أبى الولي ذلك فإنّه ينظر: إن كان للميت تركة، فإنّه يجب على الولي أن يدفع من هذه التركة إلى من يصلّي عنه صلاة النَّذْر الّتي تركها. وإن لم يخلف الميِّت تركة لم يلزم الولي شيء، ولكن يستحب له فعله عن الميِّت لتفرغ ذمته، كقضاء دينه (٣). قال ابن النجار الفتوحي (٤): "ومن مات وعليه نذر صوم في الذِّمَّة أو حج،

стр. 143

أو صلاةٍ، أو طوافٍ، أو اعتكافٍ، لم يفْعَل منه شيئًا - مع إمكان غير حج - سُنَّ لوليّه فعله ... وإن خلّف مالًا وجب، فيفعله وليه، أو يدفع لمن يفعل عنه" (١). والقول بقضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت إنّما هو مقيد بإمكان الفعل حال الحياة، ثمّ لم يفعل حتّى مات، فإنّه يقضى عنه، فإن مات قبل التمكن لم يفعل عنه. قال ابن النجار: "وعلم ممّا تقدّم أن غير الحجِّ، من الصوم، والصلاة، والطواف، والاعتكاف المنذور في الذِّمَّة إنّما يفعل عنه إذا تمكن من فعله قبل موته ولم يفعله؛ وذلك لأنّ النَّذْر، وإن تعلّق بالذِّمَّة، لكنه يتعلّق بالأيام الآتية بعد النَّذْر، فإن مات قبل أن يعيش المدة المقدرة تبينا أن مقدار ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في الذِّمَّة، كما لو نذر صوم شهر معين فمات قبله، أو جُنَّ قبله، ودام الجنون حتّى انقضى الشهر المعين، فإن الشهر المنذور صومه لم يثبت في ذمته، ولا كذلك المقدار الّذي أدركه حيًا وهو مريض؛ لأنّ المرض لا ينافي ثبوت الصوم في الذِّمَّة بدليل وجوب قضاء رمضان على المريض" (٢). القول الثّاني: يجوز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت، وكذلك قضاء صلاة الفرض الّتي نسيها، أو نام عنها، ولم يصلها حتّى مات. وهذا هو مذهب الظاهرية (٣).

стр. 144

قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "ومن مات وعليه نذر ففرضٌ أن يؤدى عنه من رأس ماله قبل ديون النَّاس كلها، فإن فضل شيء كان لديون النَّاس" (١). ثمّ قال: "فإن كان نذر صلاةً صلاها عنه وليه ... فإن أبى الولي استؤجر من رأس ماله من يؤدِّي دين الله تعالى ... وهو قول أبي سليمان (٢)، وأصحابنا" (٣). وقال في موضع آخر: " ... وأمّا الصّلاة المنسية، والمنوم عنها، والمنذورة فهي لازمة للمرء إلى حين موته، فهذه تؤدى عن الميِّت، فالإجارة في أدائها عنه جائزة ... (٤). والتفصيل في مذهب الظاهرية هو كما مر معنا في مذهب الحنابلة بمعنى: أن على الولي أداء ذلك عن الميِّت استحبابًا، إِلَّا إنَّ خلف تركة ففرض على الأولياء أن يؤدوا ذلك عنه من رأس ماله (٥).

стр. 145

القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على قضاء الصّلاة عن الميِّت، سواء أكانت صلاة فرض، تركها لعذر، أو لغير عذر، أم كانت صلاة نذر. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، وهو الرِّواية الثّانية عند الحنابلة (٤).

стр. 146

القول الرّابع: يجوز مطلقًا الاستئجار على أداء الصّلاة عن الميِّت، سواء أكانت صلاة فرض، تركها لعذر، أو لغير عذر، أم كانت صلاة نذر. وإلى هذا ذهب أبو محمّد بن عبد الحكم (١) من أصحاب مالك (٢)، وهو مذهب الشّافعيّ القديم (٣)، وبه قال جمع من محققي المتأخرين؛ كتقي الدِّين السبكي (٤)، وابن أبي عصرون (٥)، وغيرهم (٦)، وحُكي عن عطاء بن أبي

стр. 147

رباح (١)، وإسحاق بن راهويه (٢)، (٣)، وهو قول أبي الخطّاب (٤) من الحنابلة (٥). الأدلة والمناقشة: تنبيه: يلحظ من خلال الأقوال السابقة أن العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة طرفان، ووسط:

стр. 148

فالطرف الأوّل منع مطلقًا، وهم أصحاب القول الثّالث. والطرف الآخر أجاز مطلقًا، وهم أصحاب القول الرّابع. والوسط، وهم أصحاب القول الأوّل، والقول الثّاني لم يجيزوا مطلقًا، ولم يمنعوا مطلقًا، بل توسطوا بين الفريقين، على تفاوت بينهما في ذلك؛ فأصحاب القول الأوّل: أجازوا في النَّذْر فقط، ومنعوا في الباقي، وأصحاب القول الثّاني: أجازوا في النَّذْر، وما تركه من الفرائض بعذر شرعي؛ كالمنوم عنها، والمنسية. وبناءً على هذا، فإننا نلحظ تداخلًا في الاستدلال؛ فأدلة من منع مطلقًا - وهم أصحاب القول الثّالث - هي نفسها أدلة القول الأوّل، وأدلة القول الثّاني، إِلَّا أنّها عندهم، مخصصة بأدلة تدل على جواز ذلك في النَّذْر، أو في النَّذْر وما تركه من الفرائض لعذر، وأدلة من أجاز مطلقًا هي نفسها أدلة القول الأوّل، والقول الثّاني الخاصة بالفرائض المتروكة لعذر، والمنذورة؛ فأخذوا هذه الأدلة، وعمومها في باقي الفرائض، إضافة إلى بعض الأدلة الأخرى عندهم، كما سيأتي. أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الرّابع: استدل أصحاب هذا القول القائلون بالجواز مطلقًا، بأدلة من الكتاب، والسُّنَّة، والمعقول. أ - أدلتهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّساء: ١٢].

стр. 149

وجه الاستدلال: دلت هذه الآية الكريمة أنّه يجب قضاء الديون الّتي على الميِّت، وهذه الديون مقدمة على حقوق الورثة، وكلمة (دين) في الآية الكريمة جاءت مطلقة؛ فتشمل ما كان دينًا لله ، وما كان دينًا للآدمي، ومن هذه الديون الّتي لله الصّلاة؛ فإن مات وعليه صلاة فرض، أو نذر، ولم يصلها عنه وليه، أو تطوع بها عنه أجنبي، فإنّه يجب على الولي أن يستأجر من تركة الميِّت من يؤدِّي عنه الصلوات الّتي تركها (١). مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذه الآية الكريمة بما يأتي: (١) أن المراد بالدَّيْن في الآية هو دين الآدمبين دون فرض الله . وهذا ما يفهم من الآية عند الإطلاق؛ قال الجصاص (٢): "وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصيُّةِ يُوصي بهَا أوْ دَيْنِ) يدلُّ على أن من ليس عليه دين لآدمي، ولم يوص بشيء

стр. 150

أن جميع ميراثه لورثته، وأنّه إنَّ كان عليه حج، أو زكاة لم يجب إخراجه إِلَّا أن يوصى به، وكذلك الكفارات، والنذور، فإن قيل: إنَّ الحجِّ دين، وكذلك كلّ ما يلزمه لله تعالى من القرب في المال؛ لقول النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- للخثعمية حين سألته عن الحجِّ عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ؟ "، قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق بالقضاء" (١)، قيل له: إنَّ النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- إنّما سماه (دين الله تعالى)، ولم يسمه بهذا الاسم إِلَّا مقيدًا، فلا يتناول الإطلاق، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إنّما اقتضى التبدئة بما يسمى به على الإطلاق، فلا ينطوي تحته ما لا يسمى به إِلَّا مقيدًا؛ لأنّ في اللُّغة والشرع أسماء مطلقة، وأسماء مقيدة، فلا يتناول المطلق إِلَّا ما يقع الاسم عليه على الإطلاق، فإذا لم تتناول الآية ما كان حقًا لله تعالى من الديون لما وصفنا اقتضى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أنّه إذا لم يوص، ولم يكن عليه دين لآدمي أن يستحق الوارث جميع تركته" (٢). الجواب عن هذة المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة بما يأتي: أوَّلًا: أن اللُّغة والشرع يدلُّان على أن الصّلاة دين، وأنّها داخلة تحت هذه الآية. أمّا اللُّغة: فهي أن الدِّين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد؛ قيل في الدعوات المشهورة: يا من دانت له الرقاب؛ أي: انقادت. وأمّا الشّرع: فلأنّه ثبت تسمية الصِّيام، والحج بذلك؛ فالصلاة من باب أولى (٣).

стр. 151

ثانيًا: أن ما ذكره الجصاص كلام لايستقيم؛ قال الفخر الرازي (١) ردًا على ما ذكره الجصاص: "هذا في غاية الركاكة؛ لأنّه لما ثبت أن هذا دين، وثبت بحكم الآية أن الدِّين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة، وحديث الإطلاق والتقييد كلام مهمل لايقدح في هذا المطلوب" (٢). ٢ - ويمكن مناقشة هذه الآية كذلك: بأنّه على فرض التسليم بأن كلمة (دين) في الآية تشمل دين الله ﵎، فإن الّذي يُقضى من ديون الله تعالى، هو ما له تعلّق بالمال؛ كالزكاة، ونحوها، وكذلك يقضى منها الحجِّ، والصوم؛ لورود النص بذلك، أمّا الصّلاة فلم يردّ بخصوصها نصّ، فلا تدخل تحت هذه الآية. وحاصل ذلك: أن الآية خاصّة بالديون المالية، ويلحق بها ما ورد به النص، من الديون غير المالية، وما عدا ذلك فلا يدخل تحت هذه الآية. ب - الأدلة من السُّنَّة المطهرة: الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس ﵄ قال: جاء رجل إلى النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال -صلّي الله عليه وسلم-: "لو كان على

стр. 152

أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟ "قال: نعم. فقال -صلّي الله عليه وسلم-: (فدين الله أحق أن يقضى) (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على وجوب قضاء الصوم عن الميِّت، وقد علل ذلك النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- بأنّه دين لله تعالى، وشبهه بدين الآدمبين، وجعله أحق بالوفاء من دين الآدمبين؛ فكذلك الصّلاة فإنها دين لله على العبيد كالصوم، يجب قضاؤه بجامع أن كلًا منهما عبادة تجب على العبد حال الحياة. وعليه، فإن خلف الميِّت تركة وجب على أوليائه استئجار من يؤدِّي عنه الصلوات الّتي تركلها.- إن لم يتطوع أحدٌ عنه بذلك -. الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس ﵄ قال: جاءت امرأة من جهينة إلى النّبيّ-صلّي الله عليه وسلم- فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتّى ماتت؛ أفأحج عنها؟ قال: (نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) (٢).

стр. 153

وفي رواية عن ابن عبّاس ﵄ قال: أن رجل النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم-، فقال له: إنَّ أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت. فقال النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم-: (لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟). قال: نعم. قال: (فاقض الله فهو أحق بالقضاء) (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على وجوب قضاء الحجِّ عن الميِّت، وبين النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم- أن دين الله أحق بالوفاء من دين الآدمبين، فكذلك الصّلاة فإنها من أهم ديون الله على عباده حال الحياة. وعليه، فإن الميِّت إنَّ خلف تركة وجب على أوليائه- إنَّ لم يتبرع أحد بأدائه ذلك عنه - استئجار من يؤدِّي عنه الصلوات الّتي تركها. الدّليل الثّالث: وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: جاء رجل إلى النّبيّ -صلّي الله عليه وسلم-، فقال: "إنَّ أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال ﷺ : (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟) قال: نعم. قال: (فدين الله أحقُّ، حجّ عنه) (٢). وجه الاستدلال: دلّ الحديث كسابقه على أن الحجِّ دين الله على العبد، وأنّه يجب على أوليائه قضاؤه، حيث شبهه النّبيّ ﷺ بدين الآدمبين في وجوب القضاء، فكذلك

стр. 154

الصّلاة؛ لأنّها أعظم ديون الله تعالى على عباده. وعليه، فإنّه إنَّ خلف الميِّت تركة، ولم يتطوع عنه أحدٌ بأداء الصلوات الّتي تركها، فإنّه يجب على أوليائه استئجار من يؤدِّي عنه تلك الصلوات. مناقشة الاستدلال بالأحاديث السابقة: نوقش الاستدلال بالأحاديث السابقة، والتي فيها تشبيه الحجِّ، والصوم بدين الآدميين، وقياس الصّلاة عليهما، بجامع أن كلًا منها عبادة بما يأتي: أوَّلًا: أنّه لا دليل في هذه الأحاديث على أن دين الله هو دين حقيقي كدين الآدميين، ولكنه حق في بدن من هو عليه حتّى يؤدى إلى الله تعالى؛ إذ لو كان دينًا حقيقيًا لكان محالًا أن يشبه بالدين؛ لأنّ الأشياء إنّما تشبَّه بغيرها، ولا تُشبَّه بأنفسها (١). الجواب عن هذه المناقشة: يمكن الجواب عن هذه المناقشة بما يأتي: ١ - أن اللُّغة والشرع يدلُّان على أن الصّلاة، والصيام، والحج إنّما هي ديون حقيقية كدين الآدميين، ولا فرق، وقد سبق بيان ذلك (٢). ٢ - أن تشبيه دين الله بدين الآدميين ليس من باب تشبيه الشيء بنفسه؛ لأنّ أحد الدينين جاء مقيدًا بأنّه لله، والدين الآخر جاء مقيدًا بأنّه للآدميين، ولما كان قد استقر عند السائلين وجوب قضاء دين الآدميين، وخفي عليهم ذلك في

стр. 155

دين الله بين النّبيّ ﷺ للسائل أن دين الله كذلك يجب قضاؤه عن الميِّت، بل جعله النّبيّ ﷺ أحق بالقضاء من دين الآدميين (١). فعلم بذلك أن دين الله دين حقيقة، وأنّه متعلّق بذمة الميِّت حال حياته وبتركته بعد وفاته. ثانيًا: أن هذه الأحاديث إنّما وردت في قضاء الصوم، والحج، ولم ترد في قضاء الصّلاة؛ فقياسكم الصّلاة على الصوم، والحج، لايصح؛ لأنّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إِلَّا ما شرعه الله ، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢). فباب العبادات يقتصر فيه على النصوص، ولا يجوز التصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. وعليه، فلا دلالة في هذه الأحاديث على مشروعية قضاء الصّلاة عن الميِّت، وأخذ الأجرة على ذلك (٣).

стр. 156

جـ - أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: القياس على ركعتي الطّواف؛ فقد أجمع العلماء على جواز أن تصلّى الركعتان إثر الطّواف عن الميِّت الّذي يحج عنه، فإذا جازت صلاة ركعتي الطّواف عن الميِّت، وهي نافلة، فجواز صلاة الفريضة من باب أولى، فإن تعذر ذلك إِلَّا بالاستئجار فإنّه يستأجر من تركته من يؤدِّي عنه ما فاته من صلاة (١). مناقشة الاستدلال: ١ - نوقش هذا القياس بأنّه قياس مع الفارق؛ فإن ركعتي الطّواف إنّما جازت النِّيابة فيها على سبيل التبع، ويجوز في التبع ما لا يجوز في غيره (٢). ٢ - لا نسلم لكم أن ركعتي الطّواف تقعان عن الميِّت، بل العلماء مختلفون في ذلك حيث ذهب بعض العلماء إلى أنّهما يقعان عن الأجير، وليس عن الميِّت (٣). الدّليل الثّاني: القياس على الدُّعاء، والصدقة، والحج، فكما أن هذه العبادات تصل

стр. 157

للميت، وتنفعه، فكذلك الصّلاة، فعلى الولي أن يقضي عن الميِّت ما فاته من صلوات، فإن تعذر ذلك أخرج من التركة أجرة من يصلّي عنه الصلوات الّتي تركها (١). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بما يأتي: ١ - أن هذه الأشياء المقيس عليها قد جاءت بخصوصها نصوص تدل على مشروعيتها، وانعقد الإجماع على ذلك، بخلاف الصّلاة حيث لم يردّ نصّ في مشروعيتها عن الميِّت، وقد تقدّم أن العبادات لا تثبت بالآراء والأقيسة، بل لابد فيها من النصوص (٢). ٢ - أن القياس على الدُّعاء، والصدقة، والحج قياس مع الفارق، وبيان ذلك: أن الدُّعاء ليس فيه نيابة؛ لأنّه شفاعة للغير، فليس من هذا الباب في شيء. وأمّا الصَّدقة، وان كانت عبادة، فليست من باب النِّيابة؛ لأنّ كلامنا إنّما هو في نيابة في عبادة، من حيث هي تقرب إلى الله تعالى، وتوجه إليه، والصدقة عن الغير من باب التصرفات المالية. وأمّا الحجِّ فإنّه قد جاءت النصوص الدالة على جواز النِّيابة فيه، ثمّ إنّه من المصالح معقولة المعنى، ولا يشترط فيه نيّة المنوب عنه (٣).

стр. 158

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول - وهم الجمهور- على ما ذهبوا إليه من منع الإجارة على الصّلاة عن الغير بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والإجماع، والمعقول. أ - الأدلة من القرآن: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وجه الاستدلال: دلت هذه الآية الكريمة على أن الإنسان ليس له إِلَّا سعيه، وعمله، وأن سعي غيره لا ينفعه، فإذا صلّى عنه غيره، فلا يصح، ولا ينفعه، وهذا ما أفاده عموم الآية، والآية عامة في كلّ العبادات، إِلَّا ما خص بدليل، ولم يأت دليل في الصّلاة عن الغير يخصص عموم هذه الآية (١). مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذه الآية بما يأتي: ١ - أن عموم هذه الآية مخصوص بنصوص كثيرة تدل على انتفاع الإنسان بعمل غيره بعد موته، وبأن الولي ينوب عن الميِّت في قضاء ما عليه من ديون الله ، وديون الآدميين. (١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٤/ ١٥١، ١٧/ ١١٤، بدائع الصنائع للكاساني: ٢/ ٢١٢، شرح فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٤٠٨، ٤١٠.

стр. 159

ومن هذه النصوص: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النِّساء: ١٢]. وقوله ﷺ : "فدين الله أحق أن يقضى" (١). وقوله ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (٢). وغير ذلك من النصوص الكثيرة الّتي سبق الكلام عنها، وسيأتي الكلام عن بعضها كذلك في مباحث الحجِّ، والصوم - إن شاء الله تعالى -. ٢ - نوقشت هذه الآية كذلك بأنّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. وبغيرها من النصوص الّتي سبق ذكرها، ودلت على أن الإنسان ينتفع بعمل غيره (٣). الجواب عن دعوى النسخ: أجيب عن دعوى النسخ بما يأتي: أوَّلًا: أن الآية من قبيل الإخبارات، ولا يجرى النسخ في الخبز (٤).

стр. 160

ثانيًا: أن الآية محكمة، والجمع بينها وبين الآية الأخرى الّتي قيل إنها ناسخة ممكن؛ قال ابن القيم (١): "وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾، وهذا منقول عن ابن عبّاس ﵄، وهذا ضعيف أيضًا، ولايرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عبّاس ﵄، ولا غيره أنّها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر، ولا ممتنع، فإن الأبناء اتبعوا الآباء في الآخرة، كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء، وثوابهم الّذي نالوه بسعيهم. وأمّا كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنّما هو للآباء أقرّ الله أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنَّة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الوِلدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنَّة بلا خير قدموه، ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وقوله تعالى؛ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب، وكماله القدس، والعقل، والفطرة شاهدان بهما" (٢).

стр. 161

٣ - أن المراد بالإنسان في الآية هو الكافر دون المؤمّن، فأمّا المؤمّن فإن له ما سعى، وما سُعِيَ له، بالأدلة الكثيرة الدالة على وصول ثواب الغير، وانتفاع الإنسان بعمل غيره (١). الجواب: أجيب عن المناقشة بأنّها ضعيفة جدًا، وأن مثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر، وهو كالعام الّذي قبل، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٤٠]، وهذا يعم الشر والخير قطعًا، ويتناول البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر (٢). ٤ - قالوا: إنَّ الآية إخبار بشرع من قبلنا، وقد دلّ شرعنا على أن له ما سعى، وما سُعِيَ له (٣). الجواب: أُجيبَ عن ذلك: بأنّه ضعيف جدًا؛ لأنّ الله تعالى أخبر بذلك إخبار مقرر له، محتج به، لا إخبار مبطل له، ولهذا قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦]، فلو كان هذا باطلًا في هذه الشّريعة، لم يخبر به إخبار مقرر له محتج به (٤).

стр. 162

ب- الأدلة من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات الإنسان، انقطع عنه عمله إِلَّا من ثلاثة: إِلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدِ صالح يدعو له) (١). وجه الاستدلال: دلّ الحديث على أن عمل المسلم ينقطع بموته، إِلَّا هذه الأشياء الثّلاثة الّتي استثناها النّبيّ ﷺ ، وليس منها قضاء الصّلاة عنه؛ فدل على أن النِّيابة عن الميِّت في ذلك لا تصح، ومن ثمّ لا يصح الاستئجار لذلك. مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الحديث: بأنّه ليس فيه حجة. إذ غاية ما يدلُّ عليه أن عمل الإنسان نفسه ينقطع بموته، أمّا عمل غيره عنه فلا يدلُّ الحديث على انقطاعه بموته، ولا المنع من ذلك. وعليه، فلا دلالة في الحديث على ما ذهبوا إليه (٢).

стр. 163

الجواب عن هذه المناقشة: يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأن عمل الغير عن الميِّت - ومنه الصّلاة - يحتاج في إثباته إلى نصّ من كتاب أو سنة؛ لأنّ قضاء الصّلاة عن الميِّت، والاستئجار لذلك، عبادة تحتاج إلى دليل نصي لإثباتها، ولم يردّ بخصوص الصّلاة عن الغير نصّ، كما ورد في الدُّعاء، والصدقة، والصوم، الحجِّ، ونحو ذلك. قال الشّافعيّ: "ولم يذكر في كتاب، ولا سنة، عن صلاة كفارة من صدقة، ولا أن يقوم بها أحد عن أحد، وكان عمل كلّ امرئ لنفسه، وكانت الصّلاة، والصوم، عمل المرء لنفسه، لا يعمله غيره" (١). جـ- الأدلة من الأثر: الدّليل الأول: ما ورد عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: "لا يصلّي أحد عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كلّ يوم مدًا من حنطة" (٢).

стр. 164

الدّليل الثّاني: ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنّه قال: "لايصلّين أحدٌ عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن إنَّ كنت فاعلًا تصدقت عنه، أو أهديت" (١). وجه الاستدلال بالأثرين السابقين: دلّ الأثران على أنّه لا تجوز النِّيابة في الصّلاة، والصيام مطلقًا. وعليه، فلا تصح النِّيابة عن الميِّت في قضاء ما عليه، ومن ثمّ لا يجوز الاستئجار على ذلك. مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة الاستدلال السابق بما يأتي: أوَّلًا: إنَّ هذه الآثار معارضة لحديث رسول الله ﷺ المتفق عليه: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (٢). وعليه، فلا يجوز الاستدلال بها. الجواب: ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بما يأتي: بأن المعارضة إنّما جاءت في الصوم فقط دون الصّلاة؛ فتبقى دلالة الأثرين على النع من الصّلاة عن الغير، وبالتالي المنع من الاستئجار عليها. ثانيًا: أنّه قد صح عن ابن عبّاس، وابن عمر ﵄ خلاف ذلك، ممّا يدلُّ على الجواز، ومن ذلك: ١ - ما ورد عن ابن عمر أنّه أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء؛

стр. 165

فقال: صلّي عنها (١). والدلالة من هذا الأثر ظاهرة. ٢ - ما ورد عن ابن عبّاس أنّه قال: "من مات وعليه نذر قضى عنه وليه" (٢). وجه الاستدلال: أن النَّذْر عام يشمل نذر الصّلاة كذلك. (٣) ما ورد عن ابن عبّاس في المرأة الّتي نذرت أن تعتكف عشرة أيّام، فماتت، ولم تعتكف، أنّه قال: "اعتكف عن أمك" (٣). الجواب: أجيب عن هذه المناقشة: بأنّه يمكن الجمع بين هذه الآثار المتعارضة، بأن يحمل الإثبات في حق من مات، وأمّا النَّفْي فإنّه يحمل في حق الحي (٤). ومما يؤيد ذلك: ١ - ما ورد عن ابن عبّاس أنّه قال: "إذا مرض الرَّجل في رمضان، ثمّ مات، ولم يصم أُطْعِمَ عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه" (٥).

стр. 166

٢ - ما ورد عن ابن عبّاس ﵄ أنّه سئل عن رجل مات وعليه نذر، فقال: يصام عنه النَّذْر (١). ثالثًا. إنَّ المراد بالصلاة هنا هي الفريضة، كذلك الصوم. وعليه، فإنّه يحمل النّهي الوارد عن ابن عمر، وابن عبّاس ﵄ على الفريضة. وأمّا الإثبات فإنّه يحمل على النَّذْر، وعلى ذلك لا يكون هناك تعارض (٢). ومما يؤيد ذلك: أثر ابن عبّاس السابق حيث قال: "إذا مرض الرَّجل في رمضان، ثمّ مات، ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه" (٣). د- دليلهم من الإجماع: نقل غير واحد من العلماء (٤) الإجماع على أنّه لا يصلّي أحد عن أحد مطلقًا؛ قال ابن عبد البر: "أمّا الصّلاة فإجماع من العلماء أنّه لايصلّي أحد عن أحد فرضًا عليه، من الصّلاة، ولا سنة، ولا تطوعًا، لا عن حي، ولا عن ميت" (٥).

стр. 167

مناقشة الإجماع: يمكن مناقشة هذا الإجماع بما يأتي: أوَّلًا: لا نسلم بصحة هذا الإجماع؛ وذلك لوجود الخلاف في هذه المسألة، والإجماع يضاده الخلاف، وقد تقدّم ذكر الخلاف، وحكاية الأقوال في هذه المسألة، فلا معنى لذكر الإجماع هنا. ثانيًا: أن هذا الإجماع ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بالصلاة عن الحي، ومن أطلقه أراد به ذلك، وقد تقدّم ذكر الإجماع في ذلك عند ذكر تحرير محل النزاع. ويمكن الاعتذار عن هؤلاء بما يأتي: ا- أنّهم لم يبلغهم الخلاف في ذلك. ٢ - أنّهم أرادوا به الإجماع داخل مذهبهم، وهو هنا المذهب المالكي؛ حيث إنَّ كلّ من نقل الإجماع في هذه المسألة هو مالكي المذهب، كما تقدّم ذكر ذلك، وهذا كذلك غير مسلَّم؛ حيث يوجد الخلاف كذلك داخل المذهب، وممن خالف في ذلك: ابن عبد الحكم، وابن وهب (١)،

стр. 168

وأبو مُصْعَب (١)، من أصحاب مالك؛ قال ابن حجر بعد ذكر ذلك الخلاف: "وفيه تعقب على ابن بطّال (٢) حيث نقل الإجماع أنّه لا يصلّي أحد عن أحد، لا فرضًا، ولا سنة، لا عن حي، ولا عن ميت" (٣). هـ- أدلتهم من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الصّلاة عبادة بدنية محضة، لا تدخلها النِّيابة، لا بالنفس، ولا بالمال (٤)؛ وذلك لأنّ الغرض من العبادة البدنية هو إتعاب البدن، وقهر النفس الأمارة بالسوء، ولا يحصل ذلك بفعل النائب (٥). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا التعليل: بأنّه لا يلزم من كون العبادة بدنية أن لا تدخلها النِّيابة، فإن

стр. 169

الصِّيام عبادة بدنية محضة، بل هو أكثر تعلّقًا بالبدن من الصّلاة، ومع ذلك تدخلها النِّيابة، كما ثبت ذلك في حديث عائشة أن النّبيّ ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (١). ثمّ إنّه قد وردت أدلة بخصوص الصّلاة المنذورة، وأنّها تدخلها النِّيابة كما سيأتي. الدّليل الثّاني: أن المقصود من الصّلاة هو الخشوع، والخضوع، وإجلال الرب ، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتّى يكون العبد بقلبه، وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافل عنه، والنيابة في الصّلاة تنافي هذا المقصود؛ لأنّ ذلك لا يتحقق بفعل النائب، فلا تجوز النِّيابة فيها (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي: أوَّلًا: إنَّ ما ذكر في التعليل إنّما هو المقصود من جميع العبادات، وقد ثبت جواز النِّيابة في الصوم، والحج، وهذا القصد مطلوب فيهما فدلّ على أن ذلك لا ينافي النِّيابة. ثانيًا: إنَّ المسلم المكلَّف قد يؤدِّي الصّلاة بدون خشوع، ولا خضوع حتّى إنّه لا يَعْقِل منها شيئًا، ومع ذلك تصح صلاته، ويسقط بها الفرض، ويكون أجره عليها على قدر ما عقل منها، كما أخبر بذلك النّبيّ ﷺ ؛ ومن ذلك: ما رواه عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: (إنَّ الرَّجل لينصرف، وما كتب له إِلَّا عُشر صلاته، تسعُها، ثُمنها، سُبعها، سدُسُها، خمسهما،

стр. 170

ربعها، ثلثها، نصفها) (١). أدلة القول الثّاني: استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه من جواز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت، وكذلك صلاة الفرض الّتي نسيها، أو نام عنها بأدلة كثيرة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول. وقد تقدّم ذكر معظم هذه الأدلة، وهي نفسها أدلة أصحاب القول الأوّل. ومما استدلوا به كذلك على جواز أخذ الأجرة على قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت ما يأتي: عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: إنَّ سعد بن عبادة الأنصاري استفتى رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد" (٢).

стр. 171

وجه الاستدلال: أن الوارث يلزمه قضاء ما على مورثه من نذر، ويدخل في ذلك الصّلاة المنذورة (١)، فإن قضاها الولي، وإلا استأجر من رأس ماله من يؤدِّي تلك الصّلاة عنه. قال ابن حزم: "وهذا عموم لكل نذر طاعة، لا يحل لأحد خلافه" (٢). ومما يؤيد هذا الاستدلال قوله في آخر الحديث: "فكانت سنة بعد"؛ قال ابن حجر: "أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا" (٣). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الحديث بأن النَّذْر كان معينًا، ولم يكن عامًا؛ فلا يدخل فيه ما ذكرتم. وعليه، فلا حجة في هذا الحديث. وقد اختلف في هذا التعبين: * قيل: إنَّ هذا النذركان صومًا. واستدل هؤلاء بما رواه ابن عبّاس؛ قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم، فدين الله أحق أن يقضى" (٤). قال ابن حجر: "وتعقب بأنّه لم يتعين أن الرَّجل المذكور هو سعد بن عبادة" (٥).

стр. 172

* وقيل: إنَّ هذا النَّذْر كان عتقًا: واستدلوا على ذلك بما رواه ابن عبّاس؛ قال: إنَّ سعد بن عبادة أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال ﷺ : (أعتق عن أمك) (١). وأجيب عن ذلك: أن هذا الحديث ليس فيه التصريح بأنّها كانت نذرت ذلك (٢). * وقيل: إنَّ هذا النَّذْر كان صدقة (٣). واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - عن سعيد بن عمرو بن شُرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده؛ أنّه قال: خرج سعد بن عبادة مع رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. فقالت: فيم أوصي؟ إنّما المال مال سعد. فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة، ذكر ذلك له، فقال سعد: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه (٤). ٢ - عن سعيد بن المسيَّب، عن سعد بن عبادة؛ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم". قلت: فأي الصَّدقة أفضل؟ قال ﷺ : (سقي الماء) (٥).

стр. 173

وجه الاستدلال: أن هذه النصوص تدل على أن النذركان صدقة. مناقشة الاستدلال: أنّه لم يأت في شيء من هذه الروايات أنّها نذرت ذلك (١). أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء - إضافة إلى أدلة أصحاب القول الرّابع، والقول الثّاني - بما يأتي: الدّليل الأوّل: أثر ابن عمر ﵄؛ قال البخاريّ: وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء؛ فقال: "صلّي عنها" (٢). وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵄ أمر المرأة أن تقضي عن أمها الصّلاة الّتي نذرتها، ثمّ ماتت، ولم تصلها؛ فدل على جواز النِّيابة في الصّلاة المنذورة عن الميِّت، وإذا صحت النِّيابة صح الاستئجار على ذلك من تركته (٣). مناقشة الاستدلال: ١ - أنّه قد ورد عن ابن عمر ﵄ خلاف ذلك؛ فقد صح عنه أنّه قال: "لا يصلّين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن إنَّ كنت فاعلًا

стр. 174

تصدقت عنه أو أهديت" (١). الجواب عن ذلك: بأن يحمل الإثبات في حق من مات، والنَّفْي في حق الحي (٢). وقد سبق ذكر ما يؤيد هذا الجواب (٣). ٢ - قال ابن المنير (٤): "يحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله: (صلّي عنها) العمل بقوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إِلَّا من ثلاث) (٥)، فعدّ منها الولد؛ لأنّ الولد من كسبه، فأعماله الصالحة مكتوبة للوالد من غير أن ينقص من أجره، فمعنى (صلّي عنها): أن صلاتك مكتتبة لها، ولو كنت إنّما تنوي عن نفسك (٦). أجيب عن ذلك: أن هذا ردّ متكلف، وحاصل كلامه تخصيص جواز ذلك بالولد (٧).

стр. 175

الدّليل الثّاني: القياس على الصوم، فكما جاز قضاء نذر الصوم عن الغيرجاز قضاء الصّلاة؛ لأنّها عبادة محددة بزمن كالصوم (١). المناقشة: ١ - أن هذا قياس مع الفارق، فإن الصِّيام يخلفه الإطعام عند العجز، بخلاف الصّلاة (٢). ٢ - أن هذا قياس في العبادات، والقياس في العبادات لا يسوغ؛ فالعبادات لا تثبت بالأقيسة، بل يجب الوقوف بها عند النص (٣). ٣ - لو سلمنا جواز القياس في العبادات فإن القياس لا يستقيم هنا؛ لأنّ حكم الأصل مختلف فيه، وشرط القياس أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه بين الخصمين (٤). الدّليل الثّالث: أن النِّيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حُكمًا؛ لكونه لم يجب بأصل الشّرع، وإنّما أوجبه الناذر على نفسه، فإذا نذر صلاة، ثمّ مات، صلاها عنه وليه استحبابًا، فإن لم يفعل - وكان للميت تركة - فإنّه يجب على الولي استئجار من يؤدِّي عن الميِّت هذه الصّلاة (٥).

стр. 176

الترجيح: بالنظر فيما سبق من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات، فإن الّذي يظهر هو رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أخذ الأجرة على قضاء الصلوات المنذورة عن الميِّت، إذا لم يؤدها الولي عنه، أو لم يتبرع أحد بأدائها عنه. ويرجع سبب ترجيح هذا القول لما يأتي: أوَّلًا: قوة أدلته، حيث تضافرت الأدلة من المنقول، والمعقول على ترجيح هذا القول؛ وذلك بالنظر إلى أدلة بقية الأقوال الأخرى، وما ورد عليها من مناقشات. ثانيًا: إنَّ هذا القول وسط بلاين الأقوال الأخرى، فهو أعدل الأقوال؛ وذلك لأنّ من أجاز مطلقًا قد تعلّق بعمومات النصوص، وهي محتملة لما ذهبوا إليه ولغيره، ومن المعلوم أن تطرق الاحتمال إلى الدّليل يضعف من دلالته. وقد أمكن مناقشة أدلة هذا القول بما يضعف من دلالتها كما سبق. وأمّا من منع مطلقًا فقد حجّر واسعًا، وصادم نصوصًا صحيحة صريحة لا يمكن إطراحها وإهمالها، ثمّ إنّه أمكن مناقشة ما استدلوا به حيث لم يسلم لهم دليل، حتّى ما استدلوا به من الإجماع لم يسلم من القدح. وأمّا من أجاز ذلك في النَّذْر، والفرض الّذي نسيه، أو نام عنه الميِّت، فإنّه وافق أصحاب القول بالجواز مطلقًا فيما استدلوا به، وقد أمكن ردّ ذلك كله، وأمّا ما وافق فيه أصحاب القول الأوّل فقد جاءت أدلته قوية بما يسلم له بها الاستدلال. ثالثًا: إنَّ في اختيار هذا القول مقاصد ومصالح كثيرة: ١ - تبرئة ذمة الميِّت، وفكّ رهانه؛ حيث قد أشغل ذمته، وألزم نفسه بما لم يلزمه الله تعالى (١).

стр. 177

٢ - قطع الطريق على المتهاونين، والكسالى؛ لأننا لو قلنا بالجواز مطلقًا أدى ذلك إلى التكاسل عن الصّلاة، وما على الإنسان بعد ذلك إِلَّا أن يوصي من ماله من يصلّي عنه الفرائض كلها، أو يكون ذلك لازمًا للورثة في تركته، فيضيع حقهم، وربما ذهب ذلك بالتركة كلها، أو يضطرهم ذلك إلى الاستدانة لتبرئة ذمة ميتهم شفقة عليه، ورحمة به، وفي هذا من الحرج ما فيه. ثمرة الخلاف: للخلاف هنا ثمرة، ويظهر ذلك فيما لو أوصى الميِّت قبل موته بقضاء الصّلاة الّتي نذرها حال حياته: * فعلى القول الراجح، ومن وافقه في صحة قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت، فإنّه تصح وصيته بها، فإن قضاها عنه وليه، أو تبرع غيره بذلك، وإلا استؤجر من تركته - إنَّ خلف تركة - من يؤدِّي عنه هذه الصّلاة. قال المرداوي (١) - بعد أن ذكر الروايتين في المذهب، وأن المذهب هو أن تفعل هذه الصّلاة عن الميِّت- قال: "فعلى المذهب تصح وصيته بها" (٢). * وأمّا على القول الآخر بعدم صحة النِّيابة عن الميِّت في الصّلاة المنذورة فإن وصيته بها لا تصح (٣).

стр. 178

* وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مذهباً وسطاً فيما يتعلق بهذه الوصية - وهو ممن يذهب إلى عدم صحة النيابة عن الميت في ذلك - فقد سئل ﵀ عن رجل توفي، وأوصى أن يصلى عنه بدراهم؟ فقال: " ... هذه الدراهم التي أوصى بها يتصدق بها عنه، ويخص بالصدقة أهل الصلاة، فيكون للميت أجر، وكل صلاة يصلونها، ويستعينون عليها بصدقته، يكون له منها نصيب من غير أن ينقص من أجر المصلي شيء، كما قال النبي ﷺ : (من فطر صائماً فله مثل أجره) (١). وقال ﷺ : (من جهز غازياً فقد غزا) (٢) (٣).

стр. 179

المبحث الثّاني أخد المال على الأذان والإقامة اتفق الفقهاء على أنّه إذا وجد متطوع بالأذان والإقامة أنّه لا يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال، ولا أخذ الأجرة عليهما كذلك منه، أو من غيره. وعلل الفقهاء ذلك: بأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم، والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعًا، لم يجز أن يستأجر عليه؛ فكذلك الإمام (١). قال الشّافعيّ رحمه الله تعالى: "وأحب أن يكون المؤذنون متطوعين، وليس للإمام أن يرزقهم، ولا واحدًا منهم، وهو يجد من يؤذن له متطوعًا ممّن له أمانة" (٢). وقال الإمام النووي: "قال أصحابنا: ولا يجوز أن يرزق مؤذنًا وهو يجد متبرعًا عدلًا" (٣). وقال ابن قدامة: "وإن وُجد متطوعٌ به، لم يرزق غيره؛ لعدم الحاجة إليه" (٤). وقد ذكر الفقهاء أنّه: إذا علم القوم حاجته فواسوه بشيء على سبيل البرّ والصلة والهدية، والمجازاة على إحسانه، أن ذلك جائز، إذ١/ يكن عن شرط؛

стр. 180

وذلك لأنّه فرّغ نفسه لحفظ المواقيت، وإعلامه لهم بالأذان، وهذا يجعله لا يتفرغ للكسب لنفسه وعياله (١). فإذا لم يوجد متطوع به، جاز أخذ الرزق عليه، باتِّفاق الفقهاء (٢). قال ابن قدامة: "ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه" (٣). هذا ما يتعلّق بأخذ الرزق من بيت المال. أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على الأذان والإقامة، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على أقوال أشهرها ما يلي: القول الأوّل: عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، إِلَّا للضرورة (٤)، والحاجة (٥). وإلى هذا ذهب: متأخرو الحنفية، وهو ما عليه الفتوى عندهم (٦)، وهو قول
следующие страницы →