← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المراعي المألوفة، فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة، فلا تضيع دون الأخذ، فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل" (١). تنبيه: ذكر بعض الحنفية تعريفًا للجعل، فقال: "وحقيقة الجعل: ما يجعل للإنسان في مقابلة شيء يفعله" (٢). وهذا ليس تعريفًا اصطلاحيًا بالمعنى المعروف عند الفقهاء، وإنّما هو مفهوم الجعل في اللُّغة، وقد سبق ذكر ذلك. ب - الجعالة عند المالكية: عرّفها المالكية بأنّها: "عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض غير ناشئ عن محله به، لا يجب إِلَّا بتمامه" (٣). وقيل: "هي الإجارة على منفعة مظنون حصولها" (٤). جـ - الجعالة عند الشّافعيّة: عرّفها الشّافعيّة بأنّها: "التزام عوض معلوم على عمل معين، أو مجهول، بمعين، أو مجهول" (٥). د - الجعالة عند الحنابلة: عرّف الحنابلة الجعالة بتعريفات كثيرة أجمعها ما ذكره صاحب الإقناع بقوله:

стр. 72

"هي جعل شيء معلوم كلأجرة، لمن يعمل له عملًا مباحًا، ولو مجهولًا على مدة، ولو مجهولة" (١). فهذه التعريفات السابقة كلها متقاربة في المعنى ليس بينها اختلاف، وتؤدي الغرض، وهو بيان حقيقة الجعالة، إِلَّا أن تعريف الحنابلة زاد قيدًا مهمًا، وهو تقييد العمل في الجعالة بكونه "مباحًا"، وبهذا القيد تخرج الجعالة على الأشياء المحرمة، أو الّتي يكون فيها العمل محرمًا. وزاد المالكية قيدًا، وهو قوله: "لايجب إِلَّا بتمامه"، فإن الجعل في الجعالة لا يجب على الجاعل إِلَّا بعد تمام العمل، فإن كان الفسخ من الجاعل قبل تمام العمل فللعمل أجرة المثل على عمله. مسألة: الفرق بين الإجارة والجعالة: ذكر العلماء فروقًا كثيرة بين الإجارة والجعالة، وهي: أوَّلًا: أن الإجارة عقد لازم بين الطرفين، والأجرة تجب على العاقد، شيئًا فشيئًا للعامل. وأمّا الجعالة فعقد جائز من الطرفين لكل منهما فسخه، والعوض لايجب إِلَّا بعد إنجاز العمل، إِلَّا إذا كان الفسخ من الجاعل بعد الشروع في العمل فللعمل أجرة مثل عمله (٢). ثانيًا: أن الجعالة تصح مع جهالة العمل، بخلاف الإجارة؛ فيجب فيها تعيين العمل (٣).

стр. 73

ثالثًا: أن الجعالة تصح مع العامل غير المعين، بينما الإجارة لا تصح إِلَّا مع تعيين العامل (١). رابعًا: لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول، بخلاف الإجارة، فإنها يشترط فيها قبول العامل؛ وذلك مقتضى لزوم عقد الإجارة (٢).

стр. 74

الفرع الرّابع الهِبَة وما في معناها أوَّلًا: تعريف الهِبَة: ١ - الهِبَة في اللُّغة: الهِبَة في اللُّغة: العطيّة الخالية من الأعواض والأغراض. يقال: وهَبَ له الشيء، يَهَبُه وهْبًا، ووَهَبًا، وهبة: أعطاه إياه بلا عوض. والهِبَة: أن تجعل مِلْكَكَ لغيرك بغير عوض (١). والإيهاب: قبول الهِبَة، والاستيهاب: سؤال الهِبَة. ورجل وهَّاب، ووهَّابة: كثير الهِبَة، والهاء للمبالغة (٢). ٢ - الهبة في الاصطلاح: عرّف العلماء الهِبَة بتعريفات كثيرة اتفقت معظمها على أن الهِبَة هي: "تمليك مال بلا عوض" (٣). وزاد بعض الحنفية، والشّافعيّة، والحنابلة "في الحياة" (٤). وذلك لإخراج الوصيَّة؛ لأنّها تمليك مال بلا عوض بعد الموت. وزاد بعض الشّافعيّة، وبعض الحنابلة "تطوعًا" (٥). ليخرج الواجب من الزَّكاة، والكفارة، ونحوهما.

стр. 75

وبناء على ما تقدّم يمكن تعريف الهِبَة بأنّها: "تمليك مالٍ بلا عوضٍ في الحياة تطوعًا". ثانيًا: الفرق بين الهِبَة والهدية والصدقة والعطية: يجمع هذه المصطلحات الأربعة أن كلًا منها: "تمليك بلا عوض". وقد فرق العلماء بينها، فقالوا: - إنَّ التمليك بلا عوض هبة، وتكون على سبيل المواصلة، والوداد. - فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان الموهوب له إعظامًا له، أو إكرامًا فهو: هدية. - وإن كان التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله، طلبًا لثواب الآخرة فهو صدقة. - ويعمها جميعًا لفظ العطيّة. - وقد يراد بالعطية: "الهِبَة في مرض الموت" (١). قال الإمام النووي: "والتمليك المحض ثلاثة أنواع: الهِبَة، والهدية، وصدقة التطوع، وسبيل ضبطها أن نقول: التمليك لا بعوض: هبة، فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان الموهوب له إعظامًا له، أو إكرامًا، فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله تعالى، وطلبًا لثواب الآخرة، فهو صدقة، فامتياز الهدية عن الهِبَة بالنقل والحمل من موضع إلى موضع، ومنه إهداء النَّعم إلى الحرم، ولذلك لايدخل لفظ الهدية في العقار بحال؛ فلا يقال: أهدى إليه دارًا، ولا أرضًا، وإنّما يطلق ذلك في المنقولات كالثياب، والعبيد، فحصل من هذا أن هذه الأنواع تفترق بالعموم والخصوص، فكل هدية وصدقة هبة، ولا تنعكس (٢).

стр. 76

الفرع الخامس الوقف تعريف الوقف: ١ - الوقف في اللُّغة: الوقف في اللُّغة: الحبس، وهو مصدر من قولك: وقَفْتُ الأرضَ على المساكين وقفًا: حبستُها. وقيل للموقوف: وقف؛ تسمية بالمصدر. وجمع على أوقاف، كوقت وأوقات (١). قال الإمام النووي: "الوقف، والتحبيس، والتسبيل، بمعنى واحد، وهي هذه الصَّدقة المعروفة" (٢). ٢ - الوقف في اصطلاح الفقهاء: اختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الوقف في الشّرع، ويرجع سبب اختلافهم إلى ما يأتي: ١ - اختلافهم في لزوم الوقف، وعدم لزومه؛ حيث ذهب الأحناف إلى عدم لزومه، وخالفهم غيرهم (٣). ٢ - اختلافهم في الجهة المالكة للعين بعد وقفها على أقوال ثلاثة:

стр. 77

القول الأوّل: ذهب الشّافعيّة، وبعض الحنفية إلى أن العين تنتقل لملك الله تعالى (١). القول الثّاني: ذهب أبو حنيفة والمالكية إلى أن العين تبقى في ملك الواقف (٢). القول الثّالث: ذهب الحنابلة إلى أن العين الموقوفة تنتقل إلى ملك الموقوف عليه (٣). ٣ - اختلافهم في اشتراط القربة في الوقف، وعدم اشتراطها؛ حيث ذهب بعض الشّافعيّة إلى اشتراطها (٤)، وخالفهم غيرهم (٥). من هنا جاءت تعريفات الفقهاء للوقف متغايرة، إِلَّا أنّه يمكن أخذ قدر مشترك بينهم جميعًا، وهو ما يبين حقيقة الوقف، وهو أن الوقف حبس الأصل والتصدق بالنفعة، ثمّ اختلفت قيودهم بعد ذلك تبعًا للأسباب الّتي ذكرت، وسوف أذكر بعض تعريفاتهم، ثمّ أبين الراجح منها - إن شاء الله تعالى -؛ فأقول: أوَّلًا: تعريف الحنفية للوقف: ممّا سبق يتبين أن الأحناف فريقان في مفهوم الوقف، ولذا نجد لهم في ذلك تعريفان: التعريف الأوّل: لأبي حنيفة، ومن تبعه، حيث عرفوا الوقف بأنّه: "حبس الملوك عن التمليك من الغير" (٦).

стр. 78

فقوله: حبس، جنس يشمل كلّ حَبْس؛ الرَّهْن، والحجر. وقوله: المملوك: احتراز عن غير المملوك؛ فلا يصح وقفه. وقوله* عن التمليك من الغير: احتراز عن أي تصرف من التصرفات من طرف المالك، فلا يباع، ولا يوهب، ولا يرهن، ولا يورث. وقوله: من الغير: يفيد بقاء العين على ملك الواقف (١). التعريف الثّاني: لبعض الحنفية: عرّفه بعضهم فقال: "هو حبس العين على ملك الله تعالى، وصرف منفعتها على من أحب" (٢). وزاد ابن عابدين كلمة "حكم" بين قوله: على. وقوله: ملك الله؛ أي: هو "حبس العين على حكم ملك الله تعالى" (٣). وذلك ليفيد أن العين لم تبق على ملك الواقف، ولا انتقلت إلى ملك غيره، بل صارت على حكم ملك الله تعالى، حيث كانت قبل الوقف في ملكه سبحانه فهو المالك قبل الوقف وبعده (٤). ثانيًا: تعريف المالكية: عرّف المالكية الوقف بأنّه: "إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا" (٥). فقوله: إعطاء، مرادف هنا لكلمة "التمليك" (٦)، وقوله: منفعة، أخرج به إعطاء ذات كالهِبَة، وكلمة "شيء" تعني: الشيء المتمول، وهي هنا أعم من المال،

стр. 79

وقد خصصت بقوله بعدها: "في ملك معطيه"، فدل على أنّه أراد الشيء المتمول. وباقي التعريف يدلُّ على أن ملك العين باقٍ للواقف لم تخرج العين الموقوفة عن ملكه. ثالثًا: تعريف الشّافعيّة: عرّف الشّافعيّة الوقف بتعريفات كثيرة، منها أنّه: "حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه على مصرف مباح" (١). وهذه القيود الواردة في التعريف متفق عليها عند الفقهاء، ولكن زاد بعضهم قيودًا أخرى على التعريف، ومن ذلك: ١ - زاد بعضهم بعد قوله: "مع بقاء عينه" جملة: "بقطع التصرف في رقبته" (٢)؛ وذلك لإخراج غير الوقف من أموال الحبس الأخرى، كالرهن، والحجْر. وهذ القيد لا حاجة إليه هنا؛ لأنّ كلمة (حبس) الواردة في التعريف تغني عنه لأنّها تعني المنع من التصرف، فهي تكرار لا معنى له إِلَّا لبيان معنى الحبس، وليست قيدًا في التعريف. ٢ - وزاد الإمام النووي جملة "يصرف في جهة خير تقربًا إلى الله تعالى" (٣). وهذا يعني: أن التقرب شرط لصحة الوقف، ولكن لم أقف على شيء من ذلك فيما وقفت عليه من كتب الإمام النووي، أو كتب المذهب، بل نصّ بعضهم على عدم اشتراط القربة (٤).

стр. 80

رابعًا: تعريف الحنابلة: عرّف بعض الحنابلة الوقف بتعريف قريب جدًا من تعريف النووي السابق للوقف، مع اختلاف يسير جدًا، فقال في تعريفه: "الوقف: تحبيس مالكٍ مطلق التصرف ماله المنتفع به، مع بقاء عينه، بقطع تصرفه، وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة برّ تقربًا إلى الله تعالى" (١). وعرّفه الإمام ابن قدامة بأنّه: "تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة" (٢). التعريف المختار: بالنظر إلى ما سبق من تعريفات، نجد أن التعريف المختار منها هو ما ذكره ابن قدامة؛ وذلك لما يأتي: ١ - أن هذا التعريف مأخوذ من حديث رسول الله ﷺ كما في حديث ابن عمر ﵄، حيث أشار رسول الله ﷺ على عمر، حين استشاره في الأرض الّتي أصابها في خيبر، فقال له النّبيّ ﷺ : (إنَّ شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" (٣). ٢ - أن هذا التعريف لا ترد عليه الاعتراضات الّتي وردت على غيره من التعريفات السابقة. ٣ - أن هذا التعريف قد جاء فيه ذكر حقيقة الوقف دون زيادة، أو تفصيل، كما في بقية التعريفات الأخرى (٤).

стр. 81

الفرع السّادس الوصيَّة أوَّلًا: تعريف الوصيَّة في اللُّغة: هي ما أوصيت به، ووصلت به غيرك. فالوصية مأخوذة من: وَصَيْتُ الشيءَ بكذا: إذا وصلتُهُ به. ويقال: وصَى الرجلَ وصْيًا: وصَلَه، ووصى الشيءَ بغيره وصْيًا: وصَلَه. والواصي: المتصل، وأوصى الرجلَ ووصَّاه: عهد إليه. والوصية: ما أوصيتَ به، والوصيُّ من الأضداد: الّذي يُوصي، والذي يوصى له. وسميت الوصيَّة بذلك لاتصالها بأمر الميِّت، أو لأنّه وَصَلَ ما كان في حياته بما بعده (١). ثانيًا: الوصيَّة في الشّرع: عرفها العلماء بأنّها: "تمليك مضاف لما بعد الموت" (٢). والوصية قد حصل الاتفاق على حقيقتها عند العلماء، ولم تختلف عباراتهم في ذلك إِلَّا اختلافًا يسيرًا متعلّقًا بالعبارات، لا بحقيقة الوصيَّة ومفهومها، إِلَّا أنّه بالنَّظر في كلام الفقهاء، وفي عرفهم يتبين أن الوصيَّة قد تكون أعم ممّا ذكروه؛ وذلك لأنّ التعريف المذكور لايدخل فيه النِّيابة عن الميِّت في التصرف بعد الموت كقضاء ديونه، والقيام بحوائجه، ومصالح ورثته من بعده، وتنفيذ وصاياه، ونحو ذلك.

стр. 82

ولذلك فإن بعض الفقهاء قد عرفوها بما يشمل كلّ ذلك، فقد عرفها بعض المالكية بأنّها: "عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته، أو نيابة عنه" (١)، فاضاف جملة "أو نيابة عنه"؛ ليشمل كلّ ما ذكر، وهو بهذا أعمّ من التعريف الأوّل؛ وهو ما يتمشى مع عرف الفقهاء. وعرّفها بعض الحنابلة بأنّها: "الأمر بالتصرف بعد الموت" (٢). فهذا التعريف أعمّ من التعريف الأوّل؛ فإنّه يشمل ما جاء في هذا التعريف، ويشمل كذلك الوصيَّة بإقامة نائب عنه بعد موته في النظر في شؤون الصغار، وتزويج البنات، وتفرقة الثلث، ونحو ذلك (٣). وعليه، فيكون التعريف الّذي ذكروه، وهو كون الوصيَّة "تمليكًا مضافًا لما بعد الموت" ألصق بعرف علماء الفرائض - لا الفقهاء بعامة -، فإن ما ذكروه خاص بالوصية بالمال، والله أعلم.

стр. 83

الفرع السابع الزَّكاة أوَّلًا: الزَّكاة في اللُّغة: هي: النماء، والزيادة، والطهارة، والبركة. قال ابن فارس (١): "الزاء، والكاف والحرف المعتل: أصل يدلُّ على نماء وزيادة، ويقال: الطّهارة: زكاة المال؛ قال بعضهم: سُميت بذلك؛ لأنّها ممّا يرجى به زكاءُ المال، وهو: زيادته، ونماؤه. وقيل: سميت زكاة؛ لأنّها طهارة، وحجة ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنبين، وهما: النماء، والطهارة" (٢). ومعاني الزَّكاة كثيرة منها: الطّهارة، والنَّماء، والبركة، والمدح، والصلاح، وصفوة الشيء، يقال: زكا الشيء زكاة: نما، وازداد. وهي من الأسماء المشتركة؛ فتطلق على المخرَج: وهي الطائفة المزكى بها، وعلى المعنى، والفعل: وهو التزكية (٣).

стр. 84

ثانيًا: الزَّكاة في الاصطلاح الشرعي: تنوعت تعريفات الزَّكاة عند الفقهاء؛ وذلك لأنّ بعضهم عرفها تعريفًا اسميًا بمعنى أن تعريفه يركز على الجزء المخرج نفسه من المال (١). وعرفها البعض تعريفًا يركز على عملية الإخراج نفسها، وهو فعل التزكية (٢). وبناء على ذلك فقد عرّفها الفقهاء بما يلي: ١ - الحنفية: عرفها الحنفية بأنّها: "تمليك جزء مخصوص، من مال مخصوص، لشخص مخصوص، لله تعالى" (٣). ٢ - المالكية: عرفها المالكية بأنّها: "إخراج مال مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصابًا لمستحقه" (٤). يتضح لنا من تعريف الحنفية، والمالكية أن كلامهم تركز على عملية الإخراج نفسها؛ وذلك بيّن من قولهم: "تمليك"، وقولهم: "إخراج". ٣ - الشّافعيّة: عرفها الشّافعيّة بأنّها: "اسم لقدر مخصوص من المال، يجب صرفه لأصناف مخصوصة بشرائط" (٥).

стр. 85

٤ - الحنابلة: عرفها الحنابلة بأنّها: "حق واجب، في مال خاص، لطائفة مخصوصة" (١). من خلال تعريف الشّافعيّة، والحنابلة للزكاة يتضح أنّها تتركز على الجزء المخرج نفسه في الزَّكاة. وعليه، فإن مصطلح الزَّكاة الشرعية، قد يراد به الحصة المقدرة من المال الّتي فرضها رب العالمين للمستحقين، وقد يراد بها كذلك عملية الإخراج نفسها والفعل، وهو التزكية. والأول أدق، وألصق بموضوعنا، وهو ما تسعفه النصوص الشرعية.

стр. 86

المطلب الثّالث مصادر المال المأخوذ على القرب وفيه فرعان: الفرع الأوّل بيت المال وفيه مسائل: المسألة الأولى: التعريف ببيت المال: أوَّلًا: بيت المال في اللُّغة: هو المكان المعدّ لحفظ المال، خاصًا كان أو عامًا. قال الراغب (١): أصل البيت: مأوى الإنسان باللّيل؛ لأنّه يقال: بات: أقام باللّيل، كما يقال: ظل بالنهار؛ ثمّ يقال للمسكن: بيت؛ من غير اعتبار اللّيل فيه. وجمعه: أبيات، وبُيُوت، لكن البيوت بالمسكن أخص. وعُبِّر عن مكان الشيء بأنّه بيت" (٢).

стр. 87

ثانيًا: بيت المال في الاصطلاح: اختلف مفهوم بيت المال في صدر الإسلام، عن مفهومه في العصور الإسلامية اللاحقة؛ فقد استعمل مصطلح [بيت مال المسلمين]، أو [بيت مال الله] في صدر الإسلام للدلالة على المبنى والمكان الّذي تحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية؛ وذلك من المنقولات كالفيء، وخمس الغنائم، ونحوهما، إلى أن تصرف في وجوهها، ثمّ اكتُفِي بكلمة [بيت المال]؛ للدلالة على ذلك، حتّى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه. ثمّ تطور بعد ذلك مفهوم (بيت المال) في العصور الإسلامية اللاحقة، حتّى صار يُطلق على الجهة الّتي تملك المال العام للمسلمين، من النقود، والعروض، والأراضي، وغيرها. والمراد بالمال العام: "هو كلّ مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعًا" (١). قال الماوردي: "كلّ مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال، فإذا قُبض صار بالقبض مضافًا إلى حقوق بيت المال أُدخل حرزه، أم لم يُدخل؛ وذلك لأنّ بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان". ثمّ قال: "وكل حق وجب صرفه في مصالحع المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته، صار مضافًا إلى الخراج من بيت المال، سواء خرج من حرزه، أو لم يخرج؛ لأنّ ما صار إلى عمال المسلمين، أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جارٍ عليه في دخله إليه وخرجه" (٢).

стр. 88

وبناء على ما سبق يتضح لنا أن بيت المال له إطلاقان: الإطلاق الأوّل: يطلق، ويراد به: المبنى، والمكان. وعلى هذا فنهو "المكان الّذي توضع فيه، وتصرف منه الأموال العامة للدولة" (١). وهذا كان في صدر الإسلام، كما سبق بيان ذلك (٢). الإطلاق الآخر: يطلق ويراد به: الجهة. وعلى هذا يمكن تعريفه بأنّه: "هو الجهة الّتي تختص بكل ما يردّ إلى الدولة، أو يخرج منها ممّا يستحقه المسلمون من مال" (٣). وبيت المال بهذا الإطلاق الأخير، يُعد شخصية اعتبارية، ويعامل معاملة الشخص الطبيعي، من خلال ممثليه، فله ذمة مالية، بحيث تثبت له الحقوق، وعليه، وترفع الدعوى منه، وعليه، وقد كان يمثله في السابق إمام المسلمين، أو من يعهد إليه بذلك، وحاليًا يشبه وزارة المالية، أو الخزانة، ويمثله وزير المالية، أو من يعهد إليه (٤). المسألة الثّانيهَ: موارد بيت المال: موارد بيت المال كثيرة، أجملها الماوردي بقوله: "كلّ مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال" (٥). وهذه الموارد على التفصيل هي:

стр. 89

أوَّلًا: الفيء: وعرّفه العلماء بأنّه: "كلّ مال وصل من المشركين عفوًا من غير قتال، ولا بإيجاف خيل، ولا ركاب" (١). والفيء يشمل أنواعًا كثيرة من المال منها ما ذكره ابن قدامة بقوله: "الفيء هو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل، ولا ركاب، كالذي تركوه فزعًا من المسلمين وهربوا، والجزية، وعشر أموال أهل دار الحرب، إذا دخلوا إلينا تجارًا، ونصف عشر تجارات أهل الذِّمَّة، وخراج الأرضين، ومال من مات من المشركين، ولا وارث له" (٢). ويلحق بالفيء كذلك: ما صولح عليه الحربيون من مالٍ يؤدونه إلى المسلمين، ومال المرتدّ إذا قتل أو مات، ومال الزنديق، إذا قتل أو مات، فلا يورث مالهما، بل هو فيء - وللأحناف في مال المرتد تفصيل -، ومال الذمي - إذا مات ولا وارث له -، وما فضل عن وارثه فهو فيء كذلك (٣). ثانيًا: سهم الرسول ﷺ من الغنيمة: وذلك بعد وفاته ﷺ ، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٤).

стр. 90

ثالثًا: خمس الخارج من الأرض من المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، وغيرها، وقيل مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤ، وعنبر، وسواهما (١). رابعًا: الهبات، والتبرعات، والوصايا الّتي تقدّم لبيت المال للجهاد، أو لغيره من المصالح العامة (٢). خامسًا: تركات المسلمين التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يُردّ (٣) عليه، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم (٤). سادسًا: الاموال الضائعة الّتي لم يُعرف أصحابها من لقطة، أو وديعة، أو رهن، وما يوجد مع اللصوص، ممّا لا طالب له، فكل ذلك يورد إلى بيت المال (٥). قال القرافي (٦): "الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا علمت أربابها ردت

стр. 91

إليهم، والا فهي من أموال بيت المال تصرف في مصارفه ... " (١). سابعًا: زكاة الأموال الظاهرة: كالسوائم، والزروع، والثمار، من حقوق بيت المال- عند من يرى ذلك- (٢). المسألة الثّالثة: مصارف بيت المال: ممّا سبق يتبين أن الأموال الّتي تأتي إلى بيت المال متنوعة المصادر، وهي كذلك متنوعة المصارف، فكثير منها لا يجوز صرفه في الوجوه الّتي تصرف فيها الأنواع الأخرى، ومن أجل ذلك احتاج العلماء إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها لأجل سهولة التصرف فيها. وقد وردت نصوص كثيرة عن العلماء في فصل بعض أموال بيت المال عن بعض. ومن ذلك: قال أبو يوسف (٣): "لا ينبغي أن يُجمع مال الخراج إلى مال الصدقات، والعشور؛ لأنّ الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله سبحانه وتعالي في كتابه" (٤).

стр. 92

وقال الزيلعي (١) من الحنفية: "وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع بيتًا يخصه، وله أن يستقرض من أحدها ليصرفه للآخر ... " (٢). وقد سلك الحنفية هذا المسلك، فقسموا موجودات بيت المال على أربعة بيوت، وهذالتقسيم، وإن لم نجده مصرحًا به في بقية المذاهب، إِلَّا أن قواعدهم لا تأباه، ويظهر ذلك من خلال كلامهم عن موارد بيت المال، ومصارفه (٣). وسأذكر تقسيمات الحنفية لموجودات بيت المال ومصارفها بإيجاز على النحو الآتي: قسم الحنفية موجودات بيت المال إلى أربعة بيوت كالآتي: البيت الأوّل: بيت الزَّكاة (٤): ونصيب هذا البيت من موارد بيت المال: زكاة السوائم، وعشور الأراضي الزكوية، والعشور الّتي تؤخذ من التجار المسلمين إذا مروا على العاشر، وزكاة الأموال الباطنة إن أخذها الإمام. ومصرف هذا البيت: المصادر الثمانية الّتي نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ...﴾ [التوبة: ٦٠].

стр. 93

البيت الثّاني: بيت الأخماس: وموارد هذا البيت: خمس الغنالْم المنقولة، وخمس ما يوجد من كنوز الجاهلية - عند من يرى أنّه ليس بزكاة -، وخمس أموال الفيء - عند من قال بتخميسه (١) - قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...﴾ [الحشر: ٧]. ومصرف هذا البيت: سهم لله ورسوله، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...﴾ [الأنفال: ٤١] وكان السهم الأوّل منها لرسول الله ﷺ في حياته، ينفق منه على نفسه ﷺ ، وعلى أزواجه، ويصرفه في مصالحه، ومصالح المسلمين، وبعد موته اختلف العلماء في هذا السهم لمن يكون، التصحيح من ذلك أنّه ينقل لبيت مال الفيء، ويصرف في مصالح المسلمين على رأي الإمام كأرزاق الجيش، وإعداد الكراع، والسلاح، وبناء الحصون، والقناطر، أرزاق القضاة، والأئمة، وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح (٢). البيت الثّالث: بيت الضوائع: وموارد هذا البيت: هي الأموال الضائعة، ونحوها، من لقطة لا يُعرف صاحبها، أو مسروق لا يُعلم صاحبه، ونحوها، فتحفظ في هذا البيت محرزة لأصحابها، فإن حصل اليأس من معرفتهم صُرف في وجهه.

стр. 94

وذكر الزيلعي مصرف هذا البيت بقوله: "اللقيط الفقير، والفقراء الذين لا أولياء لهم، فيعطى منه نفقتهم، وأدويتهم، وكفنهم، وعقل جنايتهم" (١). وحاصل مصرف هذا البيت كما ذكر ابن عابدين: "أن مصرفه العاجزون والفقراء ... " (٢). جاء في الموسوعة: "ولم نعثر لغير الحنفية على تخصيص هذا النوع من الأنواع بمصرف خاص، فالظاهر أنّها عندهم تصرف في المصالح العامة كالفيء، وهو ما صرح به الماوردي، وأبو يعلى (٣)، في مال من مات بلا وارث؛ وبناء على ذلك تكون البيوت عندهم ثلاثة، لا أربعة" (٤). البيت الرّابع: بيت الفيء: وموارد هذا البيت كثيرة جدًا، وهي تشمل كلّ أنواع الفيء المتقدم ذكرها بالإضافة إلى سهم رسول الله ﷺ من الأخماس، والأراضي الّتي غنِمها المسلمون على القول بعدم قسمتها، وأنّها ليست من الوقف المصطلح عليه، وخراج الأرض الّتي غنمها المسلمون، وخمس الخارج من الأرض من معدن، أو نفط، ونحو ذلك، وخمس الكنوز الّتي لم يعلم صاحبها، وتطاول عليها الزمن، ومال من مات بلا وارث من المسلمين، ودينه كذلك، والضرائب الموظفة على الرعية لا لغرض معين

стр. 95

بشروطها، وضوابطها الشرعية، والهدايا إلى القضاة، والعمال، والإمام (١). ويلحق بهذا البيت عند غير الحنفية: أموال بيت الضوائع السابق ذكرها. مصارف هذا البيت: مصارف هذا البيت هي المصالح العامة للمسلمين، فيكون تحت يد الإمام، يصرف منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامة، يدور معها حيث دارت. وهذا البيت هو المقصود عند الإطلاق؛ لأنّه المخصص للمصالح العامة، بخلاف غيره، فالحق فيه لجهات متعددة (٢). ومن المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت: ١ - العطاء: وهو نصيب كلّ مسلم من بيت المال، سواء كان من أهل القتال، أم لا، وهو أحد قولي الحنابلة، قدمه صاحب المغني، قال: "وظاهر كلام أحمد، والخرقي (٣) أن سائر النَّاس لهم حق في الفيء، غنيهم، وفقيرهم، ذكر أحمد الفيء فقال: "فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير" (٤). وذهب بعض الحنابلة إلى أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم (٥). ٢ - تكاليف الجهاد: وتشمل: الأسلحة، والمعدات، والتحصينات، وكافة

стр. 96

تكاليف الجهاد على اختلاف أنواعها (١). ٣ - رواتب الموظفين: وهم الموظفون الذين يحتاج إليهم المسلمون، في أمورهم العامة من القضاة، والمحتسبين، ومن ينفذون الحدود، والمفتين، والأئمة، والمؤذنين، والمدرسين، ونحوهم، فكل من فرغ نفسه لعمل في مصلحة المسلمين، فيستحق الكفاية من بيت المال له، ولمن يعول. ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والبلدان، ولاختلاف الأحوال والأسعار (٢). ٤ - القيام بشؤون فقراء المسلمين: ويشمل ذلك العجزة، واللقطاء، والمساجين، والفقراء الذين ليس لهم من ينفق عليهم، إلى غير ذلك من المصالح العامة للمسلمين (٣). ٥ - المصالح العامة لبلدان المسلمين: من إنشاء المساجد، والطرق، والجسور، والقناطر، والأنّهار، والمدارس، ونحو ذلك (٤). وبالنظر فيما ذكره الحنفية من تقسيمات بيت المال إلى أربعة بيوت، أو ثلاثة بيوت على ما هو الممكن عند الجمهور، نجد أن حاصل ذلك كله يرجع إلى قسمين لا ثالث لهما: أوَّلًا: ما كان منصوصًا على مصارفه. ثانيًا: ما ليس منصوصًا على مصارفه.

стр. 97

القسم الأوَّل: المنصوص على مصارفه: هو القسم الّذي يشمل الزَّكاة الواجبة والصدقات المستحبة، وأربعة أخماس الفيء عند من قال بتخميسه، وأربعة أخماس خمس الغنيمة. ومصارف هذه الأموال محددة بنص القرآن؛ وذلك كما يلي: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...﴾ [التوبة: ٦٠]. فهذا مصرف الزَّكاة الواجبة. وأمّا أربعة أخماس الفيء فهي منصوص على مصارفها في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...﴾ [الحشر: ٧]. وأمّا أربعة أخماس خمس الغنيمة فمصرفه محدد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...﴾ [الأنفال: ٤١] والقسم الأخر: ما ليس منصوصًا على مصارفه: وهذالقسم راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره في المصلحة العامة، فتصرّفه فيها تصرف مصلحة يدور معها حيث دارت، وقد سبق الكلام على ذلك مفصلًا. وموارد هذ"لقسم كلّ أنواع المال الّتي تقدّم ذكرها عدا المنصوص على مصارفه منها، وهي المتقدمة في القسم الأوّل. المسألة الرّابعة: ضابط ما يؤخد من بيت المال: تقدّم فيما سبقه تعريف الرزق، والعطاء، والفرق بينهما، حيث تبين أن بعض العلماء حاول التفريق بينهما إِلَّا أن عرف الاستعمال عند الفقهاء لم يفرق بينهما فنراهم يستعلمون لفظ "الرزق" بمعنى العطاء، و "العطاء" بمعنى الرزق، والذي يهمنا

стр. 98

هنا أن الرزق مضبوط معروف عند العلماء، وبقي أن نعرف متى يكون المأخوذ من بيت المال رزقًا، ومتى يكون أجرة، أو نحوها؟ أمّا ما يخص الرزق من بيت المال فأمره واضح قد بينه العلماء، ومن ذلك ما سبق بيانه في تعريف الرزق، وأنّه ما يرتبه الإمام من بيت المال، لمن يقوم بمصالح المسلمين، ويلزم كي يكون رزقًا ما يأتي: ١ - أن يكون العامل مسلمًا. أي: من أهل القربة. ٢ - أن يكون العمل ممّا يختص المسلم بفعله دون الكافر؛ كالأذان، والإمامة، ونحوهما. ٣ - أن يكون هذا العمل في مصالح المسلمين. وهذا هو الّذي عناه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا، وأجرة، بل رزق، للإعانة على الطّاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطّاعة" (١). وعليه، فإذا اختلت الشروط السابقة بقي العمل مستحقًا بالأجرة. فإنّه بالشرط الأوّل يخرج العامل غير المسلم. وبالثّاني ما لا يختص المسلم بفعله؛ كبناء الجسور، والقناطر، والمساجد، ونحوها، فإن هذه الأعمال يعملها المسلم والكافر. الثّالث ما لا يكون في مصالح المسلمين؛ فلا يؤخذ عليه الرزق من بيت المال. ولهذا جاز للإمام الاستئجار على النفع الّذي لا يختص المسلم بفعله دون الكافر. قال شيخ الإسلام: "ومأخذ العلماء في عدم جواز الاستئجار على هذا النفع: أن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن، والحديث،

стр. 99

والفقه، والإمامة، والأذان، لا يجوز أن يفعله كافر، ولا يفعله إِلَّا مسلم، بخلاف النفع الّذي يفعله المسلم والكافر كالبناء، والخياط، والنسج، ونحو ذلك، وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله، فإنّه يبقى مستحقًا بالعوض معمولًا لأجله، والعمل إذا عمل للعوض، لم يبق عبادة كالصناعات الّتي تعمل بالأجرة" (١). وهذا ما صرح به ابن قدامة حيث قال: "وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط، والحساب، والشعر المباح، وأشباهه، وبناء المساجد، والقناطر جاز أخذ الأجر عليه؛ لأنّه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار لفعله؛ كغرس الأشجار، وبناء البيوت" (٢). وحينئذ يجوز للإمام الاستئجار على هذه الأعمال، ويكون ما يأخذه العامل أجرة لا رزقًا. قال شمس الدِّين الرملي: "يكفي الإمام لا غيره إنَّ استأجر من بيت المال أن يقول: استأجرتك كلّ شهر بكذا ... " (٣). ومما سبق يتضح أن ما يؤخذ من بيت المال تارة يكون رزقًا، وتارة يكون أجرة (٤)؛ وذلك على حسب ما ذكر من ضوابط، وعلى ضوء ما نقل عن أهل العلم في ذلك.

стр. 100

الفرع الثّاني ما يؤخذ من غير بيت المال من مصادر المال المأخوذ على القرب - عدا بيت المال - ما يكون من الأفراد، أو الهيئات، أو جهات البرّ المختلفة. ومن المعلوم أنّه قد وجدت في هذا العصر جهات بر متعددة تقوم بجمع المال من أهل الخير على اختلاف أنواعه، ثمّ القيام بصرفه في مصارفه الشرعية المختلفة. وهذه الجهات تتمثل في: الجمعيات الخيرية المتنوعة الّتي تعتني بمصالح المسلمين، وقضاء حوائجهم، سواء في داخل البلاد، أو خارجها، ومن هذه المؤسسات: ١ - جمعية البرّ السعودية. ٢ - رابطة العالم الإسلامي. ٣ - هيئة الإغاثة العالمية. ٤ - الندوة العالمية للشباب الإسلامى. ٥ - مؤسسة الحرمين الخيرية. ٦ - الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم. وهناك غيرها الكثير، سواء أكانت هذه المؤسسات دائمة أم مؤقتة بحسب النوازل، والكوارث الّتي تحل بالمسلمين، ومثال ذلك: * الهيئة العلّيا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك. وغيرها من مؤسسات الخير (١).

стр. 101

وبما أن هذه المؤسسات تعدّ مصدرًا مهمًا من مصادر المال المأخوذ على أعمال القرب فكان لابد من تكييف عملها شرعًا، من حيث كونها مصدرًا، ومصرفًا للمال المأخوذ على أعمال القرب. وسيكون التكييف الشرعي لعمل هذه المؤسسات من ناحيتين: الناحية الأولى: من حيث كونها مصدرًا للمال المأخوذ على القرب. الناحية الثّانية: من حيث كونها مصرفًا للمال المأخوذ على القرب. وبيان ذلك تفصيلًا كالآتي: - أولًا: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصدرًا للمال: تكييف عمل هذه المؤسسات مبني أساسًا على أنواع المال الوارد إليها، ولهذا كان من الضروري معرفة أنواع المال، وتكييف كلّ نوع على حدة. والمال الوارد إلى هذه المؤسسات لا يخلو: ١ - أن يكون زكاة واجبة: وهذه الزَّكاة، سواء أكانت زكاة أموال نقدية، أم عروض تجارة، أو نحوهما، منصوص على مصارفها من الشارع، فلا يجوز صرفها إِلَّا فيما نصّ عليه الشارع، وهم الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وبناء على هذا، فإن عمل هذه المؤسسات في هذه الحالة هو القيام بتوزيع هذه الأموال في مصارفها نيابة عن أصحابها، فهم وكلاء عن أصحاب الأموال، ووجه تخريج ذلك على الوكالة ظاهر، فإن الوكالة هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النِّيابة، سواء أكان ذلك من حقوق الله، أم حقوق الآدميين (١)، وتنعقد

стр. 102

الوكالة بكل قول، أو فعل دال عليها من حيث الإيجاب أو القبول، وسواء أكان القبول على الفور أم على التراخي، كما هو مقرر في باب الوكالة (١). قال ابن قدامة: "وأمّا العبادات، فما كان منها له تعلّق بالمال، كالزكاة، والصدقات، والمنذورات، والكفارات، جاز التوكيل في قبضها، وتفريقها، ويجوز للمخرِج التوكيل في إخراجها، ودفعها إلى مستحقِّها" (٢). وبالجملة فقد اتفق الفقهاء على أنّه يجوز التوكيل في أداء الزَّكاة إلى أصحابها، على تفاوت بينهم في بعض الشروط والضوابط (٣). ثانيًا: أن يكون هذا المال وقفًا: كأن يوقف بعض المحسنين عقارًا، أو نحوه على المؤسسة الخيرية المعينة، كجماعة تحفيظ القرآن الكريم، ونحوها، ينفق من غلة هذا الوقف على هذه الجهة المعينة. فالإنفاق في هذه الحالة إنّما يكون على شرط الواقف، ما لم يخالف كتابًا ولا سنة، بلا خلاف، ونص الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل (٤). والواقف في هذه الحالة، إمّا أن يكون قد جعل نظارة الوقف إلى هذه المؤسسة المعينة، أو عين للوقف ناظرًا، ففي الحالة الأولى يكون عمل الجماعة هو عمل ناظر الوقف في القيام بشؤونه، وصرف غلته فيما عينه الواقف، وفي الحالة الثّانية يكون

стр. 103

عملها هو عمل الوكيل في تسلُّم غلة الوقف من الناظر، والقيام بصرفها إلى أربابها نيابة عنه (١). ثالثًا: أن يكون وصية: إذا أوصى بشيء من ماله الثلث فما دونه لجهة بر معينة مؤسسة خيرية، أو جماعة خيرية لتحفيظ القرآن مثلًا نفذت الوصيَّة بشروطها المعروفة عند الفقهاء، وتكون هذه الجهة بمنزلة الموصى إليه في تنفيذ هذه الوصيَّة، وصرفها إلى مستحقيها، وإذا عين الموصي وصيًا في حياته في تنفيذ وصيته بعد موته، وكانت الوصيَّة إلى جهة بر معينة - كما سبق -، فإنّه يجوز للموصى إليه حينئذ أن يوصي إلى آخر، أو إلى الجهة الّتي عينها الموصي، سواء أذن له الموصي في حياته، أم لا، فإن له أن يوكل غيره، أو يوصي إلى غيره فيما لا يباشره مثله، أو يعجز عنه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وعليه أكثر أهل العلم (٢). وفي هذه الحالة فالجهة الموصى إليها تكون في حكم الموصى إليه، أو الوكيل في التصرف. رابعًا: أن يكون هبة، أو غيرها من التبرعات: الهِبَة - كما هو معلوم - تمليك بلا عوض، فتدخل في ملك الموهوب له، إمّا بالقبض، وإما بالعقد على خلاف، فإذا دخلت في ملك الموهوب له جاز له التصرف فيها بشتى أنواع التصرفات الشرعية، كما يتصرف في ملكه تمامًا. وعليه، فجهات البرّ المختلفة تتصرف فيما يوهب لها، في مصالحها المختلفة

стр. 104

والتي قامت من أجلها هذه الجهة (١). ثانيًا: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصرفًا للمال المأخوذ على القرب: من المعلوم أن عمل هذه المؤسسات إنّما هو في مصالح المسلمين، وهي جهة قربة، فلا يخلو ما يُعطى منها من أن يكون رزقًا، أو أجرة، أو جعلًا، أو نحو ذلك، فما يختص فاعله أن يكون مسلمًا، ويتعدى نفعه إلى المسلمين، فيكون ما يأخذ رزقًا للإعانة على الطّاعة، وما لا يختص فاعله أن يكون مسلمًا كان ما يأخذه أجرة، وتجرى عليه أحكام الإجارات، إذا فعله غير المسلم، وإذا فعله المسلم على نيّة القربة كان حكمه حكم الّذي قبله. وأمّا الجعل فجائز أن تجعل مثلًا جماعة التحفيظ جعلًا لمن يحفظ القرآن، أو جزءًا منه، ويمكن القول إنَّ عمل هذه الهيئات كعمل بيت المال في الجملة، فيجرى عليها ما يجرى عليه من أحكام سواء بسواء فيما نحن بصدده.

стр. 105

المبحث الثّاني حقيقة القُرَب وما يتعلّق بها المطلب الأوَّل تعريف القربة وفيه فرعان: الفرع الأوَّل تعريف القربة في اللُّغة قال ابن فارس: "القاف، والراء، والباء: أصل صحيح يدلُّ على خلاف البعد. يقال: "قَرُبَ يقرُبُ قرْبًا، والقربان: ما قرِّب إلى الله تعالى من نسيكة وغيرها" (١). قلت: اتفقت كلمة علماء اللُّغة على أن القُرْبة مأخوذة من (قَرُبَ) - بالضم -، بمعنى: دنا. يقال: قَرُبَ الشيء: يقْرُبُ قُرْبًا وقرْبةً: إذا دنا. ويقال: القُرْب في المكان، والقُرْبة في المنزلة، والمكانة. وقيل لما يُتقرَّب به إلى الله تعالى: قُرْبةٌ، والجمع: قُرَبٌ، وقُرُباتٌ. وتقرّب إلى الله بشيء: طلب به القربة عنده. والقُرْبان: ما يتقرب به إلى الله تعالى (٢).

стр. 106

الفرع الثّاني تعريف القربة في الاصطلاح الشرعي بالنظر في تعريفات للقربة العلماء تبين أن لهم في ذلك اتجاهين: الاتجاه الأوّل: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها الشيءُ المتقرَّبُ به إلى الله تعالى، ولذا جاءت تعريفاتهم منصبة على ذات القربة؛ إمّا بذكر جنسها الشامل لكل أنواعها، وإما بتعداد بعض القرب. وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، والحنابلة (٤). واختار هذا الاتجاه جمع من أهل العلم (٥). الاتجاه الآخر: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها فعل التقرب نفسه، دون النظر إلى ذات القربة من حيث جنسها. وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشّافعيّة (٨).

стр. 107

وسوف أذكر تعريفات القربة عند أصحاب الاتجاهين، ثمّ أبين الراجح والمختار من هذه التعريفات - إن شاء الله تعالى-. أوَّلًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الأوّل: جاءت تعريفات أصحاب هذا الاتجاه متقاربة في معناها، وإن اختلفت في ألفاظها، ولذا سوف أذكر ما اتفقوا عليه من القيود، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم على ما اتفقوا عليه: أمّا التعريف الّذي اتفقوا على قيوده فهو أن القربة هي: "ما يتقرب به إلى الله تعالى" (١). وسوف أبين مفردات هذا التعريف، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم عليه. مفردات التعريف: ما: جنس يشمل كلّ ما يتقرب به؛ سواء أكان من العبادات، أم من غيرها كالتبرعات، ونحوها، ويشمل كذلك ما لايتقرب به من الأعمال؛ كالبناء، والخياط، ونحو ذلك، ممّا يفعل لأجل المال، وكذلك الأعمال الّتي يستوي في فعلها المسلم والكافر. يتقرب به: قيد لإخراج ما لايتقرب به من الأعمال الّتي لايختص فاعلها أن يكون من أهل القربة. إلى الله تعالى: قيد لإخراج التقرب إلى المخلوقين لحاجة، أو منفعة دنيوية، فهذا قيد جيء به لبيان أن التقرب المراد هو التقرب إلى الله تعالى، لا إلى غيره من المخلوقين. * أمّا القيود الّتي زادها بعض الفقهاء فهي على النحو التالي:

стр. 108

زاد بعض الحنفية على التعريف المتقدم قيدًا، وهو: " ... فقط، أو مع الإحسان إلى النَّاس كبناء الرِّباط والمسجد" (١). وذلك ليشمل نوعي القربة من حيث التعدي، وعدمه، فيشمل القرب غير المتعدية، وهي القرب المتعينة من صلاة، ونحوها، والقرب المتعدية كالأذان، والإمامة، والقضاء، والإفتاء، والتعليم. والذي أراه: أن هذا القيد لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تشمل كلّ أنواع القرب المتعدية الّتي فيها إحسان للناس، وغير المتعدية كما مثلنا من قبل. وزاد بعض المالكية (٢)، والشّافعيّة (٣) على التعريف المتقدم ما يأتي: " ... من نسيكة، وصدقة، وعمل صالح". وهذا بيان منهم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وأرى كذلك أنّه لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تفيد العموم، والشمول؛ فتشمل ما ذكروه، وغيره ممّا يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال، سواء أكانت من العبادات، أو غيرها من الأعمال الصالحة. وعليه، فلا حاجة لتقييد القربة بما ذكروه، ثمّ إنَّ قولهم: "وعمل صالح"، يشمل جميع القرب. وبناء على ذلك فإن هذه الزيادة تكرار في التعريف، وزيادة لا داعي لها. وبالتالي يسلم التعريف الّذي اتفقوا على قيوده، ويعتبر حدًا لمفهوم القربة عند أصحاب هذا الاتجاه. ثانيًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الآخر: وقد عرّف هؤلاء القربة بعدة تعريفات:

стр. 109

التعريف الأوّل: أن القربة "هي فعل ما يثاب عليه، بعد معرفة من يتقرب إليه به، وإنَّ لم يتوقف على نيّة" (١). وهذا التعريف جارٍ على مذهب المتكلمين؛ وبيان ذلك: أن قوله: "بعد معرفة من يتقرب إليه به"، يدلُّ على أن من شرط القربة العلم بالمتقرَّب إليه، وأنّه لا يمكن أن توجد قربة إِلَّا بعد العلم بالمعبود ، والعلّم بالله تعالى لا يكون إِلَّا بعد النظر، والاستدلال، أو القصد إلى النظر، كما يزعم أرباب الكلام، فإنهم يقولون: إنَّ أول واجب على المكلَّف هو النظر، أو القصد إلى النظر ... ولكن أهل السُّنَّة، وأئمة السلف متفقون على أن أول واجب على المكلَّف هو الشهادتان، والتوحيد أول ما يُدخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يخرج به في الدنيا (٢). والدّليل على ذلك هو قول النّبيّ ﷺ : (أمرت أن أقاتل النَّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إِلَّا لله، وأن محمدًا رسول الله ...). وفي رواية: (حتّى يقولوا لا إله إلا الله ...) (٣). وهذا القيد ذكروه في التعريف؛ ليبينوا أن هناك من الأفعال ما يكون طاعة، ولكن لا يكون قربة، مثل قضية النظر المؤدي إلى معرفة الله الّتي ذكروها، فإنها عندهم طاعة، وليست بقربة؛ لعدم تحقق شرط القربة، وهو العلم بالمتقرب إليه.

стр. 110

وقوله: وإنَّ لم يتوقف على نيّة: قيد ذكِرَ لبيان أن من القرب ما لا يشترط فيه النية، ومنها ما يشترط فيه ذلك، فأمّا ما لا يشترط فيه النية فنحو: القرب الّتي لا لبس فيها كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف، والرجاء، والتوكل، والتسبيح، وقراءة القرآن، ونحو ذلك: قال القرافي: "القربات الّتي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نيّة؛ كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف من نقمه، والرجاء لنعمه، والتوكل على كرمه، والحياء من جلاله، والمحبة لجماله، والمهابة من سلطانه. وكذلك التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه ... " (١). وأمّا القربات الّتي تحتاج إلى نيّة، وهي العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وغيرها، سواء أكانت واجبة، أم مندوبة، فلابد فيها من نيّة؛ لأنّ سورة فعلها ليست كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منها، وهي تعظيم الرب ، والخضوع له، وإنّما يحصل ذلك إذا قصدت من أجله؛ لأنّ التعظيم بالفعل دون قصد المعظم محال، ولذلك اشترطت في هذه العبادات النية، وهي إخلاص العمل لله (٢). وقد شرعت النية في هذا القسم لأمرين: الأوّل: تمييز العبادات عن العادات . فمثلًا: الغُسْل قد يكون تبردًا، وقد يكون عبادة شرعية، ولا يميز بينهما إِلَّا النية، وكذلك الذَّبح، قد يكون لمجرد الأكل، وقد يكون للتقرب إلى الله تعالى بإراقة
следующие страницы →