الترجيح:
بالنظر فيما سبق من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات، فإن الّذي يظهر هو رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أخذ الأجرة على قضاء الصلوات المنذورة عن الميِّت، إذا لم يؤدها الولي عنه، أو لم يتبرع أحد بأدائها عنه.
ويرجع سبب ترجيح هذا القول لما يأتي:
أوَّلًا: قوة أدلته، حيث تضافرت الأدلة من المنقول، والمعقول على ترجيح هذا القول؛ وذلك بالنظر إلى أدلة بقية الأقوال الأخرى، وما ورد عليها من مناقشات. ثانيًا: إنَّ هذا القول وسط بلاين الأقوال الأخرى، فهو أعدل الأقوال؛ وذلك لأنّ من أجاز مطلقًا قد تعلّق بعمومات النصوص، وهي محتملة لما ذهبوا إليه ولغيره، ومن المعلوم أن تطرق الاحتمال إلى الدّليل يضعف من دلالته.
وقد أمكن مناقشة أدلة هذا القول بما يضعف من دلالتها كما سبق.
وأمّا من منع مطلقًا فقد حجّر واسعًا، وصادم نصوصًا صحيحة صريحة لا يمكن إطراحها وإهمالها، ثمّ إنّه أمكن مناقشة ما استدلوا به حيث لم يسلم لهم دليل، حتّى ما استدلوا به من الإجماع لم يسلم من القدح.
وأمّا من أجاز ذلك في النَّذْر، والفرض الّذي نسيه، أو نام عنه الميِّت، فإنّه وافق أصحاب القول بالجواز مطلقًا فيما استدلوا به، وقد أمكن ردّ ذلك كله، وأمّا ما وافق فيه أصحاب القول الأوّل فقد جاءت أدلته قوية بما يسلم له بها الاستدلال.
ثالثًا: إنَّ في اختيار هذا القول مقاصد ومصالح كثيرة:
١ - تبرئة ذمة الميِّت، وفكّ رهانه؛ حيث قد أشغل ذمته، وألزم نفسه بما لم يلزمه الله تعالى (١).
стр. 177
٢ - قطع الطريق على المتهاونين، والكسالى؛ لأننا لو قلنا بالجواز مطلقًا أدى ذلك إلى التكاسل عن الصّلاة، وما على الإنسان بعد ذلك إِلَّا أن يوصي من ماله من يصلّي عنه الفرائض كلها، أو يكون ذلك لازمًا للورثة في تركته، فيضيع حقهم، وربما ذهب ذلك بالتركة كلها، أو يضطرهم ذلك إلى الاستدانة لتبرئة ذمة ميتهم شفقة عليه، ورحمة به، وفي هذا من الحرج ما فيه.
ثمرة الخلاف:
للخلاف هنا ثمرة، ويظهر ذلك فيما لو أوصى الميِّت قبل موته بقضاء الصّلاة الّتي نذرها حال حياته:
* فعلى القول الراجح، ومن وافقه في صحة قضاء الصّلاة المنذورة عن الميِّت، فإنّه تصح وصيته بها، فإن قضاها عنه وليه، أو تبرع غيره بذلك، وإلا استؤجر من تركته - إنَّ خلف تركة - من يؤدِّي عنه هذه الصّلاة.
قال المرداوي (١) - بعد أن ذكر الروايتين في المذهب، وأن المذهب هو أن تفعل هذه الصّلاة عن الميِّت- قال: "فعلى المذهب تصح وصيته بها" (٢).
* وأمّا على القول الآخر بعدم صحة النِّيابة عن الميِّت في الصّلاة المنذورة فإن وصيته بها لا تصح (٣).
стр. 178
* وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك مذهباً وسطاً فيما يتعلق بهذه الوصية - وهو ممن يذهب إلى عدم صحة النيابة عن الميت في ذلك - فقد سئل ﵀ عن رجل توفي، وأوصى أن يصلى عنه بدراهم؟ فقال: " ... هذه الدراهم التي أوصى بها يتصدق بها عنه، ويخص بالصدقة أهل الصلاة، فيكون للميت أجر، وكل صلاة يصلونها، ويستعينون عليها بصدقته، يكون له منها نصيب من غير أن ينقص من أجر المصلي شيء، كما قال النبي ﷺ : (من فطر صائماً فله مثل أجره) (١). وقال ﷺ : (من جهز غازياً فقد غزا) (٢)(٣).
стр. 179
المبحث الثّاني
أخد المال على الأذان والإقامة
اتفق الفقهاء على أنّه إذا وجد متطوع بالأذان والإقامة أنّه لا يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال، ولا أخذ الأجرة عليهما كذلك منه، أو من غيره.
وعلل الفقهاء ذلك: بأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم، والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعًا، لم يجز أن يستأجر عليه؛ فكذلك الإمام (١).
قال الشّافعيّ رحمه الله تعالى: "وأحب أن يكون المؤذنون متطوعين، وليس للإمام أن يرزقهم، ولا واحدًا منهم، وهو يجد من يؤذن له متطوعًا ممّن له أمانة" (٢).
وقال الإمام النووي: "قال أصحابنا: ولا يجوز أن يرزق مؤذنًا وهو يجد متبرعًا عدلًا" (٣).
وقال ابن قدامة: "وإن وُجد متطوعٌ به، لم يرزق غيره؛ لعدم الحاجة إليه" (٤).
وقد ذكر الفقهاء أنّه: إذا علم القوم حاجته فواسوه بشيء على سبيل البرّ والصلة والهدية، والمجازاة على إحسانه، أن ذلك جائز، إذ١/ يكن عن شرط؛
стр. 180
وذلك لأنّه فرّغ نفسه لحفظ المواقيت، وإعلامه لهم بالأذان، وهذا يجعله لا يتفرغ للكسب لنفسه وعياله (١).
فإذا لم يوجد متطوع به، جاز أخذ الرزق عليه، باتِّفاق الفقهاء (٢).
قال ابن قدامة: "ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه" (٣).
هذا ما يتعلّق بأخذ الرزق من بيت المال.
أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على الأذان والإقامة، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على أقوال أشهرها ما يلي:
القول الأوّل: عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، إِلَّا للضرورة (٤)، والحاجة (٥).
وإلى هذا ذهب: متأخرو الحنفية، وهو ما عليه الفتوى عندهم (٦)، وهو قول
стр. 181
عند الحنابلة (١)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢).
القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.
وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، ومتقدمو أصحابه، وهو المذهب عندهم (٣)، وهو قول ابن حبيب (٤) من المالكية (٥)، ووجه عند الشّافعيّة (٦)، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٧)، وإليه ذهب ابن حزم (٨)، واختاره الشوكاني (٩) من المحققين (١٠).
القول الثّالث: يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة مطلقًا.
стр. 182
وبه قال المالكية (١)، وقد نصّ عليه الإمام مالك رحمه الله تعالى (٢)، وهو الأصح عند الشّافعيّة (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤).
القول الرّابع: يجوز الاستئجار على الأذان والإقامة للإمام، أو من أَذِنَ له الإمام، ولا يجوز ذلك لآحاد النَّاس.
وإلى هذا ذهب الشّافعيّة في وجه عندهم (٥).
هذا حاصل أقوال الفقهاء في هذه المسألة.
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة القول الرّابع:
هذا القول وسط بين المانعين والمجيزين، ومن ثمّ فإن أدلته ستكون ذات شقين: - الشق الأوّل: أدلتهم على عدم الجواز لآحاد النَّاس.
وهذه الأدلة هي بعينها أدلة القائلين بعدم الجواز مطلقًا، وستأتي مفصلة بإذن الله تعالى.
الشق الآخر: أدلتهم على جواز ذلك للإمام خاصّة، أو من أذن له، ويمكن الاستدلال لهذا الشق كذلك بأدلة المجيزين مطلقًا، وستأتي كذلك مفصلة إن شاء الله تعالى.
ويمكن الاستدلال على هذا الشق - زيادة على أدلة المجيزين مطلقًا - بما يأتي:
стр. 183
الدّليل الأوّل: القياس على الرزق: وحاصل ذلك: أن الإمام كما يجوز له إعطاء الرزق على الأذان فكذلك يجوز له إعطاء الأجرة عليه، بجامع حصول المصلحة في كلٍ.
قال النووي: "وإذا جوزنا للإمام الاستئجار من بيت المال، فإنّما يجوز حيث يجوز الرزق، خلافًا ووفاقًا" (١).
ومعلوم أن ما تحت يد الإمام من أموال بيت المال، مصروف في وجوه المصالح الماسّة، والأذان منها (٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا القياس بما يأتي:
أوَّلًا: قبل مناقشة هذا القياس يمكن مناقشة هذا القول بما يأتي:
إنَّ حصركم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة في الإمام، أو من أذن له الإمام يؤدِّي إلى الحرج والضيق على المسلمين، وبيان ذلك: أننا لو سلمنا لكم قولكم هذا في حالة وجود الإمام، وتوفر المال تحت يد الإمام فإننا لا نسلم لكم ذلك في حالة عدم وجود الإمام، أو في حالة وجوده، ولكن قلّت الأموال في بيت المال، أو عدمت، فإنّه في هذه الحالة يلحق المسلمين ضيق وحرج، حيث يترتب على ذلك تعطل هذه الشعيرة، وهم في أشد الحاجة إليها، وكذلك تتعطل المساجد، وهذا خلاف ما أمر الله به (٣)؛ قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ ...﴾ [النور: ٣٦، ٣٧].
стр. 184
ثانيًا: أدن القياس على الرزق قياس مع الفارق، فإن الأرزاق من بيت المال على المصالح مجمع على جوازها - كما سبق بيانه -، بخلاف الإجارة، وهناك فروق كثيرة بين الرزق والإجارة سبق ذكرها، فأغنى عن الإعادة، وعلى هذا يكون القياس غير صحيح (١).
ثالثًا: أن هذا قياس في مقابلة النص، والقياس قي مقابلة النص فاسد الاعتبار (٢).
الدّليل الثاني: قالوا: إنَّ الأذان عمل معلوم يرجع نفعه إلى عموم المسلمين فجاز الاستئجار عليه كتعليم القرآن (٣).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا القياس بما يأتي:
أوَّلًا: إنَّ هذا قياس فاسد؛ لأنّه قياس في مقابلة النص، فإن الأذان قد ورد نصّ بالمنع من الاستئجار عليه، وهو حديث عثمان بن أبي العاص (٤)، وسيأتي (٥).
ثانيًا: يمكن مناقشة هذا القياس كذلك بأن القياس على القرآن قياس مع الفارق؛ فإن تعليم القرآن قد وردت بخصوصه نصوص تدل على جواز الاستئجار على تعليمه، ثمّ إنَّ حاجة النَّاس إلى تعليم القرآن أشد؛ لأنّه أصل الدِّين، وعماد
стр. 185
الشّريعة، وحجة الله على عباده، فعدم القول يحواز الاستئجار عليه يؤدِّي إلى تضييعه، وذهابه.
ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:
استدل أصحاب هذا القول وهم المجوزون مطلقًا بأدلة من السُّنَّة والمعقول:
أ- أدلتهم من السُّنَّة:
الدّليل الأوّل: عن عبد الله بن مُحيريز (١)، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة (٢)، حتّى جهزه إلى الشّام، قال: قلت لأبي محذورة: إنِّي خارج إلى الشّام، وأخشى أن أُسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال له: خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ فسمعنا صوت المؤذن، ونحن عنه متنكبون، فظللنا نحكيه ونهزأ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فأرسل إلينا حتّى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : (أيكم الّذي سمعت صوته قد ارتفع؟)، فأشار القوم إليَّ، وصدقوا، فأرسلهم كلهم وحبسني؛ فقال:
(قم فأذن بالصلاة)، فقمت، فألقى عليّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه قال:
стр. 186
(قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إِلَّا الله أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله).
ثمّ قال: "ارجع فامدد صوتك"، ثمّ قال: (قل: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصّلاة، حي على الصّلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إِلَّا الله).
ثمّ دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، فقلت: يا رسول الله: مرني بالتأذين بمكة؛ فقال: (قد أمرتك به)، فقدمت على عتاب بن أسيد (١)، عامل رسول الله ﷺ بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ " (٢).
وجه الاستدلال:
أن أبا محذورة لما انتهى من التأذين أعطاه رسول الله ﷺ صرة فيها شيء من فضة في مقابل تأذينه. فدل ذلك على جواز أخذ الأجرة على الأذان (٣).
مناقشة الاستدلال:
نوقش الاستدلال بالحديث من وجهين:
стр. 187
الوجه الأوّل:
أن قصة أبي محذورة كانت أول ما أسلم؛ لأنّه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص. وعلى هذا فحديث عثمان بن أبي العاص متأخر، والعبرة بالمتأخر (١).
الوجه الآخر:
أنّها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون إنّما أعطاه من باب التأبيف لحداثة عهده بالإسلام، كما أعطى يومئذ غيره من المؤلِّفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال (٢).
ب - أدلتهم من المعقول:
الدّليل الأوّل:
قياس المؤذن على العامل، أو الخليفة في جواز أخذ الأجرة؛ فكما أن العامل يأخذ أجرة على عمله فكذلك المؤذن يجوز له أخذ الأجرة على الأذان بجامع أن كلًا منهما عامل لمصلحة المسلمين.
قال ابن العربي (٣): "والصّحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان، والصلاة، والقضاء، وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وينيب
стр. 188
في كلّ واحد منها، فيأخذ النائب أَجْرَه، كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النّبيّ ﷺ : (ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤنة عاملي فهو صدقة) (١)(٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:
أوَّلًا: أن المراد بالعامل في الحديث هو الخليفة بعده- ﷺ ، وهذا هو المعتمد (٣).
وعليه، فيكون ذلك من باب الأرزاق لا من باب الإجارات، والأرزاق على الأذان ونحوه مجمع على جوازها - كما سبق -، وكلامنا هنا حول الإجارة، فافترقا.
ثانيًا: أنّه قاس المؤذن على العامل، وهذا قياس في مصادمة النص الوارد عن النّبيّ ﷺ في المنع من أجرة المؤذن، وهو حديث عثمان بن أبي العاص، وكذلك فتيا ابن عمر - كما سيأتي -، ولم يخالفه أحد من الصّحابة، فهو قياس فاسد. وعليه، فلا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على ما نحن فيه (٤).
стр. 189
الدّليل الثّاني:
أن الأذان شعار غير فرض، لا يلزم الأجير فجاز الاستئجار عليه (١).
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا التعليل بما يأتي:
لا نسلم لكم أن الأذان والإقامة شعار غير فرض، ولكنهما فرضا كفاية، وقد يتعين، ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما إِلَّا عند الحاجة والضرورة، وتكون الأجرة حينئذ على مراعاة الأوقات، والذهاب، والمجيء، ونحوه ممّا يلزم الأذان (٢).
الدّليل الثّالث:
أن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرزق عليه بلا خلاف؛ فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال ... (٣).
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أوَّلًا: أن هذا قياس في مقابلة النص وهو حديث عثمان، والقياس في مقابلة النص باطل (٤).
ثانيًا: أن قياس الأجرة على الرزق قياس مع الفارق، وقد سبق بالتفصيل بيان الفرق بين الرزق والإجارة، فأغنى عن إعادته هنا (٥).
стр. 190
ثالثًا: أنّه لا يلزم من جواز أخذ الرزق جواز أخذ الأجرة، بدليل القضاء، والشهادة، فإنّه يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال، أو من غيره، ولا يجوزْ أخذ الأجرة عليهما (١).
الدّليل الرّابع:
أنّه فعل يجوز التبرع به عن الغير فلا يكون كونه قربة مانعًا من الإجارة فيه قياسًا على الحجِّ عن الغير، وبناء المساجد، وكتب المصاحف، والسعاية على الزَّكاة (٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة الاستدلال بهذا الدّليل القياسي بما يأتي:
أوَّلًا: أن القياس على الحجِّ لا يصح؛ لأنّه قياس في مقابلة النص، حيث ورد النص بالمنع من أخذ الأجرة على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص السابق، والقياس في مقابلة النص باطل.
أجيب عن ذلك: بأن الحديث لا يدلُّ على التّحريم، بل هو محمول على الورع، ونحن نقول به (٣).
ثانيًا: أن القياس على الحجِّ عن الغير، وبناء المساجد، ونحو ذلك، ممّا جاء في الدّليل قياس مع الفارق؛ فإن الحجِّ عن الغير ورد به النص - كما سيأتي في بابه -، وبناء المساجد لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فيجوز أن يفعله المسلم، وغير المسلم، وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة جاز أخذ الأجرة عليه. وأمّا كتب المصاحف فإن الكتابة في نفسها عمل يصح الاستئجار عليه؛ إذ لا يشترط فيها نيّة القربة.
стр. 191
وأمّا السعاية على الزَّكاة، فإن أجرة الساعي منصوص عليها، ثمّ إنَّ أجره في مقابلة ما يبذله من جهد وتعب، جراء سعيه على الزَّكاة، بخلاف الأذان.
الدّليل الخامس:
أن الأذان فرض كفاية، ويقبل النِّيابة ولم يتعين عليه فجاز أخذ الأجرة عليه (١).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:
أن هذا قياس في مقابلة النص؛ فهو قياس فاسد حيث ورد النص بالمنع من أخذ الأجرة على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص.
الدّليل السّادس:
أن الأذان نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجر عليه كسائر المنافع (٢).
مناقشة الاستدلال:
أوَّلًا: أن هذا قياس في مقابلة النص؛ فهو فاسد - كما تقدّم -.
ثانيًا: أنّه لا يلزم من وصول النفع للمستأجر جواز أخذ الأجرة بدليل القضاء والشهادة.
فإن نفعهما يصل إلى المستأجر، ومع ذلك فلا يجوز الاستئجار عليهما (٣).
هذه أظهر أدلة هذا القول، وهناك أدلة أخرى لهم ذكرتها فيما تقدَّم مع أدلة القول الرّابع.
стр. 192
ثالثًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:
القائلون بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان مطلقًا:
استدل هؤلاء بأدلة من السُّنَّة، وأقوال الصّحابة، والمعقول:
أ- أدلتهم من السُّنَّة:
الدّليل الأوّل:
عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي؛ قال ﷺ : (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (١). وفي رواية أخرى قال عثمان بن أبي العاص: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (٢).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال من الحديث ظاهر حيث نهى النّبيّ ﷺ عثمان بن أبي العاص من اتخاذ مؤذن يأخذ على أذانه أجرًا، والنهي يقتضي التّحريم؛ فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان.
стр. 193
مناقشة الاستدلال:
نوقش الاستدلال بالحديث بما يأتي:
أوَّلًا: أن هذا الحديث محمول على الندب؛ فالأمر في قوله ﷺ : (واتخذ) يفيد الندب، وليس الوجوب، حيث ندب النّبيّ ﷺ إلى اتخاذ المؤذنين الذين لايأخذون على الأذان أجرًا. وعليه فيكون أخذ الأجرة على الأذان ليس حرامًا (١)، ولكنه مكروه، وهو ما سيأتي بيانه في الجواب الرّابع.
ثانيًا: أن الحديث محمول على الورع، وليس على تحريم الأجرة على الأذان (٢)؛ فإن ترك المؤذن الورع، وأخذ الأجرة، كان ذلك جائزًا.
ثالثًا: يمكن الجواب عن الاستدلال بالحديث كذلك بما يأتي:
أن الحديث ليس نصًا صريحًا في تحريم الأجرة على الأذان؛ إذ لو كان كذلك لقال ﷺ : لا تجوز الأجرة على الأذان، أو: لا يحل للمؤذن أخذ الأجرة على أذانه؛ إذ ليس يعقل أن تكون الأجرة على الأذان من المحرمات، ولا ينص الشارع على ذلك، وهو يرى أن الأذان متكرر في اليوم خمس مرات، وهو من شعائر الإسلام الظاهرة (٣).
ثمّ إنَّ الحديث قد يدلُّ على أن أخذ الأجرة على الأذان كان معروفًا في عهده ﷺ ، أو أنّه أوحى إليه بما يكون بعد ذلك من أخذ الأجرة على الأذان، فكان أن أرشد، وندب إلى اتخاذ المؤذن الّذي لا يأخذ أجرًا على أذانه، وترك من يأخذ ذلك.
стр. 194
رابعًا: أن هذا الحديث محمول على الكراهة، وليس على التّحريم؛ قال الخطابي: (أخذ المؤذن الأجرة على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء ...) (١).
وقال أبو عيسى التّرمذيّ (٢) بعد إخراجه للحديث: (والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه) (٣).
ب - أدلتهم من أقوال الصّحابة:
الدّليل الأوّل:
عن يحيى البكاء (٤)، قال: قال رجل لابن عمر: إنِّي لأحبك في الله؛ فقال ابن عمر: لكني أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: إنك تتغنى في أذانك، وتأخذ عليه
стр. 195
أجرًا (١).
وجه الاستدلال:
حيث أنكر ابن عمر ﵄ على الرَّجل أخذه الأجرة على الأذان، وعلل بغضه له بذلك، فلوكان أخذ الأجرة على الأذان جائزًا لم صرح له ابن عمر ببغضه؛ فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان، ولم يخالف ابنَ عمر أحد من الصّحابة فيما فعله (٢).
قال أبن حزم: "ولا يُعْرَف لابن عمر في هذا مخالف من الصّحابة" (٣).
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أوَّلًا: أن هذا الأثر لا يصح عن ابن عمر ﵄؛ وذلك لأنّ راوي هذا الأثر عن ابن عمر هو يحيى البكاء، وهو ضعيف، ضعفه جمع من أهل العلم (٤).
ثانيًا: على فرض صحته، فإنّه قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجيته؛ فمن العلماء من جعله حجة، ومنهم من لم يحتج به (٥). وعلى ذلك فلا
стр. 196
يمكن اعتبار هذا الأثر حجة على ما نحن فيه، وغاية ما فيه أنّه يستأنس به لهذا القول، ويدلُّ على أن من قال بعدم جواز الأجرة على الأذان مسبوق بقوله، ليس غير.
الدّليل الثّاني:
ما روي عن عبد الله بن مسعود-﵁ أنّه قال: "أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الأذان، وقراءة القرآن، والمقاسم، والقضاء" (١).
وجه الاستدلال:
حيث نفى ابن مسعود ﵁ أن يؤخذ على الأذان أجر، وهذا النَّفْي لا يقال من قبيل الرأي، وإنّما هو عن توقيف، فدل على أن أخذ الأجرة على الأذان لا تجوز.
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أوَّلًا: أن هذا الأثر لا يصح عن ابن مسعود؛ لأنّه ليس من كلامه، إنّما هو من كلام القاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود، فكل من روى هذا الأثر رواه عن القاسم، وليس عن ابن مسعود (٢).
стр. 197
ثانيًا: سلمنا أنّه ثابت عن مسعود، إِلَّا أنّه لا يعدو أن يكون قول صحابي، وقول الصحابي ليس بحجة -وقد تقدّم ذلك-.
جـ- أدلتهم من المعقول:
الدّليل الأوّل: أن الأذان من القرب الّتي يختص بأدائها المسلم، فإذا أداه وقع ثوابه له، ولهذا تتعين أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة عليه من غيره، كما في الصوم، والصلاة (١).
ويمكن الجواب على ذلك بما يأتي:
أوَّلًا: أن قياس الأذان على الصوم، والصلاة قياس مع الفارق؛ فإنّه وإن كان قربة إِلَّا أن نفعه متعدَّ لغيره من المصلّين، ونفع الصوم، والصلاة قاصر على نفسه؛ فأخذ الأجرة عليه له وجه، ثمّ إنَّ الأجر إنّما يكون على حفظ الوقت، والذهاب، والمجيء، ونحو ذلك ممّا يتطلبه الأذان ممّا قد يشغله على قوته الواجب، ومما لا بد له من أمور معايشه.
ثانيًا: إنَّ قياس الأذان على الصوم والصلاة لا يصح؛ لأنّ الصوم من القرب الّتي جاء النص بأدائها عن الغير، كما في حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (٢).
وسياتي تفصيل الكلام في مبحث الصِّيام، وقد أخذ بهذا الحديث جمع من أهل العلم، وهو من أخص العبادات البدنية الّتي يختص بأدائها المسلم.
стр. 198
ولأن الصّلاة من القربات الّتي حصل الخلاف في جواز النِّيابة فيها، وقد ذهب إلى جواز ذلك بعض العلماء، وقد سبق ذلك (١).
ثالثًا نسلم بأن ثواب العبادة له، ولكن ذلك لا ينافي أخذ الأجرة؛ فإن أخذ الأجرة هنا ليس على ذات العبادة، وإنّما لحبس نفسه على الأذان، وعلى ذهابه، ومجيئه، ورعايته للمواقيت، وما يأخذه إنّما هو للإعانة على الطّاعة، وتوفير القوت الواجب لنفسه وعياله؛ فإن المسب في هذه الحالة واجب عليه، فإن أخذ الأجرة بهذه النية فيكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا (٢).
الدّليل الثّاني: أن الاستئجار على الأذان يكون سببًا لتنفير النَّاس عن الصّلاة بالجماعة؛ لأنّ ثقل الأجر يمنعهم من ذلك، والى هذا أشار الرب جلَّ شأنّه في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠، القلم: ٤٦] فيؤدِّي إلى الرغبة عن هذه الطاعات، وهذا لا يجوز (٣).
مناقشة الإستدلال:
يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:
أولَا: لا نسلِّم أن الأجر على الأذان فيه ثقل على المصلّين؛ لأنّ المؤذن إذا أخذ قدر حاجته، ودفع المصلون قدر طاقتهم انتفى ثقل الأجر، ثمّ إنَّ الاستدلال على ذلك بالآية السابقة لا يصح؛ لأنّ الكلام في الآية عائد على الكفار (٤)، وليس على المسلمين، فالكافر يثقله ذلك، أمّا المسلم فلا؛ لأنّه في دفعه للأجر محتسب مطيع لله تعالى، ومصلحة ذلك عائدة إليه في دينه، فلا يشعر بذلك الثقل إنَّ وُجد.
стр. 199
ثانيًا: سلمنا وجود ذلك الثقل، إِلَّا أن المصلحة المترتبة على دفع الأجرة للمؤذن أكبر، وحاجة النَّاس إليه أعظم من ثقل الأجر عليهم؛ لأنّ في ذلك تحصيلًا للطاعات، وذلك بالمحافظة على أوقات الصلوات، وإعمار المساجد بذكر الله تعالى، وعدم تعطيلها، وهذا من أعظم المصالح.
رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:
وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة إِلَّا للضرورة، والحاجة.
وأدلة هذا القول تنقسم قسمين:
القسم الأوّل: أدلتهم على عدم الجواز في الأصل .
وأدلتهم على ذلك هي نفسها أدلة أصحاب القول الثّاني، وهم القائلون بعدم الجواز مطلقًا، وقد تقدمت.
القسم الآخر: أدلتهم على جواز الاستئجار للضرورة والحاجة .
وقد عللوا ذلك بتعليلات:
١ - ظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع جواز الاستئجار على الأذان في هذه الحالة، لضاع الأذان، وتعطلت هذه الشعيرة، وترتب عليها تعطل المساجد، وفوات الجماعة (١).
٢ - أن المؤذن المحتاج يتعين عليه الاكتساب لنفسه وعياله، والأذان لا يتعين عليه، فلا يمكن له ترك الواجب المتعين عليه لغير المتعين، فإذا نوى عمله هذا لله تعالى، وأخذ الأجرة على أذانه ليستعين بها على العبادة وطاعة الله، وتوفير الكفاية لنفسه وعياله، لئلا يمنعه الاكتساب لنفسه وعياله عن إقامة هذه الشعيرة والوظيفة
стр. 200
الشريفة، ولولا ذلك لم يأخذ أجرًا، فإنّه في هذه الحالة يكون قد جمع بين عبادتين، وهما الأذان والسعي على العيال، وإنَّما الأعمال بالنيات (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا فعلها الفقير لله، وإنّما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك، وليستعاين بذلك على طاعة الله، فالله يأجره على نيته، فيكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا" (٢)
الترجيح:
بعد عرض الأقوال، وذكر أدلة كلّ قول، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عنها يمكن القول بأن الاختلاف هنا قوي؛ وذلك لقوة ما استدل به كلّ فريق، والذي يظهر أن الراجح من هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب، هو قول من قال بعدم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة إِلَّا للضرورة والحاجة، وهم أصحاب القول الأوّل؛ وذلك لا يأتي:
أوَّلًا: قوة ما استدلوا به، سواء كان من المنقول، أو المعقول. أمّا ما استدلوا به على عدم الجواز في الأصل، أو لغير ضرورة أو حاجة فمن أقوى أدلتهم حديث عثمان بن أبي العاص، فإنّه حديث صحيح ثابت لا شك فيه، وهو نصّ في محل النزاع؛ لأنّ الأمر فيه للوجوب، فقوله ﷺ : (واتخذ) أمر، والأمر المطلق للوجوب عند الجمهور ما لم يصرفه صارف إلى الندب، أو الإباحة (٣)، والذين حملوه على الندب، أو الورع، أو الكراهة لم يذكروا لنا دليلًا على ذلك يمكن الأخذ به وترك دلالة هذا الحديث، وأمّا ما استدلوا به على جواز الاستئجار للضرورة والحاجة، فهو تعليل قوي لا يمكن دفعه؛ لأنّه إنَّ لم نقل به ترتب على ذلك تعطل هذه
стр. 201
الشعيرة العظيمة، وهجر المساجد، وإضاعة صلاة الجماعة، وغير ذلك من المفاسد الّتي لا تخفى، وهذا كله يؤدِّي إلى إلحاق الحرج والضيق والضرر بالمسلمين، فكانت الحاجة والضرورة داعية إلى الأخذ بهذا القول.
ثانيًا: أن هذا القول فيه توسط، فهو أعدل الأقوال؛ وذلك لأنّ القول بالمنع مطلقًا يوقع المسلمين في الحرج والضيق كما تقدّم.
والقول بالجواز مطلقًا، فيه مخالفة لحديث رسول الله ﷺ التصحيح الصريح في
المنع من الاستئجار على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص المتقدم.
ثالثًا: أن هذا القول لا ترد عليه مناقشات كما ورد على أدلة أصحاب الأقوال الأخرى، فقد تمت مناقشتها جميعًا.
رابعًا: أن أصحاب هذا القول عندما أجازوا الاستئجار على الأذان في محل الضّرورة إنّما أجازوه على ملازمة المكان، والقيام على المسجد، ومراعاة المواقيت، وليس على ذات الأذان (١).
خامسًا: أن ترك الأمر للمحتسبين أمر لا ينضبط؛ لأنّه يترتب على ذلك ما يأتي:
١ - أن المحتسب لا يمكن إلزامه، وبالتالي إذا انقطع بعض الأوقات، أو انقطع بالكلية فلا يمكن محاسبته، وبالتالي يصبح الأمر فوضى، ويترتب على ذلك ما يترتب على القول يمنع الاستئجار مطلقًا.
٢ - أن ذلك يعطي الفرصة لأهل البدع، والجهال، والفساق - كما في هذا الزّمان - للقيام بهذه الوظيفة الشريفة، وهذا خلاف ما ذكره أهل العلم من شروط المؤذن، وأنّه ينبغي أن يكون من أهل العدل، والأمانة، والسُّنَّة (٢).
стр. 202
المبحث الثّالث
أخذ المال على الإمامة والخطابة
أوَّلًا: أخذ المال على الإمامة:
الإمامة (١) في الصّلاة من خير الأعمال، وأفضلها، ولا أدل على ذلك من أن
الّذي يتولاها هم خير النَّاس وأفضلهم، وكان على رأس من تولاها يوم شرعت:
رسول الله ﷺ ، ثمّ تولاها بعده خلفاؤه الراشدون، ثمّ ما زال يتولاها بعد ذلك أهل
العلم والفضل المتصفون بالعدالة، وحسن القراءة، وغير ذلك من الصفات الّتي
يلزم توفرها لمن يتولى هذا المنصب.
ولما كانت الإمامة بهذه المكانة كان لا بد من معرفة حكم أخذ المال عليها فأقول:
لا خلاف بين العلماء أن ما يُعطاه الإمام في الصّلاة من غير شرط جائز، سواء
стр. 203
كان ما يُعطاه رزقًا، أم وقفًا، أم على سبيل الهدية، والبر، والصلة على إحسانه (١). قال ابن نجيم: " ... فإن لم يشارطهم على شيء لكن عرفوا حاجته فجمعوا له في كلّ وقت شيئًا كان حسنًا، ويطيب له" (٢).
وقال ابن قدامة: "ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط" (٣).
وقال البهوتي في الكشاف: "فإن دفع إلى الإمام شيء وبغير شرط، فلا بأس نصًا، وكذا لو كان يعطى من بيت المال، أو من وقف" (٤).
وأمّا الإجارة على الإمامة في الصّلاة فقد اختلف الفقهاء في حكمها على أربعة أقوال:
القول الأوّل: لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصّلاة إِلَّا للضرورة والحاجة.
والى هذا القول ذهب المتأخرون من الحنفية (٥)، وهو قول عند الحنابلة (٦)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٧).
стр. 204
القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على إمامة الصّلاة.
وإلى هذا القول ذهب متقدمو الحنفية (١)، والشّافعيّة في الأصح (٢)، والحنابلة في المشهور في المذهب (٣)، والظاهرية (٤).
القول الثّالث: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن ينضم إليها الأذان، أو القيام على المسجد، فأمّا إنَّ كانت مفردة فلا يجوز.
وإلى هذا ذهب المالكية في المشهور عندهم، ومنع ذلك ابن حبيب من المالكية (٥).
القول الرّابع: يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الإمامة.
وإلى هذا ذهب ابن عبد الحكم من المالكية، وتبعه بعض المالكية (٦)، وهو وجه
стр. 205
عند الشّافعيّة (١)، ورواية عند الحنابلة (٢).
الأدلة والمناقشة:
أوَّلًا: أدلة من قال بالجواز مطلقًا وهم أصحاب القول الرّابع:
استدل هؤلاء بما يأتي:
الدّليل الأوّل: أن الأجرة على إمامة الصّلاة هي في مقابلة التزامه للمكان المعين للصلاة، والإتيان إليه، وتكلفه ذلك، وهو غير مأمور به عينًا، ولذا جاز أخذ الأجرة عليه (٣).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:
١ - أن دليلكم هذا يلزم منه عدم جواز الأجرة على ذات الإمامة في الصّلاة، وهذا ينقض مذهبكم القائل بالجواز.
٢ - أن ما ذكرتموه من تكلف الإمام الصّلاة في مكان معين - إلخ، أمر زائد على ما نحن بصدده؛ إذ أن خلافنا حول ذات الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وهذا يدخل فيه من كلان مجاورًا للمسجد، وهو من أهله.
فهل تقولون إنّه قي هذه الحالة لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟ فإن قلتم ذلك فقد تقضتم مذهبكم، وإن قلتم بالجواز فقد أبطلتم دليلكم.
стр. 206
الدّليل الثّاني: قياس الإمامة في الصّلاة على الأذان في جواز الاستئجار عليها بجامع أن كلًا منهما شعار غير فرض (١).
مناقشة الاستدلال:
١ - إنَّ قياس الإمامة على الأذان قياس مع الفارق، وبيان ذلك:
أن الأذان فيه كلفة غالبًا، بخلاف الإمامة، ثمّ إنَّ فضيلة الإمامة وفائدتها تحصل للإمام، وليس للمستأجر، وهي تحصيل فضيلة الجماعة بخلاف الأذان.
٢ - ثمّ إننا لا نسلم لكم بأن الأذان شعار، بل هو واجب كفائي، وقد يتعين والاستئجار عليه إنّما يكون في حالة الضّرورة والحاجة، ويكون حينئذ على مراعاة الأوقات وغير ذلك ممّا يلزم الأذان.
٣ - إننا لا نسلم لكم كذلك بأن الأذان يجوز أخذ الأجرة عليه مطلقًا؛ لأنّ الأذان، قد ورد النص بالمنع من الاستئجار عليه (٢)، وإنّما جوزنا ذلك في حالة الضّرورة الحاجة فقط.
الدّليل الثّالث: قياس الإمام في الصّلاة على الخليفة في جواز الأجرة بجامع أن كلًا منهما عامل لمصلحة المسلمين.
قال ابن العربي (٣): "والصّحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء، وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وينيب في كلّ واحد منها، فياخذ النائب أجره كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النّبيّ ﷺ : (ما تركت بعد نفقة عيالى ومؤنة عاملي فهو صدقة) (٤).
стр. 207
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
١ - أن قياس الإمام في الصّلاة على الخليفة قياس مع الفارق، فإن ما يأخذه الخليفة هو من قبيل الأرزاق، وهي مجمع على جوازها كما سبق بيان ذلك، وخلافنا إنّما هو في الأجرة، والرزق خلاف الأجرة فافترقا (١).
٢ - يمكن مناقشة هذا الاستدلال كذلك بأننا لو سلمنا أن ما يأخذه الخليفة على عمله هو أجرة، فإننا لا نسلم أنّه يأخذه على الإمامة، بل يأخذه على أعمال الخلافة والإمامة العظمى، وهي كثيرة جدًا، ثمّ هو قد حبس نفسه طول الوقت لمصلحة المسلمين، وخلافنا هنا إنّما هو الأجرة على ذات الإمامة، ثمّ إنَّ الإمام في الصّلاة مصلٍ لنفسه، فهو كالمنفرد، والصلاة تلزمه، بخلاف الخليفة فإن الخلافة لا تلزمه.
الدّليل الرّابع: أن الإمامة في الصّلاة من فروض الكفاية؛ فيجوز أخذ الأجرة عليها، كالعاملين على الزَّكاة (٢).
وبيان ذلك: أن العاملين على الزَّكاة: وهم الذين يقومون بتحصيلها، وجمعها، وتوزيعها على المستحقين، يأخذون أجرة على عملهم، وعملهم هذا فرض كفاية، فدل على أن ما كان من فروض الكفاية فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، والإمامة في الصّلاة من فروض الكفاية فجاز أخذ الأجرة عليها (٣).
стр. 208
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
١ - أن هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ فإن ما يأخذه العاملون على الزَّكاة منصوص عليه من الشارع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] بخلاف الإمامة في الصّلاة؛ فإن الاستئجار عليها مختلف فيه، والأكثر على منعه - كما سيأتي -.
٢ - أن الزَّكاة عبادة مالية تصح النِّيابة فيها، فيجوز أخذ الأجرة عليها، بخلاف الصّلاة فإنّه لا تجوز النِّيابة فيها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها (١).
٣ - ثمّ إنَّ الإمامة في الصّلاة، وإن كانت فرض كفاية، فإن الإمام فيها عامل لنفسه؛ فهو كالمنفرد، بخلاف العاملين على الزَّكاة، فهم يعملون لغيرهم (٢).
ثانيًا: أدلة القول الثّالث:
وهم الذين قالوا بجواز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن يكون معها الأذان، والقيام على المسجد، فإذا كانت مفردة فلا يجوز.
استدل هؤلاء بما يأتي:
* قالوا: إنَّ الإجارة هنا إنّما وقعت على الأذان، والإقامة، وقيامه على المسجد، لا على الإمامة في الصّلاة، والأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم الأذان إلى الإمامة قرب العقد من الصِّحَّة (٣).
стр. 209
جاء في المدوّنة: "وإنّما جوز مالك هذه الإجارة؛ لأنّه إنّما أوقع الإجارة في هذا على الأذان، والإقامة، وقيامه على المسجد، ولم يقع من الإجارة على الصّلاة بهم قليل، ولا كثير" (١).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:
أوَّلًا: أن مقتضى دليلكم أن الأجرة على الإمامة منفردة لا تصح، وهذا هو مشهور مذهبكم، فإذا انضم إلى الإمامة الأذان صحت الإجارة على الأذان، وبطلت في الإمامة في هذه الحالة كذلك.
ثانيًا: إنكم لم توقعوا الإجارة على الإمامة في الصّلاة، وإنّما أوقعتموها على الأذان، والقيام على المسجد، وخلافنا معكم إنّما هو حول الإجارة على الإمامة، وليس على الأذان، والقيام على المسجد.
ثالثًا: إننا لا نسلم لكم بأن الإجارة على الأذان تصح مطلقًا، بل هي لا تصح إِلَّا للضرورة، وإذا كانت الإجارة على الأذان لا تصح بطل ما ذهبتم إليه من صحة الإمامة على الصّلاة تبعًا للأذان.
ثالثًا: أدلة القول الثّاني:
وأصحاب هذا القول هم الذين ذهبوا إلى أنّه: لا يجوز مطلقًا - أخذ الأجرة على إمامة الصّلاة. وقد استدل هؤلاء بأدلة من السُّنَّة، والمعقول:
أ- دليلهم من السُّنَّة:
وهو حديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، أجعلني إمام قومي. قال ﷺ : (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا ياخذ على أذانه أجرًا) (٢).
стр. 210
وفي رواية: قال عثمان: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (١).
وجه الاستدلال:
حيث منع النّبيّ ﷺ عثمان من اتخاذ المؤذن الّذي ياخذ أجرة على أذانه؛ فإذا امتنع في الأذان، امتنع في الإمامة من باب أولى؛ لكونها أدخل في باب القرب، والتعلّق بالذِّمَّة (٢).
مناقشة الاستدلال:
نوقش الاستدلال بالحديث بما يأتي:
١ - أن الحديث محمول على الورع، وليس على تحريم الأجرة على الإمامة (٣).
٢ - أن الحديث محمول على الندب، وليس على وجوب اتخاذ المؤذن المحتسب (٤). وقد تقدّم ذلك مفصلًا، والجواب عنه (٥).
ب- أدلتهم من المعقول:
الدّليل الأوّل: إنَّ الإمام في الصّلاة خليفة للرسول ﷺ في الإمامة، والرسول ﷺ لم يأخذ أجرة على ذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فكذلك خليفته - وهو الإمام - ينبغي أن يكون مثله، فلا يأخذ على إمامته أجرًا (٦).
مناقشة الاستدلال:
стр. 211
أوَّلًا: قياس الإمام في الصّلاة على الرسول ﷺ قياس مع الفارق؛ لأنّ الرسول ﷺ هو المبلغ عن ربه، وهو الّذي جاءنا بالحقال في هو دين الإسلام، وعدم أخذه الأجرة على ذلك إنّما هو خاص به ﷺ بنص الآية.
ثانيًا: أن العلماء متفقون غلى جواز الرزق على الإمامة، والرسول ﷺ ما كان يأخذ رزقًا عليها، فدلّ ذلك على أن هناك فرقًا بين الرسول ﷺ وبين خلفائه على إمامة الصّلاة ونحوها من الأعمال الدينية.
ثالثًا: ثمّ إنَّ الآية خطاب لغير المسلمين؛ فهي لشركي قريش ونحوهم، والضمير في قوله تعالى (عليه) يراد به تبليغ دعوة التّوحيد الّتي هي دين الإسلام لهؤلاء المشركين (١).
رابعًا: إننا منعنا أخذ الأجرة على الإمامة، ولم نجوزها إِلَّا عند الضّرورة والحاجة.
الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الإمام عمله لله تعالى، والله تعالى يثيبه على هذه الطّاعة، فنفع عمله لنفسه، فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، وعليه فلا يستحق الأجر عليه (٢)، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦].
مناقشة الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
١ - نسلم لكم بأن نفع عمل الإمام له، ولكن المراد بهذا النفع هو الثّواب، لا الأجرة، بدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، والثواب غير أخذ الأجرة
стр. 212
فافترقا ثمّ إنَّ نفع عمل الإمام يرجع إلى المأموم لأنّه بالإمامة يحصل ثواب الجماعة، وهذا نفع يرجع إليه بسبب عمل الإمام وهو الإمامه، وعليه فإن الإمام يستحق الأجرة على عمله.
٢ - إنَّ الأجرة المأخوذة على الإمامة ليست على ذات الإمامة، ولكنها في مقابل الالتزام في المكان المعين (١).
الدّليل الثّالث: إنَّ القربة متى حصلت، وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره، كما في الصوم، والصلاة (٢).
مناقشة الاستدلال:
يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:
١ - إنَّ المراد بالقربة هنا حصول الثّواب، وكلامنا هنا عن الأجرة؛ فافترقا.
٢ - إنَّ القياس على الصوم والصلاة قياس مع الفارق؛ فالإمامة لا تتعين عليه، وينتفع بها المأمومون، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما يتعينان عليه ولا يتعدى نفعهما غيره.
الدّليل الرّابع: إنَّ من شرط الإمامة في الصّلاة كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجر عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة، أو التراويح (٣).
الدّليل الخامس: إنَّ هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة؛ إذ إنها تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إِلَّا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق؛ لأنّ الله تعالى إنّما ياقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا (٤).
стр. 213
رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوَّل:
وهم القائلون يحواز الأجرة على الإمامة في الصّلاة للضرورة والحاجة، فإن كانت هناك ضرورة أو حاجة وإلا فلا يجوز ذلك.
وأدلة هؤلاء تنقسم قسمين كما سبق بيانه في مبحث الأذان:
القسم الأوّل: ما يتعلّق بعدم الجواز في الأصل.
وأدلتهم على ذلك هي أدلة أصحاب القول الثّاني نفسها، وقد تقدمت مفصلة (١).
القسم الآخر: ما عللوا به على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة.
وهذه التعليلات هي التعليلات نفسها الَّتي عللوا بها على جواز الاستئجار على الأذان للضرورة، والحاجة، وحاصلها: هو ظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع الجواز تعطلت المساجد، وضاعت صلاة الجماعة، وهذا خلاف ما أمر به الشارع.
وحينئذ يجوز للإمام أخذ الأجرة على إمامته، فإذا فعلها لله تعالى، وأخذ الأجرة لحاجته إليها، ويستعين بها على العبادة، لأنّ الكسب على العيال واجب، فالله تعالى يأجره على نيته، ويكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا؛ لأنّه جمع بين عبادتين، وهما الإمامة، والسعي على العيال، وإنّما الأعمال بالنيات (٢).
стр. 214
الترجيح:
بالنظر فيما سبق من أدلة وما ورد عليها من مناقشات، والجواب عنها، يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصّلاة إِلَّا للضرورة والحاجة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره له مذهبًا، وذكر أنّه أقوى الأقوال، وأقربها إلى الصواب (١)؛ ويعود سبب رجحان هذا القول لما يأتي:
١ - قوة ما استدلوا به من النقول، والمعقول؛ فحديث عثمان بن أبي العاص دلالته قوية في ذلك، وبيان ذلك أن النّبيّ ﷺ لما نهى عن اتخاذ المؤذن الّذي يأخذ أجرة على أذانه دلّ ذلك على أن الإمامة لا يؤخذ عليها الأجر من باب أولى؛ وذلك لكونها أدخل في باب القربة من الأذان، وأشدّ تعلّقًا بذمة المكلَّف من الأذان (٢).
٢ - إنَّ ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى عبارة عن تعليلات عقلية أمكن مناقشتها، والردّ عليها.
٣ - إنَّ هذا القول أقرب إلى مقاصد الشّريعة ومصالحها؛ لأنّ فيه المحافظة على الدِّين من جهة إقامة صلاة الجماعة، وإحياء المساجد، فإن القول بالمنع مطلقًا يترتب عليه إضاعة صلاة الجماعة، وتعطّل المساجد، وهذا لا يخفى فساده.
٤ - إنَّ هذا القول أعدل الأقوال؛ لتوسطه بين المانعين مطلقًا، والمجوزين مطلقًا، فإن القول بمنع الاستئجار على الإمامة مطلقًا يوقع في الحرج، والضيق، والمشقة على المسلمين.
والقول بالجواز مطلقًا ينافي قصد القربة إلى الله، وإخلاص العمل له، وبخاصة إذا لم يقصد العمل إِلَّا للأجرة، وأمّا إذا قصد العمل لله، وللأجرة فإن ذلك فيه ما
стр. 215
فيه؛ قال ابن القيم ﵀ (١): "كمن يصلّي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكنه يصلّي لله وللأجرة فهذا لا يقبل منه العمل، كان وإنت النية شرطًا في سقوط الفرض وجب عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص الّتي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عَدَم عند عَدَمه؛ فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إِلَّا بهذا، فإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر. وقد دلت السُّنَّة الصريحة على ذلك كما في قوله ﷺ : (يقوك الله يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا أشْرَك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به) (٢).
وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
ثانيًا: أخذ المال على الخطابة (٣):
ونلحظ أن بعض العلماء ألحقها بالإمامة في الحكم (٤)، وبعضهم