← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك" (١). الدّليل الثّاني: قالوا: ولأنّهما جعلا رفق القرض ثمنًا، والشرط لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثّمن، ويصير الباقي مجهولًا، قال الخطابي: "وذلك فاسد؛ لأنّه إنّما يقرضه على أن يحابيه في الثّمن، فيدخل الثّمن في حدّ الجهالة" (٢). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ القرض ليس من عقود المعاوضة، وإنّما هو من عقود البرّ والمكارمة، فلا يصح أن يكون له عوض، فإن قارن القرض عقد معاوضة كان له حصة من العوض، فخرج عن مقتضاه، فبطل وبطل ما قارنه من عقود المعاوضة (٣). الدّليل الرّابع: قالوا: إذا كان القرض غير مؤقت فهو غير لازم للمقرض والبيع وما أشبهه من العقود اللازمة، كالإجارة والنِّكاح لا يجوز أن يقارنها عقد غير لازم لتنافي حكميهما (٤). الدّليل الخامس: قالوا: ولأنّه شرط عقد في عقد فلم يجز، كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره (٥).

стр. 597

المطلب الخامس القروض البنكية القروض البنكية لها صور وأشكال وهي في مجملها لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ضمن خدمات مصرفية: وأمثلة ذلك خطاب الضمان والاعتمادات المستندية، وخطابات الاعتماد الشخصية ونحو ذلك، وقد تقدّم معنا أن هذه الخدمات الّتي تقدمها البنوك تنتهي -غالبًا- إلى قروض ربوية، وقد سبق الحديث عنها مفصلًا. الحالة الثّانية: أن تكون هذه القروض بصورة مباشرة: وهذه الحالة هي موضوع حديثنا، وهي من أخطر ما تقوم به البنوك وهي في نفس الوقت من أبسط صور الاعتمادات المصرفية، ولا يبعد القول بأن معاملات البنوك تكاد تنحصر في الاتجار بالديون إقراضًا واقتراضًا وإن تعددت الصور والأشكال في ذلك. فالبنك يقوم باقتراض الودائع من عملائه -وهذا هو الراجح كما تقدّم- ثمّ يقوم بدوره بإقراض حصيلة هذه الودائع أو الديون للمتمولين أو للمستثمرين، وكل ذلك يتم وفق فائدة محددة متفق عليها سلفًا (١). وسيكون البحث في القروض البنكية على النحو التالي:

стр. 598

أوَّلًا: تعريف الإقراض البنكي: الإقراض البنكي هو: "اتفاق يسمح بموجبه المصرف لشخص فتح له اعتمادًا، بسحب المبالغ المعينة في هذا الاعتماد، خلال مدة معينة، أو يتفق مع المصرف على أن يدفع هذا الأخير قيمة الاعتماد لشخص آخر يعينه العميل" (١). والتعريف السابق تركز على فتح الاعتماد سواء كان القرض لنفس العميل أم كان لشخص آخر يحدده العميل. والتعريف السابق يشمل سورة واحدة من صور الأقراض البنكي وهي فتح الاعتماد. وهناك سورة أخرى وهي عملية القرض العادي المباشر من البنك للعميل فيتقدم العميل بطلبه للبنك، ويتسلم بموجبه مقدارًا محددًا من المال (٢). وقد عرف الباحثون هذا النوع من الإقراض بأنّه: "هو تسليم النقود مباشرة للعميل، وتحديد أجل للرد، واتفاق على سعر الفائدةُ، وبيان الضمانات إذا اشترطت لذلك" (٣). والفرق بين القرض النقدي المباشر وبين فتح الاعتماد يتلخص في النقاط التالية: ١ - المقترض يتسلم قيمة القرض بأكملها بعد توقيع العقد مباشرة بينما فاتح الاعتماد يسحب ما يشاء عن طريق شبكات أو غيرها في خلال المدة المسموح بها للاعتماد. ٢ - المقترض يتسلم القرض كله، بينما فاتح الاعتمادات قد يتسلم القرض كله وقد لا يتسلمه وقد يتسلم البعض فقط دون البعض الآخر.

стр. 599

٣ - المقترض يدفع كامل الفائدةُ على كامل المبلغ، بينما فاتح الاعتماد لا يحاسب إِلَّا على الأرصدة المدينة الّتي تم سحبها بالفعل. ٤ - المقترض يردّ كامل المبلغ والفوائد، بينما فاتح الاعتماد لا يردّ إِلَّا ما قد سحبه بالفعل، ونسبة الفائدةُ المستحقة على المبلغ المسحوب فقط (١). ثانيًا: تكييف الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي: القرض في المعاملات البنكية وغيرها من الأنظمة الحديثة يعد أول عقد ربوي، فهو يعد أصل كلّ العقود الربوية المعاصرة. وبالنظر في أحكام الشّريعة نجد الأمر على العكس فإن القرض لا يعد أصلًا من أصول العقود الربوية، إذ البيع هو الأصل في جميع أنواع الرِّبَا. ويأتي الكلام عن القرض الربوي الّذي يجر منفعة للمقرض، تابعًا للكلام عن البيع الربوي، فالبيع الربوي يشمل القرض الربوي، ويدخل في عموم النصوص المحرمة للبيع الربوي. من هذا المنطلق فقد خرج الفقهاء المعاصرون الإقراض البنكي على أنّه أحد عقدين: العقد الأوّل: عقد قرض . وهذا التخريج بعيد وإن سمته المصارف قرضًا، فلا يجوز أن يكون قرضًا عند الفقهاء؛ لأنَّ القرض في الشّرع إنّما هو دفع مبلغ من المال لآخر على وجه الإرفاق والمعونة على أن يردّ المقترض بدله دون شرط زيادة على القرض أو جريان عرف بهذه الزيادة أو أي طريقة أخرى للحصول على الزيادة، على ما سبق بيانه في الكلام حول القرض الشرعي.

стр. 600

أمّا القرض المصرفي فهو دفع مبلغ لشخص على أن يرده مع فائدة يتفقان عليها فهذا مغاير تمامًا للقرض الشرعي (١). العقد الثّاني: عقد بيع: وهذه التّسمية هي الّتي جاءت بها النصوص؛ لأنَّ القرض البنكي يتضمن معاوضة مالية بين نقدين -غالبًا- أحدهما عاجل، والآخر آجل على وجه المغالبة، وقصد التنمية والاستثمار، وقد سمى النّبيّ ﷺ مثل هذا بيعًا ومن ذلك: ١ - عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا الدّينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين) (٢). ٢ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب إِلَّا سواء بسواء، والفضة بالفضة إِلَّا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم) (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النّبيّ ﷺ سمى مبادلة المال بالمال على وجه الزيادة بيعًا (٤). ثالثًا: حكم الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي: إذا خُرّج الإقراض المصرفي على أنّه قرض فهو حرام بالإجماع؛ لأنّه قرض جر نفعًا مشروطًا، وهذا هو عين الرِّبَا، وتقدم بيان حكم ذلك والأدلة على تحريمه، وأن هذا محلّ إجماع بين الفقهاء لا خلاف بينهم في ذلك.

стр. 601

وإذا خُرج على أنّه بيع، فهو من البيوع المحرمة، لتضمنه ربا الفضل وربا النسيئة. أمّا ربا الفضل فللزيادة الّتي يدفعها المقترض بالإضافة إلى ما اقترضه بناءً على الشرط المتفق عليه مع الصّرف وأمّا ربا النسيئة فلتأجيل ما يدفعه المقترض للمصرف وفاءً للدين وقد يعجز المقترض عن الوفاء في الميعاد فيمتد الأجل ويلزمه دفع فائدة عن الدِّين الأصلّي، وما أضيف إليه من الفوائد قبل امتداد الأجل فيكون ربا مركبًا (١). ومن الأدلة الدالة على تحريم ذلك وأنّه متضمن للربا بنوعيه ما يأتي: الدّليل الأوّل: عن عبادة الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (٢). الدّليل الثّاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) (٣). الدّليل الثّالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا) (٤).

стр. 602

وجه الاستدلال من النصوص السابقة: حيث نهى النّبيّ ﷺ عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلًا، حالًا أو مؤجلًا، ونهى عن بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب مؤجلًا، والنهي يقتضي التّحريم، والقرض المصرفي قد يكون مبادلة ذهب بذهب أو فضة بفضة مع التأجيل، والزيادة فيتحقق فيه ربا الفضل والنساء، وقد يكون مبادلة ذهب بفضة أو فضة بذهب مع التأجيل فيتحقق فيه ربا النِّساء وعلى هذا فيكون داخلًا في عموم ما دلت عليه الأدلة السابقة من النّهي (١).

стр. 603

المبحث الثّاني أخذ المال على الضمان والكفالة المطلب الأوّل أخد المال على الضمان (١) المراد بالضمان هنا عقد الضمان المالي أو الكفالة بالمال (٢)، وهو أحد عقود التوثيق الّتي لها أهمية كبرى في حياة النَّاس ومعاملاتهم. وقد اعتنى الفقهاء قديمًا بهذا العقد، وخصوه بباب في مؤلفاتهم الفقهية، وحرروا مسائله وأحكامه على نحو محكم متين (٣).

стр. 604

وعقد الضمان (١)، أحد عقود الإرفاق والمعروف والإحسان والتبرع يقصد به ثواب الله تعالى، ورفع الضيق والحرج عن المسلم (٢)، وهذا شأن الضامن (٣) دائمًا، وما عليه إِلَّا إخلاص النية لله تعالى.

стр. 605

قال ابن الهمام: "ومحاسن الكفالة جليلة، وهي تفريج كرب الطالب الخائف على ماله، والمطلوب الخائف على نفسه، حيث كفيا مؤنة ما أهمهما وقر جأشهما، وذلك نعمة كبيرة عليهما، ولذا كانت الكفالة من الأفعال العالية ... (١). من هنا فإن الكفالة المالية، قد جمعت كثيًرا من الخصال والمنافع والمقاصد الشرعية الجليلة ممّا يجعلها محض إرفاق وتبرع وإحسان لا مطمع فيها لمكتسب، وإنّما هي وظيفة المحتسب. ولما كان الضمان عقد تبرع وإحسان، وإن الأصل فيه الغرم لا الغنم، يؤيد هذا ما رواه أبو أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: (العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي) (٢). والزعيم: هو الكفيل والضامن، قال الإمام الخطابي: "الزعيم الكفيل، والزعامة الكفالة، ومنه قيل لرئيس القوم: الزعيم؛ لأنّه هو المتكفل بأمورهم" (٣). أمّا ما يتعلّق بأخذ المال على الضمان المالي فيتضح من خلال المسائل التالية. المسألة الأولى: أخذ العوض على الضمان اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّه لا يجوز مطلقًا أخذ الجعل أو الأجرة

стр. 606

ونحوهما من الأعواض على الضمان، لا خلاف بينهم في ذلك (١). قال ابن الهمام: "إذا كفل بمال على أن يجعل له الطالب جعلًا فإن لم يكن مشروطًا في الكفالة، فالشرط باطل، وإن كان مشروطًا فيها فالكفالة باطلة" (٢). وقال: "والكفالة عقد تبرع كالنذر لا يقصد به سوى ثواب الله أو رفع الضيق عن الحبيب فلا يبالي بما التزم في ذلك" (٣). وقال المواق (٤): "لا يجوز ضمان بجعل؛ لأنَّ الضمان معروف، ولا يجوز أن يؤخذ عوض على معروف، وفعل خير، كما لا يجوز على صوم ولا صلاة؛ لأنَّ طريقها ليس لكسب الدنيا" (٥). وقال الرملي: "الضمان محض التزام لا معاوضة فيه" (٦). وقال ابن قدامة: "ولو قال اكفل عني ولك ألف لم يجز"، وعلل ذلك بقوله: "وأمّا الكفالة فإن الكفيل

стр. 607

يلزمه الدِّين، فإن أداه وجب له على المكفول عنه، فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة فلم يجز" (١). فهذه أقوال المذاهب الأربعة تدل على أن الجعل أو الأجرة على الضمان لا تجوز، وأمّا الظاهرية ومن وافقهم فلا نحتاج إلى ذكر قولهم في ذلك؛ لأنَّ الدِّين عندهم ينتقل إلى ذمة الضامن ويسقط عن المدين الأصلّي، ولا يحل حينئذ الرجوع على المدين بشيء ولا على ورثته، سواء أكان الرجوع من صاحب الدِّين أم من الضامن الّذي أدى الدِّين عنه، إِلَّا إذا قال المدين للضامن: اضمن عني ما لهذا عليّ، فإذا أديت عني فهو دين لك عليّ، فههنا يرجع عليه بما أدى عنه فقط؛ لأنّه استقرضه ما أدى عنه فهو قرض صحيح (٢). يتضح ممّا سبق أن الفقهاء رحمهم الله تعالى متفقون على المنع من أخذ الأجرة على الضمان. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، إِلَّا أنّه قد ورد في معرض كلامه ما قد يشوش على هذا الإجماع، قال ابن المنذر: "أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل ولا تجوز، واختلفوا في ثبوت الضمان على هذا الشرط، فكان الثّوريّ يقول: إذا قال الرَّجل للرجل: اكفل عني ولك ألف درهم فإن الكفالة جائزة وترد إليه الألف درهم. وإذا قال استقرض لي من فلان ألف درهم ولك عشرة دراهم، قال: هذا الأخير فيه؛ لأنّه قرض جر منفعة. وقال أحمد في مسألة الكفالة: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق.

стр. 608

وقال إسحاق: ما عطاه من شيء فهو حسن (١). وقال أحمد في المسألة الثّانية في القرض: لا بأس به، وقال إسحاق: أكرهه" (٢). وقد استدل الفقهاء على المنع من أخذ العوض على الضمان بعدة أدلة أبرزها: الدّليل الأوّل: الإجماع على ذلك، والإجماع حجة في ذاته كما لا يخفى، وتقدم ذكر ذلك الإجماع والكلام حوله. الدّليل الثّاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٩]. وجه الاستدلال: أن أخذ المال على الكفالة ليس من قبيل التجارة؛ لأنَّ الكفيل لا يعطي بكفالته شيئًا يعتاض عنه بما يعطاه من عوض يأخذه من المضمون عنه أو المضمون له، وإنّما

стр. 609

التزم متبرعًا بأداء ما على المضمون عنه من الدِّين، فإذا أداه ورجع به عليه لم يكن عندئذ ما يستوجب به أخذ مال آخر زيادة على ذلك وهو الجعل، فإذا أخذ يكون ذلك من قبيل أكل المال بالباطل وهو لا يجوز (١). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الضامن يلزمه الدِّين، فإن أداه المضمون عنه كان الجعل للضامن باطلًا؛ لأنّه أكل للمال بالباطل، وإن أداه الضامن، ورجع به على المضمون عنه، فإنّه يصبح قرضًا، فإن أخذ الجعل، صار القرض جارًا للمنفعة فلم يجز؛ لأنّه ربا (٢). الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الضمان أحد الثّلاثة الّتي لا تكون إِلَّا لله، والثّاني القرض والثّالث الجاه، لما يروى في الحديث: "ثلاثة لا تكون إِلَّا لله القرض والضمان والجاه "فلا يجوز أخذ العوض عليه" (٣). الدّليل الخامس: أن الضمان معروف وإحسان وعقد تبرع محض، لا يقصد به سوى ثواب الله

стр. 610

تعالى، وأخذ المال على المعروف سحت لا يجوز بحال (٤). هذا مجمل ما استدل به الفقهاء على المنع من أخذ العوض على الضمان، وحاصل ذلك يرجع إلى حالتين: الحالة الأولى: إذا حصل الضمان ولم يغرم الضامن ما على المضمون عنه وفي هذا الحالة يكون أخذه للعوض على ضمانه أكلًا للمال بالباطل من جهة، ومن جهة أخرى يكون آخذا للعوض على المعروف والإحسان وهذا سحت. الحالة الثّانية: إذا غرم الضامن ما على المضمون عنه، فإنّه يكون في هذه الحالة مقرض للمضمون عنه، فإذا أخذ العوض على ذلك فإنّه يكون آخذًا للربا؛ لأنّه سلف وزيادة وكل قرض جر نفعًا فهو ربا. هذا فضلًا عن أن الضمان في أصله معروف وإحسان كما تقدّم ذلك والله أعلم. المسألة الثّانية: التطبيقات المعاصرة لعقد الضمان عقد الضمان بمعناه الشرعي معروف منذ بداية الإسلام وقد بينه الفقهاء أتم بيان، وأحكامه مبسوطة في دواوين الإسلام، وما زال المسلمون يتعاملون به بضوابطه المعروفة، وهو من التشريعات العظيمة، إذا الغرض منه -كما تقدّم- هو الإحسان والبر والمعروف للمسلم لرفع ما به من ضيق وشدة وحاجة.

стр. 611

ومع تطور الحياة وكثرة المعاملات، نشأ في هذا العصر ما يسمى بمصطلح: (البنك) أو (المصرف) (٥). والبنك له وظائف كثيرة جدًا، وتتنوع معاملاته، وما يهمنا هنا هو ما له تعلّق بعقد الضمان، ومن المعاملات الّتي تقوم بها البنوك وهي متعلّقة بعقد الضمان ما يأتي: المعاملة الأولى: خطاب الضمان . المعاملة الثّانية: الاعتماد المستندي. وسأتحدث عن كلّ منهما بالتفصيل على النحو التالي: المعاملة الأولى: خطاب الضمان: يعد خطاب الضمان من أبرز صور الكفالات البنكية الّتي يقصد بها التوثيق، وقد نشأت الحاجة إليه في هذا العصر لكثرة المعاملات المالية والمبادلات التجارية وغير ذلك، وسيكون الحديث عنه على النحو التالي:

стр. 612

أ - تعريفه: خطاب الضمان المصرفي هو: "تعهد من البنك بقبول دفع مبلغ معين لدى الطلب إلى المستفيد في ذلك الخطّاب نيابة عن طالب الضمان، عند عدم قيام الطالب بالتزامات معينة قبل المستفيد" (١). ب - طبيعة خطاب الضمان: خطاب الضمان المصرفي كما هو ظاهر من تعريفه، هو تعهد قطعي مقيد بزمن محدد غيرقابل للرجوع، يصدر من البنك بناء على طلب طرف آخر (عميل له)، بدفع مبلغ معين لأمر جهة أخرى مستفيدة من هذا العميل، لقاء قيام العميل بالدخول في مناقصة أو تنفيذ مشروع بأداء حسن، ليكون استيفاء المستفيد من هذا التعهد (خطاب الضمان)، متى تأخر أو قصر العميل في تنفيذ ما التزم به للمستفيد في مناقصة أو تنفيذ مشروع ونحوهما، ويرجع البنك بعده على العميل بما دفعه عنه للمستفيد (٢). جـ - أركان خطاب الضمان: ممّا سبق يتضح أن أركان خطاب الضمان أربعة أركان:

стр. 613

١ - البنك (المصرف): وهو الطرف الضامن، والمراد بالضامن: هو من التزم ما على غيره. ٢ - العميل: وهو المضمون عنه. ٣ - المستفيد: وهو صاحب الحقال في التزمه الصّرف، أي: هو الضمون له. ٤ - قيمة الضمان: وهو المبلغ المضمون، الّذي التزمه الضامن (١). د - أنواع خطاب الضمان: تتنوع خطابات الضمان تبعًا لتنوع الغرض منها ومن أبرز أنواعها ما يلي: الأوّل: خطاب الضمان الابتدائي: وهو تعهد موجه إلى المستفيد سواء أكان هيئة حكومية أو غيرها بضمان دفع مبلغ من النقود من قيمة العملية (٢) الّتي يتقدم طالب الضمان للحصول عليها، ويستحق الدفع عند عدم قيام الطالب باتخاذ الترتيبات اللازمة عند رسو العملية عليه. الثّاني: خطاب الضمان النهائي: هو تعهد للجهة الحكومية أو غيرها بضمان دفع مبلغ من النقود يعادل نسبة أكبر من قيمة العملية (٣)، الّتي استقرت على عهدة العميل ويصبح الدفع واجبًا عند

стр. 614

تخلف العميل عن الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في العقد النهائي للعملية والجهة الّتي صدر خطاب الضمان لصالحها (١). الثّالث: خطاب ضمان الدفعة المقدِّمة أو السلفة: إذا دفع المستفيد سلفة مقدمة للعميل المتعاقد معه، فإن المستفيد في هذه الحالة يطلب خطاب ضمان مساوٍ لقيمة هذه السلفة أو الدفعة المقدِّمة. وهناك خطابات ضمان أخرى يكون الغرض منها تسهيل بعض المصالح الضرورية ومن أمثلة ذلك: ١ - خطاب ضمان لضريبة الدخل والتأخير والزكاة الشرعية. ٢ - خطاب ضمان لاستقدام الأيدي العاملة من أجل تشغيلها في الغرض الّذي تم استقدامها لأجله. ٣ - خطاب ضمان يطلب من الطلاب المبتعثين للدراسة من قِبل وزارة التعليم العالي. ٤ - خطاب ضمان سفر المدرسين المتعاقدين. وذلك إذا أراد المدرس السَّفر بمناسبة عطل الأعياد أو نصف السُّنَّة، فإن الجهة المتعاقدة معه تطلب منه خطاب ضمان بمبلغ معين يحدده النظام. وهناك أنواع أخرى من خطابات الضمان تتنوع حسب الحاجة، ولكن أشهرها هما النوع الأوّل والثّاني، وهي وإن تنوعت إِلَّا أن مضمونها وحكمها واحد (٢).

стр. 615

هـ - التخريج الفقهي لخطاب الضمان: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين وبعض الباحثين إلى تكييف خطاب الضمان بناء على كونه مغطى من قبل العميل أو غير مغطى، فقالوا: إنَّ خطاب الضمان من حيث وجود غطاء له وعدمه له ثلاثة أحوال: ١ - خطاب ضمان له غطاء كامل من العميل: إذا أودع العميل لدى المصرف ما يغطي خطاب الضمان غطاءً كلاملًا، فإنّه في هذه الحالة تكون العلّاقة بين المصرف والعميل علاقة وكالة، حيث وكل العميل المصرف ليقوم بالأداء عنه للمستفيد. ٢ - خطاب ضمان ليس له غطاء ألبتة: إذ كان خطاب الضمان غير مغطى من العميل ألبتة، فمن الواضح أنّه يعتبر في هذه الحالة عقد ضمان وكفالة بالمال، على ما سبق بيانه في تعريف الضمان، فالضامن هو المصرف والمضمون هو العميل والمضمون له هو المستفيد. ٣ - خطاب ضمان له غطاء جزئي: وفي هذه الحالة تكون علاقة المصرف بالعميل علاقة ضمان، ووكالة معًا فالمصرف وكيل في الجزء المغطى، وضامن بالنسبة للجزء غير المغطى، والذي عليه العمل في المصارف أن الغالب أن يقوم العميل بالغطاء الجزئي لا الكلي (١).

стр. 616

وذهب البعض إلى أن خطاب الضمان ما هو إِلَّا سورة لعقد الضمان المالي المعروف عند الفقهاء، حيث توفرت في خطاب الضمان كافة أركان عقد الضمان المعروفة عند الفقهاء (١). وقد تقدّم ذكر أركان خطاب الضمان، وأنّها هي نفسها أركان عقد الضمان، وإن وجد فرق، فإنّما هو في بعض الشكليات الّتي لا تؤثر ولا تعد فرقًا بين عقد الضمان وخطاب الضمان، ومن ذلك مثلًا: ١ - أن المضمون به قد لا يثبت إِلَّا في المستقبل، فيكون ذلك من ضمان ما لم يجب، وهذا لا يؤثر؛ لأنَّ صحة ضمان ما لم يجب هو الراجح عند الفقهاء (٢). ٢ - أن المضمون به قد يكون مجهولًا، وهذا فرق لا يؤثر؛ لأنّه يجوز ضمان المجهول على الصحيح (٣). ٣ - أن المطالبة بالمضمون به تتوجه للضامن وهو المصرف دون المضمون عنه، وهذا فرق لا يؤثر؛ لأنَّ ذلك راجع إلى الشروط في الضمان بين المصرف والمستفيد والعميل، وهذا لا يؤثر في أصل العقد (٤).

стр. 617

و - أخذ العوض على خطاب الضمان: أوَّلًا: ذهب الفقهاء والباحثون المعاصرون إلى أن المصروفات الإدارية الّتي يأخذها البنك من العميل، لا حرج فيها شرعًا، وذلك نظير ما يقوم به البنك من أعمال إدارية وعلمية وعملية ونحو ذلك من الخدمات. وقد اشترطوا في ذلك أن لا تزيد هذه المصروفات عن أجرة المثل، حتّى لا يكون ذلك ذريعة للبنك لإدخال عمولة الضمان تحت هذا المسمى (١). ووجه ما ذهبوا إليه: ١ - أن هذه المصروفات، إنّما هي في مقابل ما يقوم به البنك من أعمال إدارية ونحوها، فلا تعلّق لها بالضمان أصلًا (٢). ٢ - أن هذه الأعمال مباحة في أصلها، ولم يلحق بها أي وصف يخرجها عن اللإباحة إلى الحرمة. وقد أيّد هذا مجمع الفقه الإِسلامي، وجاءت كلمة الباحثين والفقهاء الذين بحثوا خطاب الضمان متفقة على جواز ذلك. ومما جاء في قرار المجمع ما يلي: "أمّا المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل" (٣). ثانيًا: إذا سدد البنك عن عملية للجهة المستفيدة، فإنّه يرجع على العميل، فإن كان لخطاب الضمان غطاء أخذ منه وإلا رجع على العميل، فإذا تأخر العميل عن التسديد في الموعد المحدد بينهما فإن البنك في هذه الحالة يجعل نسبة معينة من الفائدةُ

стр. 618

مقابل التأخير (١)، وفي هذه الحالة يكون البنك مقرضًا للعميل وقد أخذ فائدة على هذا القرض، ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الفائدةُ على القرض ربا، قال ابن قدامة: "وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المتسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٢). ثالثًا: إذا أصدر البنك خطاب الضمان فإنّه يأخذ عوضًا عليها من العميل وهذا العوض يسميه البنك (عمولة)، وهذه العمولة لها نسب محددة تزيد وتقل حسب المبالغ المضمونة. وهذه العمولة تناولها الفقهاء المعاصرون بالبحث والدراسة وبنوا حكمهم عليها تبعًا للتكييف الشرعي لها كما سبق. فمن ذهب إلى أن خطاب الضمان ما هو إِلَّا عقد ضمان من المصرف لعميله في مقابل فائدة قالوا: لا يجوز مطلقًا أخذ عمولة أو فائدة على خطاب الضمان. ولم يفرق هؤلاء بين ما كان منه مغطى أوغير مغطى. وممن ذهب إلى هذا مجمع الفقه الإِسلامي بجدة، وكذلك اللجنة الدائمة للإفتاء (المنبثقة عن هيئة كبار العلماء)، وبعض الباحثين، وقد جاء نصّ قرار مجمع الفقه الإِسلامي بجدة على النحو التالي: أوَّلًا: أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء أكان بغطاء أم بدونه. ثانيًا: أمّا المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعًا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن

стр. 619

يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء، والله أعلم (١). أهـ أمّا اللجنة الدائمة فقد رأوا أنّه لا يجوز أخذ عمولة وفائدة في مقابلة الضمان من قبل البنك وذلك لأمور: ١ - أخذ المصرف مالًا في مقابلة الضمان، والضمان من باب المعروف الّذي يبذل ابتغاء الثّواب من الله. ٢ - أخذ فائدة في مقابلة ما دفعه من المال عن عميله فإنّه يعتبر قرضًا جرّ نفعًا. ٣ - ما قد ينتفع به من استغلال للغطاء والغطاء هنا من باب الرَّهْن، فكان انتفاع الضامن به محرمًا حيث لم يكن ظهرًا يركب بنفقته أو ذا در يحلب بنفقته (٢). أهـ. ويلاحظ عدم تعرض اللجنة إلى المصروفات الإدارية للبنك وإنّما تركز كلامها على العمولة على خطاب الضمان فقط، والذي يظهر أنّها لا تندرج تحت كلامهم السابق لعدم شمول التعليل السابق لها (٣). وذهب البعض إلى التفريق بين ما كان له غطاء وبين ما ليس له غطاء. ففي حالة الغطاء الكلي لخطاب الضمان فإن العلّاقة حينئذ بين البنك والعميل علاقة وكالة، والوكالة تجوز بأجرة، فيجوز للبنك حينئذ أخذ الأجرة على خطاب الضمان. وإذا كان الغطاء جزئيا فإن العلّاقة حينئذ تكون وكالة في الجزء المغطى وكفالة في الجزء غير المغطى فيجوز أخذ الأجرة حينئذ على الجزء المغطى دون غيره. أمّا إذا لم يكن خطاب الضمان مغطى فالعلّاقة حينئذ هي كفالة مالية فلا يجوز

стр. 620

أخذ العوض عليها (١). وقد نوقش هذا التفصيل بما يأتي: ١ - إنَّ الغطاء قد يكون نقدًا، وقد يكون غير نقد من الأشياء العينية فإذا كان عينا فإن المقصود في هذه الحالة هو توثيق البنك تجاه العميل، فالبنك في هذه الحالة ضامن مرتهن، وليس وكيلًا. ٢ - إنَّ كان الغطاء نقدًا فثمة عدد من الملاحظات: الأولى: أن هذا الغطاء ليس أمانة عند البنك؛ لأنّه لا يحفظه بعينه. الثّانية: أنّه يضمنه للعميل. الثّالثة: أن البنك يستفيد منه مدة بقائه عنده ويتاجر به ضمن أمواله، ومن المعلوم أن الوكيل أمين، وإذا تلف ما بيده، فإنّه لا يضمنه إِلَّا بتعد أو تفريط، وأنّه لا يتاجر بما في يده لمصلحة نفسه ... ثمّ إنَّ الضمان عقد لازم وأمّا الوكالة فعقد جائز ... ، ولهذه الاعتبارات فإن الأظهر والأقرب في هذا الغطاء أنّه ليس أمانة وكل عليها البنك، بل هو إمّا رهن عنده أو قرض له من العميل. وعليه فلا يصلح أن تفسر العلّاقة بين العميل والبنك على أنّها وكالة (٢). والذي يظهر ترجيحه ممّا سبق هو ما ذهب إليه القائلون بعدم التفريق بين ما كان مغطى وغير مغطى، باعتبار أن خطاب الضمان سورة حقيقية تطبيقية لعقد الضمان، وقد تقدّم ذكر الإجماع على أنّه لا يجوز أخذ العوض على عقد الضمان المالي، فكذلك هنا لا يجوز أخذ العوض على خطاب الضمان، وقد تقدّمت الأدلة على ذلك مفصلة.

стр. 621

المسألة الثّانية: الاعتماد المستندي: بعض الباحثين بحثوا هذا الموضوع ضمن خطاب الضمان، كأحد أنواع خطابات الضمان، وأفرده البعض الآخر لأهميته، واختصاصه بجانب التجارة الخارجية، والاعتماد المستندي عملية هامة تعرفها التجارة الناشئة عن استيراد البضائع من الخارج، وتسديد قيمتها إلى المصدِّر، وتقوم المصارف بدور هام في تسهيل هذه المهمة ففي التجارة الخارجية تعترض كلًا من البائع والمشتري صعوبات ترجع إلى وجود كلّ منهما في دولة تختلف عن الأخرى، فهناك اختلاف في قوانين كلّ بلد، والخوف من الصعوبات الّتي تنشأ من التقاضي أو انعدام الثقة بين الطرفين، فبينما نجد أن البائع "المصدر" لا يطمئن إلى إرسال بضاعته إلى قطر آخر دون أن يحصل على ثمنها قبل الشحن نجد أن المشتري "المستورد" كذلك لا يطمئن إلى إرسال الثّمن إِلَّا بعد الحصول على البضاعة كاملة والتأكد من مطابقتها للمواصفات المتفق عليها. من هنا قامت المصارف بدور هام بالتوسط في تذليل تلك الصعوبات ممّا يحقق غرض كلّ طرف ممّا يساعد على إتمام الصفقة ويضفي على علاقتها أسباب الثقة والطمأنينة (١). أ - تعريف الاعتماد المستندي: الاعتماد المستندي هو: (تعهد كتابي يصدره البنك بناء على طلب مستورد البضاعة لصالح مورِّد، يتعهد فيه المصرف بدفع المبالغ الّتي يستحقها المورد، ثمنًا لسلع يصدرها للمستورد طالب فتح الاعتماد متى قدم المورد المستندات المتعلّقة بالسلع، والشحن، على أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد) (٢).

стр. 622

ب - التخريج الفقهي للاعتماد المستندي: توجد في الاعتمادات المستندية ثلاث علاقات: ١ - علاقة بين المصرف والآمر وهو طالب فتح الاعتماد وهو العميل المستورد. ٢ - علاقة بين المصرف والمستفيد من فتح الاعتماد هو البائع وتتمثل في التزام البنك بدفع المبلغ (ثمن البضاعة) له. ٣ - علاقة بين المستفيد والآمر من أجل صفقة البيع. وبين هؤلاء الثّلاثة عدة عقود مرتبطة بعضها ببعض وهي: ١ - عقد بيع بين البائع المستفيد وبين المشتري العميل. ٢ - عقد ضمان التزم فيه البنك التزامًا خاصًا للبائع المستفيد بدفع مبلغ معين من أجل الصفقة عند وصول الوثائق اللازمة مستوفية للشروط. ٣ - عقد وكالة من المشتري للمصرف لقيامه عنه بإجراءات معينة تتعلّق بإتمام الصفقة. وهذه العقود كلّ منها جائز في نفسه، ولا مانع من تعددها لعدم التضارب بين خواصها وآثارها، بل بعضها يخدم بعضًا، ويساعد على الانجاز بسهولة في أقرب وقت ممكن (١). جـ - أخذ العوض على إصدار خطاب الاعتماد المستندي: ذهب البعض إلى التفريق بين خطاب الاعتماد المغطى وغير المغطى فإذا كان الاعتماد مغطى غطاءً كاملًا، بأن قام المشتري بدفع ثمن البضاعة كاملًا للبنك، ففي هذه الحالة يكون البنك مجرد وكيل عن المشتري، فما يأخذه البنك من عمولة، تعد أجرًا أو جعلًا عن وكالته لا عن كفالته.

стр. 623

وإن كان الاعتماد غير مغطى كليًا أو جزئيًا، فإن المصرف في هذه الحالة يعد كفيلًا وضامنًا فإذا أخذ عمولة على ضمانه فإن ذلك لا يجوز كما تقدّم في خطاب الضمان (١). وذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء إلى أن الاعتماد المستندي قد اقترن به عدة أمور لكل أمر حكمه، منها: ١ - دفع المستورد فائدة للمصرف الوسيط لما دفعه عنه للمصدر من الثّمن، وهو ربا واضح (٢). قلت: وهذا في حالة تأخر المشتري عن دفع ثمن البضاعة وقيام البنك بدفع الثّمن للبائع (المستفيد) وذلك بناء على التزامه بذلك كما في خطاب الاعتماد، ففي هذه الحالة يكون البنك مقرضًا للمشتري وأخذه للفائدة على القرض ربا واضح لا خلاف فيه. ٢ - ما يدفعه المستورد للبنك من عمولة لضمان المصرف وفي إباحتها نظر. قلت: توقف اللجنة الدائمة في إباحة عمولة الضمان له ما يبرره؛ لأنَّ خطاب الاعتماد المستندي إذا لم يكن مغطى بثمن البضاعة كاملًا فإنّه في هذه الحالة لا يجوز دفع العمولة للبنك على خطاب الاعتماد؛ لأنَّ البنك ضامن والضمان لا يجوز أخذ العوض عليه كما تقدّم وإذا كان مغطى كاملًا ففي هذه الحالة ذهب البعض كما تقدّم إلى أن العلّاقة حينئذ بين البنك والعميل هي علاقة وكالة وأخذ العوض أو الأجر على الوكالة جائز.

стр. 624

أمّا إذا كان الاعتماد له غطاء جزئي فالتفصيل كما تقدّم في خطاب الضمان أنّه يكون في الجزء المغطى عقد وكالة وفي غير المغطى عقد كفالة فيجوز أخذ العوض على الجزء المغطى دون الجزء غير المغطى، فلعلّه في ظل هذا التفصيل لم تبت اللجنة في ذلك، بخلاف خطاب الضمان فإنهم منعوا أخذ العوض على خطاب الضمان دون تفصيل بين المغطى وغير المغطى. ٣ - دفع مقابل التّأمين على البضاعة من المخاطر أو التزام ذلك وقد يقال بتحريمه لما فيه من المغامرة وأكل المال بالباطل. ٤ - دفع المستورد أجرة للمصرف مقابل ما يقوم به من خدمات وإجراءات تتعلّق بالبضاعة وهو جائز إنَّ لم يتخذ ستارًا للربا، وإلا امتنع. ٥ - بيع المصرف البضاعة المشتراه قبل قبضها ليستوفي منها دينه على المشتري إذا امتنع من تسلمها، وهذا محرم مطلقًا أو إذا كانت البضاعة طعامًا للأحاديث الواردة في ذلك. ثمّ خلصت اللجنة الدائمة للإفتاء إلى الحكم التالي: "فإذا ثبت تحريم ما ذكر أو بعضه فالاعتمادات المستندية محرّمة لما لابسها لا لذاتها، وهل يعود ذلك التّحريم على العقد بالفساد أو يبطل الشرط الملابس للعقد ويمضي العقد، هذا محلّ نظر وموضع اجتهاد اختلفت في مثله آراء الفقهاء وعلماء الأصول" (١).

стр. 625

المطلب الثّاني أخذ المال على الكفالة (١) المراد بالكفالة هنا هي الكفالة بالنفس (٢)، وهي -كما تقدّم- أحد نوعي الكفالة أو الضمان عند الفقهاء بمعناه العام. والكفالة أحد عقود التوثيق المهمة وهي أوسع من الضمان المالي؛ لأنَّ الضمان المالي يمتنع منه كثير من النَّاس، بخلاف كفالة النفس (٣). والكفالة عقد تبرع وإرفاق وإحسان ومعروف، والكلام في الكفالة كالكلام في عقد الضمان المالي من حيث عدم جواز أخذ الأجرة أو الجعل عليها. وقد تقدّم نقل الإجماع وذكر الأدلة الأخرى الدالة على المنع من أخذ العوض على الكفالة والضمان، حيث إنَّ العلماء لم يفرقوا بين الضمان والكفالة في ذلك بل

стр. 626

جاءت عباراتهم عامة شاملة للضمان بمعناه العام الشامل لكفالة النفس أو البدن، أو للكفالة بمعناها العام الشامل للكفالة بالمال والكفالة بالنفس (١). والكفالة بالنفس وإن كان لا يتعلّق بها التزام مالي في الأصل (٢) فلا تؤول إلى قرض وعليه فإنّه ينتفي محذور الرِّبَا، إِلَّا أنّها تبقى من عقود التبرع والإحسان فلا يجوز الاعتياض عنها بمال (٣). وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الكفالة بالنفس قد تؤول إلى الضمان المالي ويغرم فيها الكفيل ما على المكفول من الدِّين، وذلك إذا فرط في إحضار المكفول إلى المكفول له في الوقت العين وفي الموضع المتفق عليه أو في موضع يتمكن فيه صاحب الحق من إحضاره إلى مجلس القضاء ليستوفي حقه، وهذا هو المقصود من عقد الكفالة. وممن ذهب إلى أن الكفيل يغرم إذا قصر في ذلك: المالكية (٤) وهو قول عند الشّافعيّة (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦). وفي هذه الحالة يكون لا فرق بين الكفالة والضمان من حيث النتيجة إذ تؤول إلى قرض فإذا أخذ الأجرة على كفالته كان القرض سلف وزيادة فيكون ربا فلا يجوز حينئذ أخذ الأجرة على الكفالة.

стр. 627

المبحث الثّالث أخذ المال على الصلح (١) لا تخفى أهمية الصلح وما له من مكانة في الشّريعة الإِسلامية، وقد تواردت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أهميته وفضله (٢)، لما يترتب عليه من المصالح الخاصة والعامة، وذلك لما فيه من قطع المنازعة بين المتخاصمين، وإزالة العداوة والبغضاء من القلوب وإشاعة المحبة والخير بين كافة أفراد المجتمع. قال البهوتي: "الصلح من أكبر العقود فائدة، لما فيه من قطع النزاع والشقاق، ولذلك أبيح فيه الكذب" (٣).

стр. 628

وأمّا ما يتعلّق بأخذ المال على الصلح، فالمراد به هنا هو من يقوم بالإصلاح بين الخصوم، هل يجوز له أخذ مال على عمله أم لا؟. يتوقف حكم هذه المسألة على صفة من يقوم بمباشرة الصلح فقد يكون المباشر للصلح هو الإمام الأعظم أو نائبه، وقد يكون القاضي، وقد يكون إنسانًا صالحًا متبرعًا بذلك، وقد يكون محكمًا يختارونه وبيان ذلك كما في المطالب الآتية:

стр. 629

المطلب الأوّل الإمام الأعظم أو نائبه إذا كان الّذي يباشر عملية الإصلاح بين الخصوم هو إمام المسلمين أو نائبه ففي هذه الحالة فإنّه لا يجوز له أخذ عوض على ذلك؛ لأنَّ الإصلاح بين الرعية من مهام عمله، ويدلُّ على ذلك ما يأتي: الدّليل الأوّل: حديث سهل بن سعد المتقدم قال: أن أهل قباء اقتتلوا حتّى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: (اذهبوا بنا نصلح بينهم) (١). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الحديث ظاهر، حيث قام رسول الله ﷺ وهو الإمام الأعظم للمسلمين بالصلح بين أهل قباء، فدلّ ذلك على أن الإصلاح بين المتخاصمين من عمل إمام المسلمين، والإمام لا يعتاض عن ذلك لما له من الكفاية في بيت المال بالإجماع وقد تقدّم ذلك (٢). الدّليل الثّاني: عن سهل بن سعد ﵁ قال: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فصلّى الظهر ثمّ أتاهم يصلح بينهم) (٣). وفي رواية:

стр. 630

(أن ناسًا من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النّبيّ ﷺ في أناس من أصحابه يُصلح بينهم) (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ الحديث على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم، وقد ترجم الإمام البخاريّ لهذا الحديث بقوله: "باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم" (٢)، قال ابن المنير: "فقه التّرجمة التنبيه على جواز مباشرة الصلح بين الخصوم ... وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم" (٣). فهذه الأحاديث تدل صراحة على أن الإمام الأعظم يباشر الصلح بين المسلمين فيما وقع بينهم من خصام أو عداوة وإن اضطره ذلك للذهاب إلى موضع الخصوم، وقد تقدّم أن الحاكم إنّما يأخذ نفقته ونفقة من يمونه، وكل ما يلزم هذا المنصب الشريف من بيت المال، وهذا محلّ إجماع بين المسلمين كما سيأتي (٤).

стр. 631

المطلب الثّاني القاضي أو من ينيبه إذا قام القاضي بنفسه بمباشرة الصلح بين الخصوم أو أناب أحدًا من أعوانه للقيام بذلك، فإن ذلك من مهام القاضي وهو مندوب إلى الإصلاح بين الخصوم ويدلُّ لذلك: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّساء: ١٢٨]. وجه الاستدلال: حيث دلت اللآية الكريمة أن الصلح خير، فكأن ردّ القاضي للخصوم حتّى يصطلحوا ردًا للخير (١). الدّليل الثّاني: ما روي عن عمر ﵁ قال: (ردوا الخصوم حتّى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين النَّاس) (٢). وجه الاستدلال: دلّ الأثر على أنّه يستحب للقاضي رد الخصوم إلى الصلح، وأن لا يبادر إلى القضاء لما يترتب عليه من إبقاء الضغائن في النفوس، وعليه فإنّه إذا قام القاضي

стр. 632

بالصلح أو ندب أحد أعوانه من الصلحاء الموثوق بهم، فإن ذلك لا يوجب عوضًا؛ لأنَّ القاضي يأخذ رزقه من بيت المال على عمله وهذا من عمله وسيأتي تفصيل ذلك (١).

стр. 633

المطلب الثّالث إذا تطوع إنسان بذلك إذا قام أحد أهل الخير والصلاح بالتدخل بين الخصوم، فأصلح بينهم فإن هذا من أحب الأعمال وأزكاها عند الله تعالى، وفي هذه الحالة فإنّه لا يستحق عوضًا على عمله هذا وذلك لما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّساء: ١١٤]. وجه الاستدلال: دلت هذه الآية الكريمة على الترغيب في الإصلاح بين النَّاس وأن يقوم به الإنسان على وجه الاحتساب والإخلاص لله ابتغاء الثّواب الجزيل في الآخرة؛ لأنَّ من فعله لغير ذلك، فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج من الوزر، وهذا يدلُّ على أنّه لا يجوز أخذ العوض على الإصلاح بين النَّاس؛ لأنَّ أخذ العوض ينافي الاحتساب (١). الدّليل الثّاني: يمكن الاستدلال لذلك بأن من قام بالإصلاح متطوعًا بذلك، فإنّه يكون متبرعًا به، وعليه فلا يجوز أخذ العوض على عمله في هذه الحالة. فإن غرم بسبب الإصلاح دينًا في ذمته، بأن يكون الصلح متوقفًا على المال، فيلتزم ذلك المال في ذمته حتّى يتم الصلح وترتفع العداوة وتزول الخصومة، فإنّه في

стр. 634

هذه الحالة قد أتى معروفًا كبيرًا، فيعطي من أموال الزَّكاة ما يسد به دينه وما تفرغ به ذمته. وقد دلّ على ذلك القرآن والسُّنَّة: أ - القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ على أن الغارم يعطي من الزَّكاة ما يوفي به دينه، ومن ذلك الغارم لإصلاح ذات البين، قال الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية: "ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطي من الصَّدقة ما يؤدِّي ما تحمل به، إذا وجب عليه وإن كان غنيًا" (١). ب - السُّنَّة: عن قبيصة بن المخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالة (٢) فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: (أقم حتّى تأتينا الصَّدقة فنأمر لك بها) قال: ثمّ قال: (يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إِلَّا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فعلت له المسألة حتّى يصيبها ثمّ يمسك ... " الحديث (٣).

стр. 635

وجه الاستدلال: دلّ الحديث على حل الزَّكاة للغارم لمصلحة غيره، وهو الغارم لإصلاح ذات البين، فيأخذ مقدار ما تحمله من الزَّكاة وإن كان غنيًا. وإعطاء المتحمل لإصلاح ذات البين أو الغارم لمصلحة الغير هو مذهب جمهور العلماء من المالكية (١) والشّافعيّة (٢) والحنابلة (٣). وقد استدلوا لمذهبهم بما تقدّم ذكره من أدلة. وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إنَّ المتحمل لا يعطي من الزَّكاة إِلَّا إنَّ كان لا يملك نصابًا، فاضلًا عن دينه كغيره من المدينين (٤). وقد استدلوا لمذهبهم بما يأتي: حديث معاذ حين بعثه النّبيّ ﷺ إلى اليمن فقال له: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) (٥). وجه الاستدلال: دلّ الحديث على أن الزَّكاة لا تعطى إِلَّا للفقراء وهم من لا يملكون مائتي درهم. مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: أن ذكر الفقراء في الحديث إنّما خرج مخرج الغالب؛ لأنّهم أكثر من تدفع إليهم الصَّدقة، وحقهم آكد من غيرهم (٦).
следующие страницы →