← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

وأنَّه ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا (١)، وكذلك يوم عرفة (٢) (٣)، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المرويات عن جماعة من

стр. 108

الصحابة والصحابيات، وأنَّ ذلك كيف شاءَ لا كما نفهمُه (١) من مواجيد ذواتنا، وأنَّه كلما خطر بالبال أو تُصوَّر في الذهن فالله تعالى بخلافه (٢). وقد نفى بعضهم النزولَ، وضعَّف الأحاديثَ، أو تأوَّلَها خوفاً من التحيُّز (٣)،

стр. 109

أو الحركةِ والانتقال (١) الملازمين للأجسام والمُحدَثين، والمحققون

стр. 110

أثبتوها، وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء، وقد ذكر البخاريُّ في صحيحه رواية: "أنَّ الله يتنزَّل" (١)، وقال (٢) بعضهم: والتنزُّل غير النزول. والله عالٍ في الدنوِّ دانٍ في العلوِّ. وجميع الآيات والأحاديث الثابتاتِ من المجيء، والنزول، وإثبات الوجه، وغيرِ ذلك من الصفات أوجب العلماء الإيمانَ بها، وعدمَ الفكر فيها أو تصورِها (٣)، ومن تكلم فيها منهم تكلم بتأويلها (٤) على ما يليق بجلال الله ، مع اعتقاد نفي جميع صفات المخلوقين. وقد رُوِّينا في حديثٍ مرفوعٍ حسنٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تفكَّروا في آلاء الله، ولا تتفكروا (٥) في ذات الله" (٦). والكتاب العزيز ناطقٌ

стр. 111

[بالتحضيض] (١) على التفكُّر في خلقِ السموات والأرض والنظر في آياتهما (٢)، ويجب الإيمان بما عدا ذلك، والتسليمُ له، وتفويض (٣)

стр. 112

العلم الذاتيِّ إلى الله تعالى، وأمَّا العلمُ بالوجودِ والقدرةِ والتنزيه والتبرِّي من الحولِ والقوةِ إلا به ، فهو المطلوب الذي وقع التكليف به. وأمَّا التصورُ والإدراكُ والإحاطةُ (١) فذلك خاصٌّ بِه ، وحظُّ العالمِ العلويِّ والسفليِّ الإيمانُ بوجوده لا تصوُّرَ ذاتِه وشهودُه لا سبيلَ لنبيٍّ مرسلٍ ولا ملَكٍ مقرَّبٍ إلى الاطِّلاعِ على ذلك، ولا الإحاطةِ بشيءٍ منه، فالعجزُ عن الإدراكِ (٢) إدراكٌ (٣). وقوة الإيمان حاملةٌ على اليقين، واليقين قد يصير في قوته والتمسكِ به ككشفِ الغطاءِ (٤)؛ ولهذا قال عليٌّ ﵁: (لو كُشفَ الغطاءُ

стр. 113

ما ازددتُ يقيناً) (١)، وبهذا المعنى امتاز الصدِّيق ﵁ وغيره من الصحابة ﵃ على سائر الأمة، حتىّ كان أحدهم يجعل المُخبَرَ عنه (٢) في المستقبل وجودياً في الحال، كإخباره ﷺ عن الخاتم الذهب أنَّه جمرةٌ من نارٍ، فألقاهُ من يده وذهب، فقيل له: خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله، لا آخذه (٣). وما ذاك إلا أنَّ (٤) المُغيَّبَ عنه صار يقيناً عنده (٥)، فبالأثر يُستدلُّ على المؤثِّرِ، فإذا تمكَّن معرفةُ المؤثِّرِ، وهو الله

стр. 114

- ، اُستُدِلَّ به على جميع الموجودات، وصار عند العبد دليلَها، وهاديها، ومعطيها، ومانعَها، ومعلمَها، ومفهمَها، بواسطة النبي ﷺ ، وإلهامِه سبحانه العبدَ على وفق ما جاء به النبي ﷺ . فإن خرج العبد عن هذا الطور هلك، وخُذِلَ - فنعوذ با لله من الخذلان، والهلاك، والحرمان -. فإذا كان حالهم ﵃ في الشيء التافه هذا الحالَ، وعاملوه بمعاملة (١) عين اليقين بإخباره ﷺ ، فما ظنُّك بهم، فالحقُّ شهدته قلوبُهم، واطمأنت إليه أبشارُهم (٢)، وسكنت إليه جوارحهم. لقد ظَهرْتَ فلا تخفى على أحدٍ ... إلا على أَكْمَهٍ (٣) لا يعرفُ القمرا (٤)

стр. 115

فصل (٢) يجب أن نعتقد (١) أنَّ ما أثبته الله سبحانه في كتبه على لسان رسله - صلواتُ الله عليهم وسلامه - حقٌّ، وأنَّ جميع ما فيها من [الوجود] (٢) والإيجاد الثابتين للإلهيَّة والتنزيه عن الحدثِ والمحدَثِ وصفاتِهما حقٌّ. وأنَّ الكتاب العزيز المُنزَّلَ على لسان محمدٍ ﷺ أتى بجميع ما فيها من ذلك وأبين، وأنَّه لا اختلاف بين الكتب، في ذلك، وأنَّه ناسخٌ لجميع الكتب. وأنَّ شريعة محمدٍ ﷺ ناسخةٌ لجميع الشرائعِ. وأنَّ رسول الله ﷺ وجميعَ النبيين حقٌّ. ويجب أن نعتقدَ (٣) أنَّه يحرم التفرقة بين رسل الله وأنبيائه في التوحيد (٤). وما أقرّه رسول الله ﷺ ، وقاله، وعمل به، أو فُعِلَ بحضرته وسكت عليه فهو حقٌّ. وأنَّ العقل [مذكَّرٌ] (٥) لذلك لا أمر له ولا نهيَ، ولا تحريم ولا تحليل، بل تصرُّفُه الموافق لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في

стр. 116

الفروعِ [جائزٌ] (١)، وأمَّا في الأصول فلا مدخل له أصلاً ألبتة سوى الوقوفِ عنده (٢).

стр. 117

فما أثبته سبحانه لنفسه في كتابه وعلى (١) لسان رسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه نفيناه، وما سكت عنه سكتنا عنه، وما ذكره في الكتاب العزيز وعلى لسان نبيه (٢) محمدٍ ﷺ مُفرقاً ذكرناه مفرقاً، وما ذكره مجموعاً ذكرناه مجموعاً. فإن نفى نافٍ جميعَ ذلك نفياً أدَّى إلى تعطيلها (٣)، ونفي الحقائق الشرعية الثابتة عن الله تعالى ورسوله ﷺ

стр. 118

وجب ذكرها وبيانها (١) مجموعةً ومبينةً، للردِّ عليه، وعدم الكتمان المتوعد عليه بالنار الملعون متعاطيه، وما أرسل الله الرسلَ، وجعل العلماءَ ورثتهم؛ إلا لهذا، والله يعلم المفسد من المصلح.

стр. 119

فصل (٣) الوجود الذاتيُّ ثابتٌ له سبحانه، والصفات ثابتةٌ له [أزلاً] (١) أبداً. ووجود المخلوقين وصفاتهم منفيٌّ عنه سبحانه. فهو سبحانه قديمٌ أزليٌّ (٢) دائمٌ سرمديٌّ (٣)، .............................

стр. 120

والمخلوقون محدَثون (١) دائمون بإدامته، فانون بإفنائه، مبعوثون ببعثه، منشورون بنشره. فإذا ثبت نصاً في الكتاب العزيز والسنة النبويَّة - على قائلها أفضل الصلوات (٢) والتسليم - أنَّه سبحانه خلق آدم بيده، وأنَّه قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأنَّه سبحانه قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وثبت في الصّحيح في محاجَّة آدم وموسى قولُه له: "خلقك الله بيده" (٣)، وقال ﷺ حاكياً عن ربّه: "لا أجعل صالحَ ذريةِ مَنْ خلقتُ بيديَّ كمن قلت له: كن فكان" (٤)، وقوله ﷺ : "خلق

стр. 121

الله الفردوس بيده، وخلق جنَّة عدنٍ بيده، وكتب التوراة لموسى بيده" (١)، وغير ذلك من الأخبار، وجب علينا اعتقاد أنَّ ذلك حقٌّ،

стр. 122

وحَرُم علينا أن نقول: إنَّ الله تعالى خاطبنا بما نفهمه، ولا نفهم اليد إلا

стр. 123

ذاتَ الكفِّ والأصابع، فنشبِّهه بخلقه، فيفضي (١) إلى التجسيم، تبارك الله وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً (٢)، أو نقولَ: المراد النعمتين أو القوتين؛ لأنَّه تعذر حمله على اليد التي نفهمها، فتعيَّن حمله (٣) على ذلك؛ خوفاً من التشبيه (٤)، وهذا تحريفٌ؛ لما فيه من التعطيل، كيف والإجماع على أنَّ الصفاتِ توقيفيةٌ، ولم يثبت [دليلٌ] (٥) بالمراد على ما تأوَّلوه (٦)،

стр. 124

وهو فعل المعتزلةِ (١) والجهميّة (٢)، أعاذنا الله من ذلك.

стр. 125

فتعيَّن القول بتنزيه الباري عن التشبيه والتعطيل، [وعدم] (١) التحريف (٢) والتكييف والتمثيل، والأخذ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، منّاً من الله بالتفهيم والتعريف لسلوك التوحيد والتنزيه (٣)، وكذا القول في جميع ما ثبت من ذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.

стр. 126

فصل (٤) الباري منزَّهٌ عن أن يجب عليه شيءٌ أو يلزمه لازم، والمخلوقون مكلَّفون، فيجب عليهم الواجب، ويلزمهم اللازم. فهو سبحانه منزَّه عن صفات المخلوقين. فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة (١)، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول والكلام، والرضا، والسخط، والحبِّ، والبغض، والفرح، والضحك، وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيهٍ لشيءٍ من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاءُ إلى ما قاله الله سبحانه ورسوله ﷺ من غير إضافةٍ، ولا زيادةٍ عليه، ولا تكييف (٢)، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالةِ لفظٍ عمَّا تعرفه العرب وتضعه عليه، والإمساكُ عمَّا سوى ذلك (٣).

стр. 127

فصل (٥) رؤية الباري في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ (١)، ولا تأويلٍ (٢) بفهمٍ (٣)، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ] (٤) التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه (٥) عن

стр. 128

الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، ولا تحويه (١) الجهات الست كسائر المبتدعات (٢). والمعراجُ حقٌّ، وقد أُسري بالنبي ﷺ وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه سبحانه (٣) بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى (٤).

стр. 129

والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ، والله مستغنٍ عن العرش فما (١) دونه، محيطٌ بكلَّ شيء، وأعجز سبحانه خلقَه عن الإحاطة. واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلَّم موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً (٢)؛ إذ له سبحانه أن يكرم من يشاء بما يشاء. ورؤية الباري في الدنيا في المنام جائزةٌ للأنبياء وغيرهم، وهي صحيحةٌ (٣)، نقل اتفاقَ العلماء عليه القاضي عياض (٤) (٥) ﵀

стр. 130

قال: ([ولو] (١) رآه (٢) الإنسان على صفةٍ [لا تليق] (٣) بجلاله من صفات الأجسام؛ لأنَّ ذلك المرئيَّ غيرُ ذات الله تعالى (٤)؛ إذ لا يجوز عليه سبحانه (٥) التجسيم (٦) ولا اختلاف الأحوال (٧)، بخلاف رؤية النبي ﷺ (٨) (٩).

стр. 131

وقال (١) ابن الباقلاني (٢): (رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهى دلالاتٌ على أمورٍ ممّا كان أو يكون كسائر المرئيات (٣) (٤)، والله أعلم. ورؤية النبي ﷺ ربَّه في اليقظة بعينيْ رأسه اختلف السلف فيها: فذهب جماعة من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين إلى منعها، وهو قول عائشة، والمشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة قالوا: إنَّما رأى جبريل (٥).

стр. 132

وعن ابن عبّاس: رأى ربَّه بعينيه (١)، وهو محكيٌّ عن جماعة من الصّحابة والتابعين. وقال عطاء (٢): رآه بقلبه (٣). وقال أبو العالية (٤): رآه بفؤاده مرتين (٥). وروي عن ابن عبّاس من طرق قال: (إنَّ الله تعالى اختصَّ

стр. 133

موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمداً بالرؤية) (١)، وحجته قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣]. [قال] (٢) الماورديُّ (٣): (قيل: إن الله قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد، فرآه محمّد مرتين، وكلَّم (٤) موسى مرتين) (٥). وهذا الاختلاف عند أئمة الشّرع، قال القاضي عياض ﵀:

стр. 134

(والحق الذي لا امتراء [فيه] (١) أنَّ رؤيته تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلاً، وليس في العقل ما يُحيلها. والدّليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى ﵇ لها، ومحالٌ أن يجهل نبيٌّ على الله ما يجوز وما لا يجوز عليه (٢)، بل لم يسل إِلَّا جائزاً غير مستحيل، ولكنَّ وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا مَنْ [علَّمه] (٣) الله، فقال له [الله] (٤): ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلًا ممَّا هو أقوى من بنية موسى ﵇ وأثبت وهو الجبل، وكلّ هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشّرع دليل قاطعٌ على استحالتها ولا امتناعها؛ إذ كلُّ موجودٍ فرؤيته جائزة غير مستحيلة (٥). ولا حجة لمن استدلَّ على منعها بقوله تعالى: ﴿لَا

стр. 135

تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ لاختلاف التأويلات في الآية، وإذ ليس يقتضي قولُ من قال في الدنيا الاستحالة. وقد استدلَّ بعضهم عليه (١) بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية، وعدم استحالتها على الجملة (٢) وقد قيل: لا تدركه (٣) أبصارُ الكفار، وقيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٤) أي (٥): لا تحيط به، وهو قول ابن عبّاس، وقيل (٦):

стр. 136

لا تدركه الأبصار، وإنّما يدركه المبصرون (١). وكلّ هذه التأويلات [لا تقتضي] (٢) منعَ الرؤية ولا استحالتها) (٣). ومنع بعضهم الرؤية في الدنيا، وقال: من نظر إليه سبحانه مات، وعلَّل بعضهم امتناعها لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرةً غرضاً (٤) للآفات والفناء، فلم يكن لهم قوةٌ على الرؤية، وفي الآخرة ليسوا كذلك، فإنَّ قواهم ثابتةٌ باقيةٌ، [ولذلك] (٥) أنوار قلوبهم وأبصارهم قويةٌ على الرؤية. وقد نُقلَ نَحوُ هذا عن الإمام مالك بن أنس (٦) ﵀ قال: (لم يُرَ في الدنيا لأنَّه باقٍ، ولا يُرَى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة، رُزقوا أبصاراً باقيةً، فرُئيَ الباقي بالباقي (٧) (٨) (٩).

стр. 137

وقال القاضي عياض ﵀: (وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعفُ القدرة، فإذا قوَّى الله من يشاء (١) من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع (٢) في حقه. وقد عُرف (٣) من قوة بصر موسى ومحمد ﷺ ونفوذ (٤) إدراكهما بقوةٍ إلهيةِ مُنحاها لإدراكِ (٥) ما أدركاه، ورؤية ما رأياه، والله أعلم) (٦). وبالجملة: ليست في الآيات نصٌّ بالمنع، وقول مَنْ قال: رآه بعينيه (٧) إنَّما بناه على اعتقاده باجتهاده (٨)، ولم يسنده إلى النبيِّ ﷺ . والأحاديث مضطربةٌ في المعنى؛ لتعارضها، وفي الإسناد؛ لضعفها، والتأويل ليس قاطعاً بشيء، وحديث أبي ذر ﵁ في صحيح مسلم لمَّا سأله عنها، قال (٩): "رأيت نوراً"، ورُوي: "نورٌ أَنَّى أراه" (١٠)، فقد

стр. 138

أخبر أنَّه لم يره، وإنّما رأى نوراً، أو كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر؟. وهذا مثل قوله ﷺ في الحديث الآخر: "حجابه النور" (١)، وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيتُه بقلبي مرتين" (٢) وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] (٣).

стр. 139

والله قادرٌ على خلق الإدراكِ الذي في البصر [في القلب] (١) كيف

стр. 140

شاء لا إله غيره. فإن ورد حديثٌ بنصٍّ [بيِّنٍ] (١) في الباب اُعتقد، ووجب المصير إليه؛ إذ لا استحالةَ فيه، ولا مانعَ قطعيَّ يردُّه، والله الموفق (٢). ورؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم، وينظرون إليه كما يرون القمرَ ليلة البدر، لا يضارُون (٣) في رؤيته ولا يضامُون (٤): حقٌّ، على ما ثبت في الحديث الصّحيح عن رسول الله ﷺ (٥). والتشبيه وقع

стр. 141

في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي (١) بالمرئي (٢)؛ إذ الله لا يشبهه شيءٌ. والكفار عن رؤيته محجوبون، فإن قيل: فقد ثبت في الصّحيح عن النّبيّ ﷺ قال: "ما منكم من أحدٍ إِلَّا سيُكلِّمُه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" (٣)، وهذا (٤) عام في الكفار والمسلمين، إذ الظّاهر منه رؤيتُهم له سبحانه مع الغضب عليهم. قلنا: لا يلزم من الكلام الرؤية، وغضبه سبحانه عليهم حجابه عنهم، والله أعلم (٥).

стр. 142

فصل (٦) أحكام المعتقدات في صفاته سبحانه قطعيَّة، لا يُتصور الاختلاف فيها. فما ثبت منها في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ولا نقول: إنَّه يجب الجمع بين المختلف منها ظاهراً كما يجب الجمع بين المختلف من الأحاديث في الأحكام الفروعيّة، لِما يلزم من الكفر في الأوّل دون الثّاني، بل الاجتهاد في ذلك وتأليفُ الأدلة الفروعيّة مُثابٌ على الخطأ فيه، بخلاف الخطأ في الأصول فإنَّه كفرٌ (١)؛

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 144

ولما يلزم من قياس الغائب على الشّاهد (١) وهو ضعيفٌ في الفروع، باطلٌ في الأصول.

стр. 145

إذا عرفت هذا حصل لك الشِّفاءُ، وخلَصْتَ من الشقاء، وسلمتَ من الآفات، واتَّصلتَ بالمقامات العليات، ونزَّلتَ الأمور منازلَها، وفَرَّقتَ (١) بين الربوبية والعبودية، والوحدانية والمثنوية. فالوحدانيّة خاصّةٌ به (٢) في كلِّ شيء، والمثنوية خاصّةٌ بنا في كل شيء، فمن قدَّم المثنوية على الوحدانية أو شبَّهها بها فقد ضلَّ وتعبَ، وأتعبَ وكَلَّ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
следующие страницы →