← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي (١) بالمرئي (٢)؛ إذ الله لا يشبهه شيءٌ. والكفار عن رؤيته محجوبون، فإن قيل: فقد ثبت في الصّحيح عن النّبيّ ﷺ قال: "ما منكم من أحدٍ إِلَّا سيُكلِّمُه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" (٣)، وهذا (٤) عام في الكفار والمسلمين، إذ الظّاهر منه رؤيتُهم له سبحانه مع الغضب عليهم. قلنا: لا يلزم من الكلام الرؤية، وغضبه سبحانه عليهم حجابه عنهم، والله أعلم (٥).

стр. 142

فصل (٦) أحكام المعتقدات في صفاته سبحانه قطعيَّة، لا يُتصور الاختلاف فيها. فما ثبت منها في الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ولا نقول: إنَّه يجب الجمع بين المختلف منها ظاهراً كما يجب الجمع بين المختلف من الأحاديث في الأحكام الفروعيّة، لِما يلزم من الكفر في الأوّل دون الثّاني، بل الاجتهاد في ذلك وتأليفُ الأدلة الفروعيّة مُثابٌ على الخطأ فيه، بخلاف الخطأ في الأصول فإنَّه كفرٌ (١)؛

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 144

ولما يلزم من قياس الغائب على الشّاهد (١) وهو ضعيفٌ في الفروع، باطلٌ في الأصول.

стр. 145

إذا عرفت هذا حصل لك الشِّفاءُ، وخلَصْتَ من الشقاء، وسلمتَ من الآفات، واتَّصلتَ بالمقامات العليات، ونزَّلتَ الأمور منازلَها، وفَرَّقتَ (١) بين الربوبية والعبودية، والوحدانية والمثنوية. فالوحدانيّة خاصّةٌ به (٢) في كلِّ شيء، والمثنوية خاصّةٌ بنا في كل شيء، فمن قدَّم المثنوية على الوحدانية أو شبَّهها بها فقد ضلَّ وتعبَ، وأتعبَ وكَلَّ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

стр. 146

فصل (٧) والقرآن (١) كلام الله، وكتابُه، وخطابُه، ووحيُه، وتنزيلُه، غيرُ مخلوقٍ، من (٢) قال بخلقه فقد كفر (٣)، إذ هو صفة من صفاته، وهي قديمة (٤)، وهو الذي نزل به جبريل ﷺ قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون بشيراً ونذيراً، كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وهو الذي بلَّغه رسول الله ﷺ أمته كما أُمِرَ به في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فكان الذي بلَّغهم كلام الله، وفيه قال النّبيّ ﷺ : "أتمنعونني أن أُبلِّغ كلام ربي" (٥) (٦).

стр. 147

وهو الذي توعد الله سبحانه مَنْ قال: بأنه قول البشر (١) أن يصليه سقر في قوله تعالى - إخباراً عن قول الوليد بن المغيرة - (٢): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٧] الآيات (٣). وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ويُكتب في المصاحف، كيفما تصرَّف [بقراءته] (٤) قارئ، ولفظ لافظ،

стр. 148

وحفظ حافظ، وحيث تُلي، وفي أي موضعٍ [قُرئ] (١)، أو كُتب في مصاحف الإسلام، وألواح صبيانهم، وغيرها، [كله] (٢) كلام الله، وهو القرآن (٣)، الذي نقول: إنَّه غير مخلوقٍ، فمن زعم أنه مخلوقٌ فهو كافر بالله العظيم (٤). ويجب أن نعتقد جميع ذلك، وأنه كلام الله، منه بدأ (٥) بلا كيفيَّةٍ قولًا (٦)، وأنزله على نبيه وحياً، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقاً،

стр. 149

وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة (١)، وليس بمخلوقٍ ككلام البريَّة، فمن سمعه فزعم أنَّه كلامُ البشر فقد كفر، وقد ذمَّه الله تعالى وعابه وأوعده، حيث قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]، وعد الله سقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، فعلمنا أنَّه قول خالق البشر، ولا يشبهه قول البشر. ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعَلِم أن الله تعالى في صفاته (٢) ليس كالبشر (٣) قلتُ: ونبغتْ (٤) طائفةٌ فتكلمت في كيفية كلام الله، وهل هو بحرفٍ وصوتٍ كما نتكلم به؟، وكل هذا بدعةٌ (٥) محدَثةٌ (٦) يلزم منه الحكم في صفات الله تعالى بالقياس، وقياس الغائب على الشّاهد، وهما باطلان، والله أعلم.

стр. 150

قال الإمام أبو بكرٍ محمّد بن إسحاق بن خزيمة (١): (نقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، فمن قال: إنَّه مخلوقٌ (٢)، فهو كافر بالله العظيم، لا تُقبل شهادته، ولا يُعاد إن مرض، ولا يُصلّى عليه إن مات، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عُنقُه) (٣). وأمَّا اللّفظ بالقرآن فقال الإمام أبو بكرٍ الإسماعيلي (٤) ﵀:

стр. 151

(ومن (١) زعم أن لفظه بالقرآن مخلوقٌ - يريد به القرآن - فقد قال بخلق القرآن) (٢). وقال ابن مهدي الطّبريّ (٣): ([ومن] (٤) قال: إنَّ القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق، فهو جاهلٌ ضالٌّ كافرٌ بالله العظيم) (٥). وقال إسحاق بن راهويه (٦) لما سُئل عن اللّفظ بالقرآن؟ قال: (لا ينبغي أن يُناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوقٍ) (٧).

стр. 152

وقال أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ (١) ﵀: (أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي ولا تابعي (٢) إلا عمَّن في قوله الغَناءُ (٣) والشفاءُ (٤)، وفي اتِّباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله (٥) مقامَ [قولِ] (٦) الأئمة الأولى: أبي عبد الله أحمد بن حنبل (٧) ﵀ .............................

стр. 153

فإن أبا إسماعيل التّرمذيّ (١) حدَّثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ يقول: اللفظية (٢) جهمية (٣)، يقول الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ممَّن يسمع (٤) (٥)؟. قال: ثم سمعت جماعةً

стр. 154

من أصحابنا - لا أحفظ أسماءهم - يذكرون عنه أنَّه كان يقول: مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فهو جهمي، ومَنْ قال: غير (١) مخلوقٍ، فهو مبتدعٌ (٢). قال محمّد بن جرير: ولا قولَ في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله (٣)؛ إذ لم يكن لنا فيه إمامٌ نأتمُّ به سواه، وفيه الكفاية والمَقْنَع (٤)، وهو الإمام المتبع، ﵀ برضوانه عليه) (٥).

стр. 155

وقال (١) الإمام أبو عثمان الصابوني (٢) ﵀: (والذي حكاه ابن جرير عن أحمد بن حنبل: أنَّ اللفظية جهميةٌ، صحيحٌ عنه، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ جهماً (٣) وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرَّجوا (٤) به إلى القول بخلق القرآن، وأدرجوه في هذا القول ذي اللبس؛ لئلا يُعدُّوا في زمرة جهم (٥) الذين هم شياطين الإنس يوحي

стр. 156

بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وقصدوا (١) وأرادوا (٢) به أنَّ القرآن بلفظنا مخلوق، [فلذلك] (٣) سماهم أحمد جهميَّةً. وأما ما حكاه (٤) عن أحمد ﵀ أنَّ مَنْ قال: لفظي بالقرآن غير مخلوقٍ، فهو مبتدع، فإنّما أراد به: أن السلف الصالحين من الصّحابة والتابعين وأتباع التابعين لم يتكلموا في باب اللّفظ، ولم يحُوجْهم الحال إليه، وإنَّما حدث هذا من أهل التعمق وذوي الحمق الذين أتوا بالمحدَثات، وعتوا (٥) عمَّا نُهُوا عنه من الضلالات (٦)، وخاضوا في مثل هذا الكلام؛ الذي (٧) لم يخض فيه السلف من علماء الإسلام، فقال أحمد (٨): هذا القول في نفسه بدعةٌ، ومن حقَّ المتسنِّن أن يدعه وكُلَّ بدعةِ مبتدعةٍ (٩)، ويقتصرَ (١٠) على ما قاله السلف من الأئمة المتَّبعة: بأن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ) (١١).

стр. 157

وقد حكى البيهقي (١) عن أحمد بن حنبل نحوَ هذا الكلام بإسناده إليه، وأنَّه ترك الكلام فيه ورعاً (٢)، قال: وللسلف والخلف من أهل الحديث طريقان:

стр. 158

أحدهما: التَّفصيلُ بين التلاوة والمتلوِّ. ومنهم من أحبَّ ترك الكلام فيه مع إنكارهِ (١) قولَ من زعمَ: أنَّ لفظي بالقرآن غير مخلوقٍ (٢). قال البيهقي: (لا أقول: القرآن خالقٌ ولا مخلوقٌ (٣)، ولكنَّه كلام الله ، ليس منه ببائنٍ (٤).

стр. 159

هذا (١) هو مذهب السلف والخلف من أصحاب الحديث: أنَّ القرآن كلام الله ، وهو صفةٌ من صفات ذاته (٢) ليست ببائنةٍ منه. قال (٣): وإذا كان هذا أصل مذهبهم في القرآن، فكيف يُتوهم عليهم (٤) خلاف ما ذكرنا في تلاوتنا وكتابتنا وحفظنا، إلا أنَّهم في ذلك على طريقين (٥) (٦)، وذكرهما كما [حكينا] (٧).

стр. 160

صُور الكفر بالقرآن: قال عبد الله بن المبارك (١) ﵀: (من كفر بحرفٍ من القرآن فقد كَفَرَ - يعني - (٢) بالقرآن، ومن قال: لا أومن بهذه اللام فقد كفر) (٣). وهذا متفقٌ مجمعٌ عليه لا خلافَ عند أحدٍ من المسلمين فيه. قال القاضي عياض ﵀: (واعلم (٤) أنَّ من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيءٍ منه، أو سبَّهما، أو جحده، أو شيئاً (٥) منه، أو آيةً، أو كذَّب به، أو نفى ما أثبته على علم منه، [أو كذَّب بشيءٍ منه] (٦)، أو كذَّب بشيءٍ

стр. 161

ممَّا صُرح به فيه من حكمٍ أو خبرٍ، أو شك في شيءٍ من ذلك، فهو كافرٌ عند أهل العلم بإجماع (١)) (٢)، وقد قال (٣) ﷺ : "المراء في القرآن كفر" (٤)، والمراء يكون بمعنى الشكِّ، ويكون بمعنى الجدال بالباطل. وعن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "من جحد آية من القرآن من المسلمين، فقد حلَّ ضرب عنقه" (٥). وكذلك من (٦) جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو لعنها، أو سبها، أو استخف (٧) فهو كافر.

стр. 162

وقد أجمع المسلمون على (١) أنَّ (٢) المتلو في جميع الأقطار، المكتوبَ في المصحف بأيدي المسلمين ممَّا جمعه الدفتان من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] أنَّه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمّد ﷺ ، وأنَّ جميع ما فيه حقٌّ، وأنَّ مَنْ نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدَّله بحرفٍ آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً ممّا لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع على أنَّه ليس من القرآن، عامداً لكلِّ هذا، أنَّه كافرٌ. ولهذا رأى مالكٌ ﵀ (٣) قتل من سبَّ عائشة ﵂ بالفرية؛ لأنه خالف القرآن (٤)، ومن خالفه قُتل، أي: لأنه كذَّب بما فيه (٥).

стр. 163

قال القاضي عياض ﵀: (ووقع (١) الإجماعُ على تكفير [كل] (٢) مَنْ دافع نصَّ الكتاب، أو خصّ حديثاً مجمعاً على نقله، مقطوعاً به، مجمعاً على حمله على ظاهره) (٣). وقال ابن القاسم (٤): من قال: إن الله لم يكلِّم موسى تكليماً؛ يُقتل. [وقاله] (٥) عبد الرّحمن بن مهديٍّ (٦). وقال محمّد بن سحنون (٧) فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب

стр. 164

الله، يضرب (١) عنقُه، إلا أن يتوب. وكذلك كلّ من كذَّب بحرفٍ منه. قال: وكذلك إن شهد شاهدٌ على من قال: إن الله لم يُكلم موسى تكليماً، وشهد آخرُ عليه أنَّه قال: ما اتَّخذ (٢) اللهُ إبراهيمَ خليلًا؛ لأنَّهما اجتمعا على أنَّه كذّب النّبيّ ﷺ . وقال أبو عثمان (٣) بنُ الحداد (٤): جميع من ينتحلُ التوحيدَ متَّفقون على (٥) أنّ الجحد لحرفٍ من التنزيل كفرٌ (٦). قُلتُ: ومن كفر بحرفٍ منه كفر به كلّه، وبه قال ابن مسعودٍ (٧)، وأصبغُ بن الفرجِ (٨). ومن كفر به أو ببعضه فقد كفر بالله، وليس هذا

стр. 165

مختصاً بالقرآن، بل كلُّ من كفر بشيءٍ ممّا يجبُ الإيمان به فقد كفر بالله (١)؛ لأنَّ الكفر بالله (٢) لا يتجزأ بالإجماع (٣)، بخلاف الفسق بالمعاصي فإنّه يتجزأ عند أهل السنة؛ ولهذا من تاب من ذنبٍ قبلت توبتهُ عندهم، وليست التوبة من جميع الذنوب شرطاً في صحة التوبة من الذنب الواحد خلافاً للمعتزلة (٤)، بخلاف الكفر؛ فإن التوبة من كلِّ كفرٍ شرطٌ في صحة التوبة منه بالإسلام إجماعاً، والله أعلم.

стр. 166

قال (١) القابسيُّ (٢) حين سُئل عمَّن خاصم يهودياً، فحلف له بالتوراة، فقال الآخر: لعن الله التوراةَ، وشهد عليه بذلك شاهدٌ، ثم شهد آخر أنَّه سأله عن القصة (٣)؟ فقال: إنّما لعنتُ توراة اليهود؛ فقال أبو الحسن القابسيُّ (٤): الشّاهد الواحد لا يوجب القتل، والثّاني علَّق

стр. 167

القتل (١) بصفةٍ [تحتمل] (٢) التأويل؛ إذ لعلّه لا يرى اليهود متمسكين بشيءٍ من عند الله؛ لتبديلهم وتحريفهم، ولو اتفق الشّاهدان على لعن التوراة مجرّداً لضاق التأويل (٣). قال القاضي عياض ﵀: (وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذٍ (٤) المُقرئ - أحد أئمة المقرئين المتصدِّرين بها مع ابن مجاهدٍ (٥) -؛ لقراءته وإقرائِه بشواذّ من الحروف ممَّا ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه (٦) سجلًّا أشهد فيه (٧) على نفسه في مجلس الوزير أبي علي ابن مقلة (٨) .........................

стр. 168

سنة ثلاثٍ وعشرين وثلاثمئةٍ) (١). قال: (وأفتى أبو محمّد ابن أبي زيد (٢) بالأدب فيمن قال لصبيٍّ: لعن الله معلّمك وما علّمك، وقال: أردتُ سوء الأدب ولم أُرد القرآن، قال أبو محمّد: وأمَّا من لعن المصحفَ فإنَّه يُقتل) (٣). هذا آخر كلامه. وعند الإمام أبي حنيفة (٤) ﵀: أنّ كلّ من قال قولًا لزم منه استنقاصٌ بالدين، أو استهانةٌ (٥) به، أو بما هو مضافٌ إليه ممّا هو مضافٌ إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإنّه يكفُر؛ حتّى لو قال للمسجد: مُسَيجِدٌ (٦)، وللفقيه فقيِّهٌ، أو استهانَ بالعلّم أو بأهله، أو بالصالحين،

стр. 169

أو استهزأ بالصلاة أو بأهلها، فإنَّه يكفر في جميع ذلك، ولم يخالفه أحدٌ في جميع ذلك (١). وينبغي استنقاصُ المحرِّفين من العلماء، والمغيِّرين العلمَ (٢)، والمذلِّين له، والبائعين له بثمنٍ بخسٍ من عرض الدنيا وشهواتها. ومقتضى الكتاب العزيز والسنة النبوية تكفيرهم سواء إن (٣) كانوا متأوِّلين أو متعمِّدين (٤)، ولا يُكفَّر منتقصُهم ولا يُفسَّق، بل هو مثابٌ عليه،

стр. 170

خصوصاً إذا قصد التنفير عمّا هم عليه، وإظهارَ الدين، والقيامَ به، والله تعالى أعلم.

стр. 171

قاعدة يجب أن نعتقد (١) أن القديم قديمٌ، وأن الحادث حادثٌ. وأن تعلّق الحادثِ بالقديمِ لا يُكسبه القدمَ، ولا يخرجه عن حدوثه، وأن القديم إذا ظهر على مظهر الحادث لا يُخرجه عن القدم (٢)، بل يُكسبه شرفاً وإعظاماً، ويطلق عليه اسمه وحكمه شرعاً، وليس حكمٌ إلا للشرع، والله أعلم. فإذا تعلّق المحدَثُ بالقديم تعلُّقاً افتقاريًّا حصل له الإدناءُ (٣) فمن قُرِّب وأُدني ينبغي له أن لا يخرج عن وصفه، فإن خيَّل (٤) له الهوى أنّه مُفتقَرٌ إليه أو مُستعانٌ به، أو له شركةٌ ما بحلولٍ، أو اتحادٍ، أو اتصافٍ بوصف القدم في شيءٍ ما من [وجود غيره] (٥)، أو حدوثِه من حيث علمُ الله به ضلَّ وخرج عن الإسلام. والله يعلمُ المفسد من المصلح، والجاهل من العالمِ، والله أعلم.

стр. 172

فصل (٨) الفوقية ثابتةٌ له كلِّ وجهٍ يليق به ، دون ما نفهمه من مواجيدِ ذواتنا، ﵎ عمَّا يقول الظالمون [والجاحدون] (١) علوًّا كبيراً، بل هو سبحانه محيطٌ بكلِّ شيءٍ. والفوقيةُ المطلقة (٢) صفةٌ تفرَّد بها الربُّ ، فهو فوقَ كلِّ شيءٍ، وليس فوقه شيءٌ. والكتاب العزيز ناطقٌ بها، وكذلك السنة النبوية، والفِطَرُ شاهدةٌ بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، في ستة (٣) مواضع من القرآن العظيم (٤). وقد تقدّم أن الكيفية لا سبيل لأحدٍ إلى الكلام فيها، ولا إلى معرفتها، ولا إلى تصورها، ولا يحلُّ الفكرُ فيها ولا في غيرها من

стр. 173

الذات وصفاتها، فاسترح أيها المُحاذي (١) من ذلك واشتغل بما ينفعك [مما] (٢) هنالك، واسلك أحسن المسالك، تنج من المهالك. قال (٣) الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: ٤]، (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وأخبر الله عن فرعون اللعين إقامةً للحجة عليه: ﴿... يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، يعني [في قوله] (٥): إنَّ في السماء إلهاً. وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته. قال عبد الله بن المبارك: (نعرف ربنا فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائناً من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنَّه ها هنا - وأشار إلى الأرض -) (٦).

стр. 174

وروينا بإسنادنا إلى الشّيخ الزاهد أبي الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسيِّ (١) ﵀ المتفق على إمامته وجلالته ودينه وورعه وتفرّده بذلك في زمنه بالشام وغيره، في كتابه الحجة على تارك المحجَّة (٢)، في عقيدته التي أجمع عليها علماء الإسلام، - ممَّن لقيه أو بلغه قوله من غيرهم ممّن هو موصوفٌ بالقدوة، والزعامة، والعلّم الصائب، والفهم الثاقب، مشهورٌ بالأمانة القوية، والديانة الأصلّية، والإمامة العلّية، ناطقٌ عن الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، مجانبٌ للبدعة والضلالة والأهواء والجهالة -: (إنَّه لا يجوز اعتقاد ما لم يكن له أصلٌ

стр. 175

في كتاب الله تعالى، ولا سُنَّة رسول الله ﷺ ، وإجماع أهل العلم من الصّحابة التابعين لهم بإحسان. وأنَّ الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثم نقل ذلك عن أبي حاتم (١) وأبي زرعة (٢) الرازيين المتفق على إمامتهما، وجلالتهما، وورعهما عن مذاهب أئمة الأمصار والعلماءِ في جميع الأقطار، قالا: (أدركنا العلماء: حجازاً، وعراقاً، ومصراً، وشاماً، ويمناً يقولون ذلك) (٣).

стр. 176

وقال الإمام أبو عثمان الصابونيُّ ﵀ فيما رواه عن الحاكم (١) أبي عبد الله الحافظ سماعاً منه بإسناده إلى [أبي] (٢) عبد الله الرباطيِّ (٣)، قال: (حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر (٤) ذات يوم، وحضر

стр. 177

إسحاق (١) - يعني: ابن راهويه - فسُئل عن حديث النزول، أصحيحٌ هو؟ قال: نعم، فقال له بعض قُوّاد عبد الله: يا أبا يعقوب، [أتزعم] (٢) أن الله ينزل كلّ ليلةٍ؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته (٣) فوق؛ حتّى أصف لك النزول، فقال له الرجل: أثبته فوق. فقال له إسحاق: قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، قال (٤) الأمير عبد الله (٥): يا أبا يعقوبَ هذا يوم القيامة، قال إسحاق: أعز الله الأمير! ومن يجيء يوم القيامة؛ من يمنعه اليوم؟) (٦). وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة ﵀: (من لم يقرَّ بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافرٌ به (٧)، حلالُ الدم (٨)، يُستتاب فإن تاب وإلا ضرب (٩) عنقه، وأُلقيَ على بعض المزابل؛

стр. 178

حتى (١) لا يتأذى به (٢) المسلمون ولا [المعاهدون] (٣) بنتن رائحة جثته (٤)، وكان ماله فيئاً (٥)، لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر، [كما] (٦) قال (٧) ﷺ : "لا يرث الكافرُ المسلم، ولا المسلمُ الكافر" (٨) (٩) (١٠). وإمامنا أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعيُّ (١١) - رضى الله عنه - احتجَّ في

стр. 179

كتابه المبسوط (١) في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفّارة: وأن الرقبة الكافرة (٢) لا يصح التكفيرُ بها؛ لخبر (٣) معاوية بن الحكم: وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء في (٤) الكفارة، وسأل رسول الله ﷺ عن إعتاقه إيَّاها، فامتحنها رسول الله ﷺ ؛ ليعرف أنها مؤمنةٌ أو لا، فقال: "أين ربك؟ " فأشارت إلى السماء؛ إذ كانت أعجمية (٥)، فقال لها ﷺ : "من أنا؟ " فأشارت إليه وإلى السماء - يعني: أنك رسول الله الذي في السماء - فقال النّبيّ (٦) ﷺ : "أعتقها، فإنها مؤمنة" (٧). فحكم رسول الله ﷺ

стр. 180

بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأنَّ ربها في السماء، وعرفت ربَّها بصفة العلوِّ والفوقية. وإنّما احتجَّ الشّافعيّ ﵀ على المخالفين في قولهم: يجوز (١) إعتاق الرقبة الكافرة [في الكفارة] (٢) بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله تعالى فوق خلقه (٣) وفوق سبع سمواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم، إذ كان ﵀ لا يروي خبراً صحيحاً، ثم لا يقول به (٤). واعلم أن الظرفية (٥) ليست مرادةً في هذا الحديث بإجماع العلماء، وإنّما معناها العلّو بإجماع.
следующие страницы →