← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فصل (١١) (من اعترفَ بالوحدانية (١) والإلهية، وجحد (٢) النبوةَ من أصلها عموماً، أو نبوة نبيِّنا خصوصاً، أو [أحدٍ] (٣) من الأنبياء الذين نُصَّ (٤) عليهم بعد علمه بذلك، فهو كافرٌ بلا ريب، كالبراهمة (٥)، ومعظم اليهود (٦)، والأروسيّة (٧) ........................

стр. 212

من النصارى (١)، والغُرابية (٢) من الروافضِ (٣) الزاعمين: أن عليًّا كان

стр. 213

المبعوثَ إليه جبريلُ ﷺ ، وكالمعطلةِ (١)، والقرامطةِ (٢)، والإسماعيلية (٣)، والعنبرية (٤) من الرافضة، وإن كان بعضُ هؤلاء قد

стр. 214

أشركوا في كفرٍ آخرَ مع من قبلهم. وكذلك من دان بالوحدانية، وصحة نبوة (١) نبيِّنا ﷺ ، ولكن جوّز على الأنبياء الكذبَ فيما أتوا به، وادّعى في ذلك المصلحة بزعمه أو لم يدَّعِها، فهو كافرٌ بإجماعٍ، كالمتفلسفين (٢)، وبعض الباطنية (٣)، والروافضِ، وغلاة

стр. 215

المتصوفة (١)، وأصحاب الإباحة (٢)، فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرعِ، وأكثر ما جاءت به الرسلُ من الإخبار عمّا كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار، ليس منها شيءٌ على مقتضى لفظها، ومفهوم خطابها، وإنّما خاطبوا بها الخلق على جهة (٣) المصلحةِ

стр. 216

لهم؛ إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم، فمُضَمَّنُ مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل، والارتيابُ فيما أتوْا به. وكذلك من أضاف إلى نبيّنا ﷺ تعمُّدَ الكذبِ فيما بلّغه، وأخبر به، أو شكّ في صدقه، أو سبَّهُ، أو قال: إنّه لم يبلِّغْ، أو استخفَّ به أو بأحدٍ من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتل نبيّاً، أو حاربهُ، فهو كافرٌ بإجماع. وكذلك نُكفِّرُ من ذهب مذهَبَ بعض القدماءِ (١) في أن في كلِّ جنسٍ من الحيوان نذيراً ونبياً (٢): من القردة والخنازيزِ والدوابِّ والدود، ويحتجُّ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ إذ ذلك يؤدي (٣) أن يوصف (٤) أنبياءُ هذه الأجناسِ بصفاتهم المذمومةِ. وفيه من الإزراء على هذا المنصب المُنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه، وتكذيبِ قائله (٥). وكذلك نكفِّر من اعترفَ من الأصول الصحيحةِ بما تقدّمَ [وبنبوّةِ] (٦) نبيِّنا ﷺ ، ولكن قال: كان أسودَ، أو مات قبل أن يلتحيَ، أو (٧) ليس الذي كان بمكةَ والحجازِ، أو ليس بقرشيٍّ؛ لأن وصفه بغير

стр. 217

صفاتهِ المعلومةِ [نفيٌ له، وتكذيبٌ به] (١). وكذلك من ادّعى نبوَّةَ أحدٍ مع نبينا ﷺ أو بعده كالعيسوية (٢) [من] (٣) اليهود القائلين: بتخصيص رسالته إلى العرب، وكالخرَّمية (٤) القائلين: بتواتر الرسل (٥)، وكأكثر الرافضة القائلين: بمشاركة عليٍّ في الرسالةِ للنبيَّ ﷺ (٦) وكذلك كلُّ إمامٍ عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوةِ

стр. 218

والحجّة، [وكالبزيعيّة] (١) (٢) والبيانيَّة (٣) منهم القائلين: بنبوة بزيعٍ وبيانٍ وأشباه هؤلاء. أو من ادّعى النبوة لنفسهِ، أو جوّز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها، كالفلاسفة، وغلاة المتصوِّفة (٤). وكذلك من ادّعى منهم أنه يوحى إليه (٥) وإن لم يدّع النبوةَ، أو أنَّه

стр. 219

أُصعد (١) إلى السماء، ويدخل الجنَّة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحورَ العين، فهؤلاء كلهم كفارٌ مكذَّبون [للنبي] (٢) ﷺ ؛ لأنه أخبر (٣) ﷺ أنه خاتم النبيين، وأنه (٤) لا نبيَّ بعده (٥)، وأخبر عن الله أنه خاتمُ النبيين، وأُرسل (٦) كافةً للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومَه المراد به (٧) دون تأويلٍ ولا تخصيصٍ،

стр. 220

ولا (١) شكَّ في كفر هؤلاء الطَّوائف كلِّها قطعاً، إجماعاً وسمعاً) (٢) والله أعلم.

стр. 221

فصل (١٢) ومما يجب اعتقاده أن الإيمانَ قولٌ وعملٌ ومعرفةٌ (١)، يزيد بالطاعةِ، وينقص بالمعصية. قال عمير بن حبيب [بن خُماشة] (٢) الأنصاريُّ الصحابيُّ جدُّ أبي جعفر الخطميِّ المحدّثِ (٣)، وعميرٌ من أصحاب الشجرة مدنيٌّ، وليس

стр. 222

هو عميرَ الخطميَّ الأَنصاريَّ الأعمى (١)؛ الذي كانت له أختٌ تشتمُ النبيَّ ﷺ فقتلها (٢)، فقال ﷺ : "أبعدها الله" (٣). قال عميرٌ: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل: ما زيادتُه وما نقصانُه؟ فقال: إذا ذكرنا اللهَ فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، فإذا غفلنا (٤) وضيعنا ونسينا [فذلك] (٥) ................................................

стр. 223

نقصانه) (١) (٢) (٣). قال الشّيخ أبو الفتحِ نصرُ المقدسيُّ وغيره من الأئمة: أجمع علماءُ السنة والجماعةِ على أن الإيمانَ قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ (٤).

стр. 224

وأنكرَ الأوازعيُّ (١)، ومالكٌ، وسعيدُ بن عبد العزيز (٢)، وغيرهم ﵏ قولَ من يقولُ: إن الإيمان [إقرارٌ] (٣) بلا عملٍ (٤)، ويقولون (٥): لا إيمان إلا بعمل (٦).

стр. 225

وقال أبو عثمان الصابونيُّ الحافظ ﵀: (ومن (١) كانت [طاعاته] (٢) وحسناته أكثر، كان (٣) أكمل إيماناً ممّن كان قليلَ الطاعةِ، كثير (٤) الإضاعةِ) (٥). وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظليُّ: (قدِمَ ابنُ المبارك الريَّ (٦)، فقام إليه رجلٌ من العُبّاد، الظنُّ به أنه يذهب مذهب الخوارج (٧)، فقال

стр. 226

له: يا أبا عبد الرّحمن، ما تقول فيمن يزني [ويسرق] (١) ويشرب الخمر؟ فقال (٢): لا أخرجه (٣) من الإيمان، فقال: يا أبا عبد الرّحمن على كبر السنِّ صرت مرجئاً، فقال: لا تقبلني المرجئةُ (٤)، المرجئةُ (٥) تقول: حسناتنا مقبولةٌ وسيئاتنا مغفورةٌ، ولو علمتُ أنه قُبلتْ (٦) منّي حسنةٌ لشهدت أنِّي في الجنَّة) (٧). وقال عمر ﵁: (لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجح) (٨).

стр. 227

قلت: وقولُ عمرَ ﵁ من مشكاة النبوة، حيث قال ﷺ (١): "وزنتُ الأمة فرجحتُها، ووزنها أبو بكرٍ فرجحها" (٢)، وهو عامٌّ في كلِّ شيءٍ من أعمال القلوب والجوارح. قال (٣) أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمةَ: (سمعتُ أحمدَ بنَ [سعيد] (٤) الرباطيِّ يقول: قال لي (٥) ...................

стр. 228

عبد الله بن [طاهر] (١): يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القومَ جهلًا، وأنا أبغضهم عن معرفةٍ، إن أوّل أمرهم: أنهم لا يرون للسلطان طاعةً (٢). والثّاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدرٌ، والله لا [أستجيز] (٣) أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى (٤)، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريلَ وميكائيل) (٥). وقال ابن خزيمة أيضاً: (سمعت الحسين بن حربٍ (٦) أخا أحمد بن حرب الزاهدِ (٧) يقول: أشهدُ أن دين أحمد بن حربٍ الذي

стр. 229

يدين الله به: أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيد (١) وينقص) (٢).

стр. 230

فصل (١٣) يجب اعتقاد أن المؤمنَ إذا أذنبَ ذنوباً كثيرةً، صغائر كانت أو كبائر، لا يكفَّرُ بها وإن خرج من الدنيا غير تائبٍ منها، ومات على الإخلاص والتوحيد (١)، إلا أن يعتقد تحليلَ ما حرّم اللهُ، أو تحريم ما أحلّ الله، فإنّه يكفر بذلك؛ لأنه ذنبٌ من الذنوب القلبيّة المكفّرة (٢). قال بعض العلماء: إلا أن يكون متاوّلاً في ذلك، قلنا: إن أردت التأويل المصادم فلا سمع ولا طاعة لك ولا لنا، وإن أردت التأويل الملائم فليس في ذلك كلامنا (٣)، والله يعلم المفسدَ من المُصلح.

стр. 231

وأمر كلِّ من ارتكب ذنباً - لا نكفِّره به - إلى الله، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنَّة يومَ القيامةِ سالماً غانماً غير مبتلىً بالنار ولا يعاقب على ما [ارتكبه] (١) من الذنوب، واكتسبه، ثم استصحبه إلى القيامةِ من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذّبه مدّةً بعذاب النّار، فإن عذّبه لم يخلدْه فيها، بل يعتقه ويخرجه منها إلى نعيم دار القرار (٢). وكان الشّيخ (٣) الإمام أبو الطيب سهل بن محمّد الصعلوكيُّ (٤)

стр. 232

- ﵀ يقول: (المؤمّن المذنبُ وإن عذِّب بالنار فإنّه لا يُلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يَلقى فيها لقاء (١) الكفار (٢)، ولا يشقى فيها (٣) شقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار (٤) (٥). قال الشّيخ الإمام (٦) أبو عثمان الصابوني ﵀ تلميذ أبي الطيب الصعلوكي المذكور: (معنى (٧) ذلك أن الكافر يُجرُّ (٨) على وجهه إلى النّار، ثم يُلقى (٩) في النّار منكوساً في السلاسل، والأغلال، والأنكال الثقال. والمؤمن المذنب إذا ابتُلِيَ بالنار؛ فإنّه يدخل كما يدخل المجرم السجن في الدنيا (١٠) [على الرِّجْل] (١١) من غير تنكيسٍ وإلقاءٍ (١٢).

стр. 233

ومعنى قوله: لا يلقى (١) من النّار لقاء [الكفار] (٢): أن الكافر يُحرق بدنُه كلُّه، وكلما (٣) نضُجَ جلده بدِّل جلداً غيرَه ليذوق العذاب (٤). وأما المؤمنون فلا تلفح وجوهَهم النارُ، ولا تحرق أعضاء السجود منهم (٥)، وحرم (٦) الله على النّار أعضاء سجوده. ومعنى قوله: لا (٧) يبقى في النّار بقاء الكفار؛ أن الكافر يخلدُ (٨) ولا يخرج منها [أبداً] (٩)، ولا يخلّد الله من مذنبي المؤمنين في النّار أحداً. وقوله (١٠): ولا يشقى بالنار شقاء الكفار فمعناه (١١): [أن الكفَّار] (١٢) يؤيسون (١٣) من رحمة الله، ولا (١٤) يرجون راحة بحالٍ، وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال. وعاقبة المؤمنين (١٥) كلهم الجنةُ؛ لأنهم خلقوا

стр. 234

لها، وخلقت لهم فضلًا من الله ومنةً. واختلف العلماء من أصحاب الحديث، وغيرهم (١) في ترك المسلمِ صلاةَ الفرضِ متعمّداً، فكفّره بذلك أحمدُ بنُ حنبل (٢) وجماعة من [علماء] (٣) السلف، وأخرجوه [به] (٤) عن (٥) الإسلام) (٦) (٧)، وبه

стр. 235

قال من أصحاب الشافعي منصورُ الفقيه (١) (٢) في كتابه: المسور في الفقه (٣) رحمهما الله للخبر الصّحيح المعنى (٤) المرويِّ في ذلك عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "بين العبد وبين (٥) الكفر ترك الصّلاة" (٦)، وقال ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر" (٧).

стр. 236

وقال شقيق بن سلمة أبو وائل (١) التابعيّ الإمام الجليل، وأدرك زمان النّبيّ ﷺ : (ما كان أصحابُ النّبيّ (٢) محمّد (٣) ﷺ يعدُّون شيئاً تركُه كفرٌ غير الصّلاة) (٤).

стр. 237

وذهب الشافعي وجمهور أصحابه وجماعة من علماء السلف ﵏ إلى أنه لا يكفّرُ [بها] (١) ما دام يعتقد وجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتدُّ عن الإسلام. وتأوّلوا الأحاديث على من ترك الصّلاة جاحداً لها (٢)؛ كما أخبر الله تعالى عن يوسف ﵇ أنَّه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] (٣) ولم يكن تلبّس بكفرٍ، ولكن ترْكه ترْكَ (٤) ....................................

стр. 238

جاحدٍ له (١) (٢).

стр. 239

فصل (١٤) ويجب أن يُعتقد أن أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله تعالى (١) من غير مريةٍ فيه، ولا أعلمُ أحداً من أهل الحقِّ والهدى يُنكر هذا القول، وينفيه. وأن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضلّ من يشاء عنه، لا حجة لمن أضلّه الله عليه، ولا عذرَ له لديه (٢)، قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فسبحانه خلق الخلق بلا حاجةٍ [منه] (٣) إليهم، فجعلهم فريقين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً في الجحيم عدلاً، وجعل منهم غويًّا ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال الله : ﴿... كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ -

стр. 240

٣٠]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، وقال ابن عبّاس ﵄: (هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة) (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقيّ أو سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدرك ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخلها" (٢) رواه البخاريّ ومسلم، وهذه الرواية لفظ أبي العباس محمّد بن إسحاق [السراج] (٣) (٤) ............................

стр. 241

عن يوسف بن موسى (١). وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النّار، فإذا كان عند موته تحول فعمل بعمل أهل النّار فمات فدخل النّار، وإن الرَّجل ليعمل بعمل أهل النّار، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنَّة، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل الجنَّة فمات فدخل الجنَّة" (٢) حديث صحيح (٣).

стр. 242

فصل (١٥) ويجب (١) اعتقادُ أن الخيرَ والشرَّ، والنفع والضرَّ، والحلوَ والمرَّ، بقضاء الله تعالى وقدره، لا مردّ لهما ولا محيص ولا محيد عنهما. ولا يصيب المرءَ إلا ما كتب له ربُّه. ولو جهد الخلائق أن ينفعوا المرء بما لم يقضه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يستطيعوه؛ كما ثبت في الحديث الحسن الصّحيح عن تعليم النّبيّ ﷺ ابن عباسٍ ﵄: "واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو (٢) اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧].

стр. 243

ويجب أن لا يضاف إلى الله تعالى ما يُتوهمُ أنه نقصٌ على الإفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس، وإن كان لا مخلوق إلا والربُّ خالقُه، وفي ذلك صحَّ عن رسول الله ﷺ في دعاء استفتاح الصلاة: "تباركت وتعاليتَ، والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك" (١) ومعناه، والله أعلم: والشر ليس يضاف إليك إفراداً قصداً فيقال لك: يا خالق الشرِّ، أو يا مقدِّر الشرِّ، وإن كان هو الخالق المقدِّر لهما جميعاً (٢)؛ ولذلك (٣) في أسماء الله تعالى لم يذكر الضارَّ بانفراده، بل قال: الضارُّ النافع، المعزُّ المذل، الخافض الرافعُ،

стр. 244

القابضُ الباسط، المحي المميت، المنتقم العفو (١)، وقد أضاف الخضرُ ﵇ إرادة العيب إلى نفسه، وإرادة الخير والبرِّ والرّحمة إلى الله تعالى في قصة سورة الكهف فقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] , وفي الغلامين اليتيمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، أضافَ المرضَ إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى، وإن كان (٢) الجميع منه (٣) ﷻ ، وأضاف النعمة إليه سبحانه، والغضبَ أتى به سبحانه بصيغة المفعوليةِ من غير ذكر الفاعل فقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧].

стр. 245

فصل (١٦) ويجب اعتقاد أن الله تعالى مريدٌ لجميع أعمال العبادِ، خيرها وشرها. لم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ولم يكفُر إلا بمشيئته (١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] (٢)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، ولو شاء سبحانه أن لا يُعصى ما خلق إبليس. وكفْرُ الكافرين، وإيمان المؤمنين، وإلحاد الملحدين، وتوحيد الموحدين، وطاعة المطيعين، ومعصية العاصين، كلها بقضاء الله (٣) وقدره وإرادته ومشيئته، أرادها، وشاءها، وقدّرها، وقضاها. ويرضى سبحانه الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية ولا يرضاها، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] (٤).

стр. 246

فصل (١٧) ويجب اعتقاد أن عواقب العباد مبهمةٌ، لا يدري أحدٌ بم يُختمُ له، ولا يحكمون لواحدٍ بعينه أنه من أهل الجنة، ولا على واحدٍ (١) بعينه أنه من أهل النار (٢)؛ لأن ذلك مغيّبٌ عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الناس، أعلى إسلامٍ أم على كفرٍ؟ (٣) ولذلك (٤) يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله (٥) أي: نحن من المؤمنين الذين يُختم لهم بخيرٍ إن شاء الله (٦).

стр. 247

ونقل الشيخ نصر المقدسيُّ ﵀ عن أبي حاتم وأبي زرعة الرازيّيين عن جميع علماء الأمصار أنهم قالوا: (إن الناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، لا يدرى ما هم عليه عند الله تعالى، فمن قال: إنه مؤمن حقاً فهو مبتدعٌ، ومن قال، هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال إنه (١) مؤمن بالله حقاً فهو مصيب) (٢).

стр. 248

فصل (١٨) ومما يجب الإيمان به البعث بعد الموت يوم القيامة، وبكلِّ ما أخبر الله سبحانه ورسوله ﷺ من أهوال ذلك اليوم، وأنه الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق مما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك الموقف الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابةِ عن المسائل، وغيرها من الزلازل الموعودة والبلابل، ومن الصراط والميزانِ ونشر الصحف التي فيها مثاقيلُ الذرِّ من الخير والشرِّ. ويجب الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لمذنبي أهل التوحيد. وبالحوض، والكوثرِ. وإدخال فريقٍ من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبةِ فريقٍ حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة دون سوءٍ يمسُّهم وعذابٍ يلحقهم، وإدخال فريقٍ النارَ من المؤمنين، ثم إعتاقِهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها. ونعلم حقّاً يقينا أن مذنبي الموحدين لا يخلّدون في النار (١)، ولا يُتركون فيها أبدا (٢)، وأما الكفار فإنهم يبقوْن فيها أبدَ الآبدين: ﴿لَا

стр. 249

يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] (١)، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. ونعلم ونشهد ونعتقد أن الجنة والنار مخلوقتان قبل الخلق، وأنهما باقيتان لا يفنيان أبداً (٢). ولا يُخرِجُ اللهُ من الجنةِ أحداً، ولا يسلِّط عليهم الموت فيها، ولا يزيل عنهم نعيمها، ويأمر بالموت فيُذبَحُ على سورٍ بين الجنة والنار، وينادي المنادي: "يا أهل الجنةِ خلودٌ ولا موت (٣)، ويا أهل النارِ خلودٌ ولا (٤) موتَ"، على ما ورد به الخبرُ الصحيح (٥) ................

стр. 250

عن رسول الله ﷺ (١). ويجب الإيمان بملَك الموت الموكَّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر [لمن] (٢) كان له أهلًا. وكذلك يجب الإيمان بالملائكة جميعهم، وبالكرام الكاتبين، وأن الله تعالى قد جعلهم علينا حافظين. وبسؤال منكَرٍ ونكير الميت في قبره عن ربّه ودينه ونبيِّه على ما جاءت به الأخبار (٣) عن رسول الله ﷺ ،
следующие страницы →