← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فصل (١٧) ويجب اعتقاد أن عواقب العباد مبهمةٌ، لا يدري أحدٌ بم يُختمُ له، ولا يحكمون لواحدٍ بعينه أنه من أهل الجنة، ولا على واحدٍ (١) بعينه أنه من أهل النار (٢)؛ لأن ذلك مغيّبٌ عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الناس، أعلى إسلامٍ أم على كفرٍ؟ (٣) ولذلك (٤) يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله (٥) أي: نحن من المؤمنين الذين يُختم لهم بخيرٍ إن شاء الله (٦).

стр. 247

ونقل الشيخ نصر المقدسيُّ ﵀ عن أبي حاتم وأبي زرعة الرازيّيين عن جميع علماء الأمصار أنهم قالوا: (إن الناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم، لا يدرى ما هم عليه عند الله تعالى، فمن قال: إنه مؤمن حقاً فهو مبتدعٌ، ومن قال، هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال إنه (١) مؤمن بالله حقاً فهو مصيب) (٢).

стр. 248

فصل (١٨) ومما يجب الإيمان به البعث بعد الموت يوم القيامة، وبكلِّ ما أخبر الله سبحانه ورسوله ﷺ من أهوال ذلك اليوم، وأنه الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق مما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك الموقف الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابةِ عن المسائل، وغيرها من الزلازل الموعودة والبلابل، ومن الصراط والميزانِ ونشر الصحف التي فيها مثاقيلُ الذرِّ من الخير والشرِّ. ويجب الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لمذنبي أهل التوحيد. وبالحوض، والكوثرِ. وإدخال فريقٍ من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبةِ فريقٍ حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة دون سوءٍ يمسُّهم وعذابٍ يلحقهم، وإدخال فريقٍ النارَ من المؤمنين، ثم إعتاقِهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها. ونعلم حقّاً يقينا أن مذنبي الموحدين لا يخلّدون في النار (١)، ولا يُتركون فيها أبدا (٢)، وأما الكفار فإنهم يبقوْن فيها أبدَ الآبدين: ﴿لَا

стр. 249

يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] (١)، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. ونعلم ونشهد ونعتقد أن الجنة والنار مخلوقتان قبل الخلق، وأنهما باقيتان لا يفنيان أبداً (٢). ولا يُخرِجُ اللهُ من الجنةِ أحداً، ولا يسلِّط عليهم الموت فيها، ولا يزيل عنهم نعيمها، ويأمر بالموت فيُذبَحُ على سورٍ بين الجنة والنار، وينادي المنادي: "يا أهل الجنةِ خلودٌ ولا موت (٣)، ويا أهل النارِ خلودٌ ولا (٤) موتَ"، على ما ورد به الخبرُ الصحيح (٥) ................

стр. 250

عن رسول الله ﷺ (١). ويجب الإيمان بملَك الموت الموكَّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر [لمن] (٢) كان له أهلًا. وكذلك يجب الإيمان بالملائكة جميعهم، وبالكرام الكاتبين، وأن الله تعالى قد جعلهم علينا حافظين. وبسؤال منكَرٍ ونكير الميت في قبره عن ربّه ودينه ونبيِّه على ما جاءت به الأخبار (٣) عن رسول الله ﷺ ،

стр. 251

وعن أصحابه ﵃ أجمعين (١). والقبر روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النار (٢). وفي دعاء الأحياء المؤمنين نفعٌ (٣) للأموات المؤمنين (٤)، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كلَّ شيء ولا يملكه شيءٌ، ولا غنى عنه طرفة عين، ومن (٥) استغنى عنه (٦) طرفة عين فقد كفر، وكان من أهل الحَين (٧) (٨).

стр. 252

فصل (١٩) (من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع؛ [للنص] (١) عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواتراً، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار، والحشر والنشر، والثواب والعقاب معنًى غير ظاهره (٢)، وإنها لذَّاتٌ (٣) روحانيَّة، ومعانٍ باطنة، كقول النصارى، والفلاسفة، والباطنية، وبعض المتصوفة، وزعم (٤) أن معنى القيامة الموت أو فناءٌ محضٌ، [وانتقاض] (٥) هيئة الأفلاك، وتحليل العالم، كقول بعض الفلاسفة. وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: (إن الأئمة أفضل من الأنبياء) (٦)، والله تعالى أعلم.

стр. 253

فصل (٢٠) ونشهد لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة (١)، وإن كان من جملة الذين قضى الله تعالى تعذيبهم وتهذيبهم بالنار، فإنهم مردودون إلى نعيم دار القرار آخراً، ومن مات - والعياذ بالله تعالى - على الكفر فمردُّه إلى النار لا ينجو منها، وليس لبلائه وعذابه منتهى. ونشهد لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة من أصحابه أنَّه من أهل الجنة، ونقطع بذلك اتَّباعاً له ﷺ ، فإنَّه لم يشهد لهم بالجنة إلا بعد أن أطلعه الله سبحانه عليه، وتبيَّن له حالهم ومآلهم، فإنه سبحانه يطلع رسوله ﷺ على ما يشاء (٢) من غيبه، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فقد بشَّر رسول الله ﷺ العشرة المعروفين من أصحابه بالجنة (٣) وهم: أبو

стр. 254

بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح (١). وفي روايةٍ صحيحة: وابن مسعود (٢)، وبشّر خديجة ﵂ ببيتٍ في الجنة من قصب لا صخب [فيه] (٣) ولا نصب (٤). وقال لبلال ﵁: "سمعت خشف (٥) نعليك أمامي في الجنة" (٦)،

стр. 255

قال مالك ﵁: الخشف (١): الوطء، والحسّ. وقال ﷺ : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" (٢). وكذلك قال عن عبد الله بن سلَّام: "إنه من أهل الجنة" (٣)، وقال لثابت بن قيس بن الشمَّاس (٤): "ليس هو من أهل النار، بل هو من أهل الجنة"، قال أنس: (فلقد كان يمشي بين أظهرنا، ونحن نقول: إنه في الجنة) (٥).

стр. 256

ومن أهل الجنة: سعد بن معاذ، قال رسول الله ﷺ : "لمناديل سعد في الجنة خيرٌ من هذا" (١). جعفر (٢) بن أبي طالب، قال رسول الله ﷺ : "دخلتُ الجنة البارحة فإذا فيها جعفر يطير مع الملائكة" (٣). وكذلك زيد بن أرقم، وعبد الله بن رواحة، وحمزة في الجنة (٤)،

стр. 257

وفاطمة (١) بنت رسول الله ﷺ في الجنة (٢)، وعمير (٣) بن الحمام في الجنة (٤)، ..................................................

стр. 258

والشهداء من أهل بدرٍ (١)، وأحدٍ (٢)، والقرَّاء الذين قُتِلُوا ببئر معونة في الجنة (٣)، وعكاشة بن محصن في الجنة (٤)، والأولياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون في الجنة. واعلم أن تعيين الجنة من رسول الله ﷺ لأمته - الصحابة وغيرهم - على ضربين: ضربٍ عيّن فيه الأشخاص، وهو المراد بقول أهل العلم: ولا نقطع لأحدٍ بالجنة إلا لمن قطع له رسول الله ﷺ بها وقد ذكرنا منهم قطعةً، وضربٍ عيّن فيه الأوصاف، فيتعينون لها بشهادة رسول الله ﷺ لهم بالوصف؛ الذي نصَّ عليه رسول الله (٥) ﷺ أنه سبب

стр. 259

لدخول الجنة كأهل بدرٍ [لقوله] (١) ﷺ : "إن الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٢)، ولا معنًى لذلك إلا دخول الجنة. وكذلك من عمل عملًا جعل له ﷺ عليه الجنة من قولٍ، أو فعلٍ، أو نيّةٍ، فإنّا نقطع له بالجنة عليه من غير امتراءٍ ولا شكٍّ بالنسبة إلى الاتصاف بالفعل، أو القول، أو النية، لا بالنسبة إلى الشخص، فإن تحققنا الوصف جاز لنا القطع لصاحبه بالجنة تصديقاً لرسول الله ﷺ ، بشرط مطابقته الوصف ظاهراً وباطناً، والله يعلم المفسد من المصلح، والله أعلم.

стр. 260

فصل (٢١) ونشهد ونعتقد أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر النبي ﷺ خلافتهم بقوله ﷺ فيما رواه الحافظ أبو حاتم بن حبان (١) في صحيحه بإسناده إلى سفينة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الخلافة ثلاثون سنة (٢)، وسائرهم ملوك، والخلفاء والملوك اثنا عشر" (٣).

стр. 261

قال أبو حاتم ﵀ معنى الخبر: أن من بعد (١) الثلاثين سنةً يجوز أن يقال لهم خلفاء أيضاً على سبيل الاضطرار، وإن كانوا ملوكاً في الحقيقة، وآخر الاثني (٢) عشر من الخلفاء كان عمر بن عبد العزيز (٣). فلما ذكر المصطفى ﷺ : (الخلافة ثلاثون سنة) وكان آخر الاثني (٢) عشر عمر بن عبد العزيز، وكان من (٤) الخلفاء الراشدين المهديين أُطلق على من بينه وبين الأربع الأُول اسم الخلفاء، وذاك أن المصطفى ﷺ قبضه الله إلى جنته يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة (٥) من الهجرة، واستخلف الصديق ثاني وفاته، وتوفي أبو بكر [الصديق] (٦) ليلة الإثنين لسبع عشرة ليلة

стр. 262

مضت من جمادى الآخرة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً، ثم استُخْلِفَ عمر [بن الخطاب] (١) ﵁ اليوم الثاني من موت أبي بكر ﵁ ثم قتل عمر، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، ثم استخلف عثمان بن عفان ﵁ ثم قتل عثمان، وكانت خلافته اثنتي عشرة (٢) سنة إلا اثني عشر (٣) يوماً، ثم استخلف عليّ بن أبي طالب ﵁[وقتل] (٤) وكانت خلافته وخلافة ابنه الحسن خمس سنين وثلاثة أشهر إلا اثني عشر يوماً. فلما قتل عليّ ﵁ وذلك يوم السابع عشر من رمضان سنة أربعين بايع أهل الكوفة الحسن بن عليّ بالكوفة، وبايع [أهل] (٥) الشام معاوية بن أبي سفيان [بإيليا] (٦)، (٧) ﵄ ثم سار معاوية يريد الكوفة وسار [إليه] (٨) الحسن بن عليّ، فالتقوا بناحية الأنبار (٩)، واصطلحوا

стр. 263

على كتابٍ بينهم بشروطٍ فيه، وسلّم الحسن الأمر إلى معاوية، وذلك يوم الإثنين لخمس ليال بقين من [شهر] (١) ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك تكملة خلافة النبوة ثلاثين سنة، وسمّيت (٢) هذه السنة سنة (٣) الجماعة (٤). ثم ذكر الخلفاء والملوك بين الحسن وعمر بن عبد العزيز واحداً بعد واحدٍ وتاريخ مدته (٥)، وآخرهم سليمان بن عبد الملك (٦) مات سنة تسع وتسعين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر بدابق (٧). قال: ثم

стр. 264

بايع الناس عمر بن عبد العزيز في اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بديْر سمعان (١) من أرض حمص يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب الفرد (٢) سنة إحدى ومئة، وله يوم مات إحدى وأربعون سنة، وكانت خلافته سنتين (٣) وخمسة أشهر وخمس ليال، وهو آخر الخلفاء الاثني عشر؛ الذين خاطب النبي ﷺ أمته بهم (٤)، وذكر البيان في باب جواز إطلاق اسم الخلفاء عليهم للضرورة، وروى أحاديث في ذلك (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 265

فصل (٢٢) خلافة أبي بكر ﵁ (١) بعد وفاة رسول الله ﷺ ثابتة باختيار الصحابة، واتفاقهم عليه، وقولهم: (رضيه رسول الله ﷺ فرضيناه لدنيانا) (٢) يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس

стр. 266

أيام مرضه - وهي الدين -، فرضيناه خليفةً للرسول ﷺ في أمور دنيانا، وقولهم: (قدّمك رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخرك) (١). وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته بما

стр. 267

تبين [للصحابة] (١) أنه أحقُّ الناس بالخلافة بعد وفاته، فلذلك أجمعوا على خلافته، وانتفعوا، وارتفقوا (٢)، وارتفعوا به، وعزّوا، وعلوا بسببه؛ حتى قال أبو هريرة ﵁: (والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، فقيل له: مَهْ يا أبا هريرة ما تقول؟) (٣)، فأقام الحجة، وأوضح المحجة حتى صدقوه فيه، وشهدوا له بما ذكره فيه (٤). ومما استدل به أبو بكر ﵁ على الأنصار في تقديم المهاجرين عليهم ما قاله في خطبته التي خطبها عندهم: (نحن الصادقون وأنتم المفلحون، والله جعل المفلحين مع الصادقين) (٥)، أما وصف (٦)

стр. 268

المهاجرين (١) بالصادقين؛ ففي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] (٢). وأمّا وصف الأنصار بالمفلحين ففي الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (٣). وأمّا كون المفلحين مع الصادقين ففي قوله تعالى للأنصار في براءة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. ثم خلافة عمر ﵁ باستخلاف أبي بكرٍ إياه، واتفاق الصحابة بعده عليه، وإنجاز وعد الله سبحانه مكانه (٤) في إعلاء الإسلام، وإعظام شأنه (٥). ثم خلافة عثمان بن عفان (٦) ﵁ بإجماع (٧) أهل الشورى،

стр. 269

وجملة الصحابة عليه، وسكون قلوبهم به حين جعل الأمر إليه. ثم خلافة عليّ ﵁ ببيعة الصحابة إياه، حين عرفه ورآه كلٌّ منهم ﵃ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه. فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين؛ الذين [نصر] (١) الله بهم الدين، وقصر الإلحاد، وقسر وقهر الملحدين، وقوَّى بمكانهم الإسلام، ورفع له بنهيهم الأعلام، ونوَّر بضيائهم وبهائهم الظلام، وفيهم أنزل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] (٢)، فمن أحبهم، وتولاهم، ودعا لهم؛ فاز في الفائزين، ومن أبغضهم، وسبّهم، ونسبهم إلى ما نسبهم إليه الروافض والخوارج - لعنهم الله -؛ فقد هلك في الهالكين، قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا

стр. 270

أصحابي؛ فمن سبّهم فعليه لعنة الله" (١) (٢).

стр. 271

فصل (٢٣) لا (١) نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنبٍ (٢)، ونكفّره به إذا اعتقد حلّه (٣)، أو جواز ارتكابه، أو أنه مأمور به أو أفضل من غيره؛ لأنه أضاف إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ما لا يجوز إضافته، ومن أضاف إليهما أو إلى أحدهما ما لا يجوز عليه فقد (٤) كفر؛ إذ أوامر الرسول ﷺ من أوامر الله؛ ولهذا (٥) قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وكذلك من أضاف إلى إجماع المسلمين المعتدِّ بهم ما لا يجوز إضافته إليه كفر (٦)؛ لإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ بعصمتهم

стр. 272

من الخطأ (١). إذا عرفت هذا، فاعلم أنه من كفّر مسلماً بغير حقٍّ أو قال له: يا كافر، من غير استنادٍ إلى ما يكفر ظاهراً هل يكفر بذلك؟ اختلف قول أصحاب الشافعيّ المتأخرين فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول جمهورهم أنه لا يكفر بل هو عاصٍ بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها، فإن كان كما قال، وإلا [حار] (٢) عليه" (٣)، فلم يصرّح ﷺ بكفره، وإنما معناه: رجع

стр. 273

عليه إثم قوله (١). والثاني: وهو قول أصحاب الحديث منهم (٢) والمحققين أنه يكفر؛ لأنه ﷺ جعل الكفر راجعاً عليه عند عدم المحلّ في المدعوّ بالكفر، وذلك يقتضي الحكم بكفره، واختار هذا صاحبا التتمة (٣)

стр. 274

والبحر (١)، والله أعلم. إذا عرفت هذا في أحد المسلمين، فاعلم أنه من كفّر نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا من أولياء الله تعالى، أو أحداً من آل بيت النبي ﷺ ، أو أزواجه، أو ضللهم؛ فإنه يكفر بذلك بلا شكٍّ (٢). وقد تقدم الكلام (٣) على من سبّ الله أو رسوله أو غيرهما من الرسل والأنبياء، وأما من سبّ صحابيًّا أو تنقصه؛ فالمشهور من مذاهب العلماء عدم تكفيره، والرجوع في أمره إلى الاجتهاد والأدب، وهو المشهور من قول مالك ﵀ قال: (من شتم أحداً من أصحاب النبي ﷺ : أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عليًّا، أو معاوية، أو

стр. 275

عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلالٍ وكفرٍ قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكّل نكالاً شديداً) (١). وقال ابن حبيب (٢): (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أُدّب أدباً شديداً، ومن زاد إلى بغض أبي بكر، أو عمر (٣) فالعقوبة عليه أشدّ، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سبّ النبي ﷺ ) (٤). وقال أبو محمد بن أبي زيد (٥) عن سحنون (٦):

стр. 276

(من قال في أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي (١) ﵃: إنهم كانوا على ضلالةٍ وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكّل النكال الشديد) (٢). وروي عن مالك: من سبّ أبا بكر جلد، ومن سبّ عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: (من رماها فقد خالف القرآن (٣)) (٤)، قلت: قوله: فقد خالف القرآن، أي: كذّبه. وبهذا المعنى تمسك من كفّر بسبِّ الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، قال: لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عنهم ورضوا عنه (٥)، ومعلوم أن الله لا يرضى الكفر، ولا يرضى عن أصحابه، فمن كفّر من أخبر الله سبحانه برضاه

стр. 277

عنه فقد كذّب الله في خبره، ومن كذّب الله تعالى في خبره فهو كافرٌ إجماعاً (١)، والله أعلم. وقال ابن شعبان (٢) عن مالك ﵀ في قتل من سبّ عائشة: (لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] فمن عاد لمثله فقد كفر) (٣).

стр. 278

وحكى [أبو الحسن] (١) الصقلي (٢) أن القاضي [أبا بكر بن الطيب] (٣) (٤) قال: (إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبّح نفسه لنفسه؛ كقوله : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] (٥) في آيٍ [كثيرةٍ] (٦). وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة، فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ [النور: ١٦] سبّح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبّح نفسه في تبرئته (٧) من السوء) (٨). وهذا يشهد لمالك في قتل من سبّ عائشة، ومعنى هذا - والله أعلم: أن الله سبحانه

стр. 279

لما عظّم سبّها كما [عظّم] (١) نفسه، وكان سبّها سبًّا لنبيه ﷺ ، وقرن سبّ نبيه ﷺ وأذاه بأذائه تعالى (٢)، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك (٣)، ولهذا قال ابن شعبان: (ومن سبّ غير عائشة من أزواج النبي ﷺ ففيها قولان: أحدهما: يقتل؛ لأنه سبَّ النبي ﷺ بسبّ حليلته (٤). والآخر: أنها كسائر أصحابه يجلد حدّ المفتري، قال: وبالأول أقول) (٥). وشتم رجلٌ عائشة بالكوفة، فَقُدِّم إلى موسى بن عيسى العباسي (٦) فقال: من أحضر هذا؟ قال ابن أبي ليلى (٧): أنا، فَجُلد

стр. 280

ثمانين، وحُلِق رأسه، وأسلمه في الحجّامين (١) (٢). وقال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً (٣)، (٤) بعدي، فمن أحبهم فبحبِّي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" (٥). وقال ﷺ (٦): "لا تسبوا

стр. 281

أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" (١) (٢). وروي في حديثٍ: "لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء قومٌ في آخر الزمان يسبون أصحابي، فلا تصلّوا عليهم، ولا تصلّوا معهم، ولا تناكحوهم، ولا تجالسوهم، وان مرضوا فلا تعودوهم" (٣)، وقال ﷺ : "من سبّ أصحابي فاضربوه" (٤). وقد أعلم النبي ﷺ أن سبهم وأذاهم يؤذيه، وأذى النبي ﷺ حرامٌ. وقال: "لا تؤذوني في أصحابي، ومن آذاهم فقد آذاني" (٥). وقال

стр. 282

- ﷺ : "لا تؤذوني في عائشة" (١). وقال: "فاطمة بضعة منّي، يوذيني ما آذاها (٢) (٣). وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نذر (٤) قطع لسان عبيد الله ابن [عمر] (٥)؛ إذ شتم المقداد بن الأسود؛ فكلّم في ذلك فقال: (دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحداً (٦) بعد أصحاب النبي ﷺ ) (٧).

стр. 283

وأُتي عمر بن الخطاب ﵁ بأعرابيٍّ يهجو الأنصار، فقال: (لولا أنَّ له صحبةً لكفيتكموه) (١). قال (٢) مالك ﵀: (من انتقص أحداً من أصحاب النبي ﷺ فليس له [في] (٣) هذا الفيء حقٌّ، قد قسّم الله الفيء في ثلاثة أصنافٍ، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية، فمن تنقَّصهم فلا حقَّ له في فيء المسلمين) (٤).

стр. 284

وفي كتاب ابن شعبان (١): (من قال في واحد منهم: إنه ابن زانية [و] (٢) أمه مسلمة، يحدُّ (٣) عند بعض أصحابنا حدّين: حدًّا له، وحدًّا لأمّه، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة؛ لفضل هذا على غيره؛ ولقوله ﷺ : "من سبَّ أصحابي فاجلدوه" (٤). قال: "ومن قذف أمّ أحدهم وهي كافرةٌ حُدّ حدّ الفرية؛ لأنه سبّ له، فإن كان أحدٌ من ولد [هذا] (٥) الصحابي حيًّا قام بما يجب [له] (٦)، وإلا فمن قام به من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه"، قال (٧): وليس (٨) هذا كحقوق غير الصحابة، لحرمة هؤلاء [بنبيهم] (٩) ﷺ ، ولو سمعه الإمام وأشهد عليه كان وليَّ القيام به (١٠). وروى أبو مصعبٍ (١١) عن مالكٍ: (من انتسب إلى .........

стр. 285

[بيت] (١) النبي ﷺ يضرب ضرباً وجيعاً، ويشهر ويحبس (٢) طويلاً حتى تظهر توبته (٣)؛ لأنه استخفاف بحقَّ الرسول ﷺ ) (٤). وقال القاضي عياض ﵀: وأفتى أبو المطرّف الشعبي (٥) - فقيه مالَقَة - (٦) في رجل أنكر تحليف امرأةٍ .........................
следующие страницы →