← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أباطيلهم؛ التي إذا قرّت في الآذان وقرتْ في القلوب وضرّت، وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرّت، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].

стр. 317

وعلامات البدع على أهلها تظهر ولا تخفى، وأظهر علاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار المصطفى ﷺ ، واحتقارهم لهم، واستخفافهم بهم، وتسميتهم إياهم حشوية (١)، ومشبّهة (٢)، وجهلة، اعتقاداً منهم في أخبار الرسول ﷺ أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما تلقيه الشياطين إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم

стр. 318

[المظلمة] (١)، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وكلماتهم وحججهم الدَّاحضة الباطلة، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وروى (٢) الحاكم أبو عبد الله [الحافظ] (٣) ﵀ بإسناده إلى أحمد [بن سنان] (٤) القطان (٥) أنه قال: (ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة (٦) الحديث من قبله) (٧). وقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي (٨)، (٩): (كنت أنا

стр. 319

وأحمد بن الحسين (١) الترمذي (٢)، (٣) عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فقال له أحمد بن الحسين: يا أبا عبد الله، ذكروا لابن أبي قتيلة (٤)، (٥) بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله أحمد بن حنبل وهو ينفض ثوبه، وقال (٦): زنديق، زنديق، زنديق، ودخل البيت) (٧).

стр. 320

وقال أبو نصر بن سلام الفقيه (١): (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث، وروايته بإسناده) (٢). وقال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه (٣) - وهو يناظر رجلاً -: (حدثنا فلان، فقال الرجل: دعنا من حدثنا، إلى متى حدثنا؟ فقال له الشيخ: قم يا كافر، ولا يحلّ لك أن تدخل داري بعد هذا، ثم التفت إلينا فقال: ما قلت قط لأحد لا تدخل داري إلا لهذا) (٤) (٥). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٦): سمعت أبي يقول:

стр. 321

(علامة أهل البدع: الوقيعة قي أهل الأثر، وعلامة الزنادقة (١): تسميتهم أهل الأثر حشوية يريدون إبطال الآثار، وعلامة القدرية (٢): تسميتهم أهل السنة مُجبرة (٣)، وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشبّهة،

стр. 322

وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل الأثر نابتة (١) (٢) (٣). وقال (٤) الإمام أبو عثمان الصابوني: وناصبة (٥) (٦)، وكل ذلك عصبية، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد وهو أصحاب الحديث.

стр. 323

وقال: رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقَّبوا بها أهل السنة - ولا يلحقهم شيء منها فضلًا من الله ومنةً - سلكوا معهم مسلك المشركين الملعونين مع رسول الله ﷺ فإنهم اقتسموا القول فيه، فسمّاه بعضهم ساحراً، وبعضهم كاهناً، وبعضهم شاعراً، وبعضهم مجنوناً، وبعضهم مفتوناً، فكان ﷺ من تلك المعائب بعيداً بريئاً، ولم يكن إلا رسولاً نبياً، وأنزل الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]، [الفرقان: ٩]. وكذلك المبتدعة - خذلهم (١) الله - اقتسموا القول في حملة أخباره، ونقلة آثاره، ورواة أحاديثه المهتدين (٢)، والمقتدين به، المعروفين: بأصحاب الحديث، فسمّاهم بعضهم حشوية، وبعضهم مشبهة، وبعضهم مجبرة، وبعضهم نابتة (٣) وناصبة، وأصحاب الحديث [مصانة] (٤) من هذه المعائب بريئة نقية تقية، وليسوا إلا أهل السنة المضية، والسيرة المرضية، [والسبل] (٥) المستوية، والحجج البالغة القوية، قد وفقهم الله تعالى لاتباع كتابه، ووحيه، وخطابه، وجعلهم من أتباع أقرب أوليائه إليه، وأكرمهم وأعزهم عليه، وشرح صدورهم

стр. 324

لمحبته، ومحبة أئمة شريعته، وعلماء، أمته، ومن أحب قوماً فهو معهم يوم القيامة بحكم قول النبي ﷺ : "المرء مع من أحب" (١). وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمتها، وعلمائها، وأنصارها، وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار وبلائها (٢).

стр. 325

فصل (٣٤) الحب في الله والبغض فيه من أوثق عرا الإيمان (١)، فمن أحبّ

стр. 326

ما أبغض الله، أو [أبغض] (١) ما أحب الله فقد كفر، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] , وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وروى البخاري ومسلم من رواية أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن (٢) أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يلقى (٣) في النار" (٤). ومعلوم أن حب الله ورسوله واجب على جميع الوجوه، فمن أحب كلام الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والقائمين بهما على وفقهما من غير تبديل، ولا تغيير، ولا تحريف، ولا تصحيف في لفظهما ومعانيهما، فقد أحب الله ورسوله، ومن أبغضهم (٥) فقد أبغض الله ورسوله، ومن حرّف، أو بدّل، أو غيّر، أو صحّف، فقد افترى على الله ورسوله، خصوصاً إن كان عامداً لذلك، معتقداً حلَّه، فإنه يكون كافراً [مرتداً] (٦) بلا شكٍّ، وإن لم يكن معتقداً حلّه لكنه عامدٌ معاندٌ، كان إثمه شديداً، وعقابه مزيداً.

стр. 327

فمحبة أهل الإيمان والطاعة والفرقان واجبة، وبغضة أهل الكفر والبدع والمخالفة والفسوق والعصيان واجبة. ومحبة العلوم الشرعية والقائمين بها علماً، وعملًا، واعتقاداً واجبة، وبغضة العلوم الفلسفية، والسحرية، والكلامية، والنجومية، و [الكيماوية] (١)، والسيمياوية (٢)، والقائمين بها علماً، أو عملًا، أو اعتقاداً واجبة. وحب أهل الوفاق والإرفاق والإشفاق محبوب وللشرع (٣) مطلوب، وبغض أهل النفاق، والشقاق، ومرديات الأخلاق مطلوب، وفيه مرغوب. وكل ما أحبه الله ورسوله فتركه ومخالفته سبب للفتنة والعذاب (٤)، ومن شنأه فقد شنأ رسول الله ﷺ فهو الأبتر، وقد خسر وخاب (٥)، وتقطعت به الأسباب، وباء بخسار الزلفى، وحسن المآب. والمحبة واجبة (٦)، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة،

стр. 328

ومباحة (١)، فالتقرب إلى الله بالواجب منها أفضل القرب، والتقرب إليه بالمندوب سبب [لأن] (٢) يكون صاحبه عنده محبوباً، ولا [يتصور] (٣) القرب (٤) إليه بالمحرم والمكروه، وقد يتقرب إليه بالمباح إذا اقترن به وصف المطلوب (٥)، والله يعلم المفسد من المصلح.

стр. 329

فصل (٣٥) كما تجب محبة الله ورسوله تجب محبة أولياء الله تعالى، وأفضل الأولياء الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان، ثم العلماء العاملون في كل عصرٍ وأوان، وعلماء الصحابة أفضل جميع العلماء بعدهم (١)، وعلماء التابعين أفضل العلماء بعدهم، وعلماء كل قرنٍ أفضل من علماء [القرن] (٢) الذي يليه؛ ومن خيّلت له نفسه خلاف ذلك فقد ارتبك في التيه، وهم خير الناس والقبائل؛ لقيامهم بالعلم والعمل والدلائل، وهم ورّاث الأنبياء، وتستغفر لهم الملائكة والدواب، وكل شيء حتى الحيتان في الماء والطير في الهواء، يدْعى كل منهم في ملكوت السموات والأرض (٣) عظيماً، ويصلي عليهم (٤) الملائكة في كل حين، ويسلمون (٥) تسليماً. فمنهم الخلفاء الأربعة في (٦) الأئمة الراشدين القدوة الراسخين الهادين المقدّمين (٧)، والفقهاء السبعة في التابعين (٨) والأئمة الأربعة:

стр. 330

أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل (١) في الخالفين، وأصحاب [كتب الحديث] (٢) المسندة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في الأئمة الحفاظ المحققين المحدثين، وفقهاء الشام كالأوزاعي وغيره من العلماء الربانيين، والفقهاء من الأئمة المحدثين، والمصنفون من الحذَّاق (٣) المحققين، وهم معروفون موصوفون عند النقاد العارفين، حشرنا (٤) في زمرتهم، وأماتنا على محبتهم، آمين.

стр. 331

فصل (٣٦) من لزم أمر الله تعالى، وآثر طاعته تعالى؛ فبتوفيق الله تعالى إياه، ومن ترك أمر الله، وركب معاصيه؛ فبخذلان الله إياه (١)، ومن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل (٢) بالجوارح إليه إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل

стр. 332

فقد كذَّب بالقدر، وردّ كتاب الله نصاً، وزعم أنه مستطيع لما لم يرده الله عزّ (١) اسمه، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول، ولكن نقول: إن الاستطاعة من العبد مع الفعل، فإذا عمل عملًا بالجوارح من برٍّ أو فجورٍ، علمنا أنه كان مستطيعاً للفعل الذي فعل، فأما قبل أن يفعله فإنا لا ندري لعله يريد أمراً فيحال بينه وبين ذلك، والله مريد لتكوين أعمال الخلق، ومن ادّعى خلاف ما ذكرنا، فقد وصف الله بالعجز، وهلك في الدارين (٢).

стр. 333

وهذه المسألة راجعة إلى وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه، وأنه من الله، وأنه جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم قيام الساعة، علم الله سبحانه العباد وما هم عاملون وإلى ما هم صائرون، وأنه أمرهم ونهاهم، وهذا كله مجمعٌ عليه، ومتفق (١) القول به بين (٢) علماء [أهل] (٣) السنة، والله أعلم. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀: (والاستطاعة التي يجب بها الفعلُ من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به مع (٤) الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين (٥) وسلامة الآلات فهي قبل الفعل (٦)، وهو كما (٧) قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون (٨)، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به (٩) (١٠) وهو تفسير: (لا حول ولا

стр. 334

قوة إلا بالله)، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حول لأحدٍ، ولا حركة لأحدٍ (١) عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحدٍ على طاعة (٢) الله، والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء بمشيئة (٣) الله تعالى، وعلمه، وقدره، وقضائه (٤)، [فغلبت] (٥) مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها. يفعل الله (٦) ما يشاء، وهو غير ظالم أبداً (٧)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]) (٨).

стр. 335

فصل (٣٧) [وقد] (١) تقدم الكلام (٢) على وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ ، وتنزيلهم منازلهم في الرتبة والفضل، وأن أجور الأمة في موازينهم من حيث مقابلة الجملة بالجملة، وأما من حيث الفرد بالفرد من حيث الأجر، فقد يكون أجره أكثر من أجره، لا من حيث ذاته، ولا سبقيته، ولا صحبته للرسول ﷺ . قال الإمام أبو عثمان الصابوني ﵀: (ومن تمسَّك بسُنَّة رسول الله ﷺ ، وعمل بها، واستقام عليها، ودعا الخَلْق إليها؛ كان أجره وافراً (٣)، وأكبر من أجر من جرى على هذه الجملة في أول الإسلام والملة؛ لأن النبيَّ ﷺ قال في مثله: "له أجر خمسين، قالت الصحابة: منهم؟ قال: بل منكم" (٤) وإنما قال ﷺ في رجل يعمل بسنته عند

стр. 336

فساد أمته (١). وروى بإسناده إلى ابن شهاب الزهري قال: (تعلم سنتي (٢) أفضل من عبادة مائتي سنة) (٣)، (٤). وروينا بإسنادنا في كتاب المدخل للبيهقي عن أبي هريرة ﵁

стр. 337

قال: قال رسولُ الله ﷺ : "للقائم (١) بِسُنَّتي عند فساد أمتي أجر (٢) مئة شهيدٍ" (٣)، ورويناه أيضاً في غيره. وروينا بإسنادنا إلى عمرو بن محمد (٤). قال: كان أبو معاوية الضرير (٥) يحدّث هارون الرشيد (٦)، فحدثه

стр. 338

بحديث أبي هريرة: "احتج آدم وموسى" (١) فقال عيسى بن جعفر (٢): كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون، وقال: يحدثك عن النبي ﷺ وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقوله حتى سكن عنه (٣).

стр. 339

فيجب على من لدِينه عنده قدرٌ، ولأخبار الرسول ﷺ في قلبه قبولٌ، أن يفعل كفعل هارون الرشيد، ويجعل عقله تبعاً لما جاء عن رسول الله ﷺ ، ومن لم يكن كذلك، ولم يعظمه، ولم يوقره، فهو الدنيّ، الحقير، الغويّ، الشقيّ، ومأواه جهنم، وبئس المصير، والله يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويستمسكون في دنياهم مدة محياهم بالكتاب والسُّنة، ويجنبنا الأهواء المضلَّة، والآراء المضمحلة، بفضلٍ منه، ورحمةٍ، ومنةٍ (١).

стр. 340

فصل (٣٨) إذا وقع العلم بالمراد من الشارع؛ فذكر الاحتمالات المعنوية المستنبطة من اللفظ الشرعي المخالفة [للمراد] (١) المعلوم: تحريفٌ، أو تبديل، أو تغيير، أو تشكيك أو تضليل، أو تعطيل، أو تشبيه، وكل ذلك إما كفر أو معصية. والكفر (٢) إما شرعي أو لغوي، والشرعي: ما نطق (٣) الشارع به

стр. 341

باللسان العربي على وفق لغة العرب؛ الذين آمنوا به ﷺ ، وفهمهم، أو كان على مناهجهم [لا] (١) ما أحدث من اللغات النبطية، والمفاهيم الغويّة، والاصطلاحات المخالفة الحادثية. واللغوي شرعي إلا ما علم أن المراد خلافه، مثاله: العفو في اللغة التوفية والإزالة (٢)، والكفر فيها: التغطية (٣)، والستر، والإزالة، فإذا علم المراد تبيّنا أن ما خالفه لغوياً غير مراد، فلا تخرج (٤) اللغة عن الشرع إلا [العلم] (٥) بعدم الإرادة من الشارع (٦)، فإذا قال ﷺ : "قصوا الشوارب، واعفوا اللِّحى" (٧) علمنا: أن المرادَ ظهورُ زينة الله تعالى

стр. 342

للعباد بها، لا [تبشيع] (١) خلق الله بإزالتها؛ بدليل قوله [في الرواية الأخرى] (٢) "وأوفوا اللحى" (٣). وكذلك إذا ورد لفظ الكفر حُمل على كل كفر من التغطية، والستر، والإزالة، فإذا علم أن المراد أحدها وجب الحمل عليه، وصار الباقي لغوياً غير مراد، مثاله: قوله ﷺ للنساء -: "إني رأيتكن أكثر أهل النار"، قيل: يا رسول الله، بماذا؟ قال: "بكفرهن"، قيل: يا رسول الله، أيكفرن بالله؟ قال: "لا، يكفرن الإحسان ويكفرن العشيرة" (٤)، فلو لم يكن الكفر عند الصحابة في مفاهيمهم عنه ﷺ محمولاً عندهم على جميع وجوهه الشرعية اللغوية، لما حسن الاستفهام ولما أجابهم ﷺ ، ولهذا ثبت لفظ الكفر في قوله ﷺ في صحيح مسلم -: "بين العبد والشرك والكفر ترك الصلاة" (٥)، وقوله:

стр. 343

"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (١). وفي قول شقيق بن سلمة التّابعيِّ الجليل: ما كان أصحاب محمدٍ (٢) (يعدون شيئاً تركه كفر إلا (٣) الصلاة) (٤) حمله المحدِّثون وكثير من الفقهاء على جميع وجوهه من تغطية الحق، وستره، وإزالته في موضوعه ومفهومه، وهو الكفر بالله (٥)، وتأوله بعضهم على بعضها، وهو التغطية أو الستر دون الإزالة، وهي إزالة الإسلام، والله أعلم. ثم الكفر بالتحريف أو التبديل قد يكون مخرجاً عن الإسلام وقد لا يكون، فإن كان مخرجاً كالتحريف في صفات الباري المؤدي إلى تشبيهه بخلقه ، أو تعطيلها، وإخراجها عن معنًى يليق بجلاله؛ فهو كفر مخرجٌ عن الدين بلا شك. وكذلك التحريف في الأحكام الفروعية المجمع عليها الواجبة [أو المحرمة] (٦) بلا تأويلٍ يسوّغ (٧)، وأما المندوبة أو المكروهة أو المباحة

стр. 344

فالتحريف فيها حكمه حكمها في التكفير؛ لكونه أضاف إلى الله تعالى ما لم يضفه إلى نفسه، ولا يجوز إضافته إليه. وقد كفَّر بعض أصحاب الشافعي ﵏ بمجرد الكذب على النبي ﷺ وإن لم يعتقد جوازه وكان مطابقاً لأصول شريعته؛ سداً للباب، وضبطاً للشريعة. وأما من حيث موضوعه ووصفه؛ فحكمه حكمها في وصفه بالندبية، والكراهة، والإباحة. والتكفير بالتحريف (١) والتبديل راجع إلى القصد والإصرار وعدمهما (٢)، وما يترتب على ذلك من تعدي الضرر، وقصوره في حكمه، ومحله. وأمّا إطلاق الكفر على المعاصي؛ فلا يجوز إلا لقصد الزجر عنها (٣)، كما أطلقه رسول الله ﷺ على النساء؛ لما جعله سبباً لدخول

стр. 345

النار، وأطلقه عليهن؛ لقصد زجرهن عن المعاصي؛ التي هي كفر الإحسان، وكفر العشير، فلما استُفسر ﷺ : "أيكفرن بالله؟ " قال: لا (١)، ومن هذا المعنى إطلاقه ﷺ : "من غشنا ليس (٢) منا" (٣) "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" (٤)، ومعلوم أن مجرد الغش والكبر من غير اعتقاد حله؛ لا يوجبان الكفر، ولا الخلود في النار، ولا عدم دخول الجنة مطلقاً، ولا الخروج من مِلَّة الإسلام، وإنما ينقصان الرتبة، فأطلقه رسولُ الله ﷺ لقصد الزجر لا لاعتقاد الكفر، وقسْ على هذا كلَّ ما ورد على (٥) مثل هذا. ومنه قوله ﷺ : "لعن المؤمن كقتله" (٦)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ

стр. 346

اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، في (١) قول كل العلماء إلا ابن عباس ﵄ وقد ثبت رجوع ابن عباس عنه (٢)، والله أعلم.

стр. 347

وقد تقدم فصلٌ: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنبٍ، والكلام عليه وتفصيله (١) (٢). قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀: (لا (٣) نشهد على أحدٍ من أهل القبلة بكفر، ولا بشركٍ، ولا نفاقٍ ما لم يظهر منه شيءٌ من ذلك، ونذر (٤) سرائرهم إلى الله تعالى) (٥). فقد (٦) رُوِّينا في صحيح البخاري ﵀ بإسنادنا إليه، ثم إلى عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ (٧) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (إن ناساً كانوا يُؤخذون بالوحي على (٨) عهد رسول الله (وإن

стр. 348

الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه، وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأْمنْهُ ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة) (١). وروينا في صحيح مسلم ﵀ عن أبي عبد الله طارق بن أشيم (٢) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرّم الله ماله (٣) ودمه، وحسابه على الله" (٤)، قال (٥) الله تعالى في حق المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. إذا عرفت هذا فاعلمْ: أن (من أنكر ما عُرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد؛ التي لا [ترجع] (٦) إلى إبطال شريعةٍ، ولا [تفضي] (٧) إلى إنكار قاعدةٍ من الدين، كإنكار غزوة تبوك أو مؤتة، أو وجود أبي

стр. 349

بكرٍ وعمرَ، وقتل عثمان أو (١) خلافة عليّ، مما عُلم بالنقل ضرورةً، وليس في إنكاره جحد شريعةٍ، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك (٢)، وإنكار (٣) وقوع العلم له؛ إذ ليس في ذلك أكثر (٤) من المباهتة (٥) كإنكار هشامٍ (٦) وعبادٍ (٧) وقعة الجمل، ومحاربةَ عليّ من خالفه. فأما من أنكر ذلك وضعّفه (٨) من أجل تهمة الناقلين، ووهَّمَ المسلمين أجمع،

стр. 350

[فنكفره] (١) بذلك؛ [لسريانه] (٢) إلى إبطال الشريعة. وأما (٣) من أنكر الإجماع المجرد (٤)؛ الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع، فأكثر المتكلمين من الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا: بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامعَ [لشروط] (٥) الإجماع المتفق عليه عموماً. وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله ﷺ : "من خالف الإسلام (٦) قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلامِ من عنقه" (٧). وقد نقل العلماء (٨) الإجماعَ على تكفير من خالف

стр. 351

الإجماع (١) (٢). ولم يخالف أحدٌ من السلف فيه، وقال جماعة من علماء الخلف (٣): المُجمع [عليه] (٤) على ضربين (٥): أحدهما: ما علم من دين الإسلام بالضرورة، كإجماعهم على عدد الركعات في الصلوات الخمس، ومقدار نُصُب الزكاة، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنى واللواط والخمر، وأخذ الأموال بالباطل، والأخذ في الأعراض بغير حق ونحو ذلك، فمن أنكر ذلك كفر. والثاني: ما يعرفه العلماء ويجهله العوام، كمقادير الفرائض لأهلها: ككون السدس للجدة، وللأخت من الأم السدس، وما (٦) شاكل ذلك، قالوا: فمنكر ذلك لا يكفر به؛ قالوا: لأنه لا يعرفه إلا العلماء [وهم قليل] (٧) فيلزم منه تكفير أكثر الخلق من المسلمين، وهذا الكلام ليس فيه تحقيقٌ؛ لأن الإنكار غالباً لا يكون [إلا] (٨) بعد اعترافٍ، وهو المسمّى بالجحود، وأما من لم يعرف شيئاً فإنما (٩) نسمّيه

стр. 352

جاهلاً أو مقصّراً في التعلّم (١)، وكلاهما لا يكفران بذلك، إلا أن يعتقد أنه لا يجب التعلّم (٥) بعد [علمهما] (٢) بوجوبه. وكلامنا إنما هو في من علم وجوب العمل بالإجماع في جميع الأحكام الظاهرة والباطنة، ثم أنكرها، وذلك لا يختلف بمجمعٍ (٣) عليه، دون مجمعٍ عليه مشتهراً كان أو غير مشتهرٍ، فالصواب ما قاله السلف من تكفيره بجحوده؛ إذ الجحود لا يكون إلا [بعد إقرار] (٤)، والله أعلم. قال القاضي عياض ﵀ بعد أن حكى الإجماع على تكفير من خالف الإجماع: (وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع؛ الذي يختص [بنقله] (٥) العلماء. وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائنَ عن نظرٍ، كتكفير النظّام (٦)

стр. 353

بإنكار الإجماع؛ لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به، خارقٌ [للإجماع] (١) (٢).

стр. 354

فصل (٣٩) (قال القاضي أبو بكر (١): القول عندي: أن الكفر بالله هو الجهل (٢) بوجوده، والإيمان بالله هو العلم بوجوده، وأنه لا يكفرُ أحدٌ

стр. 355

بقولٍ ولا رأيٍ إلا أن يكون هو الجهل بالله، وإن عصى بقولٍ أو [فعلٍ] (١) نصّ اللهُ ورسوله (٢)، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافرٍ، أو يقوم دليل على ذلك، فقد كفر، [ليس] (٣) لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه [من الكفر] (٤)؛ فالكفر بالله لا يكون إلا [بأحد] (٥) ثلاثة أمور: أحدها: الجهل بالله تعالى. والثاني: أن يأتي فعلاً، أو يقول قولًا يخبر الله ورسوله، أو يجمع المسلمون، أن ذلك لا يكون إلا من كافرٍ؛ كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم، أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى، [قال] (٦): فهذان الضربان، وإن لم [يكونا] (٧) جهلاً
следующие страницы →