← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الإجماع (١) (٢). ولم يخالف أحدٌ من السلف فيه، وقال جماعة من علماء الخلف (٣): المُجمع [عليه] (٤) على ضربين (٥): أحدهما: ما علم من دين الإسلام بالضرورة، كإجماعهم على عدد الركعات في الصلوات الخمس، ومقدار نُصُب الزكاة، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنى واللواط والخمر، وأخذ الأموال بالباطل، والأخذ في الأعراض بغير حق ونحو ذلك، فمن أنكر ذلك كفر. والثاني: ما يعرفه العلماء ويجهله العوام، كمقادير الفرائض لأهلها: ككون السدس للجدة، وللأخت من الأم السدس، وما (٦) شاكل ذلك، قالوا: فمنكر ذلك لا يكفر به؛ قالوا: لأنه لا يعرفه إلا العلماء [وهم قليل] (٧) فيلزم منه تكفير أكثر الخلق من المسلمين، وهذا الكلام ليس فيه تحقيقٌ؛ لأن الإنكار غالباً لا يكون [إلا] (٨) بعد اعترافٍ، وهو المسمّى بالجحود، وأما من لم يعرف شيئاً فإنما (٩) نسمّيه

стр. 352

جاهلاً أو مقصّراً في التعلّم (١)، وكلاهما لا يكفران بذلك، إلا أن يعتقد أنه لا يجب التعلّم (٥) بعد [علمهما] (٢) بوجوبه. وكلامنا إنما هو في من علم وجوب العمل بالإجماع في جميع الأحكام الظاهرة والباطنة، ثم أنكرها، وذلك لا يختلف بمجمعٍ (٣) عليه، دون مجمعٍ عليه مشتهراً كان أو غير مشتهرٍ، فالصواب ما قاله السلف من تكفيره بجحوده؛ إذ الجحود لا يكون إلا [بعد إقرار] (٤)، والله أعلم. قال القاضي عياض ﵀ بعد أن حكى الإجماع على تكفير من خالف الإجماع: (وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع؛ الذي يختص [بنقله] (٥) العلماء. وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائنَ عن نظرٍ، كتكفير النظّام (٦)

стр. 353

بإنكار الإجماع؛ لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به، خارقٌ [للإجماع] (١) (٢).

стр. 354

فصل (٣٩) (قال القاضي أبو بكر (١): القول عندي: أن الكفر بالله هو الجهل (٢) بوجوده، والإيمان بالله هو العلم بوجوده، وأنه لا يكفرُ أحدٌ

стр. 355

بقولٍ ولا رأيٍ إلا أن يكون هو الجهل بالله، وإن عصى بقولٍ أو [فعلٍ] (١) نصّ اللهُ ورسوله (٢)، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافرٍ، أو يقوم دليل على ذلك، فقد كفر، [ليس] (٣) لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه [من الكفر] (٤)؛ فالكفر بالله لا يكون إلا [بأحد] (٥) ثلاثة أمور: أحدها: الجهل بالله تعالى. والثاني: أن يأتي فعلاً، أو يقول قولًا يخبر الله ورسوله، أو يجمع المسلمون، أن ذلك لا يكون إلا من كافرٍ؛ كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم، أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى، [قال] (٦): فهذان الضربان، وإن لم [يكونا] (٧) جهلاً

стр. 356

بالله، فهما عَلَمٌ (١) أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان. فأمّا من نفى صفةً من صفات الله الذاتية (٢)، أو جحدها مستبصراً في ذلك، كقوله: ليس بعالمٍ، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلّم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له ، فقد نصّ أئمتنا على الإجماع

стр. 357

على كفر (١) من نفى عنه تعالى الوصف بها، وأعراه (٢) عنها. وعلى هذا أحمل (٣) [قول] (٤) سحنون: من قال: ليس لله كلام فهو كافرٌ، ولا يكفّر (٥) المتأوّلين) (٦)، والله أعلم.

стр. 358

فصل (٤٠) مَنْ جَهِل صفةً من صفات الله تعالى الذاتية (١)، اختلف العلماء في تكفيره (٢): فحُكي عن أبي جعفر الطبري وغيره تكفيره (٣)، (وقال به أبو الحسن الأشعري (٤) مرة. وذهبت طائفة إلى أنه (٥) لا يخرجه عن اسم الإيمان، وإليه رجع الأشعري؛ قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه، ويراه ديناً

стр. 359

وشرعاً، فإنما (١) يكفر من يعتقد (٢) أن مقاله حقٌّ. واحتجّ هؤلاء بحديث السوداء (٣)، وأن النبي ﷺ إنما طلب منها التوحيد لا غير؛ وبحديث القائل: "لئن قدر الله عليّ - وفي رواية فيه - لعليّ أضلُّ الله، ثم قال: فغفر الله له" (٤) قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات، وكوشفوا عنها لما وجدوا (٥) من يعلمها إلا الأقل. وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوهٍ (٦)، منها: أنَّ قَدَرَ

стр. 360

عليّ (١) [بمعنى] (٢) قدّر، ولا يكون شكّه في القدرة على إحيائه، بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع؛ ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه، فيكون الشك فيه حينئذٍ كفراً (٣)، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوِّزات العقول. أو يكون قدر بمعنى: ضيِّق، ويكون ما فعله بنفسه إزراءً عليها، وغضباً لعصيانها. وقيل: قاله (٤) وهو غير عاقلٍ لكلامه، ولا ضابطٍ للفظه؛ مما استولى عليه من الجزع والخشية؛ التي أذهلت (٥) لبّه، فلم يؤاخذ به (٦).

стр. 361

وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب؛ الذي صورته الشك، ومعناه التحقيق، وهو يسمَّى تجاهل العارف، وله أمثلة في كلامهم؛ كقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١)، [طه: ٤٤] وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول: عالمٌ ولكن لا علم له، ومتكلمٌ ولا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤدِّيه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفر (٢)؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذْ لا يوصف بعالم إلا من له العلم (٣)، فكأنهم صرحوا عنده بما أدَّى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم. ومن لم [ير أخذهم] (٤) بمآل قولهم، ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم؛ قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول: ليس بعالم، ونحن [ننتفي] (٥) من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر؛ بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصَّلناه. فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك. والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر

стр. 362

معاملاتهم، لكنه (١) يغلظ (٢) عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر؛ حتى يرجعوا عن بدعتهم. وهذه كانت سيرة الصدر الأول (٣) فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة ﵃ وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر (٤)، ورأي الخوارج (٥) والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد

стр. 363

منهم ميراثاً، لكنهم (١) هجروهم، وأدّبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر (٢) أحوالهم؛ [لأنهم] (٣) فسَّاق، ضلّال، عصاة، أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة؛ ممن لم يقل بكفرهم (٤)، خلافاً لمن رأى خلاف (٥) ذلك، والله الموفق للصواب) (٦). ومثل قول أصحاب الأصول في التكفير بالمآل وعدمه، وقول (٧) الفقهاء، وأصحاب الفروع: لازم المذهب ليس بمذهب، ولازم القول (٨) ليس بقول، أو هو مذهب وقول؟. والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس بمذهبٍ ولا قولٍ (٩)، والله أعلم، وهذا معنى قول أئمة المنطق في الماهية الساذجة، التي لا ينظر إلى سابقتها ولاحقتها، بل ينظر إلى ذاتها من حيث هي.

стр. 364

(قال القاضي أبو بكر (١) ﵀: وأما مسائل الوعد والوعيد،

стр. 365

والرؤية، والمخلوق (١)، وخلق الأفعال (٢)، وبقاء الأعراض (٣)، والتولد (٤) وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح، وليس (٥) في الجهل بشيءٍ منها جهل بالله تعالى (٦)، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئاً منها) (٧). والله أعلم.

стр. 366

فصل (٤١) في حقيقة المبتدع بالسنة إلى الاصطلاح اعلم أن كلَّ مبتدعٍ فاسقٌ (١)، وليس كلُّ فاسقٍ مبتدعاً، فالمبتدع على ضربين: أحدهما: من أخرجته بدعته عن الإسلام، وهي الفسادُ في العقيدة في أصل من أصول الدِّين. والثاني: لا تخرجه (٢) عن الإسلام بل يفسق بها، وهي فسادٌ في العمل مع سلامة العقيدة، فيسمَّى: مبتدعاً مقيداً لا مطلقاً، كالكفر المطلق لا يطلق إلا على من خرج عن الإسلام، ويسمَّى به الفاسق مقيداً، وهذا معنى قول العلماء رحمهم الله تعالى: كفرٌ دون كفرٍ، شركٌ دون شركٍ، نفاقٌ دون نفاقٍ، فالكفر والشرك والنفاق عند الإطلاق لا يُحمل إلا على الخروج من الإسلام، ويستعمل في المعاصي من الكبائر وغيرها مقيداً، ويطلق عليها؛ لقصد الزجر والتنفير منها، لا للحكم بحقيقته، والله أعلم. وإذا عرفت هذا فاعلم أن تحقيق القول في ذلك (وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه، والفصل البين في هذا: أن كلَّ

стр. 367

مقالةٍ صرحت بنفي الربوبية، والوحدانية (١)، أو عبادة أحد غير الله، أو مع الله فهي (٢) كفرٌ، كمقالة الدهرية (٣)، وسائر فرق الاثنين (٤)، (٥) من الديصانية (٦)، والمانوية (٧)، (٨) ...........................

стр. 368

وأشباههم من الصابئين (١)، والنصارى، والمجوس (٢)، والذين أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة والشياطين (٣) أو الشمس أو النجوم أو النار، أو أحدٍ غير الله من مشركي العرب، وأهل الهند، والصين، والسودان، وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب. وكذلك القرامطة، وأصحاب الحلول (٤)، ...............

стр. 369

والتناسخ (١) من الباطنية، والطيارة (٢) من الروافض (٣). وكذلك من اعترف بإلهية (٤) الله ووحدانيته، ولكنه (٥) اعتقد أنه غير حيّ، أو غير قديم، أو أنه محدثٌ أو مصوَّر، أو ادَّعى له ولداً، أو صاحبةً، أو والداً، أو أنه متولد من شيء، أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئاً قديماً غيره، أو أن ثمَّ صانعاً للعالم سواه، أو مدبراً غيره؛

стр. 370

فذلك كله كفرٌ بإجماع المسلمين؛ كقول الإلهيين من الفلاسفة (١) , والمنجمين (٢)، والطبائعيين (٣).

стр. 371

وكذلك من ادَّعى مجالسة الله، أو العروج (١) إليه، أو مكالمته (٢)، أو حلوله في أحدٍ من (٣) الأشخاص؛ كقول بعض المتصوفة، والباطنية، والنصارى، والقرامطة. وكذلك نقطع على كفر من قال: بقدم العالم، أو بقائه، أو شكَّ على (٤) مذهب بعض الفلاسفة والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح، وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، وتعذيبها أو تنعمها (٥) فيها بحسب [زكائها] (٦) وخبثها (٧) (٨).

стр. 372

فصل (٤٢) ونكفّر (١) من دان (٢) بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهبٍ سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك. وكذلك نقطع بتكفير كلِّ قائل قولاً (٣) يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية (٤) من الرافضة: بتكفير جميع الأمة بعد النبي ﷺ ؛ إذ لم تقدم علياً، وكفّرت عليًّا؛ إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه؛ لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها؛

стр. 373

إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن؛ إذ ناقلوه كفرةٌ على زعمهم؛ وإلى هذا والله أعلم أشار مالكٌ في أحد قوليه بقتل من كفّر الصحابة (١)، ثم كفروا من وجه آخر: بسبِّهم النبيَّ ﷺ على مقتضى قولهم، وزعمهم أنه عهد إلى عليّ، وهو يعلم أنه يكفر بعده، على قولهم - لعنة الله عليهم، وصلى الله على رسوله وآله -. وكذلك [نُكفَّر] (٢) بكلِّ فعلٍ أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا (٣) من كافرٍ، وإن كان صاحبه مصرِّحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل؛ كالسجود للصنم، أو الشمس (٤)، أو القمر، أو الصليب، أو النار، أو السعي إلى الكنائس (٥) والبيع (٦) مع أصحابها (٧) بزيِّهم، من شدّ الزنانير (٨)، وفحص الرؤوس (٩)، فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد

стр. 374

إلا من كافر، فإن (١) هذه الأفعال علامة على الكفر (٢)، وإن صرح فاعلها بالإسلام. وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحلّ القتل، أو شرب الخمر، أو الزنى (٣) مما حرم الله بعد علمه بتحريمه؛ كأصحاب الإباحة من القرامطة، وبعض غلاة المتصوفة. وكذلك نقطع بتكفير كل من [كذّب، و] (٤) أنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقيناً بالنقل المتواتر من فعل الرسول، ووقع الإجماع المتصل عليه؛ كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد (٥) ركعاتها، وسجداتها؛ ويقول: إنما أوجب الله في كتابه [علينا] (٦) الصلاة على الجملة؛ وكونها خمساً، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه؛ إذ لم يرد فيه للقرآن (٧) نصٌّ جليٌّ، والخبر به عن الرسول ﷺ خبر واحد.

стр. 375

وكذلك أجمع [المسلمون] (١) على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار، وعلى تكفير الباطنية في قولهم: إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم، والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم (٢). وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفَّت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها، وإباحة كل شيءٍ لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم. وكذلك إن أنكر منكرٌ مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام، أو صفة الحج، أو قال: الحج واجب في القرآن، واستقبال القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيئة المتعارفة (٣)، وإن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام، لا أدري هل هي تلك أم غيرها؟، ولعل الناقلين أن النبي ﷺ فسّرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا، فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن (٤) كان ممن يُظن به علم ذلك، وممن خالط المسلمين (٥) فلا يجد (٦) [بينهم] (٧) خلافاً، كافةً عن كافة، إلى معاصري الرسول ﷺ أن هذه الأمور كما قيل لك، وأن تلك البقعة هي مكة

стр. 376

والبيت الذي فيها هي الكعبة، والقبلة التي صلّى إليها (١) الرسول ﷺ والمسلمون، وحجّوا إليها، وطافوا بها، وأن تلك الأفعال هي (٢) صفات عبادة الحج المراد به، وهي التي فعلها رسول (٣) الله ﷺ ، وشرح مراد الله بذلك، وأبان حدودها؛ فيقع لك العلم كما وقع لهم، فلا (٤) ترتاب بذلك بعد، والمرتاب في ذلك والمنكر (٥) بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاقٍ، لا يعذر بقوله: لا أدري، ولا يصدق فيه؛ بل ظاهره التستّر عن التكذيب، إذ لا يمكن أنه لا يدري. وأيضاً فإنه إذا جوّز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك [و] (٦) أجمعوا أنه قول الرسول وفعله، وتفسير مراد الله أدخل الاسترابة في جميع الشريعة، إذ هم الناقلون لها وللقرآن، وانحلت عرا الدين كرَّةً، ومن قال هذا كافر. وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفاً منه، أو غيّر شيئاً منه، أو زاد فيه، كفعل الباطنية والإسماعيلية، أو زعم أنه ليس بحجة للنبي ﷺ ، أو ليس فيه حجة ولا معجزة؛ كقول هشام [الفوطي] (٧)، ومعمر الضمري (٨): إنه لا يدل على الله، ولا حجة فيه لرسوله، ولا يدل على

стр. 377

ثواب ولا عقاب ولا [حكم] (١)؛ ولا محالة في كفرهما بذلك القول، وكذلك تكفيرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي ﷺ حجة له، أو في (٢) خلق السموات والأرض دليل على الله، لمخالفتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي ﷺ باحتجاجه بهذا كله، وتصريح القرآن به. وكذلك من أنكر شيئاً مما نصّ (٣) فيه بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلاً [به] (٤)، ولا قريب عهد بالإسلام، واحتج [لإنكاره] (٥)، إما أنه (٦) لم يصح النقل عنده، ولا بلغه العلم به؛ [أو لتجويزه] (٧) الوهم على ناقليه؛ فيكفر (٨) به (٩) بالطريقين المتقدمين (١٠)؛ لأنه مكذب للقرآن مكذب للنبي (لكنه

стр. 378

يستتر (١) بدعواه) (٢).

стр. 379

فصل (٤٣) إذا علمتَ أن لك ربًّا وأنه متنزه عن صفات المربوبين، وأنه منفرد سبحانه بالوحدانية؛ لزمك الوقوفُ عند أمره، ونهيه، وإرشاده في كل شيء، فعظّمت ما عظّم، وحقّرت ما حقّر، وكرّمت ما كرّم، وأهنتَ ما أهان، وقدّمت ما قدّم، وأخّرت ما أخّر، وكبّرت ما كبّر، وصغّرت ما صغّر، وعلمت أنه لا حول ولا قوة لك إلا به، وأنه أوجدك من العدم، ولا يقدر على ذلك غيره، وطوّرك أطواراً، وبصّرك أبصاراً، وفتق (١) لك أنواراً، وطرق لك طرقاً، ودعاك إليه، وجعل لك بفضله ووعده عليه، كل ذلك ليعرفك وجوده، ويحقق (٢) لك كرمه وجوده، فهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. مبتدئ بالنعم قبل استحقاقها، سابق بالنوال (٣) قبل السؤال، إذا أعرضت (٤) عنه أقبل عليك، يستدرجك بإنعامه وإفضاله، ويواصلك بعطائه ونواله، ويجود عليك بإلهامه وإرساله، ويفتق بصيرتك للفهم عنه وعن رسوله وآله (٥)، وجعلك تدْعى في ملكوت السموات

стр. 380

والأرض (١) عظيماً، وصلَّت عليك ملائكة الله سبحانه، وسلّمت تسليماً، واستغفر لك كلُّ شيء حتى الحوت في الماء، والطير (٢) في الهواء، وجعلك وارث الأنبياء شافعاً في عَرَصات القيامة، مقدماً فيها على شفاعة الشهداء، وصرت كالملح في الطعام لجميع الأشياء، مستغفراً للسابقين من المؤمنين، شفاء للخلفاء، تزال بك الأدواء ولا تزال إلا بالدواء، لا يتصرف إلا بأمرك لقيامك بأمر رب الأرض والسماء، وتشهد (٣) لك الأشياء وأنت لا تشهدها؛ لئلا تحجب شهودك (٤) لها، فشهودك لها إيماناً أفضل من شهودها عيانا؛ خوفاً من العطب، وطلباً للسلامة في المنقلب، والازدياد في الصعود والرغب (٥).

стр. 381

فصل (٤٤) واعلم أن حكم الله في الأصول والفروع (١) واحد، أما الأصول فلا يصح ولا يجوز وقوع الاختلاف فيه، والخلاف فيه كفرٌ (٢)؛ لاستحالة التغيير (٣) فيها. وأما الفروع فمن حيثية الحكم هو كذلك؛ لأن حكم الله تعالى هو صفته، والصفة لا يقعُ الاختلافُ فيها، ولا يجوز تغيُّرها (٤)، [و] (٥) من حيثية تعلق المحكوم عليه بها قد يظهر تغيرّها (٦) بتغيّره، ويكون مقيداً بتغيرّه تارةً في نفس الأمر، وتارةً مطلقاً، فإن قيل: الخلاف واقع لا محالة، وقد أخبر الله تعالى به، فلا يتصور عدمه، قلنا: لا يتصور عدمه في الوقوع، وأما في الحكم فلا؛ لأن الحق واحد لا (٧) يتصور تغيّره (٨) ولا زواله، ولا المثنوية فيه، والحكمة في وقوعه ووجوده؛ تميز الحق من الباطل، وتعلق الثواب والعقاب به، وبيان الدرجات (٩) فيه من

стр. 382

الإكرام بالتوفيق، والهداية، والجزاء عليه في الدنيا والآخرة، ومن الإهانة بالخذلان والضلال والعذاب في الدنيا والآخرة، والله يعلم المحق من المبطل، والمفسد من المصلح.

стр. 383

فصل (٤٥) المماراة والمراء في الأصول كفر، وفي الفروع من حيثية حكم الله كذلك، ومن حيثية تعلقك به بعد فهمه، ووقوع العلم به كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وقبل فهمه ووقوع العلم به (١) يجب السعي إليه بطريقه على الوجه المأمور به، إلى أن يصلَ إليه من غير مراء، ولا جدال بباطل، [ولا ترفع عليه، ولا تكبر، ولا تكثر] (٢)، فالحق أرفع، وأكبر، وأكثر، ومن سلك الطريق فيه لم يفته ولا يتخلف عنه إلا بالسابقة لظهور شقاوة المحل، والله يعلم المفسد من المصلح.

стр. 384

فصل (٤٦) إذا وصلتَ إلى الحق قد تطرأ (١) عليكَ الحيرة، والدهش، والاصطلام (٢)، فاحذرْ أن تخرجَ من طور العبودية والافتقار [والملل] (٣) والفتور إلى الاستكبار، أو يتعلق قلبك بالوقوف مع حالةٍ من الحالات (٤)، أو يقنع (٥) بالأمور السَّافلات، بل جدّ واجتهد إلى أن تصلَ إلى المطلوب يقيناً وإيماناً يثبتك إيصالك (٦) إليه عياناً، فتصير الأشياء تبعاً لك بعد أن كنتَ لها تبعاً (٧)، وتنال منها بعد أن كنت تنالها، فإن دخل عليك، وخيّل لك استقلالٌ بشيءٍ سلبت، وصرت مفلساً، وعدت بعد أن كنت موضحاً ملبَّساً، ورجعت من الوجود إلى العدم، ومن الصحة إلى المرض، وخسرت الجوهر بالعرض، فنسأل الله الثبات حتى الممات، ونعوذ به من الرجوع إلى قهقرى، والسؤال عما جرى (٨).

стр. 385

فصل (٤٧) احذرْ أن ترى لك رتبةً أو حقاً تنزل وما ترقى (١)،

стр. 386

فترذل (١) وتشقى، بل ردّ الأمانة إلى أهلها، وانظر إلى نفسك ووصفك، وعللها ناظراً إلى المنعم وإنعامه، المفضل بزوال الداء وأسقامه، تترك (٢) في النعيم الأبدي، والخلوص من العذاب السرمديّ إلى ما لا نهاية له من الدرجات والوصول؛ إلى المقامات العاليات، وتصير مقيماً وحيداً؛ بعد أن كنت طريداً شريداً.

стр. 387

فصل (٤٨) احذرْ أن يراك الله حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، واعلمْ أن أفضل ما أكرم الله تعالى به أولياءه في دار الدنيا إيقافهم مع أمره ونهيه الطلبي إيماناً وعملاً، واعتقاداً وفعلاً ونطقاً، وفي الدار الآخرة النظر إلى وجهه الكريم. واعلم أنه لا سبيلَ لأحد إلى معرفة الله بحدٍّ أو دليل (١)، بل هو حدُّ كلِّ شيءٍ، ودليل كلِّ شيء، ولا سبيل لأحدٍ إلى العلم بالله بإحاطة بل هو محيط بكل شيءٍ، ومن وراء كل شيء، وكل شيء خلقه (٢)، وكل شيء قائم به ، وهو سبحانه قائمٌ بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرّةٍ في السموات ولا في الأرض، ولا يملك أحدٌ مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض، وليس لأحد معه شركة في شيءٍ من ذلك، ولا له سبحانه ظهير في شيء من ذلك. واعلمْ أن أفضلَ خلقه سبحانه الجنة (٣)، وهي غير محدودة (٤)،

стр. 388

بدليل قوله ﷺ : "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١). هذا (٢) خلق من خلقه غير محدود، فكيف يكون خالقه محدوداً؟ ﵎ عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

стр. 389

فصل (٤٩) يجبُ الإيمان بكلِّ ما أخبر به الصَّادق المصدوق ﷺ فيما مضى وفيما يستقبل. وتستدل على حقيقته في صدرك بما تشاهده في أنك عما مضى على ما يستقبل، كما بدأ يعيد، وهو أهونُ عليه، بمعنى: وله (١) المثل الأعلى، [لا بمعنى] (٢): أن شيئاً مما أبداه وأعاده بعضه أهون من بعض، أو أن إعادته أهون من إبدائه، بل الكل هيّن عليه، وإنما خاطبنا على قدر فهمنا من مواجيدنا تنزلاً، ولهذا عزّ وامتنع عن صفات المخلوقين، وحكم بإتقان صنعه في مخلوقاته بإحكامه لها. إذا علمتَ هذا فخروجُ الدجال اللعين، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ من السماء، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها، وظهور المهدي قبل نزول عيسى ﷺ وصلاته وراءه، وكونه ينزل تابعاً لشريعة محمد ﷺ واحداً من أمته، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويزيل حكمها، ويريق الخمور، ولا يقبل من أهل الذمة وغيرهم إلا الإسلام، مما يجبُ الإيمانُ به، واعتقاد حقيقته، ومن كذّب بذلك كفر؛ لأن الصَّادق أخبر به (٣)، ومن كذَّب الصَّادق كفر.

стр. 390

وكذلك يجبُ الإيمانُ بجميع ما شاكل هذا؛ مما ثبت في الأحاديث الصَّحيحة عنه ﷺ وهي معروفةٌ مشهورة في كتب السُّنن الصَّحيحة، والله أعلم. وكذلك يجبُ الإيمانُ بتبديل الأرض والسموات، ونسف الجبال، ومقدمات ذلك كله مما نطق به الكتاب العزيز (١)، والسُّنة النَّبوية، والله أعلم.
следующие страницы →