Полный текст (188 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومن العجيب أن بعضهم يذهب إلى الضد فيتهم هذا الحديث بأنه موضوع ومكذوب على رسول الله ﷺ ؟!
ويرتبون على هذا أن السنة لا تصلح أن تكون مصدراً للتشريع، لعدم الثقة فيها، وضعف سندها؟!
تفنيد هيه الشبهة ونقضها:
هذه الشبهة لا مساس لها من بعيد أو من قريب بصحة مصدرية السنة للتشريع، ونوضح ذلك في الخطوات التالية، بادئين بمغالطاتهم في قضية التواتر:
* ليس المتواتر قليلاً إلى الحد الذي ذكروه (سبعة عشر حديثاً، أو حديث واحد) فهذا جها منهم بحقيقة التواتر الاصطلاحي، أو عناد ومكابرة.
وذلك لأن علماء هذا الفن (علماء الحديث) قسموا الحديث المتواتر قسمين:
الأول: المتواتر اللفظي، وهو الحديث الواحد الذي يرويه جمع يستحيل نواطؤاهم على الكذب، يرويه ذلك الجمع بلفظه ومعناه كحديث رقع اليدين في الصلاة، وحديث المسح على الخفين.
الثاني: الحديث المتواتر تواتراً معنوياً لا لفظياً، كحديث رفع اليدين في الدعاء. فقد روى فيه نحو مائة حديث في هذا المعنى. مختلفة ألفاظها، ومعناها واحد.
وقد وضع العلماء مصنفات في المتواتر اللفظي، بلغت عند بعضهم مائة وعشرة أحاديث. وزاد بعضهم على هذا العدد (ينظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر - المقدمة -) للكتاني.
فإذا انضم إلى هذه العدد المتواتر المعنوي ظفرنا بكم هائل من الأحاديث المتواترة، على أن بعض العلماء يجعل من أمارات التواتر تلقى الأمة للحديث بارضا والقبول. وبهذا ندخل في المتواتر جميع ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما لأن إجماع الأمة على قبولهما قائم منذ وضعا وإلى يوم الناس هذا.
стр. 107
* إن غير المتواتر من الحديث يفيد ما يفيده المتواتر بمعونة القرائن المناصرة له، كرواية الثقة، فإنها تبعث في النفس الإطمئنان، وموافقة الحديث لقواطع الإسلام وقيمه ومبادئه.
* إن الظن الذي يتكئ منكرو السنة عليه في إنكارهم إياها أن القرآن نفسه اعتمده أساساً في تقرير الأحكام الشرعية في الآية الكريمة:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
ومن يسر هذه الشريعة الرحيمة، ابتناء الكثير جداً من أحكام التكليف على الظن؛ لأن الظن هو إدراك الطرف الراجح دائماً، وقد يكون الظن قوياً، والله لم يجعل علينا في الدين من حرج، ولو كلفنا بالتحري الشديد في كل شيء لوقعنا في ضيق من أمرنا.
* إن الفقه الاجتهادي كله ناشئ عن الاحتمال الدلالي وهو الظن، ومعلوم أن الفقه الاجتهادي في الإسلام أضعاف أضعاف الفقه القطعي الدلالة.
الفقه الاجتهادي قائم على غلبة الظن، أما الفقه القطعي فهو قائم على العلم أو اليقين.
* ليس كل الظن مذموماً، والقرآن نفسه أورد الظن موارد اليقين، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦] .
فقد مدح الخاشعين - كما ترى - وعبَّر عن إيمانهم اليقيني بلقاء الله والرجوع إليه بالظن.
وقوله :
﴿ ... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
стр. 108
وعبَّر عن إيمان هؤلاء الراسخين في العلم والإيمان بالظن فقال: "يظنون" ولم يقل: يؤمنون، أو يعتقدون، للدلالة على أن الظن قد يكون قوياً فيعمل به ولا حرج.
كما حكى عمن يؤتي كتابه بيمينه يوم القيامة أن من أسباب فوزه في الآخرة وابتهاجه أنه كان يظن في الحياة الدنيا أنه سيبعث بعد موته، ويقف أمام الله فيوفيه أجره:
﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]
فليس الظن كله مذموماً، أو مردوداً، ولكن المذموم منه هو الظن السييء كما قال : ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا معناه أن بعضه حق وصواب. وهو المقصود عند علماء الحديث هنا والظن الذي تفيده بعض الأحاديث والسنن هو الظن الممدوح الذي يكفي حصوله في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وعلى ذلك تنزَّلت آلاف الأحكام الفقهية في هذه الشريعة الرحيمة.
فما يبقى - بعد ذلك - لمنكري السنة من تمسك بهذه الشبهة الواهية؟
وددنا لو أنهم لم يلقوا القول على عواهنه، ولم يُسْلِسُوا مقادهم للأهواء، والحق - لو أردوه - أقرب إليهم من حبل الوريد.
* * *
стр. 109
الشبهة الحادية والعشرون ظنية السنة
علماء الحديث ﵃، بعد الجهود المضنية، التي بذلوها في جمع الحديث النبوي، ووضع المناهج الدقيقة الحكيمة، الجامعة المانعة، للتمييز بين الحديث المقبول، والحديث المردود، ولم ينسبوا إلى رسول الله ﷺ إلا ما أطمأنت إليه أنفسهم، ومالت إليه عقولهم، ولم ترتبْ فيه قلوبهم، وبعد أن قسموا الحديث المقبول أقساماً ثلاثة، نتيجة للمناهج التي وضعوها في فحص الحديث ونقده، فكانت تلك الأقسام الثلاثة هي على الترتيب المعروف لدى جميع المحدثين، وعامة الأمة:
* الحديث الصحيح، وهو أعلى الأقسام الثلاثة.
* الحديث الحسن. وهو يلي الحديث الصحيح في القوة.
* الحديث الضعيف. وهو يأتي في الدرجة الثالثة في قوة السَّند.
ثم قسموه تقسيناً ثنائياً باعتبار رواة الحديث، وهما:
* الحديث المتواتر، وهو ما رواه جماعة مستفيضة عن مثلهم من بداية السند إلى نهايته مع استواء العدد في كل حلقة.
* حديث الآحاد، وهو ما كان رواته أقل عدداً من رواة الحديث المتواتر: وإن كانوا لم يجمعوا على بداية عددهم، أقول بعد هذا كله، الذي بذلوا فيه أقصى ما يملكونه من طاقات، حملهم الورع، وحساسية التقوى، على أن يقولوا إن دلالة حديث الآحاد هي الظن لا القطع، قالوا هذا الكلام لا عن تقصير منهم - كما عملت - ولكن إبراءً للذمة بينهم وبين الله .
وليس هذا هو قول جميع المحدثين، لأن منهم من يذهب إلى أن حديث الآحاد، المستوفى شروط الرواية، سنداً ومتناً - يفيد اليقين، وليس الظن.
стр. 110
لكن المشهور هو القول الأول، وهو لا يعدو تفويض الأمر إلى الله، كما يقول المفتي الواثق من صحة فتواه بعد أن يفتى بها "والله أعلم" مفوضاً الأمر لله وحده.
تلقف منكرو السنة هذا القول، الذي هو احتراز، مجرد احتراز مبعثه الورع عند المحدثين، تلقفه منكرو السنة ووظفوه في إنكار الاستدلال بالسنة، مهما بلغت من القوة، واستندوا في ترويج رفضهم للسنة - عملاً بهذه الشبهة إلى بعض الآيات القرآنية، التي أساءوا فهمها، أو عبثوا بدلالتها عمداً، لكي يوهموا الناس بما يقولون، من تلك الآيات قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]
يعنون أن الله ذم الذين يتبعون الظن، والسنة ظن، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]
يعنون من هذه الآية أن الله ذم من يتبع الظن ثم قضى بأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً، ويرتبون على هذا أن من يتبع السنة، وهي ظن، مذموم عند الله وهو على باطل في مسعاه، فكيف تكون السنة مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا هو حالها ومنزلتها؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
عرفنا من خلال هذه الدراسة أن منكري السنة لم يذكروا - وليس لهم في الواقع - دليلاً واحداً يؤيد دعواهم في إنكار السنة، وأن كل ما ذكروه من قبل شبهات وأوهام الباعث عليها الجهل، إن فرضنا عند بعضهم حسن النية، أو الباعث عليها العناد عند سيئى النية منهم.
وهذه الشبهة مثل الشبهات التي تقدم ذكرها، لا قدم لها ولا ساق.
والرد المفحم عليها يتمثل في الخطوات الآتية:
стр. 111
أولاً: إن ظنية السنة إصطلاح خاص بعلماء الحديث، والذي دعاهم إلى القول به هو شدة التحري والورع كما تقدم، وإبراء الذمة أمام الله بتفويض الأمر إليه تأدباً معه .
ولموقفهم هذا نظير في سلوك الأنبياء والرسل - صلى الله عليهم وسلم -. فتعال نقرأ ما حكاه الله عن شيخ الأنبياء إبراهيم ﵇، وهو يحاور قومه في عقيدة التوحيد ودحض عقيدة الشرك والوثنية:
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] .
تأمل قول إبراهيم ﵇:
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ كيف أسلم قيادة لله، وأنه لا يخاف أصنامهم إلا أن يشاء الله شيئاً. والله لا يشاء الإشراك به للرسل الذين أرسلهم ليدعوا الناس إلى توحيد الله والإيمان به، والرجاء والخوف منه وحده.
فكيف استثنى ﵇ من إعلانه عدم الخوف من أصنامهم ما يوهم في النفس أنه سيخافها إذا شاء ذلك الله ؟
نقول: ليس لقول إبراهيم هذا محمل إلا تفويض الأمر كله لله وإعلان كماله المطلق جل شأنه.
وهذا نظير موقف علماء الحديث، الذين يخافوتن الله فبعد أن أدوا أقصى ما عليهم في تمحيص الحديث، لم يجعلوا هذا هو نهاية الأمر في الظاهر والباطن فأحكموا هم "الظاهر" وفوضوا الأمر لله في "الباطن" الذي لا يعلمه إلا هو. طلباً منهم للحق من كل وجه، واحتياطاً مما عسى أن يكون غاب عنهم من دقائق الأمور وخفاياها.
* ومثل هذا السلوك، الذي سلكه إبراهيم ﵇ سلك نبي الله شعيب ﵇، فقد حكى عنه الله قوله لقومه حين دعوه في الدخول في عقيدتهم الوثنية:
стр. 112
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] .
محال، بل وألف محال أن يكون رسول من رسل الله الأطهار مستعداً للدخول في عقيدةة الشرك، ترك عقيدة التوحيد ومع هذا نرى قول شعيب ﵇ هنا - يفيد هذا المعى؟ فهل كان شعيب يقصد حقيقة ما يقول يا ترى؟ كلا، بل وألف كلا.
وإنما أراد شعيب ﵇ إظهار كمال الله، ونفاذ مشيئته وإن تعلقت بمحظور من أقبح المحظورات، وهو الإشراك بالله الواحد القهار مع حسن التأدب مع الله، وتفويض الأمر إليه، فليست مشيئات خلقه وأقوالهم هي القاضية في بت الأمور بل مشيئة الله وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .
فعلماء الحديث - إذن - أحكموا عملهم الظاهري في تحري الصحة فيما ينسب إلى النبي الكريم، فهم من حيث الظاهر على يقين. أما الباطن فموكول علمه إلى الله، ولذلك قالوا في بيان هذا "قد يكون في الواقع ونفس الأمر على غير ما ظهر لنا" وقد قالوه على سبيل الاحتياط وشدة التحري.
هذا قصدهم، لا أنهم أرادوا أن يهدموا بالشمال ما بنوه باليمين، كما يروَّج منكرو السنة، بهاليل العصر.
ثانياً: إن الحكم على السنة بالظنية، على الوجه الذي شرحناه اصطلاح خاص بعلماء الحديث كما تقدم، وهم فصيلة من فصائل علماء الأمة الثلاث، العاملة في مجال التشريع والفقه. والفصيلتان الأخريان هما:
* علماء أصول الفقه، العاملون في دراسة أدلة الأحكام الكلية، وهي: الكتاب - السنة - الإجماع - القياس، ثم الأدلة الأخرى المختلف فيها.
* الفقهاء، وهم العاملون في مجال استباط الأحكام العملية التفصيلية من أدلتها الكلية.
стр. 113
هاتان الفصليتان لهما مذهب غير مذهب علماء الحديث في ظنية السنة، التي هاج منكرو السنة حولها وماجوا؟
هاتان الفصيلتان، وهم أمس رحما بأعمال التشريع والفقه من علماء الحديث، تقسم أدلة الأحكام من حيث الثبوت والدلالة معاً أربعة أقسام:
الأول: أدلة قطعية الثبوت والدلالة معاً.
الثاني: أدلة قطعية الثبوت ظنية الدلالة.
الثالث: أدلة ظنية الثبوت قطعية الدلالة.
الرابع: أدلة ظنية الثبوت والدلالة معاً.
فالقسمان الأولان شركة بين أدلة الأحكام القرآنية، وأدلة الأحكام النبوية (السنة) .
والقسمان الثالث والرابع خاصان بالسنة النبوية فليست السنة كلها ظنية كما يقولون بل فيها ما هو قطعي الثبوت كالقرآن في الروايت التي توفرت فيها شروط الصحة فما الذي حمل منكري السنة على التمسك بالظنية دون القطعية الشائع القول بها في علمى الفقه وأصوله، اللهم إلا العناد والمكابرة.
وبعض العلماء يقول: إن الأحاديث المروية عن رسول الله كلها قطعية بالنسبة للصحابة، الذين سمعوها منه، لأنهم ما كانوا يشكون في سماعها. فإذا روى عن الصحابة الثقات بعض التابعين فينبغي أن تكون رواياتهم موصوفة بالقطعية التي كانت وقت السماع المباشر من النبي ﷺ وهذا فهم وجيه وقوي كما ترى، وإن لم يشتهر بين العلماء، وأيا كان الأمر فإن ظنية الثبوت لا ينظر إليها إلا في الدلالة، لأننا نعمل بدلالات النصوص لا بالنصوص نفسها، فالنص أنارة وعلامة على مراد الشرع، فقوله ﷺ في شأن الاقتداء به في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلى" دلالته المعمول بها، هي طلب محاكاة الرسول في صلاته.
стр. 114
إذن فالمعول عليه في كلام منكري السنة أن دلالة الحديث على المعنى المراد منه ظنية لا قطعية، لاحتمال أن يكون الحديث لم يقله ﷺ .
إذا تمهد هذا نقول لمنكري السنة:
إن الدلالة الظنية ليست وقفاً على السنة، التي هي ظنية الثبوت عندكم، بل هي في القرآن، وهو قطعي الثبوت، لا تكاد تحصى من كثرتها في كثير من الآيات والألفاظ.
فمثلاً قوله تعالى في عدة المطلقات ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] نجد كلمة "قروء" محتملة لمعنيين:
أن تكون بمعنى الحيضات، وأن تكون بمعنى الأطهار (جمع طُهر) فالدلالة - هنا - ظنية. فهل نلغي هذه الآية من القرآن، وننكر وجودها؛ لأنها ظنية الدلالة؟!
وقولع تعالى في شأن المطلقة ثلاثا متى تحل للزوج الأول الذي طلقها إذا طلقها الزوج الثاني أو مات عنها:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإن النكاح في هذه الآية يحتمل أن يراد به مجرد العقد ويحتمل أن يكون المراد به الوطء فالدلالة - كذلك - ظنية فهل تنكر قرآنية هذه الآية، لأن دلالتها ظنية وإن كانت قطعية الثبوت يقيناً؟! د
وقوله تعالى في بيان نكاح المحرمات من النساء: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] فإن كلمة ﴿نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ محتملة - كذلك - لأمرين:
* أن يكون المراد من النكاح ما يشمل العقد الشرعي والوطء لا غيرهما. أي عقد النكاح والوطء المترتب عليه.
* وأن يكون شاملاً لهما وللزنى. وقد ترتب على هذا الاحتمال خلاف مشهور بين الفقهاء حول إذا زنى الأب بامرأة، على يجوز لابنه أن يتزوجها أم لا يجوز له زواجها لزنى أبيه بها؟
стр. 115
فقال فريق لا يجوز، لأن النكاح في الآية بمعنى الوطء مطلقاً سواء كان عن علاقة شرعية أم لا، يعني: الوطء بوجه عام، وفريق قال يجوز للابن أن يتزوج من زنى بها أبوه، لأن المراد من نكاح الأب في الآية الوطء المشروع.
فالدلالة في الآية ظنية، فهل ننكر قرآنيتها - كذلك - لأنها ظنية الدلالة؟
ثالثاً: أن القرآن الحكيم في صريح لفظه ومعناه جعل الظن المجرد أساساً لحكم شرعي بناه عليه، وذللك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
فقد أباح للزوجين اللذين بينهما طلاق أن يعودا إلى الإقتران مرة أخرى إذا ظن كل منهما استقرار الحياة الزوجية، الجديدة.
فما رأيكم يا منكري السنة؟ والقرآن نفسه جعل الظن أساساً للحكم الشرعي؟.
* * *
стр. 116
الشبهة الثانية والعشرون هداية السنة "ظرفية" لا دائمة ؟!
مكر جديد يمكره منكرو السنة المعاصرون، هذا المكر وليد الحاضر، ولم يقل به أحد من منكري السنة القدامى. وفي عرضهم لهذه الشبهة يفرقون بين دلالة السنة، ودلالة الأحاديث النبوية. فالسنة - عندهم - هي حياة النبي، التي انتهت بوفاته، يعني أن السنة على هذا التعريف "الشيطاني" ماتت يوم مات الرسول، وبموت السنة توقف دورها في الهداية والتوجيه؟!
أما الأحاديث النبوية، التي بين أيدى المسلمين فيتخلصون منها، كما تخلصوا من السنة، فيقولون: أنهلا ليست كلام النبي ﷺ ، بل هي مفتراة عليه؟!
ويعودون لبيان السنة فيقولون أنها فهم "شخصي" خاص بالنبي لما في القرآن، العمل به مقصور زمنية محددة هي حياة النبي من يوم بعثه الله رسولاً إلى يوم أن توفاه الله فدور السنة كان مرتبطاً بزمن معين، وهذا هو معنى "ظرفية السنة" عندهم.
باختصار شديد: يريدون محو كل أثر قولي، أو فعلي، أو تقريري لصاحب الرسالة ﷺ .
ويزعمون أن فهم النبي ﷺ للقرآن غير ملزم لغيره ممن جاء بعد من أجيال الإسلام، بل لكل جيل أن يفهم القرآن فهماً جديداً خاضعاً للظروف والأحوال، فما كان من السنة في القرن السابع الميلادي في شبه جزيرة العرب لا يصلح للقرن العشرين، ولا لمكان آخر غير شبه الجزيرة، فالزمان والمكان عاملان في نتاج أفكار جديدة متطورة. أما الاحتكام إلى ما فهمه النبي وأصحابه من القرآن في زمانهم ومكانهم فهذا "تحنيط للإسلام"؟!
ويدعون أن النبي واصحابه لم يدونوا والحديث لأنهم يعلمون أن
стр. 117
السنة والحديث مرتبطان بزمانهم ومكانهم فقط، ولا يصلحان لزمان آخر ولا لمكان آخر، لذلك تركوا تدوين السنة حتى لا يتسببوا في إرباك من يجئ بعدهم من المسلمين؟!
هذه السواقط، وغيرها، كان أول من تولى كبرها في العصر الحديث مهندس سوري شيوعي (محمد شحرور) من الذين درسوا في جامعات روسيا، أيام كان الاتحاد السوفيتي يضع في كل غرفة في المدت الجامعية فتى وفتاة يعيشان في الغرفة معاً، وكأنهما زوجان؟! (ينظر الكتاب والقرآن ٥٤١ وما بعدها) .
وردت هذه "السواقط" في كتاب ضخم له دعاه: (الكتاب والقرآن. قراءة معاصرة) يقارب ألف صفحة من القطع الكبير، ثم صار هذا الكتاب مرجعاً عندنا في مصر - الآن - لكل اصحاب الفكر الشاذ ومن أبرزهم منكرو السنة، الذين نواجه شبهاتهم في هذه الدراسة.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
قليل من النظر الواعي حول ما بيناه من هذه الشبهة، يريك أن هؤلاء المرجفين يركزون على أمرين:
الأول: أن السنة هي الفهم الشخصي للنبي ﷺ لما أنزل الله عليه في القرآن، يعني نوعاً من تفسير القرآن صدر عن النبي مع حصر السنة في أنها (حركة حياة الرسول) ؟!.
الثاني: أن السنة - بهذا المعنى - لابد أن تكون ظرفية مقصورة على مرحلة تاريخية من مراحل التاريخ الإسلامي، وهي من بدء الرسالة إلى وفاة الرسول.
هذان الأمران كانا تمهيداً أو وسيلة لهدف آخر ضخم: هو أن معاني القرآن قابلة للتطور - دائماً - ولو من النقيض إلى النقيض، وأن لكل جيل حق فهم القرآن حسبما يرى وما تمليه عليه الظروف غير ملزم بفهم من سبقه للقرآن، حتى
стр. 118
لو كان النبي وصحبه؟! وهذا - منهم - زيادة توكيد وتأصيل لقاعدة مدمرة وضعوها وأخضعوا لها القرآن كله. وهي:
"القرآن ثابت الأصل، متغير المحتوى" يعني أسلوب القرآن لا يغير ولا يبدل، ولكن معانيه تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان، بل ومن شخص وآخر.
فمكر منكري السنة هنا، ليس مقصوراً على السنة بل هو شامل للقرآن كذلك.
وهذا كله غثاء في غثاء فلا السنة مرحلة مخصوصة من مراحل التاريخ الإسلامي، بدأت وانتهت، ولم تعد صالحة للحياة، ولا هي غير الحديث النبوي: فالسنة حديث، والحديث سنة، وما يوقله منركو السنة في هذا المجال وَهْمٌ من أهى الأوهام.
ولا القرآن متغير المحتوى، من النقيض إلى النقيض. هذه الدعوى لو أدركها المجنون لأنكرها.
وقد أعطى شحرور نماذج لتغيير المحتوى في مفاهيم الشريعة وقيمها ففي العبادات قال إن أقل قدر منها يرضي الله، ولو أكتفى المسلم بصلاة ركعتين في اليوم بدلاً من سبع عشرة ركعة موزعة على خمس صلوات واجبات.
وفي لباس المرأة قال إن أقل ما هو مطلوب، وأنه يرضى الله من المرأة إذا فعلته هو أن تستر "العورتين المغلظتين" ولها أن تظهر بعد ذلك خارج بيتها عارية لا تغطي شيئاً من بقية الجسد؟!
ونحا نحوه كاتب علماني من منكري السنة طالب بأن تعتبر الأمة احتساء الخمور والزنا أفعلاً مباحة لا عقاب ولا لوم شرعاً وقانوناً، اقتداء بالمجتمع الأمريكي، وبخاصة في تعامله مع فسق كلينتون - مونيكا، حيث عوتب على كذب الرئيس الأمريكي أما فسقه وزناه فلم يكونا موضع مؤاخذة في ذلك البلد المتحضر؟!
стр. 119
كما فسَّر قطع يد السارق الوارد في صريح القرآن بأنه حبس اليد وصاحبها في السجن (ينظر روز اليوسف ١/٥/١٩٩٩م) .
إن المسألة إذن مسألة عبث، إو إزالة للإسلام كله، وليست مسألو "تحنيط" للسنة النبوية، وهي روح القرآن بلا جدال، ومفاتيح كنوزه التي لا تنفد.
إن سنة النبي ﷺ سواء في ذلك القولية والعملية ليس فيها شيء قابل للتحنيط أو العزل عن حياة المسلمين، لأنها مصابيح هدى في قلوب الأمة كالروح في الجسد.
وصلاحية السنة لكل عصر ومصر أمر لا ربية فيه وهي ظاهرة صالحة للعرض والاختبار الآن، وفي كل لحظة، سواء أُحِذَتٌ العينة من العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق.
أي مثال من السنة، من هذه المجالات إذا نظرت فيه بوعي تجده يمزق حدود الظرفية الزمانية، والمكانية، التي يدعى منكرو السنة تقييدها بها:
خذ إليك - مثلاً - قوله ﷺ :
"تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسناً، وإن ظلموا ظلمنا؟ ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" رواه الترمذي في باب البر والصلة عن حذيفة.
تأمل المعاني السامية التي تتجلى في هذه التوجيه النبوي الرفيع أنه يدعو غلى ما يسمى الآن بـ "قوة الشخصية" واستقلالها، وأن لا تكون الأمة، ولا فرد منها عبداً للتقليد الأعمى، تعيش فاقجة التمييز والإرادة، لا بصر لها بالأمور. تجري وراء كل ناعق، لا تملك أن تقول (لا) ولا تملك أن تقول (نعم) وإنما تسلس قيادها لغيرها، فتلغي وجودها من الحياة.
ومن كان هذه شأنه فهو في عداد الحيوانات العجماوات المدريات على الخسف والإذلال.
стр. 120
ولن تستطيع الأمة أن تحدد لها مواقف خاصة بها، إلا بعد وعي وبصر بحقائق الأمور، لتعرف متى تقول "لا" ومتى تقول "نعم".
والفرد مثل الأمة في هذا الميدان، أما أن يكون كالريشة، تعبث بها الرياح كيف تشاء، أو يكون كالجبل الأصم، لا تنال منه عوامل المحور والقرض والتعرية.
فقل لي بربك: هل هذا التوجيه النبوي السديد، وهل هذه التربية الراشدة لم تكن صالحة إلا في حياة النبي ﷺ ، أم هي صالحة لكل الأزمنة، ولكل الأمكنة مهما تباعدت عن زمن النبوة وموطنها الأول.
إن أمتنا الآن انتابتها حالة مفزعة من الضياع، حين صارتى "إمَّعة" لا موقف لها ولا رأي، حتى في الأمور التر تراد بها هي نفسها. وقد قوَّى ضعفُها من تبعيتها المهينة لمن لا يرعى فينا عهداً ولا موثقاً.
ومثل آخر، هو قوله ﷺ :
"أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" رواه ابن أبي الدنيا والأصبهاني هذا الحديث من جوامع الكلم كما ترى، وقد أورده النبي ﷺ في صدر حديث جواباً عن سؤال وُجَّه إليه، ولم نذكر بفيته اختصاراً.
وهو - كما ترى - تفجير لطاقات الخير الكامنة في أهل المرءوة والفضل من الناس. وحين يتمكن هذا التوجيه في القلوب تصبح الحياة ساحة للتنافس في صنع الخير، ليكون صانع الخير مع الناس أحب عباد الله إلى الله، وفي شيوع الخير في المجتمع محو للشرور والأنانية البغيضةن التي تولد الضغائن بين الناس، حتى يصبح كل إنسان حرباً على الآخر، ويزول كل طعم جميل للحياة، ونسأل منكري السنة هذا السؤال ونتركه بلا جواب، لأنه معروف.
هل هذا الحديث أصبح الآن "عملة زائفة"، أو هو روح فياضة بالتراحم والتآلف؟.
* * *
стр. 121
الشبهة الثالثة والعشرون (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)
الجهل، وصنوه الغباء، لهما اثر واضح في مغالطات منكري السنة، وقد أشرنا إلى هذا مرات في ما تقدم وها هو ذا يتضح مرة أخرى، في ترديدهم هذه الشبهة، لأننا رأيناهم يستدلون على أن السنة زيادة في الدين وبدعة ضالة استناداً إلى هذه الآية الحكيمة: "اليوم أكملت لكم دينكم".
ووجه استدلالهم بهذه الآية على إنكار السنة وأنه بدعة وزيادة في الدين:
أن هذه الآية نزلت في أواخر حياة النبي ﷺ ولم يكن للسنة وجود، لأن السنة جُمِعَتْ ودونت في القرن الثالث الهجري، فلو كان الدين وكماله متوفقاً عليها ما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولما كان لهذه الآية معنى على الإطلاق يوم نزلت.
ويستخدم واحد منهم هذا الغباء في عدم الاحتياج إلى صحيحى البخاري ومسلم خاصة، فيقول:
هل كانت الأمة ضالة حتى كتب البخاري ومسلم صحيحيهما؟ جاء هذا في مناظرة أذاعتها محطة "اوريت" الفضائية مساء الجمعة ٢/٦/١٩٩٩م.
كما ذكرها كاتب سوري اسمه "محمد شحرور" في كتاب له دعاه: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، وعقد فصلاً ضافياً عن السنة أخرجها عن منزلتها عند المسلمين وقد تقدمت الإشارة من قبل إلى هذا الكاتب والكتاب.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
لا نرانا في حاجة، إلى تطويل في تفنيد هذه الشبهة ونقضها، فهي أخف من جناح البعوضة، ولو كان عند منكري السنة ذرة من الفهم لآثروا السكوت على النطق بها، ولكن بغضهم لسنة الرسول الكريم أعماهم حتى عن رؤية موضع أقداميهم.
стр. 122
إن وجود السنة - عندهم - يبدأ بجمعها وتدوينها فقط لذلك جزموا بعدم وجودها في القرنين الأول والثاني الهجريين، وشطر من القرن الثالث؟!
ونوجه إليهم هذا السؤال:
من أين جمع علماء الحديث السنة في القرن الثالث؟! هل هم ابتدعوها ابتداعاً من عند أنفسهم، وانتحلوها كانتحال الشعر الجاهلي حسب مزاعم المستشرقين أسيادكم؟ أم جمعوها من حفاظها ومصادرها التي سمعتها عن الرواة من أصحاب رسول الله ﷺ ؟
إن قلتم ابتدعوها ابتداعاً من عند أنفسهم فلا كرم لنا معكم، وإن قلتم جمعوها من صدور حفاظها الثقات قلنا لكم:
إذن السنة كان لها وجود في حياة النبي ﷺ قبل الهجرة، وبعد الهجرة، لأن السنة هي أقواله وأفعاله وتقريراته. فهي كانت كالزرع ينمو ويتكاثر على مدى حياة من أرسله الله رحمة للعالمين.
وإذا كان هذا هو الواقع فلماذا تفرقون بين الحفظ في الصدور، والخط في السطور.
إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار عقب وفاة صاحب الرسالة، وأحلوا بها وفي صدورهم وعلة ألسنتهم أحاديث النبي ﵇ وسمعها منهم التابعون في كل مصر من الأمصار التي فتحها الإسلام، وكانت هذه السنة مصابيح هدى بعد القرآن لدى المسلمين الأوائل.
ولذلك لما رأى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز جمع السنة وتدوينها على نطاق واسع، دبت حركات الجمع في كل الأقطار.
في المدنية، وفي مكة، وفي البصرة، وفي الكوفة، وفي اليمن وفي خراسان، وفي واسط، وفي مصر، وفي غيرها.
وإن النهي عن كتمان العلم، والسنة من أشرف العلوم الإسلامية، كان يوحي لحفاظ السنة من الصحابة ﵃ أن يحدثوا بها الناس، ويبلغوها كما يبلغون القرآن.
стр. 123
ومن هذا يتبين أن السنة كان لها وجود قوي يوم نزل قوله :
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وكانت هي من عناصر كمال هذا الدين الخالد العظيم.
كما كان لهذه السنة حياة، وأي حياة، في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، قبل عصر عمر بن عبد العزيز بأكثر من خمسين عاماً، فكل منهم ﵃ كان يعمل في حكمه وقضائه وسلوكه وفتاويه بالكتاب العزيز، ثم بالسنة الطاعرة إذا لم يجدوا في كتاب الله نصاً فيه حكم ما يعرض لهم من مشكلات.
الحفظ أمكن للوجود من التدوين:
إن أحاديث رسول الله ﷺ سهلة الحفظ لقصرها وسداد معانيها وجمال ألفاظها وبلاغة مبانيها والعرب لأنهم كانوا أميين، كان اعتمادهم على الحفظ ملكة راسخة فيهم، وقل منهم من كان يخلو من هذه الملكة وحفظهم للأحاديث القصار لم يكن أصعب عليهم من حفظ الأنساب ووقائع الأيام والقصائد الطوال.
والذاكرة التي استطاعت حفظ كتاب الله على طوله - لم يكن ليعجزها أن تحفظ عشرات الأحاديث التي سمعتها من صاحب الرسالة.
وحفظ السنة أمكن لوجودها قبل الجمع والتدوين من الجمع والتدوين.
لأن الحافظ يُحدَّث بما يحفظ أكثر وأيسر وأسرع من أن يحدث من كتاب. والكتب لا يحملها صاحبها أين حل، أما حفظه في صدره فهو ملازم له ملازمة الظل للعود.
إن ضخامة الخطأ في هذه الشبهة وترديدها لا ينازع فيه منصف، فكفاكم يا منكري السنة تهافتاً ومكابرة، وأعلموا أنكم لن تفلحوا أبداً في إنكار السنة ولو شاب الغراب أو باض الديك.
* * *
стр. 124
الشبهة الرابعة والعشرون الاكتفاء بالقرآن عن السنة
من يتأمل في مجموع الشبهات التي اثارها منكرو السنة، يظهر له أنها قسمان مهما تعددت. وهذا التقسيم ناشئ بالنظر في الآثار التي رتبوها على كل شبهة، شبهة وإن كنا اشرنا في المدخل إنها ثلاثة أقسام.
ويظهر له - كذلك - أن أحد هذين القسمين هو الأصل الذي يبدأون به على افتراض نجاحه عندهم.
أما الآخر فهو بديل لذلك الأصل يركزون عليه إذا فشلوا في تحقيق الآثار المترتبة على القسم الأول.
يعني أنهم مصرون على أن لا يضعوا السلاح في وجه السنة ابداً مهما كانت الهزائم وخيبة الآمال.
فالقسم الأول يهدفون من ورائه إلى محو السنة من الوجود ويقطعون الصلة بينهما وبين النبي ﷺ تماماً، باعتبار أنها مكذوبة عليه، ومزورة؟!
والقسم الثاني - البديل - هو السلاح الدائم الشهر في وجه السنة إذا استعصى عليهم محوها والحكم عليها بالتزوير، أي أنهم يشهرون هذا السلاح في وجه السنة مع افتراض صحتها عندهم، واستمرار تمسك المسلمين بها. وكأن لسان مقالهم ولسام حالهم يقولان للمسلمين:
إن هذه السنة الصحيحة النسبة للنبي ليست من الدسن ولا المسلمون محتاجون إليها، وتسألهم: ما وجه استغناء المسلمين عنها؟
والجواب عندهم: القرآن وحده يكفي المسلمين في كل شئونهم سواء الشئون الدنيوية، والشئون الدينية.
فهذه الشبهة من أفراد القسم الثاني - البديل - أي التعامل مع السنة في
стр. 125
حالة التسليم بصحة صدورها عن رسول الله ﷺ . فماذا تقدمت معهم خطوة أخرى فقلت لهم: وما دليلكم على أن القرآن وحده يغني المسلمين عن السنة؟
اسمعوك - بسرعة - قول الله :
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
ثم قوله تعالى مع شدة الحرص والتركيز عليه:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]
وليس لهم بعد هاتين الآيتين من دليل.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
ونقض هذه الشبهة يسير، وهو يقوم على محورين:
الأول: بيان خطأ الاستدلال بالآيتين على ما أرادوه منهما.
الثاني: الواقع العملي في حياة المسلمين على مر العصور، وتطاول الدهور.
إن الاستدلال بالآية الأولى خطأ، لأن المراد من الكتاب فيها هو اللوح المحفوظ، فهو الكتاب أحصى الله فيه ما كان، وما هو كائن، وما سيكون أبد الآبدين.
قال في سورة "يونس":
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
ولهذه الآية نظائر. فإذا كان المراد من الآية هو اللوح المحفوظ، وهو ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم سقط استدلالهم بالآية.
стр. 126
وحتى لو كان المراد من الكتاب فيها القرآن فلا دليل لهم في الآية على أن القرآن يغنى عن السنة، لأن القرآن لم يفصل إلا قليلاً من الأحكام - كما سيأتي - ويكون معنى احتوائه على كل شيء:
الدلالات "الكلية" على أصول التشريع، لا أنه فصَّل جميع الأحكام في كل مجالات الحياة تفصيلاً شاملاً لكل ما يقع للناس في الحياة. ومن يدعى ذلك فهو أحمق جاهل، أو عنيد مكابر لا يستحق شرف المخاطبة هذا ما يتصل بخطأ استدلالهم بالآية الأولى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
أما خطأهم في الاستدلال بالآية الثانية ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فبيانه يتوقف على ذكر الآية التي قبل هذه الآية، وهي قوله :
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] .
القرآن يحكي - هنا - قول المشركين، الذين يتساءلون في ما بينهم ويقولون لو أن الله أنزل على محمد آيات من عنده.
قالوا هذا الكلام، وكان قد نزل على قدر عظيم من القرآن سوراً وآيات، وأسمعهم النبي هذا القرآن، وكرره على مسامعهم مرات، وراعهم بيانه، وأعجزتهم بلاغته، وهم قد وصفوه بالسحر في شدة تأثيره على القلوب والعقول والمشاعر.
ووصفوه بالشعر، وللشعر في دولتهم دولة، وفي حياتهم حياة. وهو صناعتهم التي عرفوا بهان ولم تكن لهم صناعة غيرها لقد جردوا القرآن من دلالاته "الاعجازية" وهم بها مقرون واعتبروه كأن لم يكن، واعتبروا محمداً ﷺ ، رسولاً أو مدعى رسالة بلا معجزات؟!
فأنزل الله قوله المفحم الحكيم:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ .
стр. 127
أي: ألم يكن القرآن معجزة كافيه لهم في التصديق برسالة الرسول، وهم قد تأكدوا من سموه فوق كلام أعقل العقلاء وأفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء، وأبين البيناء من الخلق أجمعين؟
فأنت ترى أن معنى الآية في السماء وهم في أغوار الأرض عامهون - لقد نقلوا الآية من مقامها وحرفوا معناها عامدين - وتحريف المعاني لا يقل شناعة عن تحريف الألفاظ، وبهذا سقط استدلالهم بالآيتين.
المحور الثاني: وهو الواقع العملي للأمة بالقرآن والسنة معاً منذ صدر الإسلام حتى يوم الناس هذا.
الإكتفاء بالقرآن مستحيل:
أي ورب السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، أن القول بالاكتفاء بالقرآن مستحيل:
القرآن لم يشمل على كل كبيرة وصغيرة مما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم.
بل إن السنة - رغم ما فيها من كثرة التفاصيل، لم تشتمل على كل صغيرة وكبيرة مما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم.
لذلك هدى الله الأمة من صدر الإسلام الأول، والقرون التي جاء بعده إلى ملء كل الفراغات المتروكة - قرآنا وسنة - لحكمة بوسائل أخرى وقت المطلوب، مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهي:
القياس، والإحماع، ثم الاستحسان الشرعي، والاستصحاب، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة عند المالكية والعرف والعادة، على اعتبارات متفاوتة عند الفقهاء فالحياة واسعة، والمستجدات فيها لم ولن تتوقف، فكان لابد من أن يملك التشريع الإسلامي أدوات فرعية مستمدة من أصلى التشريع الأول والثاني (الكتاب والسنة) لملاحقة الوقائع والأحداث المستجدة.
فمن الجهل والغباء حصر مصدر التشريع في القرآن وحده، نعم أنه أصل
стр. 128
أصول التشريع. أما أنه يغني عن جميع الأصول والأدوات المستمدة منه، فهذا لا يقوله من عنده ذرة من علم وفهم.
إن في هذا دعوة إلى "تحنيط القرآن" وحرمانا للأمة من الانتفاع به، ومنكرو السنة يعلمون ذلك، ولكنهم يريدون أن يحلوا الأمة دار البوار، تحقيقاً لمطامع خصومها الألداء.
تعطيل أركان الإسلام العملية:
لولا السنة لتعطلت أربعة أركان الإسلام العملية، وهي: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج إلى بيت الله الحرام.
* فليس في القرآن من أحكام الصلاة سوى تقرير وجوبها وحسن أدائها.
* وليس في القرآن عن الزكاة إلا الأمر بأدائها وبيان الجهات الثماني (المصارف) التي تستفيد منها.
* وليس في القرآن عن الصيام إلا بعض من أحكامه بعد بيان وجوبه على المكلفين.
* وليس في القرآن عن الحج إلا طائفة من أحكامه.
أما أركان الصلاة وواجباتها وسننها وشروطها وعدد ركعات الفرض الواحد، وإفراد الركوع وتثنية السجود وكيفية كل منهما، والصلوات المفروضة والمسنونة والمندوبة، وكيفية القراءة فيها، والدخول فيها والخروج منها، إلخ، إلخ، فهذا ما لا وجود له في القرآن، وطريق معرفته السنة.
وأما ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، وشروط الزكاة ومقاديرها، إلخ، فهذا ما لا وجود له في القرآن، وطريق معرفته السنة.
وهذا يقال عن كل من الصيام والحج، فكيف تكتفي الأمة بالقرآن عن السنة، والسنة روح القرآن ومفاتيح فهمه والعمل به.
ونسأل منكري السنة: أين نجد صيغة الآذان في القرآن الكريم؟
وأين نجد زكاة عيد الفطر في القرآن الكريم؟
стр. 129
وأين نجد صيغة العقد الشرعي للزواج في القرآن الكريم؟
وأين نجد طريقة زكاة الأنعام لحل أكل لحمها في القرآن الكريم؟
إن آلاف الأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق لا وجود لها تفصيلاً في كتاب الله، وإن دل عليها "جملة" فكيف يمكن الاستغناء بالكتاب عن السنة يا "بهاليل" العصر؟
دفع مرفوض:
لمنكري السنة دفع لهاذ الاعتراض الذي أوردناه عليهم في ادعائهم أن القرآن وحده يكفي الأمة حاجتها دون الافتقار إلى السنة.
وكان حاصل الاعتراض الذي أوردناه لابطال دعواهم هذه أن أربعة أركان الإسلام العملية سوف تتعطل، وهي الصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج مع تكاليف أخرى كثيرة سوف تتزقف في حياة الأمة للجهل بأحكامها.
هذا الاعتراض القوي يدفعه منكرو السنة فيقولون:
هذه الأركان العملية يكفينا فيها محاكاة النبي ﷺ في كيفية أدائها، وهي سنن علمية منقولة إلينا بالتواتر.
فالصلاة مثلاً فيها هذا الأمر بمحاكاة تأدية رسول الله لها: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
والحج قال فيه: "خذوا عني مناسككم"
والجيل الذي عاصر الرسول حاكى الرسول كما رآه يصلي ويحج ونقل هذه المحاكاة إلى الجيل الذي بعده، وهكذا دواليك حتى وصلت المحاكاة إلى جبلنا، ويأخذها كل جيل عن الجيل الذي قبله حتى قيام الساعة؟
ويضيفون: أن كلامنا في السنن القولية، وليس في السنن العملية.
تفنيد هذا الدفع ونقضه:
زهذا الدفع مرفوض، مرفوض، لأن للسنن العملية سننا قولية لا حصر لها، وهذه السنة القولية لا تُدرك من رؤية النبي ﷺ يصلي ويحج ويصوم ويزكي ومن أبرز ما يحتج به على منكري السنة الحديثان اللذان ذكراهما، وهما:
стр. 130
"صلوا كما رأيتموني اصلي".
"خذوا عني مناسككم".
هذان الحديثان هما الأصل في "حجية السنة العملية الأول في وجوب محاكاة الصورة والكيفية، للصلاة التي صلاها النبي.
والثاني لأعماله وأقواله في الحج.
وهما - أعني الحديثين المذكورين - من السنة القولية لا من السنة العملية.
ومعنى هذا أن السنة القولية اصل للسنة العملية، فكيف إذن يستعغنى عن أصل ثبتت به السنة العملية؟!
أعني - مرة أخرى - أن الرسول ﷺ لو لم يقل "صلوا كما رأيتموني أصلي" ما ثبت شرعاً - وجوب محاكاة صلاة الرسول ﷺ .
ولو لم يقل "خذوا عني مناسككم" ما علمنا أن الأمة يجب أن تتأسى بأفعال النبي وأقواله في الحج، وإلا وقع الحج باطلاً إذا خالف كيفية حج النبي ﷺ .
الفقه القولي:
هب أننا شاهدنا النبي يصلي صلاة العشاء من تكبيرة الإحرام إلى الخروج منها بالسلام. فهل هذه المشاهدة تميز لنا أركان الصلاة التي تبطل الصلاة بترك واحد منها، ثم سنن الصلاة، ثم مندويات الصلاة وفضائلها.
هل كنا ندرك أن قراءة "أم الكتاب" فرض، وأن قراءة سورة قصيرة بعدها، أو ىية سنة، لا تبطل الصلاة بتركها سهواً.
وما يجرينا أنه ﷺ يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم ثلاثاً"، ويقول في سجوده "سبحان ربس الأعلى ثلاثاً" ومن يدرينا أن السلام الأول على اليمين فرض والثاني على الشمال ليس فرضاً، أن لكل سنة عملية سنناً قولية، لا في الصلاة وحدها بل في كل التكاليف، وبهذا يندفع هذا الدفع الباطل.
* * *
стр. 131
السنة الخامسة والعشرون
عدم الاعتداد بالسنة في الدرس اللغوي
هذه الشبهة نظن أن منكري السنة ذكروها من باب "كبُرْ الكوم ولا شماتة العِدَا" كما يقول المثل الشعبي المعروف؛ لأنها شبهة خفيفة الوزن، فهم يدعون أن علماء اللغة والنحو والصرف لم يعولوا في الاستشهاد على ثبوت اللغة، وأحكام بنية الكلمة "الصرف" وأحكام ضبط المفردات في الجملة (النحو) لم يعولوا فذ هذه الجهات على السنة، وتركوا الاستشهاد بها إلا النادر منهم، هكذا يقول منكرو الجهات ويرددون بلا ملل ولا خجل أن علماء اللغة إنما تركوا أن يذكروا شواهد من الحديث النبوي، لأنه روى بالمعنى في عصور شيوع اللحن والخطأ في اللسان العربي، وضعف الملكات اللغوية، وموت السليقة، ولو كانوا قد استسهدوا بها على شيء من ذلك لنسبوا للسان العربي الفصيح ما ليس منه، لذلك أهملوها إلا قليلاً منهم لم ير مانعاً من الاحتجاج بها.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
منكرو السنة جمعوا في هذه الشبهة بين غرضين كلاهما فيه إنكار للسنة ومحو أي أثر لها في الوجود.
الأول: إنكار صلاحية السنة في الهداية والتشريع وهذا هو الهدف الرئيسي لهم في كل ما قالوه وكتبوه.
الثاني: إنكار صلاحية السنة في مجال اللغة والنحو والصرف فهي لا خير فيها ابداً، لا في شئون الدين، ولا في شئون اللغة والنحر والصرف. إذن هي مجرد عبء حملته الأمة فوق ظهرها على مدى أربعة عشر قرناً أو تزيد، دون جدوى تُرجى منها؟ ؟
ومما يؤكد سوء نياتهم أنهم اهتموا بعرض وجهة نظر من يرى عدم الاحتجاج بالحديث النبوي في قضايا اللغة، وهوَّلوا من شأنهم، ولم يقيموا وزناً
стр. 132
للكثرة الكاثرة من اللغويين والنحاة الذين لم يروا حرجاً في الاستشهاد بالحديث النبوي على ثبوت اللغة، واللهجات العربية، وقضايا النحو والصرف ولو كانوا طلاب حق لعرضوا وجهتى النظر بحيدة وإنصاف ولكن فاقثد الشيء لا يعطيه، كما جاء في المثل.
والصحيح في هذه القضية هو عكس ما ادعوه، وهوَّلوا من شأنه؛ لأن أئمة اللغة، والنحو والصرف المشهود لهم بالكفاءة العالية في الدرس اللغوي والنحو والصرف، لم يعزلوا السنة عن هذه المجالات الواسعة الجادة.
من هؤلاء - على سبيل التمثيل - ابن مالك صاحب الآلفية المشهورة، والتي تُعد "الدستور الدائم" للدراست النحوية والصرفية وعليها، وعلى كتاب سيبويه قام صرح النحو والصرف، وكثرت الشروح الموضوعة عليهما، ما تزال الحركة العلمية حولهما نشظة ومنهم ابن جنى، وابن هشام، والبدر الدمامينى، وابن الحاجب وابن منظور صاحب لسان العرب، والفيروز أبادى صاحب القاموس المحيط، وغيرهم وغيرهم، لا يحصون عدداً.
كما أن الحديث النبوي نفسه قامت حوله دراسات لغوية ذات شأن، ومعروفة لأهل العلم المعاصرين.
منها إعراب الحديث للعكبرى، وغريب الحديث، وقد وضع فيه بعض العلماء الأعلام أسفاراً متعددة:
منها الفائق فير غريب الحديث للإمام الزمخشري في اربعة اجزاء ثم غريب الجديث للهروى في خمسة أجزاء، وغريب الحديث للخطابى في أربعة أجزاء. كل هذا أغمض عنه منكرو السنة أعينهم ليحققوا أغراضهم وسط هالات كثيفة من الظلام.
إن من يرجع إلى كتب ابن هشام كالقطر والشذور وشرح ابن عقيل أو الخصائص لابن جنى، أو لسان العرب لابن منظور يجد كماً هائلاَ من الحديث النبوي سبق للاستشهاد به على مختلف الأغراض، مما يؤكد أن علماء اللغة - بوجه عام - يثقون في مفردات وتراكيب الأساليب اللغوية بما لا حصر له من كلامه ﷺ .
стр. 133
نماذج من مصنفاتهم:
في الأمالى النحوية لأبن الحاجب (جـ ٤ ص ١٨٥) وردت الأحاديث الاتية، في فهرس خاص بها مما استشهد به في الجزء المشار إليه على المسائل اللسانية الخالصة.
"لا ترموا جمرة العقبة - الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة - استحللتم فروجهن بكلمة الله - كان رسول الله أجود الناس - كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وىسية بنت مزاحم - وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام - لا يموت لواحد ثلاثة من الولد فتمسه النار - نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه".
ومما استشهد به في مقدمة الجزء الثالث قوله ﷺ "أو مخرجيَّ هم" (جـ ٣ ص ٢٥) وحلله صرفياً ونحوياً، وغيره كثير وما تركناه إلا توخياً للإيجاز.
وفي الدر المصون للسمين الحلبي، وهو كتاب تفسير لغوي نحوي صرفي يقع في عشرة أجزاء غي جزء الفهارس. في هذا السفر العظيم ساق المؤلف واحد وستين ومائتى حديث، وبعضها كرره مرات. ساقها شواهد على مسائل نحوية وصرفية ولغوية. وبهذا تسقط هذه الشبهة العمياء كما سقطت نظائرها من قبل.
* * *
стр. 134
الشبهة السادسة والعشرون مخالفة السنة للواقع المشاهد
منكرو السنة المعاصرين حاطبو ليل، لا يفرقون وهم يجمعون الحطب بين أعواده وبين أجسام الحيات والثعابين، ثم أنهم - كما أشرنا من قبل - يفرضون جهلهم على حقائق الإيمان، ويجعلونه هو المقياس عندهم بين الحق والباطل، والخطأ والصواب.
وقد حشدوا في معركتهم مع السنة كل ما وصت إليه جهالاتهم وأوهاوهم ظانين أن بضاعتهم الكاسدة يكون لها رواج في يوم ما عند الناس.
وفي هذه الشبهة يدعون أن من الحديث الصحيح ما يخالف الوافع المشاهد، فهي إذن أحاديث كاذبة إن كان الني قالها، أو مكذوبة عليه، وإن صح سندها عند علماء الحديث.
ومما ذكروه دليلاً على هذا جملة من الأحاديث نذكر منهما اثنين توخياً للإيجاز:
الحديث الأول:
ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال فيه" "قال رسول الله ﷺ : "إذا قُبِرَ الميت أتاه ملكان أسودان" ثم جاء في الحديث:
"فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله".
هذا الحديث عندهم مكذوب على رسول الله رغم صحته، وسبب الحكم عليه عندهم بالكذب أمران:
* مخالفته للقرآن.
* مخالفته للواقع المشاهد.
стр. 135
يقول أحدهم بالحرف الواحد:
إن هذا الحديث مكذوب، لأنه يخالف الحس والواقع فما أكثر القبور التي تفتح، بعد دفن الموتى فيها، سواء في ذلك قبور المؤمنين والكافرين، فلم يشاهد فاتحوها جدران القبر قد التصقت ببعضها، ولا أضلاع الموتى قد تداخلت، ولا أجسادهم قد تهتكت"، كما يدعون - جميعاً - أن القرآن يخلو من ذكر عذاب القبر.
وهكذا اجتمعت عندهم علتان قادحتان في صحة هذا الحديث، فحكموا - فض الله فاهم - بأنه حديث باطل مكذوب؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
منكرو السنة لازم مذهبهم أنهم لا يؤمنون بها، وكثيراً ما أعلنوا أنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن وحده، لذلك فإننا لن نحتج عليهم بالحديث النبوي، لأنهم له رافضون ونكتفي في تفنيد ونقض شبهتهم هذه بالاحتجاج عليهم بالقرآن، الذي يعلنون أنهم لا يؤمنون إلا به، وهم به جاهلون؟
إن بين منكري السنة، وبين العلمانيين شبهاَ واضحاً في المذهب. وهذا ما طبقوه في رفضهم لهذا الحديث، رفضوه لأن معناه لم يدرك بالبصر، ولا بواحدة من الحواس الأربع الأخرى؟
وها نحن أولاء نضع أمامهم وقائع وردت في القرآن الذي يؤمنون به وحده، هذه الوقائع مثل الواقعة التي وردت في هذا الحديث سواء بسواء.
ففي سورة "الأنفال" ورد قوله تعالى:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥٠، ٥٠]
إن ضرب الملائكة وجوه وأدبار الذين كفروا عنده الوفاة، وقولهم لهم: "ذوقوا عذاب الحريق"
стр. 136
قولهم لهم: "ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد" مثل التئام القبر على صاحبه، وتداخل أضلاعه بعضها في بعض.
والذين كفروا يموتون وأهلهم جلوس حولهم، فهل سمع منكرو السنة أن أهل الذين يموتون من الكفار أنهم قالوا أنهم أحسوا بضرب الملائكة لوجوه وأدبار موتاهم؟! أو أنهم سمعوا الملائكة يقولون لموتاهم ما حكاه القرآن عنهم؟!
بالطبع لم يروا ولم يسمعوا، ولو كانوا قد رأوا أو سمعوا ما بقى في الدنيا كافر واحد، ولآمن أهل كل ميت كافر، ولا نمحى الكفر من الوجود.
فما رأيكم يا منكري السنة؟
هل هاتان الآيتان مكذوبتان على الله؟ مثل الحديث الذي قلتم - جهلاً - أنه مذكوب على رسول الله.
لن تستطيعوا - ولعدة أسباب - أن تقولوا إن هاتين الآيتين مكذوبتان على الله. وهذا يلزمكم بأن تؤمنوا بصحة هذا الحديث، وبصحة أمثاله؛ لأنكم آمنتم بنظائره من القرآن، وإلا فأنتم أهل عناد ومكر، والمكر السيء لا يحيق إلا بأهله.
ونحن نساعدكم على سهولة السيلا في طرق الإيمان إن كنتم طلاب حق.
إن الوقائع التي ذكرتها الآيتان والحديث وقائع صحيحة صادفة، وإن لم نرها بعين، ولم نسمعها بأذن لأنها من شئون الآخرة، وشئون الآخرة - الآن - غيب، يجب الإيمان بها إذا جاء بها الخبر الصادق عن الله في قرآنه، أو عن الرسول في حديثه.
هذا ما لم تعلموه فأتيتم بمنكر من القول وزوراً. وها هي ذي فرصة العلم بد قد أتيحت لكم، فهل أنتم مؤمنون أم على قلوب أقفالها؟
стр. 137
الحديث الثاني:
"إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" رواه الإمام البخاري عن ابن عمر ﵃.
منكروا السنة حكموا على هذا الحديث - كذلك - بأنه مكذوب على رسول الله. وهدفهم كما هو معروف إثارة الريب حول كتب السنة، وفي مقدمتها صحيحاً البخاري ومسلم.
أما السبب في هذا الكذب عندهم، فأمران كذلك:
الأول: مخالفته للقرآن؟!
الثاني: مخالفته للواقع والحس الشاهد؟!
قال أحدهم بالحرف الواحد:
"فهذا الحديث أيضاً مما يكذبه الحس، فضلاً عن تكذيب القرآن الكريم له"؟!
أما مخالفته للقرآن فقد استدل عليها بآيات من الكتاب العزيز، منها:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]
وخلاصة استشهادخم بهذه الآيات أنها تقرر وتؤكد العدل الإلهي.
أما الحديث فإنه يقدح في العدل الإلهي عندهم؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
هذه الآيات التي استشهدوا بها على تكذيب الحديث الصحيح قرأوها بأبصارهم حروفاً، وعميت عنها قلوبهم فقهاً.
فبعض هذه الايات خاص بعذاب الاستئصال في الدنيا كما حدث لعاد وثمود، وقد أشار القرآن وهو ينذر مشركي العرب إلى هذا فقال:
стр. 138
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] ثم قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] . ولهذه الايات نظائر في القرآن الكريم.
وبعضها خاص بالجزاء في الآخرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] .
ومن أصول الإيمان أن الله لا يظلم أحداً شيئاً لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وهذا هو الذي أُريدّ من هذه الآيات.
ولم يخرج الحديث عن هذه المعاني التي دلت عليها هذه الآيات، ولكن منكري السنة أبصروا من الحديث جزءاً وعموا عن جزء فضلوا سواء السبيل.
الجزء الذي أبصروه هو "إذا أنزل الله بقوم عذاباً اصاب العذاب من كان فيهم".
والجزء الذي عموا عنه هو: "ثم بعثوا على أعمالهم". فالحديث يقرر عدالة الله كما قررتها الآيات سواء بسواء:
فإذا غضب الله على قوم، وسلط عليهم عذاباً عاماً أو خاصاً فهلكوا أو ماتوا، وفيهم صالحون، فإن الجميع يستوون في المصير الدنيوي، ثم يفترقون في الآخرة، فريق في النار، وفريق في الجنة.
بل إن السنة النبوية ترفع هؤلاء الصالحين، الذين يموتون في الكوارث إلى درجات الشهداء. فأين نسبة الظلم إلى الله في الحديث، التي يدعيها هؤلاء الماكرون؟
هذه واحدة، أما الثانية فنقول لهم فيها بصوت عال يسمع من في القبور: إن هذا الحديث يتفق مع القرآن بدرجة ١٠٠%، ولا يوجد بين الحديث والقرآن ولا حبة خردل من خلاف.
لأن القرآن يقرر ما قرره الحديث بكل قوة ووضوح فالله يقول في
стр. 139
سورة الأنفال ما يأتي: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]
الم يصرَّح القرآن بأن الفتنة - يعني العذاب إذا نزل، ولا يصيب الظالمين وحدهم، بل يصيب الظالم والعادل، والعاصي والطائع.
فما رأيكم يا منكري السنة؟ هل هذه الآية - كذلك - مكذوبة على الله، كما كذب البخاري وابن عمر - في زعمكم - على رسول الله في حديث إنزال العذاب؟!
إن عليكم أن تؤمنوا بالآية والحديث معاً، أو تكفروا بهما معاً؛ لأنهما يدلان على معنى واحد.
والإيمان بالعدل الإلهي، وبصدق الرسول لا ينفك أحدهما عن الآخر.
فأين - إذن - تذهبون؟
دعوى مخالفة الحديث للحس المشاهد:
منكرو السنة يدعون أن الله إذا قرر هلاك قوم، وفيهم صالحون، عزل الصالحين وأهلك المجرمين، ويدعى واحد منهم أن هذا هو الواقع المشاهد؟! فهل سمعتم بكلام اي بهلول يشبه كلام هؤلاء "البهاليل" العباقرة وبارئ النسم إن هذا القول مردود على قائله بمجرد سماعه والنطق به، ولا يحتاج لدليل يبطله أكثر من خروجه من "خياشيم" الناطق به، ومع ذلك نقف أمامه وقفه قصيرة قاهرة:
* حادث الطائرة المصرية، التي كانت قادمة من ليبيا في أوائل السبعينات، وحطمتها إسرائيل على أرض سيناء وفيها أكثر كم ثلاثمائة راكب مدني، منهم الشيوخ والشباب والرجال والنساء والأطفال.
أليست هذة كارثة قد وقعت، وبعلم الله، فهل كان كل ركابها مجرمين فسقة ظالمين، وأنهم هم وحدهم المجرمون في الدنيا، لذلك جمعهم الله في مكان واحد ثم أشعل فيهم النار بعيداً بعيداً عن الصالحين؟!
стр. 140
فهل يتهم منكرو السنة الله بالظلم على هلاك الأطفال من ركاب الطائرة. والأطفال أبرياء ١٠٠%؟
ومثال ثان: الزلزال الذي ضرب مصر عام ١٩٩٢م كان ضحاياه من الفقراء والشيوخ والشباب والأطفال، فهل ضحايا هذه الكارثة هم وحدهم الطالحون في مصر، وبقية المصريين الذين لم يضرهم الزلزال هم الملائكة الأطهار؟!
لو أن منكري السنة احترفوا حرفة التمثيل الكوميدي لأصبحوا نجوماً وأقماراً وشموساً في دنيا التهريج والإضحاك، والسفاسف.
ولكنهم لسوء حظهم اقتحموا مجالاً ليس لهم فيه موضع قدم فانقلبوا على أعقابهم خاسرين.
ورحم الله الشاعر الذي قال:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هواناً بها، كانت على الناس أهونَ
* * *
стр. 141
الشبهة السابعة والعشرون دعوى مخالفة السنة للعقل
ومما يروجه منكرو السنة ادعاؤهم أن السنة ورد فيها أحاديث كثيرة تخالف العقل، وهدفهم إحداث ثلمة في صرح السنة، تضاف إللاى ما قدموه من شبهات، معتقدين أن هذه الشبهات يقوى بعضها بعضاً، وأنها لابد من إحداث الهدف المقصود في النهاية إذا أمكن لهذه الشبهات أن تترسب في أذهان الناس، أو فإنها ستحدث إرباكاً عندهم يزعزع إيمان العامة في السنة، ويزيل عنها ثواب القداسة الذي ألبسها إياه القائمون على شئون التقديس كما يحلو لبعضهم أن يقول.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
نريد أولاً أن نلفت نظر القراء إلى أن المقصود بهذه الشبهة فوق المقصود "الأم" لهم من هذه الشبهات جميعاً، وهو إنكار السنة النبوية الظاهرة. المقصود الخاص بهذه الشبهة هو تكذيب المعجزات المادية، التي أجراها الله على يد رسوله الكريم بالإضافة إلى المعجزة المعنوية الخالدة، وهي القرآن الكريم. وهي معجزات كثيرة أوصلها الإمام البيهقي في كتابه العظيم المسمى دلائل النبوة إلى ما يقارب الألف معجزة.
كما أحصى كثيراً منه الإمام ابن كثير في كتابه المسمى "شمائل الرسول" وتحدث عنها الإمام ابن تيمية في كتابه المسمى "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" وقد بيَّن أن الله تعالى أيد محمداً ﷺ بمعجزات من جنس ما أيد به جميع رسله الكرام.
وقد صرَّح بعضهم بإنكار بعض المعجزات مع ورود الإشارة إليها في القرآن الكريم:
стр. 142
مثل شق الصدر، والمعراج، والبراق، والصلاة في بيت المقدس بالأنبياء وانشقاق القمر.
ومثل حنين الجزع إليه، وتكليم بعض الحيوانات العجماوات له ونبع الماء من بين اصابعه، وتكثير الطعام القليل حتى يشبع العدد الكثير. والعلم بالحديث النفسي لدى الآخرين.
كل هذه عندهم أكاذيب؛ لأنها تخالف العقل، فيجب ردها وعدم الإيمان بها.
كما يدرجون تحت هذه الشبهة كل ما تحدث به ﷺ من الغيبيات، وإن كانوا يدعون إلى تكذيب الغيبات بإعمال شبهة أخرى هي "مخالفة القرآن"، وقد تقدم لنا تفنيدها ونقضها".
هل من الممكن مخالفة السنة للعقل؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من تمهيد، وخلاصته: أن الممنوع عقلاً نوعان:
الأول: ماله سبب أو علة يتوقف عليها وجوده، فإن العقل يمتع وقوعه إذا لم يسبقه سببه أو علته، مثل الارتواء بدون شرب الماء، والشبع بدون تناول غذاء والصعود إلى الفضاء بدون حامل أو دافع، والإحراق بدون مماسة نار، والإنجاب بدون لقاء الزوجين أو ذكر وأنثى، والإسماع بدون صوت، وعبور البحر بدون وسيلة ناقلة أو سباحة، ومماسة جسم لآخر بدون اقتراب. والعلم بما يدور في النفس بدون إفصاح، والإبصار بالأشياء بدون إيقاع النظر عليها.
هذه الصور كلها يمنع العقل وقوعها لعدم تقدم أسبابها أو عللها عليها.
ومنع العقل لوقوع هذه الأشياء نسبي كما سيأتي.
النوع الثاني: ما ليس له سبب أو علة بتوقف وجوده عليها وهذا يمنعه العقل منعاً مؤبداً، ولا يحدث في المنع خلل أبداً.
стр. 143
وهذا ما يسمى بالبدائة العقلية، أو الضرورات العقلية مثل ما تقدم الوالد على ابنه في الوجود الزمني، وكون الجزء أصغر من الكل، والواحد نصف الاثنين، واليوم واسطة بين أمس وغد، وامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما من المحل كالموت والحياة، والوجود والعدم، فلا يكون إنسان ما، أو اي كائن مما تحله الحياة، لا يكون حياً ميتاً في آن واحد، ولا يكون لا حياً ولا ميتاً في آن واحد.
ومثل اجتماع الضدين فلا يكون الشيء أبيض وأسود في آن واحد.
ومقل أن الشيء غير نفسه، وأن يكون أمس هو اليوم أو غداً.
هذه الصور كلها، وغيرها كثير، يمنع العقل حدوثها منعاً قاطعاً في جميع الأزمان والأكوان.
وبناء على ما تقدم نقول بكل حزم وإصرار:
أن الحديث النبوي لم يرد فيه مثال واحد يخالف حكم العقل في النوع الثاني، ومن يدعي هذا فعليه أن يأتينا بالدليل ونتحدى منكري السنة مجتمعين ومفترقين أن يجدوا في السنة ما يدل على هذه المخالفة لأنه مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به إرادة ولا قدرة. فهو - كاسمه - مستحيل أبداً أما النوع الأول، وهو تخلف السبب أو لعلة مع وجود المسبب فإن السنة تتفوق فيه على العقل، ولا يكون إلا على سبيل المعجزة لنبي، أو الكرامة لولي، أو الاستدراج لشقي.
وما جعل الله هذه المعجزات الخارقة لكل مألوف عقلي أو علمي، إلا ليقهر بها غرور العقل وغرور العلم.
وإلا فماذا يملك العقل من نجاة إبراهيم ﵇ من النار التي أضرمها له أولياء الشيطان ثم ألقوه فيها فلم تمسه بسوء قط وماذا يملك العقل من شأن عصى موسى ﵇ في أوضاعها الثلاثة:
مرة تنقلب ثعباناً يبطل السحر، ومرة ينفلق بها البحر اثنى عشر فلقاً كل فقل كالطود العظيم.
ومرة يضرب بها الحجر فيتدفق منه الماء عيوناً اثنتى عشرة كالفلوق التي حدثت في الضربة الأولى.
стр. 144
إن ضربة من الضربتين هرب بها الماء، والأخرى حضر بها الماء فكم - يا ترى - يلزم الآن من التجهيزات التكنولوجية لفلق البحر اثنى عشر فلقاً؟!
وكم يا ترى يلزم من الإجراءات التكنولوجية الحديثة لتدفق اثنتى عشرة عيناً من الصحراء.
وهل تستطيع كل الوسائل الحديثة المتطورة أن تفجر الماء من حجر؟!
وهل تستطسع الوسائل العلمية الحديثة، العالية الكفاءة أن تسخر الجن والطي وجميع القوى الطبيعية كالريح وإسالة الطاقة من الأرض كما حدث من قدرة الله لسليمان ﵇؟
وهل تستطيع جميع القوى البشرية ومخترعاتها المذهلة أن تعيد الروح بعد مفارقتها لجسد ميت، كما أجرى الله ذلك على يد عبده ورسوله عيسى ﵇، معجزة له على عناد بني إسرائيل وكفرهم.
وهل تستطيع وسائل النقل المعاصرة أن تقتلع قصراً لرئيس أو ملك أو أمير في لحظة هي خارج نطاق الزمن عبر آلاف الكيلو مترات دون أن يصيبه أدنى خلل في نظامه وديكوراته كما صنع الله ذلك معجزة لرسوله ﵇؟!
وهلا يستطيع جيش حديث مزود بكل أسلحة الدمار الشامل أن يقتلع قرية من أساسها ويعلو بها إلى طبقات الفضاء الأعلى ثم يلقيها على الأرض مرة أخرى سطحها أسفل، وقاعها أعلى كما صنعت القدرة الإلهية مع قوم لوط؟
أين العقل هنا؟ وماذا يملك إلا التسليم العاجز الخذول؟
ونسأل منكري السنة، أو منكري أحاديث المعجزات النبوية لرسول الإسلام نسألهم هذا السؤال وعليهم أن يجيبوا عليه لأنفسهم - بكل صراحة، لتعرفوا حجم باطلكم.
هذه الوقائع المذهلة، التي ايد الله بها بعض رسله، واشرنا إليها دون الآيات التي قصتها علينا توخياً للإيجاز، هذه الوقائع - بلا ريب - تخالف العقل مخالفة، من النوع الأول الذي بيناه في التمهيد الذي تقدم.
стр. 145
هل أنتم مؤمنون بها؟ إن كنتم مؤمنين بها فيلزمكم الإيمان بالأحاديث التي قصت علينا مثل ما قص القرآن في سور: (الأنبياء والمائدة وآل عمران وغيرها) .
وإن اصررتكم على تكذيبكم لهذه الآحاديث لزمكم أن تكذبوا القرآن لأنه روى مثل ما روت هذه الأحاديث. فأنتم محجوجون من كل جهة، مقهورون أمام صولة الحق. فماذا أنتم فاعلون؟!
وبهذا تندفع هذه الشبهة كما اندفع غيرها. ويفوت منكري السنة غرضهم الذي رتبوه عليها.
إن ورود أحاديث المعجزات في سنة محمد ﷺ ليس عيباً ترد به هذه السنة، ويحكم عليها بالتزوير والبطلان بل هي دعامة من دعائم الإيمان، كان من الممكن أن تقود هؤلاء الآبقين من رحابة الحق، إلى سجين الباطل، كان من الممكن أن تقودهم إلى الإيمان الراسخ والتصديق الجازم بما جاء به محمد ﷺ من عند ربه (كتاباً وسنة) لو أنهم فتحوا للإيمان قلوبهم وأصغوا إليه أسماعهم، وأرحبوا لهة عقولهم وقطعوا ما بينهم وبين الشيطان من علائق ووساوس، أيعجز الله عن شق القمر لرسوله، وقد شق البحر لموسى ﵇.
ايمتنع على الله أن يجري الماء بين أصابع رسوله الكريم وقد فجره من حجر أملس لموسى علسه السلام.
أيستحيل على الله أن يكثر الطعام لرسوله، وقد أنزله مائدة جاهزة من السماء لعيسى ﵇؟!
لقد أخلصنا لكم القول، وبقى بيننا وبينكم قوله تعالى:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .
* * *
следующие страницы →