Полный текст (188 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ينتحلون الأساب الواهية ويتجرأون على إهدار قيمة النصوص، التي تقف في طريقهم على النحو الذي رأيت.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
السنة التي استوفت شروط الصحة سنداً ومتناً لا ريب أنها كلام نطق به النبي ﷺ ، وأنه من مقومات الرسالة، ومتصل بمهمة التبليغ، التي من أجلها أرسل الله محمداً ﷺ ، ليقيم على الناس الحجة، وتتم عملية التكليف.
وما كان هذا شأنه فهو صادق كل الصدق، والناس ملزمون به مثل إلزامهم بالقرآن سواء بسواء. إذ لا فرق بين أمر أو نهي طريقه القرآن، وأمر ونهي طريقه السنة النبوية.
وهذا ما يفيده الحديث المشهور: "الأ وإني أوتيت القرآن ومثله معه".
فالمثلية بين القرآن، وبين ما أو تيه الرسول ﷺ ليست مثليه (الكم) - أعني العدد - وإنما هي مثلية (الكيف) .
ليست مثلية العدد فيكون عدد الأحاديث النبوية مثل عدد آيات القرآن، أو جُمَل مساوية لـ (جُمَل) القرآن) ولا ينبغي أن يخطر هذا المعنى على بال أحد.
وإنما هي مثلية (الكيف) ويمكن توضحيها في الآتي:
* مثلية "الحقية" فالقرآن حق لا باطل فيه، والسنة حق لا باطل فيها.
* مثلية الطاعة والامتثال، فتجب طاعة الرسول في ما أمر به أو نهى عنه.
وبعد هذا ليس مهماً عندنا أن يكون طريق السنة هو الوحي الحرفي، أو الوحي المعنوي، أو يكون طريقها الإلهام، أو يكون طريقها الاجتهاد كما ذهب إلى هذا بعض العلماء، وبالغ فيه منكرو السنة.
يكفينا أن السنة التي صح صدورها عن النبي ﷺ : كلام فخرج من فمه الطاهر، أو فعل كان هو فاعله، أو تقرير لفعل صدر من غيره فلم ينهه عنه وكان المراد بكل ذلك التبليغ عن الله .
стр. 72
أقول يكفينا هذا، ولا نتطلب شيئاً آخر بعده، لأن به تقوم الحجة، ويتضح المراد.
تحريف معنى الآية:
رأينا كيف حرّضف منكرو السنة معنر آية "النجم" وجزموا بأن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وصف للقرآن وحده، ولا تدخل السنة في هذا الوحي بحال، ويقدح في هذا الجزم سياق الآيات:
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
منكرو السنة فرَّقوا بين الضمير المستتر في "ينطق" وهو فاعل النطق فجعلوه للنبي أو أبقوه على دلالته الظاهرة - وهذا حق لا نزاع فيه - وبين الضمير الظاهر المنفصل في ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فجعلوا الضمير (هو) عائداً على القرآن وحده.
وهذا تعسف محض؛ لأن القرآن لم يرد له ذكر هنا حتى يعود عليه الضمير، ولأن لهذا الضمير مرجعاً في الآية قبله، وهو "النطق" المفهوم من الفعل المضارع "ينطق" أي: وما نطقه ﷺ إلا وحي يوحى. سواء في ذلك القرآن والسنة. ولأن المقام مقام ثناء وتزكية لرسول الله ﷺ . من طهارة قلب، وصدق لسان.
وقد أكد الحق هذا الثناء بالتوكيد القسمي ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ .
ثم نزه الله رسوله بعد ذلك فنفى عنه الضلال والغواية ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ .
ثم نفى تاثير أهواء النفس في قوله وحديثه (نطفه) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ . ثم حصر نطقه في كونه وحياً.
فمن اين فهم هؤلاء المرجفون أن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ عائد على القرآن وحده؟
стр. 73
إن محمداً ﷺ كان ينطق بالسنة كما ينطق بالقرآن، فكان حرياً بهم - لو كانوا منصفين - أن يقولوا إن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ شامل لما نطق به النبي كله، سواء كان نطفه قرآنا، أو سنة مراداً بها التبليغ عن الله ، ولما كان محمد ﷺ ينطق بالقرآن وبالسنة وقد سميت هذه السنة وحياكما تقدم، فرَّق كثير من العلماء بين وحي القرآن ووحي السنة:
* فوحي القرآن ما كان باللفظ والمعنى، ولا تجوز بحال روايته بالمعنى فحسب.
ووحي السنة ما كان بالمعنى، واللفظ من عند النبي ﷺ ، ويجوز روايتها عنه ﵊ بالمعنى عند الضرورة. نطقاً لا كتابة.
* أو أن القرآن وحي جَلِىُّ، والسنة وحي خَفِىٌ وكون السنة من عند الله، بأي كيفية أعلم الله بها رسوله، هذا المعنى يؤيده القرآن الحكيم مرة أخرى في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] .
فهل -بعد هذا - يكون لشبهة منكري السنة هذه رواج أو قبول، عند ذوي العقول.
ولا يقدح في كون السنة وحي معنى لا وحي الفاظ، أن بعض الأحاديث تختلف رواياتها بوضع لفظ مكان آخر أو بالزيادة والنقص، أو بالتقديم والتأخير. لأن هذه "الاختلافات" إن كانت بسبب اختلاف السماع عن رسول الله، فإن كل راو يروي ما سمع كما سمع من رسول الله ﵊، فمرة نطق بهذا، ومرة نطق بذاك حتى وإن ترتب على ذلك اختلاف المعنى.
وما أشبه هذه في السنة الصحيحة باختلاف القراءات في القرآن، والقراءات الصحيحة كلها قرآن. ولا تقدح هذه القراءات في مصدرية القرآن، وهو الوحي المتعبد بتلاوته.
* * *
стр. 74
الشبهة الرابعة عشرة نُدْرة الاستدلال بالحديث عن أبي حنيفة ؟!
الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁، أول الأئمة الأربعة الكبار، أصحاب المذاهب الفقهية: مالك، والشافعي، وأحمد ﵃.
ولد بالكوفة عام (٨٠ هـ) وتوفى ببغداد عام (١٥٠هـ) فهو رائد الفقه الإسلامي المذهبي.
وكان هذا الإمام العظيم له خصوم سياسيون، هم الأمويون والعباسيون وكان له هو مواقف حازمة معهم من كثرة نقده لهم، وبخاصة حول بعض الأمراء الأمويين، وقد رفض الإمام أبو حنيفة منصب القضاء حين عرضوه عليه، وأعتذر بأنه لا يصلح له، كما كان يرفض هداياهم، ويظهر تعففه عنها.
وإعمالاً بمبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان ﵁ ينقذ في مجالسه العلمية الأحكام التي يصدرها بعض القضاة خطأ، أو فيها شيء من الخطأ.
ومن أشهر مواقفه في هذا المجال نقده لقاضي القضاة ابن أبي ليلى في حكم جلدٍ نفذه خطأ.
والقصة بتمامها: أن امرأة مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزانيين فأقام ابن أبي ليلى عليها الحد في المسجد، وجلدها وهي قائمة. وجلدها مائة وستين جلدة، لأنها قذفت أبا الرجل وأمه؟ فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ ابن أبي ليلة في هذه الواقعة في ستة مواضع:
* أقام الحد في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد. د
* وضربها وهي قائمة، والنساء يضربن في الحدود قاعدات.
стр. 75
* وأقام عليها حدين، أحدهما للأب، والآخر للأم، ولو أن رجلاً قذف جماعة فليس عليه إلا حد واحد.
* وجمع بين حدين في مجلس واحد، والحدود لا يجمع بينها حتى يجف السابق منها.
* وأقام الحد والمقذوف غائب، ولم يحضر ولم يدع (يرفع الدعوى) .
* وأقام الحد على مجنونة، والجنون يرفع المسئولية. هذه المواقف الجادة أكثرت من شدة الخصومة على الإمام أبي حنيفة وأشاع عنه خصومه، وهو حي، أنه يرفض الاستدلال بالحديث النبوي، ويفتى في المسائل التي لم يجد لها دليلاً في القرآن، يفتى فيها برأيه ولا يَعْمَل فيها بسنة رسول الله ﷺ .
وقد تصدى الإمام أبو حنيفة لهذه الافتراءات التي روجها خصومه ضده.
ومنكرو السنة وجدوا هذه الشبهة جاهزة، فتلقفوها كما تتلقف "الجلالة" القاذورات من أكوام القمامة ثم أخذوا يعجنون منها ويخبزون، ويبالغون فيها ويضيقون زعموا أن أبا حنيفة لم يكن يقبل من السنة إلا سبعة عشر حديثا وأن فقهه متأثر بالثقافة الفارسية الوثنية، وهو فارسي الأصل، والحنين إلى الأصل غريزة مركوزة في طباع الناس، والهدف من هذه اللجاجة إلى العامة بأن السنة لا يثق في صحة رواياتها الإمام أبو حنيفة، وهو ما من هو في الإمامة والريادة والفقه. فمن الضلال إذن اعتبار السنة مصدراً للتشريع في الإسلام؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
إن فيما تقدم جانبا كبيراً في تفنيد هذه الشبهة ونقضها فقد عاش الإمام، وهو عالم، أكثر من ثلاثين سنة في ظل الدولة الأموية، وثماني عشرة سنة في ظل الدولة العباسية، وقد ضيق عليه الأمويون الخناق ففر من دمشق عاصمة دولتهم إلى مكة المكرمة، ثم عاد إلا بغداد لما آل الأمر إلى بني العباس ولكن تمسكه بالحق، والانتصار له أنشأ بينه أمراء الدولة العباسية خصومة جديدة، إلى درجة أن منعوه من الفتوى ودرس العلم، وزجوا به إلى السجن في آخريات حياته
стр. 76
ولم يجد خصوم أبي حنيفة من السياسين والقضاة عيبا يسوئون به سمعته سوى أن يفتروا عليه بإعراضه عن السنة وإحلال الرأي محلها.
وقد دافع الإمام عن نفسه، ورد على إدعاءات خصومه القدماء ردوداً مفحمة سجلتها الرواية الأمينة بكل إخلاص وصدق، قال الإمام رحمة الله:
"كذب والله وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس - يعني الرأي - على النص - يعني الحديث - وهل يحتاج بعد النص إلى قياس"؟ (ينظر الميزان للشعراني: ٥١) .
وقال: "نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة، أو أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ مسكوتاً عنه على منكوق به" (نفس المصدر السابق) هذا كلام إمام يقدر السنة حق قدرها، ويجعلها تالية للقرآن في الاستدلال، وإن إدعى خصومه عليه وأكثروا وكان يقول: "إنا نأخذ أولاً بكتاب الله، ثم السنة، ثم بأقصية الصحابة، ونعمل بما أتفقوا عليه، فإن أختلفوا قسنا حكماً على حكم، بجامع العلة بين المسألتين، حتى يتضح المعنى".
وكان يقول: "ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، بأبي وأمي - أي أفدي رسول الله بأبي وأمي - وليس لنا مخالفته. وما جاء عن أصحابه تخيرنا. وما جاء عن غيرهم - يعني التابعين - فهم رجال ونحن رجال".
وفي رواية أخرى: "زاحمناهم" يعني: لنا حق إبداء الرأي في المسألة معهم. إذن، فما الذي يريده منكرو السنة من الإمام أبي حنيفة حتى يقلعوا عن الإفتراء عليه، ويعرضوا عن إتخاذه منبع شبهة للطعن في سنة خاتم الأنبياء والمرسلين؟!
إن الإمام أبا حنيفة لم يختلف عن بقية الأئمة الكبار أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة.
стр. 77
فأصول مذهبه هي أصول مذاهبهم المتفق عليها بينهم، وهي على الترتيب: الكتاب - السنة - القياس - الإجماع. فعلام الإساءة إلى هذا الإمام العظيم؟ وكيف يتخذ منه الضالون المضلون قدوة لهم في الإساءة إلى سنة رسول الله الكريم؟!.
وقد فاتهم أن أحاديث رسول الله لم تكن قد جمعت جمعاً موسعاً مدروساً في حياة أبي حنيفة، فكان ﵁ إن أعرض عن اعتماد شيء من الأحاديث فإنه يريد التثبت والتأكد من صحته، لا أنه يرفض السنة رفضاً مطلقاً.
وقد جهل هؤلاء الزنادقة أن لأبي حنيفة مسنداً في الحديث النبوي، جمع فيه أكثر من خمسمائة حديث، وهو مطبوع متداول، ولكن العناد يصيب أهله بعمى حالك، وإن كانوا يبصرون.
* * *
стр. 78
الشبهة الخامسة عشرة ضياع خمسمائة خطبة نبوية ؟!
هذه شبهة جديدة أملاها الشيطان على بعض منكري السنة المعاصرين، ثم أخذ الآخرون يرددنها ويهولون من شأنها ظانين أنهم اكتشفوا معول هدم للسنة لم يعرفه من قبلهم أحد.
ومن صور التهويل عنوان طالعتنا به مجلة (روز اليوسف) في منتصف عمود من مقال لواحد من منكري السنة المعاصرين، والعنوان كتب بشكل بارز لافت للنظر، وهو: "التدوين الباطل أستبعد ٥٠٠ خطبة للنبي ﷺ لأسباب سياسية؟!
والنظر العابر في هذا الكلام يريك أن منكري السنة وظفوا هذه الشبهة للاستدلال على أن رواية الحديث النبوي ينبغي أن لا يثق فيها أحد، فقد كان تدوينها باطلاً، بدليل أنه لر يرو لنا خطبة واحدة من خطب النبي التي ألقاها في المسلمين؟!
فليس من المقصزد عند هؤلاء الماكرين مكر السوء أن يعاد النظر في الحديث النبوي (غربلته) للتمييز بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث المدونة - الآن - في كتب الحديث المعتمدة عند الأمة، ليس هذا هو المراد، ولن يكون، بل مرادهم هو الحكم على جميع الأحاديث بالزيف والإفتراء.
فقد زعم كاتب روز اليوسف أن التدوين باطل اصلاً، عرفوا هم هذا البطلان من خلال فرز ثان قاموا به بعد الفرز الأول لعلماء الحديث رواية ودراية.
ثم يتمادى في الوهم، ويدعى أن سبب استعباد ألـ ٥٠٠ خطبة النبوية كان لأسباب سياسية نجمت في عصر تدوين الحديث، يعني عصر رجال القرن الثالث
стр. 79
ومنهم الإمامان البخاري ومسلم ويقول: لأن تلك الخطب المستبعدة كانت ضد نظم الحكم في الدولة العباسية. فما كان من الإمراء إلا أن اغروا رواة الحديث على استبعاد تلك الخطب الخمسمائة عن التدوين؟! (ينظر روز اليوسف ١٠/٤/١٩٩٩م) .
طبعاً، منكرو السنة سعداء جداً بهذا الإختراع، الذي لم يسبقهم إليه أحد على مدى التاريخ الإسلامي كله.
وسعداء أكثر لأنهم فهموا أنهم اوقعوا نصراء في حرج شديد زسدوا عليهم منافذ الدفاع، وحبسوا في خندق حاجب للرؤية عازل للصوت. خانق للأنفاس.
ولم يدركوا أنهم هم الذين هووا إلى الحضيض، ولفوا حول أعناقهم حبل الخزى، ووضعوا فوق رءوسهم تاج الجهل. وهم لا يشعرون أو لا يعقلون.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
أنصار الباطل حين ينتشون باستنشاق رائحة الباطل الخبيثة تأخذهم حالة من الغيبوبة، فلا يدرون ماذا يقولون، وإذا قالوا وقعوا في (الهجر) وأضحكوا عليهم ومنهم طوب الأرض.
وهذه الشبهة واحدة من أفضح فضائحهم على الإطلاق، وإن ظنوا أنهم فيها عباقرة ومغاوير.
ولعل القارئ يتساءل: من أين لهم هذه الإحصائية (٥٠٠ خطبة) هو لم يقولوا من أين لهم ذلك، لكن المتبادر إلى الذهن أهم قدَّروا خطب الجمعة التي كان يلقيها النبي ﷺ بالمدينة المنورة بعد الهجرة (عشر سنوات) بواقع السنة في تقديرهم خمسون حطبة ونحن لا يدخل في حسابنا عدد الخطب وكيفية إحصائها، ولكن الذي نركز عليه بيان الجهل المركب عندهم فرداً وجماعة، لأن الجهل ملازم لهم في إنكارهم للسنة، ملازمة الظل لمصدره.
стр. 80
أما مواجهتنا لهم في هذه الشبهة فتقوم على المحاور الآتية:
الأول: ونبدأ بتمهيد يتولد عنه سؤال:
التمهيد: إن الطريق الوحيد لمعرفتنا بسنة رسول الله ﷺ هو التدوين والرواية. فمت دٌوٌن فيها هو المعروف عندنا ولا طريق لنا لمعرفة ما لم يُدوَّن إن كان لد يُدَوَّن منها شيء.
هذه حقيقة لا ينكرها أحد، ولا منكرو السنة ينكرونها بداهة.
السؤال: فمن أين إذن عرف منكرو السنة أن سبب استبعاد خطب النبي الـ (٥٠٠) هو أن تلك الخطب كانت تتناقض مع نظم الحكم التي كانت سائدة في عصر التدوين.
إنهم يدعون أن تلك الخطب لم تُدوَّن، يعني حجبت بألفاظها ومعانيها عن رؤية النور.
سلمنا لكم جدلاً - بهذا الإدعاء - ولكن الذي نريده منكم أن توضحوا لنا من أين، وعلى أي أساس حكمتم على الخطب التي لم تدون بأنها كانت تناهض نظم الحكم؟
هل اطلعتم عليها؟ إن كنتم اطلعتم عليها الآن (القرن الخامس عشر الهجري) فهذ إذن مدَوَّنة فتسقط دعواكم (الساقطة) بطبيعتها.
وإذا لم تكونوا قد اطعلتم عليها جاريناكم جدلاً أنها لم تدون وسألناكم هل أنتهم تعلمون الغيب، لذلك وصفتم بألسنتكم ما لم تره أعينكم، ولم تسمعه آذانكم.
إنكم محاطون بالخيبة والخزي كيفما كان جوابكم على ما طرحناه عليكم من أسئلة.
إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، هذه قاعدة من قواعد العقل المسلَّمة عند كل العقلاء.
стр. 81
فإما أن تقروا بتدوين هذه الخطب فيسقط أصل دعواكم وإما أن تقروا بعدم اطلاعكم عليها فيسقط سبب داعوكم فماذا أنتم قائلون؟.
ألستم معنا أن هذه فضيحة، من أفضح فضائحكم، أيها البهاليل العظام؟
الثاني: خطب الرسول لم تستبعد عن التدوين:
إن ما أخذناه عليكم في المحور الأول هو ثلمة في العقل، أعني أنكم أوتيتم من قِبَل عقولكم، فكان خزي الخلل مضروباً عليكم من كل جهة.
أما ما نأخذه عليكم في هذه المحور (الثاني) فسببه الجهل بموضوع النزاع وهو خطب الرسول ﷺ . أنتم تقولون أنها لم تدوَّن بسبب رفض الأمراء لها، وطاعة علماء لهم في هذا الرفض ونحن نقول: هذه فرية فيها من الرعونة، ما يحجب ضوء الشمس ونور القمر. وأقبح الجهل ما كان أرعن.
مصادر جمع وتدوين خطب الرسول ﷺ
ليس من حق الجاهل بأمر أن يجعل جهله هو الفاصل في حقيقة ذلك الأمر، وهذا ما وقع فيهو منكرو السنة المعاصرين. فإن جهلهم بتدوين خطب الرسول حملهم على القول الشنيع الذي تقدم، وهو أن أكثر من خمسمائة خطبة نبوية لم يدونها رواة الحديث بأمر من حكام عصر التدوين، لأن تلك الخطب ضد أنظمة الحكم التي كانت سائدة في عصر التدوين.
وهذا ادعاء كاذب بكل تصوراته، فقد شمل التدوين الأمين خطب رسول الله ﷺ منذ جمعت السنة مع مطلع القرن الثاني الهجري.
ولها الآن وجودان:
الأول: تدوين خطب النبي تدويناً مفرقاً ومبثوثاً في كتب الحديث والسيرة والتاريخ، وبعض كتب الإعجاز القرآني. وهذا هم المصدر الأول للوقوف على خطبه ﵊.
стр. 82
الثاني: في العصر الحديث قام اثنان من علماء تونس بجمع خطب النبي في مصنفين متداولين.
الأول: للشيخ محمد خليل الخطيب بعنوان (إتحاف الآنام بخطب رسول الإسلام) .
والثاني: وهو رسالة علمية جامعية بعنوان (خطب الرسول ﷺ ) جمعها وتبويبها ودراستها للدكتور عمر القطيطى التونسي.
وقد حرص على جمع تلك الخطب، وتوثيقها علمياً ببيان المراجع التي ذكرتها، وحققها تحقيقاً ممتازاً، وقام تبويباً فنياً منتظماً. ثم وضع عليها دراسة فقهية وبلاغية لم يسبقه إليها أحد، وتقع في أكثر من ستين ومائتى صفحة من القطع المتوسط|. ولم يقتصر على جمع الجمعة، بل شمل عمله الخطب التي قالها رسول الله ﷺ في المناسبات المختلفة. كالعيدين، والخسوف والكسوف.
وذكر المؤلف إمارات التمييز بين الخطب والأحاديث النبوية المجردة:
مثل: يا أيها الناس - وكان على المنبر، حمد الله واثنى عليه ثم قال - كان رسول الله يخطب - كان على الصفا - كان على القصواء إلخ.... إلخ.
هذا ما جهله منكرو السنة، الذين جعلوا من جهلهم إماماً يأتمون به؟!.
فماذا يقولون بعد هذه الحقائق الناصعة؟ ، هل ما يزالون يدعون أن خطباً خمسمائة أهملها التدوين الباطل لأسباب سياسية قاتل الله اللجاج. فإنه يورث أهله المهالك.
الثالث: ولجهلهم بمنهج البيان النبوي دَحْلٌ من جهة أخرى ورطهم في هذه الفضيحة الفاضحة:
لقد فهموا أن الرسول مثل خطباء العصر، يرقى المنبر فلا تقل مدة الخطبه الواحدة عن نصف الساعة، وقد تصل الساعة الكاملة ولما لم يجدوا هذا النوع في
стр. 83
كتب الحديث وغيرها قالوا: أن خطبه ﵇ أضاعها التدوين الباطل لأسباب سياسية.
هذه مواجهة قصيرة لما اثاره منكرو السنة في هذه الشبهة مواجهة حاسمة، قاطعة لدابر افتراءاتهم، ونحن لا يهمنا أن يظل منكرو السنة بعد ذلك على مواقفهم المعادية لله ولرسوله الكريم أو يشوبوا إلى رشدهم، فهم أحرار في ما يعتقدون. ولكن الذي يهمنا أن نكشف للعامة ولشباب الأمة جهل وعناد هؤلاء المكابرين، أعداء الإسلام، وأعداء الأمة، والله من ورائهم محيط، ولن يغلب باطلهم حقه. والله هو الغالب على أمره في الدنيا والآخرة.
* * *
стр. 84
الشبهة السادسة عشرة مصدر السنة ليس معصوماً ؟!
هذه الشبهة مما ردده منكرو السنة المعاصرون، وعوَّلوا عليها كثيراً في النيل من السنة، والطعن في أساسها، وهو النبي ﷺ . وتراهم وهم يرددونها يحملون أطناناً من الحقد على من أرسله الله رحنة للعالمين، وفي الوقت نفسه يحملون على المسلمين الموقرين للنبي - كما أمرهم الله - حملات أشبه ما تكون بذفرات المصدور، أو تخليطات المحموم، أو بذاءات المخمور يحملون على المسلمين لأنهم - في نظر هؤلاء الزنادقة - يقدسون النبي ويدعون له العصمة من الخطأ، وهو بشر، وكأنه إله؟!
وليس لهم من سند يتكئون عليه في هذا المكر الخبيث إلا حديث تأبير النخل المعروف.
وقصته أن النبي ﷺ مرَّ على قوم نخلا لهم، أي يضعون طلع الذكور في "أكمام الإناث" فأشار عليهم ﷺ أنهم لو لم يفعلوه لا يضرهم، فتركوه فشاص التمر ولم يكتمل نموه فعادوا إليه وأخبروه، فقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" بالغ منكرو السنة في هذه "الواقعة" واتخذوا منها وليجة للتطاول البذئ على مقام الرسالة والرسول، وجزموا بأن الرسول بشر يخطئ ويصيب كسائر البشر، وأنه ليس معصوماً من الخطأ ولا مقدساً.
وقبل التصدي لهذه الحماقة نعرض بعض ما قاله منكرو السنة حول هذا الحديث في هذه الأيام وإليك ما قالوه.
стр. 85
ولو كان كل ما قال النبي أو صدر عنه من أفعال وحياً من السماء، فماذا عن حادثة تأبير النخل، ونهى النبي عن التأبير مما أدى إلى فساد المحصول، وتعقيبه ﷺ بالقول: "أنتم أعلم بشئون دنياكم".... وإذا كان موحى من الله فهل كان الله ينلقض نفسه؟ .... لقد كان قول النبي "أنتم أعلم بشئون دنياكم" أعتذاراً مهذباً بأدب نبوي، عن خطأ بشري أرتكبه بنهيه عن تأبير النخل، وفساد المحصول على أصحابه، بكلام بشرى لا عصمة فيه عن الخطأ والسهو والنسيان، لأن محمداً كان إنساناً لا إلهاً" (روز اليوسف ٣/٤/١٩٩٩م) .
هذا كلامهم، وهم يتحدثون عن خاتم النبيين وكأن بينهم وبينه ﷺ ثاراً يحاولون التشفي منه قاتلهم الله. مما ينبغي أن يدركه القارئ أن مرادهم بأن ما يصدر عن الرسول ليس وحياً، هو نفي العصمة عنه؛ لأنه بشر، والبشر يخطئون ويصيبون. إذن فالرسول ليس معصوماً من الخطأ، وحديث تأبير النخل ساقوه دليلاً على صحة دعواهم، لا أنه هو الحديث الوحيد الذي قد أخطأ فيه. بل إن هذا الخطأ يسري - عندهم - على كل ما صدر عنه مما رواه الثقات من علماء الحديث.؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
إن هؤلاء الجهلة الأغمار، أو الزنادقة الأشرار، لا يتورعون في الإساءة إلى سنة الرسول الكريم عن اي شيء يقولون مهما كان من المنكر والزور.
وقد تصدى لهم من قبل العلامة المحقق الكبير أحمد محمد شاكر فقال فيهم ما نصه:
"هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر، وصنائع أوربة فيها من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه اصلاً يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، وإذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من الشنة، وأن ينكروا شريعة
стр. 86
من شرائع الإسلام في المعاملات وشئون الإجتماع وغيرها ... والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة....".
الملاحدة الذين وصفهم الشيخ شاكر - هنا - كانوا يستدلون بهذا الحديث على أن كل شئون الدنيا لا تخضع لتوجيهات الإسلام، وقد طوَّر منكرو السنة المعاصرون هذا الاستدلال، وجعلوه مفيداً لنفي العصمة عن الرسول ﷺ ، والدعويان من وادٍ واحدن بيد أن دعوى المنكرين المعاصرين اشد قبحاً من دعوى سلفهم الذين تحدث عنهم الشيخ شاكر ﵀ لأن منكري السنة المعاصرين يحاولون هدمها من الأساس كما قد رأيت في شبهاتهم المذكورة من قبل.
النبي معصوم وإن جحد الحاقدون:
أجمع علماء الأمة على أن الأنبياء معصومون في مجال التبليغ عن الله . وجملة ما ذكروا عصمة الأنبياء عنه هي الأمور الآتية:
"كتمان الرسالة - الكذب في دعواها - الجهل بأي حكم أنزله الله عليهم - أو الشك فيه - أو التقصير في تبليغه. ظهور الشيطان لهم في صورة ملك - تلبيس الشيطان عليهم - أو تسلطه على خواطرهم - تعمد الكذب في الإخبار عن الله، تعمد بيان أي حكم شرعي على خلاف ما أنزل إليهم، سواء كان ذلك البيان بالقول، أو بالفعل، أو بالرضا والموافقة.
فذلك كله قد انعقد من أهل الشرائع على وجوب عصمة الأنبياء جميعاً منه" (ينظر حجية السنة: ٩٦) د/ عبد الغني عبد الخالق دار الوفاء - القاهرة.
وهذه العصمة الواجبة لأنبياء في مجال التبليغ وعدم وقوع ما يخالفها منهم من قول أو فعل، أو رضا، ليست مقصورة على الوحي المنزل إليهم من ربهم، بل هي عامة لكل ما يتصل بأصول الرسالة وفروعها وشئون التكليف.
стр. 87
والدليل الشرعي على ذلك متعدد، ومنه الآيات التي أمر الله فيها بطاعة رسله واتباعهم إذ لو كانوا موضع تهمة أو خطأ أو سهو أو نسيان ما أمرنا الله بطاعتهم طاعة مطلقة، هذا في شأن كل الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومما ورد في شأن رسولنا الكريمن الذي يتطاول عليه الآن المرجفون قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ومحال أن يكون الإخبار من الله غير مطابق للواقع، لأنه حينئذ يكون الخبر كاذباً، وكلام الله صدق كله. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] وما أكثر الآيات المزكية للنبي، الآمرة بطاعته طاعة مستقلة، المادحة للذين آمنوا به واتبعوه.
وعصمة الأنبياء كما وجبت بإخبار الرشع وجبت باقرار العقل لأن رسل الله أمناء وحي الله ورسالاته، وتصديقهم الجازم واجب ولو جاز - عقلاً - الخطأ عليهم في التبليغ عن الله، لسرى الشك في أقوالهم وأفعالهم إلى كل ما بلغوه عن الله من وحي ومن غير وحي، ولما أمكن تصديقهم تصديقاً جازماً، ولفقدت الشرائع هيبتها، وهذا محال في حكم العقل، كما هو محال في لسان الشرع. هذا هو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
هذه هي عقيدة المؤمنين الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم - أي بشك - كما جاء في الحديث الشريف.
فالذين ينفون العصمة عن رسولنا الكريم ﷺ تمهيداً لرد سنته وإبطالها - يرتكبون كبيرة، وينكرون معلوماً من الدين بالضرورة، ويقترفون إثماً عظيماً.
ليس في الحديث دليل:
وحديث تأبير النخل، الذي توهموا أنه دليل لهم على نفي العصمة عن رسول الله، ليس لهم فيه دليل، بل هو دليل على جهلهم وعنادهم، شعروا أو لم يشعروا. وإن خيبة الأمل ملازمة لهم في كيدهم للسنة وصاحبها، والأمة جميعاً وويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون.
стр. 88
إن هذا الحديث لم يرد به النبي ﷺ التبليغ عن الله، ولا وضع قاعدة فقهية، ولا بيان حكم شرعي، وإنما هو رأي أبداه حول أمور تخضع للتجارب، وعمل العقل، فهو ﵇، لم يُبعث خبيراً زراعياً، ولا هذا من شأن الرسل والرسالات والأعمال الدنيوية البحتة لم ينزل الله فيها كتاباً، ولم يرسل من أجلها رسلاً، وإمما هي أمور يمارسها الإنسان بحرية، وينتقل من تجربة إلى تجربة ويرصد النتائج، ويختار الأصلح.
هذا هو مجال العقل والعلم التجريبي، لا يتدخل فيه الشرع إلا فيما يتعلق بالحل والحرمة، والجواز والكراهة.
يبين هذا كله قوله ﷺ لما راجعه أصحاب النخل حين لم يكتمل لهم تمرهم بعد أن تركوا التأيير:
"إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" رواه مسلم.
وفي رواية: "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به" رواه مسلم.
وقد حدث شبيه بهذا في مناسبات أخرى، مثلما حدث في غزوة بدر لما عسكر النبي بالجيش في موضع، ثم انتقل منه إلى موضع آخر، نزولاً على رأي بعض أصحابه.
ومثلما حدث في موادعة "غطفان" حين اقترح ﵇ منحهم جزءاً من ثمار المدينة، نظير ألا يكونوا ظهيراً للمشركين على أهل المدينة، ثم رجع عنه نزولاً على رأي "السعدين" زعيمى الأوس والخزرج ﵃.
هذا هو فقه هذه المسألة، ومنه يظهر جلياً أن منكري السنة قد ضلوا وأضلوا في دعواهم نفي العصمة عن رسول الله ﷺ مرددين مزاعم خصوم الإسلام من المبشرين الحاقدين والمستشرقين الحاسدين، والعلمانيين الجاهلين. وسيذهب كيدهم، ويبقى الحق شامخاً حتى قيام الساعة:
وهل يضر البحر أمسى زاخراً ... إن رمى فيه غلام بحجر؟!
стр. 89
الشبهة السابعة عشرة الطعن في رواة السنة
دأب منكرو السنة على تلمس النقائص لرواة السنة النبوية من الصحابة والتابعين، والصحابة هم وحدهم الذين روَوْا الحديث النبوي والأفعال والموافقات. فهم رجال الطبقة الأولى من الرواة، سواء كانت الرواية عن السماع والرؤية المباشرة عن رسول الله ﷺ ، أو روى من لم يسمع منهم من النبي مباشرة عن من سمع منه أو رأى.
والتابعون هو الذين نقلوا السنة عن الصحابة ﵃ أجمعين. ولولا هؤلاء جميعاً ما وصلنا منها شيء قط لذلك نجد منكري السنة شديدى الحقد على الرواة جميعاً، وهم يرسلون القول على عواهنه، ويطلقون ألسنتهم في سيرتهم الطاهرة ليدنسوها، من أجل الوصول إلى إسقاط السنة من عليائها لو استطاعوا، وهيهات هيهات فالصحابة عندهم غير عدول، يعني لا يوثق في قولهم ولا في فعلهم، ويدعون أنهم كان يطعن بعضهم في بعض، وأن منهم الخزنة والمنافقين؟.
ويلوم منكرو السنة المسلمين لأنهم اتخذوا الصحابة قدوة حسنة، ونسوا - يعني المسلمين - ما قاله القرآن في الصحابة، من ذم ونقد وتعنيف؟!.
أما التابعون، فقد رأينا كبار كهنة منكري السنة يتهمونهم بأنهم هم الذين زوَّروا الأحاديث النبوية ونسيوها إلى رسول الله ﷺ ، وكأنها أقواله وأدخلوا الغش على الناس، وجعلوا هم والفقهاء السنة مصدراً ثانياً للتشريع في الإسلام بعد القرآن؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
عدالة الصحابة جميعاً أمر متفق عليه بين المسلمين، إلا ما كان من أصحاب الأهواء من الفرق الكلامية والسياسية وهؤلاء هم الذين مهدوا الطريق للمبشرين
стр. 90
والمستشرقين وأعداء السنة النبوية للقدح في الصحابة رواة الحديث والسنن عن رسول الله ﷺ ، كما اتخذوا من تشدد عمر في قبول الحديث الذي رواه واحد من الصحابة حتى يشهد معه راو آخر، ومن تصحيح أم المؤمنين عائشة ﵂ حديثاً سمعته من ابن عمر سها في حفظه على الصورة التي قاله النبي ﷺ عليها.
وكذلك النقد الخفيف الذي علق به ابن عمر على حديث سمعه من أبي هريرة.
اتخذوا من كل ذلك وسيلة لتهويل ما حدث، على أن بعض الصحابة كان يُكذَّب البعض الآخر.
وقد قال أنس ﵁ لما أفشى بعض الفرق مقولة أن الصحابة كان يكذب بعضهم بعضاً، قال: "لم يكن بعضنا يعضاً".
ويقول البراء بن عازب ﵁ مؤكداً ثقة الصحابة بعضهم في بعض وأنهم كانوا يتداولون سماع الحديث فيما بينهم "ما كل الأحاديث سمعناه من رسول الله ﷺ ، كان يحدثنا أصحابه عنه".
يعني لم يسمع كل صحابى كل حديث قاله النبي ﷺ بل كان من سمع منه حديثاً يحدَّث به من لم يسمعه منه مباشرة، وسماع الصحابة وروايتهم بعضهم عن بعض، لا حصر له في كتب الحديث المعروفة بين المسلمين.
ويقول الذهبي في عدالة الصحابة: "فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوى.... إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى" الرواة الثقات [٤] .
وقال الحافظ ابن كثير:
"والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة...." وقول المعتزلة: "الصحابة عدول إلا من قاتل علياً" قول باطل.
стр. 91
وقال: وأما طوائف الروافض وجهلهم، وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كلهم كفروا إلا سبعة عشر صحابياً فهو من الهذيان" (اختصار علوم الحديث: ٢٢٠ - ٢٢٢) أقول: إن الصحابة كلهم عدول بشهادة الله لهم وشهادة الرسول الكريم.
وكذلك التابعون لهم بإحسان، وبعد الذي قدمناه نختم الدفاع بشهادة الله، وشهادة رسوله، وكفى بذلك فضلاً من الله ونعمه:
أما شهادة الله فنكتفي منهابما يأتي:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
فهذه شهادة وتزكية غالية من الله للصحابة والتابعين معاً. رجال خير القرون في أمة الإسلام فماذا يقول منكرو السنة الحاقدون في من أثنى الله عليه هذا الثناء. والله لا يحابي أحداً، ولا يقول إلا الصدث فقد رضى عنهم، ورضوا عنه ... وذلك هو الفوز العظيم.
وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]
وهذه شهادة وتزكية خاصة بالصحابة ﵃ أما شهادة الرسول ﷺ فما أكثر ما ورد فيها، وحسبنا منها قوله ﷺ : ﴿خير الرقون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...." رواه الشيخان ﵄.
стр. 92
وخير القرون الثلاثة هو قرنه ﷺ ، وفيه عاش أصحابه الأبرار، وبهم صار خير القرون.
هذا هو الحق، ولكن مكنري السنة يريدون أن يخلطوا بين سيرة الصحابة، البررة، وسيرة المنافقين، فيجعلون المنافقين من الأصحاب، ويئبتون لهم الخيانة. والمنافقون كفرة وإن أظهورا الإيمان. فسقة وإن تظاهروا بالتقوى.
وما نخال أن هذه الحقائق تغيب عن منكري السنة ولكن العناد والمكر السيء هو الذي ران على قلوبهم فقست، وغشى أبصارهم فعميت، ولله في خلقه شئون.
* * *
стр. 93
الشبهة الثامنة عشرة أُمّية أبي هريرة، وتأخر إسلامه
من كره شيئاً كره كل ماله صله به، ويكون أكثرهم صلة بذلك الشيء المكروه أكثرهم كرهاً عند الكاره لذلك الشيء، هذا طبع مغروز في النفس البشرية، وما بالطبع لا يتخلف.
وأبو هريرة ﵁ أكثر اصحاب رسول الله ﷺ رواية للحديث النبوي سماعاً مباشراً من فم النبي الصادق المصدوق (روى أكثر من خمسة آلاف حديث) ومنكرو السنة يكرهون حديث رسول الله ﷺ لذلك كان الصحابي الجليل أبو هريرة أكثر الرواة كراهية عندهم، لأنه نقل من السلاح الذي يرهبونه خمسة آلاف قذيفة، وتزيد. فأخذوا يصوبون سهامهم نحو هذا الرجل العظيم كي يصيبوه في مقتل، ويبطلوا بإصابته مفعول القذائف التي يحملها.
وكان قصارى ما وجهوه إليه من عيوب:
* أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب.
* إن إسلامه إلى ما بعد خيبر في العام السابع الهجري.
* أنه كان عرضه لطعن الصحابة فيه، وردهم لروايته.
* أنه "وضَّاعٌ" للحديث عن رسول الله ﷺ .
* أنه كان مريضاً بالصرع، خفيف العقل؟!
والهدف من هذه الانتقاضات - عندهم - إسقاط أكثر الرواة سماعاً عن النبي ﵇ ليسرى هذا "الإسقاط" من الراوي إلى "المروي" وهو المطلوب.
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
كان أول سهام النقد والطعن في أبي هريرة هم المستشرقون وبخاصة جولد
стр. 94
زيهر اليهودي الأصل. ثم نحا نحوه الأستاذ أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" في المبحث الذي كتبه عن الحديث النبوي ثم أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية، ثم حملة الأقلام المأجورة التي تكتب في الصحف (الجديدة) والمجلات في هذه الأيام في ظل النظام العالمي الجديد (العولمة) الذي ترعاه أمريكا وحلفاؤها ونسير في تفنيد هذه الشبهة ونقضها على الركائز الآتية:
ما ذكروه من أمية أبي هريرة، ليس نقصاً في الرجل، فقد كانت الأمية هي طابع العرب قبل الإسلام، واستمر وجودها بعد الإسلام إلى فترة ما وهذه الأمية كانت من تدبير الله الحكيم لأمرين:
الأول: اعتماد العرب على الذاكرة، فبلغوه في الحفظ الذهني لبعض المعارف كالأنساب، والشعر، وايام العرب مبلغاً لم تبلغه أمة سواهم، لأن الحفظ الذهني كان وسيلتهم الغالية على ضبط واستحضار ما يحتاجون إليه في حياتهم والملكات النفسية تنمو بالممارسة.
ولو كان العرب يقرأون ويكتبون لضعفت عندهم هذه الملكة، والشواهد على ذلك كثيرة.
فمن يتعود القراءة بالنظارة يعجز عن قراءة كلمة واحدة بدونها، والذي يتعاطى مهدئاً لينام ويصبح له هذا التعاطي عادة، لا يذوق النوم بدونه مهما طال السهر.
والذي لا ينتقل أبداً إلا بركوب السيارة يعجز عن السير على قدميه أو يعاني من المشي مهما كان جسمه قوياً.
إن العرب كانت موهبتهم (المعروفة) هي قوة الذاكرة والحفظ، فكانوا خزائن معرفة تتحرك على الأرض.
الثاني: وفي تلك الأمية خدمة لقضية الإعجاز القرآني، وقطع لألسنة الحقد، إذ لو كان العرب يقرأون ويكتبون لكان قول خصوم الدعوة في تحديد
стр. 95
مصدر بشري للقرآن "إنما يعلمه بشر" شبهة تقوي هذا الزعم؛ لأن نبوغ فرد من أمة ذات حضارة علمية ظاهرة لا ينازع فيه، فقد أراد الله أن يهيئ الأسباب لتلك الأمة الأمية فيعلم هو احداً منهم ليعلمهم مما علمه الله.
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]
لقد أراد الله لهذه الأمة التي أخرجها من العدم خير أمة للناس أراد أن يكون هو معلمها ومعلم رسولها، فلم تكن أمة ذات حضارة موروثة عن الآباء والأجداد، بل أمة وليدة، ولدت معها حضارتها السامية بوحي من السماء، لا من مناجم الأرض وكنوزها.
أمة هي معجزة لله وحده في تعليمها وتزكيتها، إنها من صُنْع الله لا من صنع أحد سواه:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] .
وأمية أبي هريرة أعلم من حملة الدرجات العلمية الحديثة وإن بلغوا الذرة في معارف العصر، التي إن رفعت الجهل عن حامها من جانب، لن ترفع "الجهالة" عنه من عدة جوانب.
وما الذي يعين ابا هريرة وقد وهبه الله ذاكرة واعية حافظة استوعبت خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً وقد رزقه الله روحاً فقهية مع هذا الكم الهائل من مصابيح الهدى النبوي.
* أما تأخر إسلامه فلا عيب فيه، العيب كان ألا يُسلم، وقد أسلم وحسن إسلامه، فكان من شيوخ العلم وشيوخ العبادة في آن واحد، كريم القلب واليد مع قلة ما كان يملك، والله يقبل التوبة المخلصة من عبادة في أي حين تصعد تلك التوبة إلى الله.
стр. 96
وبإسلامه أبي هريرة بدل الله كل سيئاته حال كفره حسنات وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، وهو القائل في محكم كتابه:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]
وهم يستكثرون أن يروى أبو هريرة عن الرسول هذا القدر من الحديث في أربع سنوات فقط صاحبه فيها، ويريدون من هذا أن يقولوا: إنه نسب إلى النبي ما لم يقله أو يسمعه منه، ومنكرو السنة، حين يتهمون أبا هريرة هذا الإتهام، بفصلون أنفسهم عن الواقع المعروف في حياة أبي هريرة، فكان الرجل مصاحباً لرسول الله خارج بيوته، حريصاً على السماع منه بل كان ملازماً له، لأنه كان فقيراً لا يملك قوت يومه، وكان في ملازمته للرسول ﷺ مخرج له من الحرمان والجوع.
على أن هذه الكثرة المروية عن أبي هريرة من حديث النبي ﷺ إذا قوبلت بعدد أيام السنين الأربع التي عاشها مسلماً في صحبة النبي كان متوسط اليوم الواحد أربعة أحاديث، وليس في هذا غرابة يلام عليها أبو هريرة، ويتهم بالكذب على رسول الله الكريم من أجلها.
* ولم يكن أبو هريرة عرضة لطعن الصحابة فيه، ولا رد حديثه أحدٌ منهم، كما يدعي المستشرقون وأذيالهم من منكري السنة في مصر الآن، بل إن هؤلاء الصحابة الكرام، أكثروا من الثناء على أبي هريرة، وقالوا فيه ما لم يقولوه في أحد سواه.
قال طلحة بن عبيد الله: " لا أشك أن ابا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع".
وقال ابن عباس: "أبو هريرة خير مني وأعلم مني بما يحدث".
وقال الإمام الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره".
стр. 97
وقال الحاكم: كان أبو هريرة من أحفظ اصحاب رسول الله ﷺ .
وقد روى أبو هريرة ما لم يسمعه هو من رسول الله عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد ﵃ وروى عنه من الصحابة جماعة. منهم ابن عمر وجابر وابن عباس ﵃. وجملة من روى عنه من الصحابة والتابعين ثمانمائة راوٍ.
فهو - إذن - موضع إجلال وتقدير من الصحابة والتابعين معاً فهل يكون رجل هذه منزلته عند خير رجالات الرعيل الأول موضع طعن وريبة؟
ومن أين استقى المستشرقون هذه المعلومات عن أبي هريرة، ولم تكن لهم مراجع غير المراجع العربية الإسلامية، ولم تخْلُ هذه المراجع من الطعن فب أبي هريرة فحسب، بل هي عامرة بالثناء عليه، وعلى دوره في رواية الحديث النبوي أليس هذا هو الكذب الصريح؟
وإذا كان للمستشرقين عذر في حقدهم على أبي هريرة، لأنهم خصوم الداء الإسلام، فكيف يكون العذر لمن يدعون أنهم حماة الإسلام، الغيورون عليه، الحريصون على تنقيته من الفكر الخرافي الزائف.
وإذا كانوا يرون السنة فكراً خرافياً فعليهم أن يعلنوا عما في بواطنهم صراحة ويريحونا ويريحوا أنفسهم من اللت والعجن، واللف والدوران؟!
* أما رد حديث أبي هريرة من إخوانه الصحابة فلم يحدث قط، وما حدث من عبد الله بن عمر، وابن عباس فر مراجعة أبي هريرة ظاهرة طيبة تحمد للصحابة فهم يتذاكرون الحديث، ويذكر الحافظ الناسي، واليقظ الغافل.
وقد ثبت أن عمر ﵁ راجعه مرة، فذكر له أبو هريرة حديث رسول الله ﷺ :
: من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فأذن له عمر بالتحديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 98
وما يروى من منعه أو ضربه على كثرة التحديث فهذا لا يثبت، وخصوم أبو هريرة القدامى أهل للتزيد عليه، وخصومه المعاصرون أشد إغراماً في الحط من قدره من اسلافهم الأقدمين.
ونضيف إلى ما تقدم أن لا غرابة في حفظ أبي هريرة لخمسة آلاف حديث عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول أوتى جوامع الكلم، وأحاديثه قصيرة المبنى غزيرة المعنى. فقد يكون الحديث جملة واحدة، مثل "لاتغضب" أو جملتين مثل: "اعقلها وتوكل". وبعضها متوسط الطول، وقليلها طويل، ومحفوظ أبي هريرة جمع بين المستويات الثلاثة إلى ما في الحديث من نرو النبوة وبلاغة الكلام التي تجعل حفظه ميسوراً.
* أما اتهام أبي هريرة بالصرع وخفة العقل، فهذا رجم بالغيب، ووسوسة شيطان، ليس لها من الواقع سند، وإن وضعوا الأرض موضع السماء، فهل جولد زيهر ومنكرو المعاصرون عاصروا الرجل، فرأوه يصرع ويهذى ويبهلل كما يبهللون هم الآن؟
هل حملوه في نوبات الصرع وذهبوا به إلى مصحة، وأوقعوا عليه الكشف الطبي وفحصوه، فوجدوه مصاباً بالصرع وخفة العقل؟
إن المعروف أن أبا هريرة كان كثيراً ما يتلوى من الجوع، ويصيبه دوار طارئ - كما تحدث هو عن نفسه - فإذا طعم عاد إليه وعيه وشدة توقده الذهني.
استسمن المستشرقون ورم هذه الرواية فكبروها وهولوا من شأنها، وجعلوها صرعاً قاتلا، وخفة عقل مزرية.
ولا عجب، فقد رمى المبشرون وتلامذتهم المستشرقون من هو أعلى مقاما، وأجل شأناً من أبي هريرة بهذه العيوب؟
رموا بها النبي الكريم ﷺ ، حين كان يأتيه الوحي من السماء فيقبل عليه بكل مشاعره وحواسه ليتلقى القرآن من لدن حكيم حميد.
стр. 99
فإذا انقضى الوحي عاد فأملى من حوله من كتبة الوحي ما أنزله عليه ربه.
فبم فسر المبشرون والمستشرقون هذه الحالة؟ فسروها بالصرع أو المرض العضوي الذي يصيب بعض الناس فيفقدهم الوعي الظاهر والباطن، أو الوعي الخارجي والداخلي. هذا ما قالوه في شأن ضاحب الرسالة العظمى. [ينظر: الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي] .
ونسأل منكري السنة: هل أنتم مع المستشرقون في وصف محمد ﷺ بالصرع؟ إن كنتم معهم فلا كلام لنا معكم وإن كنتم لستم معهم فكذلك ينبغي أن تكونوا في تبرئة أبي هريرة. وإنه لمطلب عزيز المنال؟
* * *
стр. 100
الشبهة التاسعة عشرة نقد السند دون المتن
السند هو سلسلة الرواة الذين روَرْا الحديث عن رسول الله ﷺ . والمتن هو الكلام المروي عن رسول الله ﷺ ، ويبدأ السند من الرواي الذي سمع الرسول يتحدث بحديث في التبليغ عن الله، ثم الذي سمعه منه - من السامع الأول - ثم الذي سمعه من السامع الثاني وهكذا حتى المنتهى.
وقد تكون الرواية رؤية بصرية لفعل فعله النبي ﷺ ، أو سكوتاً منه عن فعل فعله صحابي أمام الرسول فلم ينهه عنه، فيكون ذلك السكوت دالاً على إباحة ذلك الفعل لفاعله ولغيره.
وهذه هي السنة بأقسامها الثلاثة:
* الأقوال الصادرة من النبي ﷺ .
* الأفعال الواقعة منه.
* التقريرات السكوتية عما قيل أو فُعل في حضرته ﵇، وعلماء الحديث لما نشطوا لجع الأحاديث والسنن، بعد رغبة الراشد عمر بن عبد العزيز في ذلك، وضعواً شروطاً حكيمة لمن تقبل رواياتهم. ولمن ترد رواياتهم، وبذلوا في هذا المجال جهوداً مضنية، وفحصوا أحوال الرواة فحصاً دقيقاً، تطمئن إليه النفس، ويستريح القلب كل هذا تم من خلال "علوم الجرح والتعديل" ومعنى الجرح الوقوف على "النقائص" التي تمنع من قبول رواية الرواة ومعنى التعديل الثناء على الرواة الذين تتوفر فيهم شروط قبول الرواية، وعلوم الجرح والتعديل، أو الذم والتزكية من أعم علوم الحديث، وأعلاها شأناً. وقد نتج عنها عمل قوائم للرواة، كما نتج عنها تقسيم الوراة "طبقات" بينها تفاوت في الدرجات، سواء في ذلك المجرَّحين والمعدَّلين، كما وُضِع المعدلون في درجات؛
стр. 101
والمجرحون في درجات، إذ ليس كل المعدلين في درجة واحدة، ولا كل المجرَّحين في درجة واحدة.
وإذا غضضنا النظر عن المجرحين بدرجاتهم، ووقفنا وقفة قصيرة أمام المعدلين فإننا نستطيع أن نقول: إنهم عند علماء الحديث ضربان:
* الأقوياء أو الثقات.
* الضعفاء.
ولو يرو الحديث أي حديث عن غير هذين الفريقين، وما أكثر الألقاب التي أطلقوها على أفراد هؤلاء الذين قبلوا روايتهم، مثل:
صدوق، ثقة، لا بأٍ بحديثه، مقبول ... إلخ.
أما غير هذين الفريقين فهم "الوضاعون" والمتروكون، كل هذا - وغيره كثير - نتج عن نقد "السند" أو سلسلة الرواة.
وقد هال منكري السنة ما رأوه أو سمعوا عنه من الجهود الجبارة التي قام بها علماء الحديث لنقد السند، وبدل من أن يعظموا هذا الجهد، ويتخذوا منه مدخلاً للإقرار بالسنة، عكسوا الوضع فاتخذوه مسبة قادحة في السنة، وخطط لهم الشيطان ليجعلوا الأبيض أسود، والحق باطلاً، فقالوا:
إن علماء الحديث اهتموا بنقد السند، وأهملوا نقد المتن، وهم الأهم؟ لأن المعاني في المتون، وليس في الأسانيد.
والهدف الذي يريدون الوصول إليه هو الطعن في متون الأحاديث، أي الطعن في كلام النبي نفسه، ثم في أفعاله، ثم في موافقاته، على ما وقع في حضرته من أفعال أو أقوال.
ومسلك هذا ال
عن عندهم أن الأحاديث المروية عن الرسول ما تزال في حاجة إلى نقد (غربلة) لأن علماء الحديث لو يقوموا بهذه المهمة، ولم يميزوا بين الحديث السليم، والحديث الدخيل، فلابد من إاعدة النظر فيها لنبقى الصالح منها، ونلغي غير الصالح؟ يعني أن السنة ما زالت غُفْلاً فيها باطل مجهول.
стр. 102
تفنيد هذه البشهة ونقضها:
اعتناء علماء الحديث بنقد السنة نقداً دقيقاً واسعاً حقيقة لا يماري فيها أحد. وآثارهم تشهد بذلك الإهتمام أما نقد المتن فلم يبلغ عشر معشار نقد السند، وهذه حقيقة، لا يماري فيها أحد كذلك.
ففي نقد السند تتبعوا الرواة واحداً واحداً، حتى لكأنهم كانوا يرونهم رأي العين.
أما في نقد المتن، فقد وضعوا قواعد كلية ضابطة يمكن بمراعاتها معرفة الحديث المقبول، ومعرفة الحديث المردود. فهم - أعني علماء الحديث - لم يهملوا نقد المتن كلية، بل لهم فيه عمل حكيم محمود، وإن جحده الجاحدون فليس ما تقدم موضع جدل عندنا، وإن كان كلام منكري السنة يوهم بأن علماء الجديث لم ينقدوا المتون أي نقد واسعاً أو ضيقاً.
لكن هل يؤاخذ علماء الحديث على هذا لاسلوك؟ وهل عدم التوسع في نقد المتون دليل على أن الأحاديث المروية عن النبي ﷺ بضاعة مغشوشة، يجب اطراحها ونزع الثقة عنها؟!
وفي الرد على هذين السؤالين نقول في إيجاز شديد:
لا يؤاخذ علماء الحديث على توسعهم في نقد السانيد، وقلته في نقد المتون، لأن لكل من الأمرين ما يقتضيه.
لأن النقد الأول موضوعه الرجال الذين تسلسلت الرواية عنهم، وهم لا يحصوزن عدداً، فالحديث الواحد يكون في سنده عشرة رجال أو أقل أو أكثر.
ولابد من فحص كل واحد منهم فإذا فرضنا أن (أ) كتب مصنفاً في الحديث خرَّج فيه ألف حديث، وكان متوسط السند خمسة رواة في كل حديث فمعنى ها أنه لابد أن يكون لدية دراية بسيرة خمسة آلاف رجل. وليس هذا بالأمر السهل اليسير، ومعرفة سيرة هؤلاء الرواة كلهم ضرورة لابد منها لتوثيق الحديث المروي، ومعرفة لقبه:
стр. 103
صحيح - حسن - ضعيف - موضوع. ونقد السند هو في حقيقة الأمر خادم لمتن الحديث، ولولا خدمة الحديث نفسه ما كان نقد السند، فالأمران متصلان لا منفصلان، وإن غابت هذه البدائه عن منكري السنة أجمعين.
نقد السند أولى:
وعلى نقيض ما يدعى منكرو السنة وأعداؤها. من رمي علماء الحديث بالقصور في الإهتمام بنقد السند دون نقد المتن، فإن علماء الحديث كانوا موفقين كل التوفيق من الله في ما صنعوا لأن نقد السند أولى من نقد المتن.
فقد عرفنا أن نقد السند موضوعه أخبار وسير الرواة، وهي أمور مخبوءة، لأنها أسرار حياتهم وسلوكياتهم، فذكر الراوي في الحديث لا يكشف عن سيرته، ولا يُحدَّث عن أخباره، فكان تتبع هذه السير والأخبار والأسرار ضروريا في توثيق الحديث والسنن.
ونحن - الآن - إذا قرأنا حديثا بسنده، وعرفنا أسماء الرواة لا تتضح لنا من رسم أسمائهم أخبارهم وسيرهم التي كانوا عليها وهم أحياء، وكفانا هذا كتب الجرح والتعديل، وما قاله علماء النقد في كل راوٍ منهم.
أما متن الحديث فهو يحمل في طياته أخباره ومعانيه. وفي استطاعة أهل العلم أن يعرفوا الحديث المقبول من الحديث المردود النظر العابر في معناه ومضمونه، فمثلاً ما يروى في الموضوعات على أنه حديث مثل:
"النظر إلى الوجه الجميل عبادة" ندرك ببديهة النظر أنه مكذوب موضوع لم يقله النبي ﷺ ، ولو كان سنده من أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا.
فالمتن يحمل معه مقتضيات الحكم عليه دون السند، ولو كان علماء الحديث قد عكسوا فتوسعوا في نقد المتن واقتصدوا في نقد السند لكانوا فعلاً أهلاً للمؤاخذه واللوم.
стр. 104
نقد المتون:
جارينا منكري السنة على أن علماء الحديث تركوا النقد التفصيلي للمتون، بل إن الشائع عند الدارسين من غير منكري السنة هو هذا القول:
علماء الحديث لم ينقدوا المتون نقداً تفصلياً، بل وضعوا لها أمارات وعلامات كلية، يعرف بها المتن السليم من العليل.
لكننا نرى إضافة إلى هذا الفهم، أن علماء الحديث لهم عمل آخر في نقد المتون:
هو أن الأحاديث السليمة متونها يذكرونها دون إبداء اية ملاحظات عليها. وهذا معناه أن متون هذه الأحاديث بريئة من النقد والمؤاخذات. فهو نقد إيجابي صامت كما في البخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.
أما الأمارات والضوابط التي وضعوها لنقد المتون فهي موضوعة لغير الثقات من جامعي الأحاديث، أي للكتب التي تجمع الأحاديث بدون تمحيص. فهذه الكتب، التي لم تحظ من جامعيها بعناية فائقة. أو ما يروى في كتب التفسير والفقه - أحياناً - فإن هذه القواعد مفيدة لمن يطالع فيها حتى يسهل عليه معرفة ما ليس بحديث.
وبهذا تندفع هذه الشبهة التي هوَّل من شأنها منكرو السنة. وقد ظهر لنا بكل وضوح أن ترك نقد المتن فرداً فرداً ليس معناه بطلان تلك المتون، أو شيوع الشك في صدقها. والصواب هو ما صنعه علماء الحديث، لا ما أخذه عليهم منكرو السنة الأغرار.
* * *
стр. 105
الشبهة العشرون ندرة المتواتر في السنة
تقدمت الإشارة إلى أن علماء الحديث من تقسيماتهم له باعتبار كثرة الرواة وقلتهم في الرواية الواحدة، التقسيم الثنائي الآتي:
* الحديث المتواتر، وهو ما رواه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب من أول حلقة في السند إلى آخر حلقه وما بينهما.
* حديث الآحاد، وهو ما رواه واحد فأكثر ولم يبلغ رواته في الكثرة مبلغ كثرة رواة المتواتر.
والمعروف عندهم أن المتواتر يفيد اليقين من جيث ثبوت الخبر المروي فيه عن رسول الله ﷺ .
أما الحديث الأحادي فالمشهور عندهم أنه يفيد الظن، وقد ذهب بعضهم إلى أنه يفيد العلم إذا سلم من العلل والقوادح وكذلك من المعروف عند أهل العلم أن الحديث المتواتر قليل في نفسه، وقليل باعتبار الحديث الآحادي والتنظير بينهما هذه بدهيات في علوم الحديث.
وما كان لمنكري السنة أن يغفلوا عن هذه البدهيات، أو يقفوا منها موقف علماء الأمة ويبقونها في نطاق دلالاتها بل سارعوا إليها ليتخذوها سلاحاً يشهرونه في وجه السنة أو معولاً يهدمون به أوصلها وفروعها.
فادعوا أن الأحاديث المتواترة لا تزيد على سبعة عشر حديثاً ويبالغ بعض منهم فيدعى أن المتواتر منها حديث واحد، هو:
"من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" أما ما عداه من أحاديث فهي كلها أحاديث آحاد؟!
стр. 106
ومن العجيب أن بعضهم يذهب إلى الضد فيتهم هذا الحديث بأنه موضوع ومكذوب على رسول الله ﷺ ؟!
ويرتبون على هذا أن السنة لا تصلح أن تكون مصدراً للتشريع، لعدم الثقة فيها، وضعف سندها؟!
تفنيد هيه الشبهة ونقضها:
هذه الشبهة لا مساس لها من بعيد أو من قريب بصحة مصدرية السنة للتشريع، ونوضح ذلك في الخطوات التالية، بادئين بمغالطاتهم في قضية التواتر:
* ليس المتواتر قليلاً إلى الحد الذي ذكروه (سبعة عشر حديثاً، أو حديث واحد) فهذا جها منهم بحقيقة التواتر الاصطلاحي، أو عناد ومكابرة.
وذلك لأن علماء هذا الفن (علماء الحديث) قسموا الحديث المتواتر قسمين:
الأول: المتواتر اللفظي، وهو الحديث الواحد الذي يرويه جمع يستحيل نواطؤاهم على الكذب، يرويه ذلك الجمع بلفظه ومعناه كحديث رقع اليدين في الصلاة، وحديث المسح على الخفين.
الثاني: الحديث المتواتر تواتراً معنوياً لا لفظياً، كحديث رفع اليدين في الدعاء. فقد روى فيه نحو مائة حديث في هذا المعنى. مختلفة ألفاظها، ومعناها واحد.
وقد وضع العلماء مصنفات في المتواتر اللفظي، بلغت عند بعضهم مائة وعشرة أحاديث. وزاد بعضهم على هذا العدد (ينظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر - المقدمة -) للكتاني.
فإذا انضم إلى هذه العدد المتواتر المعنوي ظفرنا بكم هائل من الأحاديث المتواترة، على أن بعض العلماء يجعل من أمارات التواتر تلقى الأمة للحديث بارضا والقبول. وبهذا ندخل في المتواتر جميع ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما لأن إجماع الأمة على قبولهما قائم منذ وضعا وإلى يوم الناس هذا.
стр. 107
* إن غير المتواتر من الحديث يفيد ما يفيده المتواتر بمعونة القرائن المناصرة له، كرواية الثقة، فإنها تبعث في النفس الإطمئنان، وموافقة الحديث لقواطع الإسلام وقيمه ومبادئه.
* إن الظن الذي يتكئ منكرو السنة عليه في إنكارهم إياها أن القرآن نفسه اعتمده أساساً في تقرير الأحكام الشرعية في الآية الكريمة:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
ومن يسر هذه الشريعة الرحيمة، ابتناء الكثير جداً من أحكام التكليف على الظن؛ لأن الظن هو إدراك الطرف الراجح دائماً، وقد يكون الظن قوياً، والله لم يجعل علينا في الدين من حرج، ولو كلفنا بالتحري الشديد في كل شيء لوقعنا في ضيق من أمرنا.
* إن الفقه الاجتهادي كله ناشئ عن الاحتمال الدلالي وهو الظن، ومعلوم أن الفقه الاجتهادي في الإسلام أضعاف أضعاف الفقه القطعي الدلالة.
الفقه الاجتهادي قائم على غلبة الظن، أما الفقه القطعي فهو قائم على العلم أو اليقين.
* ليس كل الظن مذموماً، والقرآن نفسه أورد الظن موارد اليقين، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦] .
فقد مدح الخاشعين - كما ترى - وعبَّر عن إيمانهم اليقيني بلقاء الله والرجوع إليه بالظن.
وقوله :
﴿ ... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
стр. 108
وعبَّر عن إيمان هؤلاء الراسخين في العلم والإيمان بالظن فقال: "يظنون" ولم يقل: يؤمنون، أو يعتقدون، للدلالة على أن الظن قد يكون قوياً فيعمل به ولا حرج.
كما حكى عمن يؤتي كتابه بيمينه يوم القيامة أن من أسباب فوزه في الآخرة وابتهاجه أنه كان يظن في الحياة الدنيا أنه سيبعث بعد موته، ويقف أمام الله فيوفيه أجره:
﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]
فليس الظن كله مذموماً، أو مردوداً، ولكن المذموم منه هو الظن السييء كما قال : ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا معناه أن بعضه حق وصواب. وهو المقصود عند علماء الحديث هنا والظن الذي تفيده بعض الأحاديث والسنن هو الظن الممدوح الذي يكفي حصوله في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وعلى ذلك تنزَّلت آلاف الأحكام الفقهية في هذه الشريعة الرحيمة.
فما يبقى - بعد ذلك - لمنكري السنة من تمسك بهذه الشبهة الواهية؟
وددنا لو أنهم لم يلقوا القول على عواهنه، ولم يُسْلِسُوا مقادهم للأهواء، والحق - لو أردوه - أقرب إليهم من حبل الوريد.
* * *
стр. 109
الشبهة الحادية والعشرون ظنية السنة
علماء الحديث ﵃، بعد الجهود المضنية، التي بذلوها في جمع الحديث النبوي، ووضع المناهج الدقيقة الحكيمة، الجامعة المانعة، للتمييز بين الحديث المقبول، والحديث المردود، ولم ينسبوا إلى رسول الله ﷺ إلا ما أطمأنت إليه أنفسهم، ومالت إليه عقولهم، ولم ترتبْ فيه قلوبهم، وبعد أن قسموا الحديث المقبول أقساماً ثلاثة، نتيجة للمناهج التي وضعوها في فحص الحديث ونقده، فكانت تلك الأقسام الثلاثة هي على الترتيب المعروف لدى جميع المحدثين، وعامة الأمة:
* الحديث الصحيح، وهو أعلى الأقسام الثلاثة.
* الحديث الحسن. وهو يلي الحديث الصحيح في القوة.
* الحديث الضعيف. وهو يأتي في الدرجة الثالثة في قوة السَّند.
ثم قسموه تقسيناً ثنائياً باعتبار رواة الحديث، وهما:
* الحديث المتواتر، وهو ما رواه جماعة مستفيضة عن مثلهم من بداية السند إلى نهايته مع استواء العدد في كل حلقة.
* حديث الآحاد، وهو ما كان رواته أقل عدداً من رواة الحديث المتواتر: وإن كانوا لم يجمعوا على بداية عددهم، أقول بعد هذا كله، الذي بذلوا فيه أقصى ما يملكونه من طاقات، حملهم الورع، وحساسية التقوى، على أن يقولوا إن دلالة حديث الآحاد هي الظن لا القطع، قالوا هذا الكلام لا عن تقصير منهم - كما عملت - ولكن إبراءً للذمة بينهم وبين الله .
وليس هذا هو قول جميع المحدثين، لأن منهم من يذهب إلى أن حديث الآحاد، المستوفى شروط الرواية، سنداً ومتناً - يفيد اليقين، وليس الظن.
стр. 110
لكن المشهور هو القول الأول، وهو لا يعدو تفويض الأمر إلى الله، كما يقول المفتي الواثق من صحة فتواه بعد أن يفتى بها "والله أعلم" مفوضاً الأمر لله وحده.
تلقف منكرو السنة هذا القول، الذي هو احتراز، مجرد احتراز مبعثه الورع عند المحدثين، تلقفه منكرو السنة ووظفوه في إنكار الاستدلال بالسنة، مهما بلغت من القوة، واستندوا في ترويج رفضهم للسنة - عملاً بهذه الشبهة إلى بعض الآيات القرآنية، التي أساءوا فهمها، أو عبثوا بدلالتها عمداً، لكي يوهموا الناس بما يقولون، من تلك الآيات قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]
يعنون أن الله ذم الذين يتبعون الظن، والسنة ظن، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]
يعنون من هذه الآية أن الله ذم من يتبع الظن ثم قضى بأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً، ويرتبون على هذا أن من يتبع السنة، وهي ظن، مذموم عند الله وهو على باطل في مسعاه، فكيف تكون السنة مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، وهذا هو حالها ومنزلتها؟!
تفنيد هذه الشبهة ونقضها:
عرفنا من خلال هذه الدراسة أن منكري السنة لم يذكروا - وليس لهم في الواقع - دليلاً واحداً يؤيد دعواهم في إنكار السنة، وأن كل ما ذكروه من قبل شبهات وأوهام الباعث عليها الجهل، إن فرضنا عند بعضهم حسن النية، أو الباعث عليها العناد عند سيئى النية منهم.
وهذه الشبهة مثل الشبهات التي تقدم ذكرها، لا قدم لها ولا ساق.
والرد المفحم عليها يتمثل في الخطوات الآتية:
следующие страницы →