← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ويبدو أنه كان لهذا الإجراء نتائجه. فقد انكمشت الكتاتيب وكادت تنعدم في بعض الجهات، سيما تلك الواقعة تحت النظر المباشر للسلطات الفرنسية. فقد شنت الحرب على العربية والإسلام في منطقة زواوة، كما ذكرنا، على يد الإدارة وكذلك على يد الكنيسة بقيادة الكاردينال لافيجري. ولاحظ الدارسون سنة ١٩٠٤ أن أرياف منطقة التيطري أصبحت أمية تماما في القراءة والكتابة باللغة العربية، إذ ليس فيها مدارس عربية ولا زوايا. ولم يجد هذا الدارس سوى الآغا عبد القادر بن الجيلاني يعطي تعليما قرآنيا محدودا ناحية المدية. وأصبح وجود معلمي القرآن نادرين حتى إن من كان يرغب منهم في معرفة اللغة العربية عليه أن يذهب إلى زوايا منطقة زواوة، لأن زاوية الهامل وزاوية قصر البخارى فقدتا جاذبيتهما بعد وفاة شيخيهما (القاسمي والموسوم)، وكان الأطفال يذهبون أحيانا إلى الشيخ سيدي العربي بن الطاهر في معسكر (موران)، ولكن حظهم كان ضعيفا في التعليم (١). وإصلاحات ١٨٩٢ الخاصة بالتعليم للجزائريين كان أول ضحاياها التعليم القرآني أيضا. فمن جهة انغرست إلى جانب الزوايا الشهيرة بتعليم القرآن مدرسة فرنسية (أهلية). ومن جهة أخرى حددت شروط فتح المدرسة القرآنية ولم يعد الأمر متروكا للزاوية أو المؤدب. فقد نص مرسوم ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ على ضرورة أن يلبي المؤدبون في المدارس القرآنية (الكتاتيب) شروط الصحة، وهذا شيء مهم ولا جدال فيه، ولكن الذي يلفت النظر في هذا المرسوم هو الاشتراط عليهم عدم استعمال وظائفهم لتعليم أمور أخرى غير القرآن، تلك (الأمور الأخرى) المضادة للأمن العام والتي (تعود إلى عهود مضت). ونص المرسوم على الغلق الدائم أو المؤقت للمدارس التي تخالف هذا القانون (٢). وقد تعلل ألفريد بيل A.Bel الذي درس موضوع المدرسة القرآنية بالتفصيل، بأن الأهالي إنما كانوا يرسلون أولادهم إلى المدرسة القرآنية ليتعلموا شؤون دينهم فقط متمثلة في القرآن والصلوات ... وهذا في أصله صحيح ولكن عند أي نقطة تتوقف معرفة الدين، هل هي حفظ أجزاء من القرآن والوقوف على فرائض

стр. 1017

القرآن والوقوف على فرائض الصلاة؟ ذلك ما يريد الفرنسيون الاكتفاء به، فإذا تجاوزه المؤدب (المعلم) فإنه يكون قد دخل في السياسة وأزعج الأمن العام ورجع إلى الماضي، أي التعصب الديني في نظرهم. ومهما كان الأمر فإن تفاؤل الفرنسيين كان برقا خلبا، لأن الجزائريين لم يتخلوا أبدا عن المدرسة القرآنية. وقد طوروها بأنفسهم، كما ذكرنا، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ومنها ما بقي على ما كان عليه شاهدا على التحدي والمقاومة العنيدة، لا سيما في المناطق الريفية النائية أو التي ظلت عسكرية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. في الدراسة التي أشرنا إليها يذكر الفريد بيل ملامح التعليم القرآني في وقته (١٩٠٨)، ويبدو أنه لم يتغير عما كان عليه منذ ١٨٣٠. ومع ذلك فآراء الفريد بيل، هذا المستشرق المعادي للعرب والمسلمين والذي تولى وظائف بارزة مثل إدارة مدرسة تلمسان، هي آراء جديرة بالتأمل. وإن نصائحه إلى الإدارة الفرنسية ضد التعليم القرآني لتدل على تفاؤله الساذج، رغم علمه وكثرة تجاربه وتآليفه. يقول وهو يتحدث عن التجربة منذ إصلاح ١٨٩٢، أن تلاميذ المدرسة القرآنية قد تركوها إلى المدرسة الابتدائية الفرنسية، وبعضهم كان يجمع بين المدرستين. وسيحل، في نظره، التعليم اللائكي (غير الديني) للفرنسية والعربية في المدرسة الفرنسية الخاصة بالأهالي، محل المدارس القرآنية بالتدرج. ثم أن المدرسة التحضيرية التي تنوي فرنسا إقامتها (وقد فعلت) في الأرياف، ستجعل الأطفال الجزائريين يتركون التعليم القرآني، لأن معظم الآباء إنما يرسلون أولادهم إليه ليتخلصوا منهم فقط. وفي هذه المدرسة التحضيرية écoles préparatoires - سيتعلم الطفل القراءة والكتابة بالعربية والفرنسية، ويتلقى مبادئ الحساب ومعارف مفيدة، تجعل منه عاملا ماهرا (وهو هدف التعليم الفرنسي الجديد). وبهذه الطريقة يخرج الطفل من المدرسة القرآنية ويذهب إلى المدرسة التحضيرية الفرنسية. وبعد أن قدم الفريد بيل صورة مفصلة عن المدرسة القرآنية (الكتاب)، والتلميذ والمعلم والأدوات (اللوح، والدواة، وقلم القصب ...) ومنهج التعليم يقول: إن التلميذ لا يفهم أي شيء مما يحفظ، ويمنع عليه أن يسأل

стр. 1018

ذلك، كما أن الطالب الذي لا يفهم هو أيضا، يحذر التلميذ أن يسأله. وهذا رأي مبالغ فيه لأن المؤدب يعرف قوى التلميذ العقلية، فهناك أمور يعلمها له ويصارحه بها وهناك أمور تترك إلى مرحلة لاحقة. وما دام القانون الفرنسي يشترط عدم التفسير والتفهيم والشرح، فهل الذي يلام هو المنهج التعليمي أو التعسف الإداري؟ إن كثيرا من الكلمات كانت تؤول وتصل إلى الإدارة بطريقة مفخمة فتؤدي بالمعلم المسكين إلى المساءلة بل والسجن، تحت طائلة قانون الأهالي الاستثنائي. وفي عهد بيل هذا كان التعليم القرآني غير مجاني، ولكن الفقير معفى من الدفع. وليس هناك أجر محدد للمعلم. ففي المدن قد يصل ما يدفعه الموسرون إلى خمسة فرنكات للشهر. ولكن بعضهم يدفع أقل من ذلك. والدفع في الريف سنويا وهو عادة زمن الحصاد، ويدفع عينا لا نقدا، كما ذكرنا. وفي الريف والمدينة يقدم الآباء هدايا للمعلم، سيما في المواسم الدينية وعند ختم التلميذ لأجزاء من القرآن أو كله. وقد انتقد السيد بيل منهج التعليم القرآني، كما انتقده قبله زميلاه هانوتو ولوتورنو (١). وكل النقد كان منصبا بالدرجة الأولى على طريقة الحفظ دون الفهم. فالتركيز على تقوية الحافظة مما يترتب عليه، في نظر بيل، النظر إلى القرآن عند التلميذ نظرة تقديسية. وهكذا فإن روح البحث تعتاد على الكسل، كما تعتاد على الثقة في القيم الخارقة للعادة Surnaturel رجاء المساعدة من الله. إن وجود المدرسة (المسيد) والشريعة في القرية في حد ذاته يعتبر بركة عند السكان. وهذه في نظر بيل، هي عقيدة الشعوب البدائية في كل مكان، إذ تعتقد أن كل شيء مكتوب له قوة خارقة، فما بالك إذا كان المكتوب قرآنا! ثم أن التلميذ الذي حفظ القرآن يعتبر محظوظا عند الله، وهو لا يقوم بعمل يدوي، ولا يبقى له سوى جمع بعض المريدين من حوله،

стр. 1019

اعتقادا فيه أنه كائن شبه خارق للعادة، قادرا بفضل حفظه للقرآن، على صد كل المصائب. ويعتقد بيل أن (الطالب) الذي تكون بهذه الطريقة يعيش عيشة مشكلة. فهو يكسب معاشه من الصدقات، ويتقاضي أجرا على الأحجبة التي يكتبها لإخوانه في الدين. وقد أجاب بيل عن أصل المشكل بنفسه حين قال إن هذا الطالب يرضى بهذه العيشة التدجيلية (شارلتان) إذا لم يستطع أن يفتح مدرسة قرآنية. إن كل هذه الحياة المعضلة للطالب المشرد هي كونه لم يجد موردا للرزق مما تعلمه. وقد صدق السيد بيل في عدد من النقاط التي انتقد بها التعليم القرآني كالاكتفاء بالحفظ، وجمود الذهن، والكسل العقلي، وما إلى ذلك. وهذا بالطبع ليس من التربية في شيء، وليس مستمدا من القرآن نفسه ولا من السنة. وعلماء التربية المسلمون وضعوا الأساس للتعليم الصحيح (١). ولكن ظاهرة التخلف أوصلت التعليم القرآني، وغيره، إلى الحد الذي وصفه بيل. بقي سؤال، وهو ما دور الإدارة الفرنسية في ذلك؟ أليست إدارة احتلال وبيدها الميزانية والمسؤولية على التعليم الإسلامي والفرنسي؟ فماذا فعلت؟ أننا لا نقول أن الإدارة مسؤولة عن كل التخلف، ولكنها كانت شاهدة عليه ومشجعة له وكرسته في الطرق الصوفية المنحرفة وفي العلماء المدجنين وفي المدارس القرآنية التي تخرج أمثال الطالب الذي يتحدث عنه. وبدل أن يقترح بيل الارتقاء بهذا التعليم وإخراجه من الهوة التي وضعه فيها الإداريون والخبراء الفرنسيون أخذ يهوى بفأسه على رأس المؤدبين والتلاميذ وكتاب

стр. 1020

الأحجبة لأنهم لم يتعلموا تعليما صحيحا على الطريقة العصرية الفرنسية. فهو يقول: أنه من النادر أن تجد عارفا بالقرآن يواصل دراسته. ومن الأندر أن يستطيع من واصل دراسته التخلص من رواسبه على مخه، تلك الرواسب التي تركها فيه التعليم القرآني (١). أما كون العارف بالقرآن تندر مواصلته للدراسة فذلك هو (فضل) فرنسا على الجزائر، كما يعرف ألفريد بيل. وأما تأثير التعليم القرآني على مخ المتعلم، فذلك طبيعي، وذلك ما يريده المسلمون، ولكن بيل يريد أن يقول: علينا أن نخلص الجيل من الرواسب بالتخلص من التعليم القرآني بتاتا. وقد أشار إلى ذلك في البداية. التعليم في المساجد بعد انتهاء الأطفال من المدرسة القرآنية يتوجه الراغبون منهم إلى المساجد والزوايا لمواصلة تعليم متوسط وثانوي. وقد تصل بعض الدروس فيه إلى مستوى التعليم العالي في مراحل متقدمة. وقد درسنا هذا الموضوع في الجزء الأول وقلنا أن من نقائص التعليم في الجزائر خلال العهد العثماني هو انعدام مؤسسة قارة وقوية للتعليم الاسلامي ذات إشعاع وطني مثل القرويين في فاس والزيتونة في تونس والأزهر في مصر. كانت دروس التعليم الثانوي والعالي مبعثرة في الجزائر وليس لها منهج أو مراحل تقطعها. كانت اجتهادية وظرفية، فهي خاضعة لمهارة وشهرة المدرسين ومناسبة الظروف السياسية والاقتصادية. وقد عرفنا أن بعض المدرسين البارزين كانوا يأتون من البلدان المجاورة إلى الجزائر للتدريس ونحوه فعوضوا بعض النقص، كما أن أذكياء الطلبة والطموحين منهم كانوا يهاجرون، في سبيل الحصول على العلم، ولكن بعد الاحتلال وقعت أمور أخرى أثرت على مسيرة التعليم الثانوي والعالي. فإذا كانت المدارس القرآنية قد استمرت في المدن، كما ذكرنا، رغم الصعوبات، فإن مراحل التعليم الأخرى قد عرفت تدهورا كبيرا لأسباب.

стр. 1021

منها نفي أو هجرة العلماء، ومنها تدجين الباقين إذ أنهم أصبحوا موظفين يتقاضون أجورهم ومرتباتهم من الإدارة الفرنسية بعد أن كانوا مستقلين يتقاضون ذلك من مداخيل الأوقاف. وقد عرفنا أن هذه المداخيل قد استولت عليها الدولة الفرنسية وصادرت أملاك المساجد والزوايا نفسها التي كانت أماكن للعبادة والتعليم وإدارة القضاء. وكان التعليم الثانوي والعالي أول ضحايا هذه التطورات، من يدرس؟ أين يدرس؟ من يدفع؟ من يسمى؟ الخ. ولقد دامت هذه الحالة من الذبذبة والفوضى والإهمال إلى حوالي ١٨٥١. ولكن بين ١٨٣٠ وذلك التاريخ (١٨٥١) انقرض جيل كامل من العلماء والطلبة والوكلاء. انقرضوا أو تبددوا نتيجة الحروب المتواصلة، وتقطعت بهم السبل في المنافي والمهاجر، أفرادا وعائلات: ولنذكر من الأفراد ابن العنابي والكبابطي والسكلاوي وحمدان خوجة، والقاضي عبد العزيز، وعائلة المشرفي وعائلة الأمير عبد القادر وعائلة ابن المرابط الخ ... وكثير من الأفراد والعائلات لم تهاجر من الوطن وإنما انتقلت إلى الأماكن التي لا يسيطر عليها الفرنسيون مثل عائلة ابن الحفاف، وابن رويلة، وأحمد البدوي والشريف الزهار وسيدي علي مبارك. ونحن لا نذكر هنا إلا العائلات والأسماء العلمية التي كان فيها التدريس والمكتبات. من جهة أخرى عرفنا أن هدم عشرات المساجد أو تحويلها إلى كنائس ومستودعات أو منحها للجيش والجمعيات الدينية الفرنسية، كل ذلك حرم العلم من مقراته ومن موارده أيضا، لأن كل بناية كان لها ريعها ووكيلها ومدرسها. ولا نريد أن نعود للحديث عن مصير المساجد أوائل الاحتلال، وحسبنا القول أن الدروس التي كانت تلقى في أغلبها قد توقفت نتيجة هدم العشرات منها أو تعطيلها. فدروس مساجد الحاج حسين باشا وعبد ي باشا، وجامع السيدة، كلها قد توقفت. وكذلك دروس مسجد كتشاوة ومسجد علي بتشين وجامع القصبة ... فقد توقفت لأنها قد تحولت إلى كنائس. وكذلك

стр. 1022

جامع سوق الغزل بقسنطينة وجامع خنق النطاح بوهران وجامع العين البيضاء بمعسكر. وهناك دروس أخرى قد توقفت أيضا لأن المساجد قد حولت إلى ثكنات ومخازن واسطبلات. وحتى الجامع الكبير والجامع الجديد بالعاصمة لم يسلما من العبث والإهانة، إذ كلاهما استنقص منه وأغلقت منه بعض الأبواب ثم حجبا عن الأنظار من جهة البحر، وأخيرا هددا بالزوال تماما سنة ١٩٠٥. وقل مثل ذلك في مساجد قسنطينة وبجاية وعنابة ووهران والمدية ومعسكر الخ. إن المدينة الوحيدة التي سلمت مساجدها تقريبا هي تلمسان، ومع ذلك فقد منحت مداخيلها أيضا كغيرها إلى أملاك الدولة وحول بعضها إلى متحف أو اعتراه البلى. أمام هذه المعاملات للمساجد لا أحد كان ينتظر استمرار الدروس فيها. فلا العلماء ولا الفقهاء كانوا مستعدين لمواصلة مهمتهم في جو من الارهاب والبطش وعدم الاستقرار، ولا الفرنسيون كانوا سيسمحون بذلك وهم يحاولون وضع أيديهم على كل شيء في البلاد، ولا الطلبة الذين لم يعد يطيب لهم المقام في مدن تحت قبضة العدو. وهكذا كان الاحتلال وما تلاه من إجراءات وإرهاب ومصادرة سببا في توتف دروس المساجد في المدن. وما دام الفرنسيون قد وضعوا أيديهم على المساجد منذ اللحظة الأولى للاحتلال، فإنهم قد وضعوا أيديهم أيضا على فئة العلماء والفقهاء الذين كانوا يدرسون فيها. ويبدو أن الفرنسيين لم يسمحوا باستئناف الدروس في المساجد إلا خلال الأربعينات، ولكن في حدود ضيقة جدا. فحوالي ١٨٤٣ سمحوا لثلاثة فقط من (الطلبة) بإعطاء دروس في المساجد الثلاثة (؟) بمدينة الجزائر (١). ولا تخرج هذه الدروس عن الفقه وقواعد الدين للعامة وليس للراغبين في العلم، كما كان الحال. ولا ندري الآن أسماء المدرسين، ونعتقد أن الكبابطي قد كان أحدهم قبل نفيه. وقد جرت تعيينات مشابهة في قسنطينة أيضا. فعين الشيخ مصطفى بن

стр. 1023

جلول مدرسا بجامع سيدي الأخضر (يناير ١٨٥٠)، وعين الشيخ المكي البوطالبي مدرسا بالجامع الكبير هناك في نفس الوقت، كما عين الطاهر بن النقاد على مدرسة جامع سيدي الأخضر، ومحمد بن أحمد العباسي على مدرسة جامع سيدي الكتاني. بالإضافة إلى وظائف أخرى في الإفتاء والقضاء (١). وقد شعرت السلطات الفرنسية بهذا الفراغ في الدراسات الإسلامية ابتداء من وسط الأربعينات. وقال بعضهم أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الفرنسيين لن يجدوا من يعينوه قاضيا، وهو ما كان يهمهم أكثر من التدريس. ولذلك عكفوا على دراسة الوضع. وقد خرجوا بتوصيات شملت القضاء والتعليم وتنظيم المساجد، أو بعبارة أصح شملت الدين والتعليم والعدل. ويهمنا هنا التعليم. فقد لاحظوا أنه لا توجد لشباب الجزائريين مؤسسة للتعليم فوق الابتدائي، وليس هناك رجال أكفاء يقومون بالفتوى والقضاء ويمكنهم كسب النفوذ للسياسة الفرنسية، وهذا أمر ضروري (لسياستنا) (٢). ولاحظوا أيضا أن إهمال التعليم الإسلامي في المدن قد نتج عنه تقوية المرابطين والزوايا في الأرياف. فقد كانت زوايا المرابطين تستقبل الراغبين في التعلم بدل الذهاب إلى المساجد في المدن التي استولى عليها الفرنسيون. كان المدرسون في الماضي يعينهم الداي باقتراح من الناظر من بين أفضل العلماء. وكانوا يتقاضون مرتباتهم من الأوقاف. وهي تبلغ بين ٦٠ و ٢٠٠ فرنك سنويا، وكانت لهم سكنى مجانية، كما يجوز لهم الجمع بين وظائف التدريس والقضاء والافتاء. وكانوا يتمتعون باحترام كبير. وبالإضافة إلى رواتبهم فأن لهم امتيازات أخرى تتمثل في الزيت والماء والحلويات خلال شعهر رمضان. ولكن منذ الاحتلال توقف كل ذلك عليهم للظروف التي ذكرناها. وكان التعليم العالي مزدهرا في بعض المدن مثل قسنطينة إلى

стр. 1024

الاحتلال. فقد كان فيه حوالي ٧٠٠ طالب، من بينهم حوالي ١٥٠ يتقاضون منحا. ولهم سكنى مجانية، إضافة إلى امتيازات أخرى في رمضان والمواسم. وكان حوالي ثلثي الطلبة من خارج المدينة (غرباء). فماذا بقي من هؤلاء بعد الاحتلال؟ لقد توجه الطلبة إلى زوايا منطقة زواوة وزوايا الجنوب طلبا للعلم نظرا لاستيلاء الفرنسيين على جميع الموارد في المدينة. أنه لم يبق بها منهم سوى ٦٠ طالبا. كما أن العلماء أنفسهم قد تشتتوا أو هاجروا، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من انقطعت عنه الموارد. أما برنامج الدراسة للتعليم الثانوي والعالي فلا يخرج عن المواد العربية والإسلامية. فالثانوي يشمل عادة النحو والتفسير وحفظ المتون والمطالعة ومبادئ الفقه والتوحيد، والحديث، ومبادئ الفلك والحساب. ويقضي التلميذ فيه حوالي سبع سنوات. أما دروس التعليم العالي فتتألف من الفقه وأصول الدين والتوحيد والحديث، والحساب والفلك، والجغرافية والتاريخ الطبيعي والطب العام. هذا بصفة عامة، ولكن الأمير عبد القادر مثلا شجع الدروس بين المواطنين في المساجد وغيرها، وكان هو نفسه يقوم بإلقاء درس عمومي عندما لا يكون في حالة حرب مع العدو. وقد رتب في مختلف المدن علماء لهذا الغرض، وجعلهم طبقات وعين لكل طبقة راتبا عينيا أو نقديا. واستثنى العلماء من الضرائب. وكان يقوم هو نفسه باختبار المترشح، فكان يكرم الجيد ويعرض عن الجاهل. وكان التلاميذ يجدون المدرسين الجيدين والمكتبات للمطالعة ومحلات السكن. وقد عفا الأمير عدة مرات على مدرسين استحقوا عقوبة الموت، تقديرا للعلم. وكانت هذه السياسة سببا في ازدهار حركة التعليم في دولة الأمير وتنافس العلماء في تحصيل العلم وحفظ التراث، رغم ظروف الحرب القاسية (١). وكان معظم خلفائه من المدرسين

стр. 1025

والمتفقهين أمثال مصطفى بن التهامي ومحمد بن عيسى البركاني، وأحمد الطيب بن سالم، والحاج سيدي علي السعدي، والحاج محيي الدين بن مبارك. وفي ميزاب حيث المساجد هي أساس التعليم الثانوي، ولا وجود للزوايا، نجد التلميذ ينتقل من التعليم القرآني الابتدائي إلى المتوسط فالثانوي، وعادة كان التعليم يعطى في دار العلم أو دار التلاميذ تحت إشراف العزابة. وبرنامج هذه المرحلة غني بالنسبة إلى غيره في أنحاء القطر. فهو يشمل العلوم الدينية من فقه وتوحيد وأصول الفقه، والتفسير والحديث والفرائض. ثم العلوم العربية والعقلية كالنحو والبلاغة والعروض والمنطق والحساب. وكانوا يعتنون بالحساب لعلاقته بالفرائض، وكذلك التجارة والمحاسبات. وكان التلاميذ يواظبون على الدروس في المساجد التي كانت مجانية لهم وكذلك بالنسبة للمعلمين (١). ولا يكاد يوجد رجل أمي في ميزاب لعناية أهله بالتعليم العربي الإسلامي من الأساس. أما التعليم العالي فيتلقونه على بعض الشيوخ البارزين أمثال الشيخ أطفيش ثم تلاميذه في مرحلة لاحقة، أو يهاجرون من أجله إلى تونس والمشرق. ... ابتداء من ١٨٥١ وقع تنظيم خاص للمساجد والمدرسين فيها. والتنظيم جاء بعد دراسة شاملة للدراسات الإسلامية وموظفيها عموما. وقد رتبت المساجد إلى خمس درجات، ولم يختص بالتدريس إلا مساجد الدرجة الأولى. وهذه المساجد لا تكون إلا في المدن الرئيسية. فكان ستة فقط في كل القطر من الدرجة الأولى ثلاثة في العاصمة واثنان في قسنطينة وواحد في تلمسان. وقد سمى المدرس (مفسرا للقرآن) فقط. فلم يعد تدريس اللغة والنحو والأدب والتاريخ وما إليها جائزا للمدرس، وإنما كان الفرنسيون هم الذين يختارون له موضوعات في الفقه وأخرى في التوحيد لا يخرج عنها (٢). وكان

стр. 1026

وكان مرتب المفتي والإمام على حساب الدولة، ومن المفهوم أن المدرس هو أحد هذين. أما الموظفون الآخرون في المساجد فعلى حساب الميزانية المحلية والبلدية. وبذلك تخلت الدولة عن مهمتها نحو المساجد رغم أنها هي التي استولت على أوقافها وصادرت أموالها. وفي مكان آخر وصف دور المدرسين بأنه تعليم شؤون الدين للأطفال والتلاميذ البالغين (١). وهذا في الواقع هو مستوى التعليم الذي بقي معترفا به (التعليم القرآني). وفي سنة ١٨٩٧ وصف المدرسون بأنهم هم الذين يقومون بالتعليم العالي في المواد الآتية: التوحيد والفقه والنحو والأدب وعلم الفلك، وعرفوا بأنهم العلماء أكثر تقدما في التعليم، وبذلك تطور مفهوم المدرس عما كان عليه منذ سنة ١٨٥٠ في نظر الفرنسيين. فالعلماء أصبحوا يكونون التلاميذ لوظائف الديانة، ومن بينهم تختار الدولة عادة المفتين والقضاة (٢). ولا شك أن هذا خلط بين وظيفة المدرس في المساجد ووظيفة المدرس في المدارس الشرعية الفرنسية التي تأسست هي أيضا سنة ١٨٥٠. أما مدرسو المساجد في العهد الفرنسي فلا يعلمون الأدب ولا البلاغة ولا علم الفلك. أنهم يلقون درسا في التوحيد للعامة، كما قلنا، أو في مبادئ الدين، بأسلوب تراقبه السلطة، وهي التي تجعل عليهم عيونا راصدة. وهذا التعليم المبسط جدا أصبح يقوم به المفتون الذين كانوا على رأس مساجد الدرجة الأولى في المدن الكبيرة (٣). في هذه المرحلة أيضا - الخمسينات - كان عدد المدرسين حوالي ستة في المساجد وحوالي تسعة في المدارس الشرعية الثلاث. فتكون الجملة حوالي خمسة عشر مدرسا رسميا في الجزائر كلها.

стр. 1027

وإذا كان مدرسو المدارس الشرعية لا يهمنا أمرهم هنا (انظر فصلا آخر) فإن مدرسي المساجد على النحو المذكور كانوا لا تأثير ولا أثر لهم. فعلمهم كان ضئيلا وكان بعضهم لا يكاد يحسن الكتابة الصحيحة كما لاحظ المعاصرون، وكانوا موظفين طائعين يعملون على إرضاء الفرنسيين بكل الطرق، وهم في أغلبهم البقية التي لم تهاجر أو لم تغضب السلطات الفرنسية. وبعضهم كان مجهولا تماما فلم يكن له اسم ولا رسم بين العلماء السابقين ولا في العائلات العلمية التي كانت عادة تتوارث العلم أبا عن جد. وفي سنة ١٨٧٨ زار الجزائر الشيخ محمد بيرم الخامس التونسي وتحادث مع بعض علمائها كالشيخين أحمد بوقندورة (المفتي الحنفي) وعلي بن الحفاف (المفتي المالكي) وأخبرنا أن في العاصمة وحدها عشرة مدرسين. ولا شك أنه قد جمع مدرسي المساجد والمدارس الشرعية الرسمية أيضا، لأنه لم يكن في العاصمة سوى أربعة مساجد للخطبة عندئذ. وأخبرنا أن معظم الدروس كانت في الفقه المالكي (مختصر الشيخ خليل) وقليلا فقط في الحديث وغيره. وكأنه أراد أن يقول أن دور المسجد في التعليم قد انتهى في العاصمة، إذ أن العناية بالعلم في رأيه إنما هي في قسنطينة وتلمسان وفي الجنوب. ونوه بالتعليم في الجنوب بالذات لوجود السند عند علمائه - كما يقول ابن خلدون - لأنهم يرحلون إلى طلب العلم إلى فاس وتونس وحتى إلى مصر ليأخذوا عن علمائها، لذلك لم ينقطع (العلم) في هذه الجهات ممن له اطلاع جيد ومشاركة. والقليل منهم فقط يتضلعون في العلوم لعدم وجود العلماء الفحول في أوطانهم، وإنما هم يقرأون صغار الكتب. وإذا مهر واحد ممن رحل في سبيل العلم فإنه لا يرجع إلى وطنه إلا نادرا (١). وهذا نتيجة هيئة التدريس الجديدة التي نصبتها السلطات الفرنسية في المساجد، إنها هيئة جاءت لتبارك العمل الفرنسي وتختم على أوراق الإدارة، وتصدر الفتاوى المناسبة والدروس الفاترة على من بقي من التلاميذ. ومن عادة الجزائريين عدم الثقة فيمن تعينه السلطات الفرنسية ولو كان من أنبغ العلماء، وهو ما لا يكون.

стр. 1028

ومنذ أوآخر القرن الماضي بدأ التفكير في توسيع دروس المدرسين تبعا لإصلاح المنظومة التعليمية الذي جاء سنة ١٨٩٥. وكان هدف المسؤولين الفرنسيين امتصاص عدد من خريجي المدارس الشرعية (الفرنسية) الذين بقوا بدون عمل بعد تقليص دور القضاة المسلمين وحصره في الأحوال الشخصية فقط، كما أن غرضها كان محاولة استقطاب عدد من خريجي الزوايا الذين بقوا مهمشين مشكلين في نظر الفرنسيين خطرا عليهم. ومن جهة أخرى فإن توسيع دروس المساجد سيدعم حركة التعليم الابتدائي التي جاء بها إصلاح ١٨٩٥. وهكذا شرع منذ حوالي ١٩٥٥ في إحداث دروس في المساجد لم تكن من قبل، ووقع تجنيد عدد من المدرسين في مساجد كانت مهملة منذ عشرات السنين، في مختلف أنحاء القطر. وتتحدث المصادر على وجود واحد وعشرين مدرسا (٢١) فقط سنة ١٩٥٥ (١)، ولكن هذا العدد تضاعف خلال عشر سنوات، كما سنرى من تقارير المفتشين. وكان هؤلاء المدرسون مقسمين كالآتي: أربعة في العاصمة: الجامع الكبير والجامع الجديد وجامع سيدي رمضان وجامع صفر (٢)، واثنان في قسنطينة: الجامع الكبير وجامع سيدي الكتاني، ومدرس واحد في كل من المدن الآتية: البليدة، المدية، مليانة، تيزي وزو، الأغواط، مستغانم، وهران، تلمسان، سيدي بلعباس، جيريفيل، معسكر، بجاية، عنابة، طولقة، بسكرة، وهؤلاء المدرسون يتقاضون مرتباتهم من الميزانية الرسمية، وهم معينون من قبل الحكومة في هذه المسؤوليات. وفي ٥ يونيو (جوان) ١٩٥٥ صدر برنامج موحد للمدرسين في جميع أنحاء الجزائر، وهو صادر عن إدارة الشؤون الأهلية بالحكومة العامة، وكان على رأس الإدارة المذكورة عندئذ المستعرب دومينيك لوسياني D.Luciani، الخبير في شؤون الجزائريين والعرب والإسلام وناشر عدة مؤلفات بالعربية

стр. 1029

والبربرية بعد ترجمتها إلى الفرنسية (١). ويحتوي البرنامج على مواد إجبارية ومواد اختيارية، أما الإجبارية فهي مادة النحو طبقا للاجرومية، والعطارية (حسن العطار؟) ولامية الأفعال. وعدد ساعاتها الأسبوعية ثمانية، والهدف منها كما قيل هو التمكن من مادة النحو العربي واللغة. أما المواد الاختيارية فهي علوم الدين والأدب مثل الفقه على مختصر خليل والحديث من صحيح البخاري، والتوحيد من السنوسية (أم البراهين) (٢)، إضافة إلى مادة الأدب العربي. وكانت المواد الاختيارية تدرس بعد الظهر ولها ست ساعات أسبوعية عدا الأحد. ولكن المدرسين فيما يظهر لم يلتزموا بهذا البرنامج رغم المراقبة. فقد كانوا يقدمون الفقه على النحو، وكانوا يتناولون موضوعات خطيرة على الفرنسيين مثل باب الجهاد. ذلك أن الهدف من تنظيم هذه الدروس سنة ١٨٩٨ و ١٩٥٥ هو تكوين مترشحين أكفاء في اللغة العربية لدخول المدارس الشرعية الثلاث، ولكن الطريقة التي سلكها المدرسون لذلك لا تحقق هذا الهدف، حسب نقد الفريد بيل. فالمنظمون عهدوا بالمراقبة على المدرسين إلى مترجمين قضائيين أو مترجمين عسكريين في المراكز التى فيها مدرسون، لعدم تنقل مدراء المدارس الشرعية للقيام بهذه المهمة. وكانت المراقبة للدروس قد وضعت تحت مسؤولية الولاة في المناطق المدنية، والضباط في المناطق العسكرية. وكان الخوف من عدم التزام المدرسين بالخط المرسوم لهم. وإذا كان تنظيم المدارس الشرعية الثلاث قد عهد به إلى مستشرقين فرنسيين أصبحوا هم المدراء، كما عرفنا، (فطهروا)، حسب تعبير الفريد بيل، هذه المدارس من المواد الخطرة، فإن زملاءهم المترجمين القضائيين والعسكريين لا يقدرون، في نظره على القيام بهذه العملية - التطهير - لغربتهم عن التعليم الإسلامي ولكثرة عددهم التي كانت تفوق عدد المدرسين

стр. 1030

أنفسهم، ولكونهم مختلفين حول النظر في توجيه هذا التعليم. ومن ثمة ليس في قدرتهم (المترجمين) مراقبة المدرسين المسلمين في المساجد الذين يقدمون الفقه على النحو ويتناولون أبواب الجهاد والرق ونحوهما. ولماذا يفضل المدرسون الفقه؟ يقول بيل أنهم يفعلون ذلك لسببين: ارتباط الفقه بالدين، وهم فيه يظهرون براعتهم أمام تلاميذهم، وكون التلاميذ أنفسهم يرغبون في دخول المحاكم لوجود الأماكن الشاغرة فيها (١). وكان الحاكم العام نفسه، وهو شارل جونار CH. Jonnart، أثناء عهده الأول، قد افتتح هذا النوع من التدريس وشجعه. وقد أصدر بيانا إلى جميع المسؤولين في القطر الجزائري طالبا منهم حث الناس، ولا سيما من يرغب منهم في إحدى الوظائف المخصصة للجزائريين كالتعليم والقضاء، على حضور دروس المساجد التي يقوم بها موظفون رسميون، وخصوصا دروس النحو والصرف والحساب والفرائض والأدب والحديث والتفسير. وقد ذكر الحاكم العام بأن هذه الدروس المسجدية تخدم نفس الهدف الذي وضعه الإصلاح سنة ١٨٩٥ (٢). وقد استمر شارل جونار في تشجيع هذا النوع من التعليم المسجدي حتى أثناء عهدته الثانية والطويلة كحاكم عام للجزائر. ففي ٦ مايو ١٩٠٥، وعشية انعقاد مؤتمر المستشرقين ١٤ بالجزائر أصدر قرارا بتنظيم التعليم المذكور وتوسيعه، ولكنه استجاب للنقد السابق، فوضع الرقابة على الدروس في أيدي مدراء المدارس الشرعية، وهم بالطبع مستشرقون فرنسيون مهرة يخدمون الإدارة قبل خدمتهم لمهنة التعليم أو فائدة الجزائريين منه. وقد جعلت الرقابة (التفتيش) سنوية وبطريقة فعالة. وسندرس ذلك بعد قليل في الحياة التطبيقية. وفي منشوره إلى الولاة المدنيين والحكام العسكريين أشار جونار إلى الهدف من تدريس المدرسين في المساجد: أن مهمتهم هي تكميل

стр. 1031

التعليم الأدبي لأولئك الذين لا يحاولون تولي الوظائف العامة، أو أولئك الذين لا يقدرون أو لا يريدون متابعة دروسهم في المدارس، ولكنهم يرغبون في تنمية معارفهم التي حصلوا عليها في المدارس الابتدائية. وهذا في الحقيقة هدف واحد فقط من المخطط، وهو نشر ثقافة عامة ابتدائية بين المتعلمين وحتى غير المتعلمين، وكان ذلك هو غرض التعليم في المساجد منذ ما قبل الاحتلال. ولكن التجربة انقطعت وثقافة المدرسين أنفسهم صعفت، كما عرفنا. ولكن ليس ذلك فقط. فمنشور جونار أشار أيضا إلى هدف آخر، وهو في الواقع المقصود بالذات في تلك الأثناء. ونعني به (إعداد الشبيية الأهلية في المدارس الابتدائية العربية - الفرنسية، لدخول مؤسسات التعليم العالي الإسلامي. وعليهم أيضا (أي المدرسين) في كلمة واحدة، أن يساهموا، في نطاق وسائلهم، في اليقظة العقلية والمعنوية للسكان الأهالي، ومن ثمة فإنهم لا يدرسون الفقه للعامة في المساجد أو للراغبين في وظيفة عمومية إلا بعنوان ثانوي فقط) (١). وهكذا بدأ مدراء المدارس الشرعية - الفرنسية في ممارسة تفتيشهم السنوي على دروس المساجد. وكانوا يقدمون تقاريرهم إما إلى الوالي في المناطق المدنية أو إلى الحاكم العسكري في المناطق العسكرية، وانتزعت الرقابة من أيدي المترجمين. وأخذ المراقبون الجدد في "تطهير) الدروس المسجدية من المواد الخطرة، كما قال الفريد بيل، وتحكموا في الأفكار وراقبوا سيرة المدرسين وقيمة طريقتهم ودرسهم، وحضور تلاميذهم الخ. وكانوا في كل تقرير يوصون بالعزل أحيانا والترقية أحيانا أخرى، ويبدون ملاحظات هامة على الأشخاص والمناهج والأفكار. إن هذا التعليم المسجدي الجديد كان يقوم به مدرسون جزائريون

стр. 1032

تسميهم الحكومة الفرنسية وتدفع إليهم أجورهم عليه. وهو تعليم يشبه في محتواه التعليم السائد في بعض الزوايا والذي كان موجودا من قبل في المساجد أيضا. ولقد كان المدرس في الماضي هو الذي يختار مادته التي يجيدها ويحضر إليه التلاميذ فإذا أعجبهم بقوا معه وتوسعت حلقته وذاع صيته في اختصاصه وترقى بمعارفه. أما خلال العهد الفرنسي الأول فقد عينت للمدرس، مهما كانت قدرته، مادتان لا يخرج عنهما، وهما التوحيد والفقه. وحتى في تدريس هاتين المادتين لم يكن حرا، فقد كان تحت المراقبة الشديدة وكانت بعض الأبواب ممنوعة عليه، في الفقه، كما أن مادة التوحيد قد ألغيت بعض الأحيان. أما الطريقة فهي الطريقة الإسلامية المعهودة، انتقاء المسألة وتقريرها وشرحها والاستشهاد لها وجلب مختلف الآراء حولها، ثم الخلاصة والاستنتاج. ولكن الفرنسيين ينعتون هذه الطريقة بطريقتهم هم في العصور الوسطى حين يقضي المدرس وقتا طويلا في شرح كلمة ومرادفها، والتلميذ لا يتبعه في ذلك). أما الحضور لهذه الدروس في الوقت الذي نعالجه (بعد ١٩٠٥) فهم عادة يعرفون القراءة والكتابة ويحفظون القرآن أو أجزاء منه. ولكنهم يجهلون أبسط قواعد النحو. فهم يجلسون هامدين دون فهم شيء مما يلقيه عليهم المدرس من النص الأدبي خلال بضعة أشهر، وأحيانا خلال عدة سنوات، رغم شرح المدرس لهم. فالتلاميذ ينظرون إلى الكتب على أنها مقدسة، وهم بهذه النظرة إليها إنما يرضون الله في الدنيا والآخرة، حسب نقد النقاد الفرنسيين. لأنها كتب تخدم الدين. أما الأستاذ فهو يحاول فقط إظهار قوته الأدبية والخطابية ولا يكلف نفسه سؤال التلاميذ ومدى متابعتهم لدرسه. وإذن فالمدرسون لا يتبعون برنامج التدريس ولا المنهاج السليم في نقل معارفهم إلى تلاميذهم. وما دام التدريس خاليا من منهج التعليم الحقيقي فلا سبيل إلى تصنيفه حسب مستويات محددة كالابتدائي والثانوي والعالي. وإنما هو تعليم مصنف حسب مكانه: المسيد أو الشريعة، والزاوية ثم المسجد. هذا هو النقد الذي وجه إلى تدريس المدرسين بالمساجد. وفيه كثير

стр. 1033

من الصحة. وقد كان يمكن أن يوجه إلى المدرسين سنة ١٨٣٠ أو ١٨٥٠ عند تصنيف المساجد ورجال الدين والقضاء. وكان يمكن للفرنسيين أن يفيدوا الجزائريين في هذا المجال، كما أفادوا تونس حين أدخلت عدة إصلاحات لتطوير التعليم في جامع الزيتونة، دون أن يتضرر التعليم من أساسه ولا الهدف منه. ولكنهم بالنسبة للجزائر قد أهملوا ذلك سبعين سنة إلى أن انقرضت أجيال وضحلت الحياة العلمية وتدجن العلماء، ثم نفخ الفرنسيون في الصور، ونادوا: حي على التعليم في المساجد. فأين التواصل في التجارب؟ وأين الإطارات المؤهلة لذلك؟ وأين الكتب المتطورة؟ إن البقية الباقية من المدرسين قد قدموا ما عندهم، وكان الكثير منهم ممن تخرجوا من المدارس الشرعية - الفرنسية، أي على يد الفرنسيين أنفسهم. وقليل منهم فقط درسوا في الزوايا أو تخرجوا من المعاهد الإسلامية (الأجنبية) في نظر الفرنسيين. وقد اضطهد الفرنسيون الجيدين منهم أمثال محمد الصالح بن مهنة والمولود الزريبي وعاشور الخنقي، لأنهم قد تخرجوا من غير المدارس الفرنسية (١). ومهما كان الأمر فإن المفتشين المذكورين انطلقوا في أعمالهم منذ ١٩٠٥. وأصبح المدرسون تحت رقابة شديدة، وكان عليهم أن يطوروا دروسهم حسب رغبة الإدارة وليس حسب اختصاصهم وموهبتهم. وقبل البعض هذا الاضطهاد الفكري على مضض لأسباب مادية، ورفضه آخرون فاختاروا الهجرة مثل حمدان الونيسي. وأرغم المدرسون على تسجيل تلاميذ المدارس العربية - الفرنسية (الابتدائية) والاهتمام بالذين درسوا الفرنسية من قبل، وليس نشر الثقافة العامة أو اليقظة العقلية والمعنوية كما قال جونار. وكان على المدرسين أن يسلكوا منهجا آخر فيسجلون التلاميذ في الدفاتر بطريقة معينة، ويستعملون السبورة في المساجد، ويتبعون طريقة المساءلة والحوار، ويقدمون النحو على الفقه والعملي على النظري. وبذلك حدد هدف جديد لهؤلاء المدرسين وهو المساعدة على تخريج جيل مزدوج اللغة،

стр. 1034

وهو ما يعني، أمام سيطرة اللغة الفرنسية في كل المجالات، جيلا أحادي اللغة، وهي الفرنسية، مع رفع الأمية فقط بالعربية. يقول ألفريد بيل، وهو أحد المفتشين البارزين الذين سنتعرف على تقاريرهم بعد قليل، إن هذا التطور في دروس المسجد قد حقق الهدف. فالتلاميذ المسجلون في المساجد أصبحوا هم خريجي المدارس الابتدائية العربية - الفرنسية، وأصبحت الطريقة مراقبة، وكذلك البرنامج. وأصبح المدرسون يسألون التلاميذ عن درس اليوم وتطبيقاته. وحلت الدراسات النحوية مكان الفقه والتوحيد في التعليم، وانفتح عقل التلميذ، فأصبح يفكر ويتأمل حتى ولو تخرج صاحبه من (المسيد). وأصبح المدرسون يعدون المترشحين لدخول المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، ويقدمون من جهة أخرى، إلى الشباب الأهلي الذي سبقت له دراسة اللغة الفرنسية، دروسا في اللغة العربية الأدبية. وبذلك يصبحون قادرين على القراءة والكتابة بالعربية ومعرفة آدابها، وكذلك بالفرنسية التي تعلموها (في مدارسنا الابتدائية) وسيكونون مسلحين لخوض معركة الحياة في هذا البلد بإتقانهم اللغتين. وسيحل تعليم المدرسين محل (التعليم السيء) الشائع في المدارس القرآنية (المسيد والشريعة) والزوايا (١). ذلك إذن هو هدف المستشرقين أمثال بيل، وهدف الإدارة أيضا: القضاء على التعليم القرآني، وتعليم الزوايا، وتعليم المساجد التقليدي، ثم تكوين جيل مزدوج في الظاهر ولكن تسيطر عليه الفرنسية باعتبارها اللغة الرسمية ولغة السيادة والعلم، أي تخريج جيل لا يعرف من العربية إلا ما يعرفه عنها بعض المستشرقين. إن المدرس الذي يعنينا هنا هو أحد ثلاثة: مدرس المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، وهذا تناولناه في فصل آخر. والمدرس ما قبل تنظيمات ١٨٩٨ و ١٩٠٠ ثم مدرس ما بعد هذه التنظيمات. وقبل أن نتحدث عن المدرسين بعد ١٩٥٥ نذكر جملة من الذين عاشوا التجربة الصعبة في

стр. 1035

التدريس منذ ١٨٣٠. كان هؤلاء في مدينة الجزائر قد عانوا أكثر من غيرهم، ربما لمواجهتهم الاحتلال في عنفوانه وقبل أن يختار للجزائر النموذج الذي ستعيش عليه. أما الآخرون من المدرسين فقد كان عليهم أن يسيروا في المسار وأن يطبقوا ما فعل زملاؤهم. من أبرز المدرسين أوائل الاحتلال في مدينة الجزائر محمد بن الشاهد، ومحمد بن العنابي، وعلي المانجلاتي، ومحمد السفار، ومصطفى الكبابطي. وتلا هؤلاء جيل آخر مثل حميدة العمالي وعلي بن الحفاف وعبد القادر المجاوي. وكان بعض هؤلاء يجمعون بين التدريس في المساجد وفي المدارس الرسمية الثلاث. وقد تناولنا حياة بعضهم في دراسات خاصة فليرجع إليها من شاء (١). وقد بكى ابن الشاهد، وهو المفتى والمدرس، ما آل إليه أمر التدريس والعلم في العشرية الأولى من الاحتلال فقال: ولثم درس العلم والجهل عسعس ... ونادى بتعطيل العلوم عن النشر كان هؤلاء وأمثالهم من فحول العاصمة، لم ينقطع منهم سند العلم الذي أخذوه عن كبارهم بالإجازة والدرس والحضور وليس بالسماع، كما صار الحال فيما بعد. فقد درس كل من ابن العنابي وابن الأمين وحمودة المقايسي في الأزهر ثم رجعوا إلى بلادهم للتعليم والإجازة فيه. وكان حمدان خوخة ممن انتصب للتدريس (حسب رواية عمر راسم) (٢) وسافر طويلا في البلاد الإسلامية والأوربية، وكانت له معارف واسعة.

стр. 1036

بعض أعيان المدرسين في العاصمة أما الجيل الذي توظف للفرنسيين في الفترة الحالكة، فترة إهمال التعليم مطلقا، ومصادرة أوقافه وهدم مؤسساته، ومحاربة العلماء والمفكرين، فليس فيه أمثال هؤلاء، وقد انقطع عنهم السند العلمي، كما لاحظ محمد بيرم الخامس، فكانوا يكتفون بالكتب الصغيرة والملخصات، والإجازات السمعية، دون أن يرحلوا في طلب العلم أو يتلقوه على يد فحول متصلي السند واسعي المعارف. وسنذكر أنهم، حسب التنظيمات والتصنيفات الفرنسية، كانوا فقراء الجيب والعقل أذلاء العين والرأس، باستثناء النادر الذي لا يقاس عليه. ومن غير الممكن ذكر قائمة بهؤلاء المدرسين الذين تعينهم الإدارة الفرنسية لتدريس مادتي التوحيد والفقه عادة، للعامة وأشباههم. وحسبنا أن نذكر بعضا ممن اشتهر أمره: ١ - مصطفى القديري: المعروف بمصطفى بن أحمد، حسب ختمه الرسمي. تولى القديري سنة ١٢٥٩ (١٨٤٣) وظيفة المفتى المالكي في الجامع الكبير بالعاصمة، مكان الشيخ مصطفى الكبابطي، الذي عزله بوجو Bugeaud لرفضه فتح المدرسة القرآنية للمعلم الفرنسي لكي يعلم فيها اللغة الفرنسية للأطفال. وقد عثرنا للقديري على بعض الرسائل الإدارية التي كانت تصدر عنه إلى السلطات الفرنسية طالبا فيها منها توظيف شخص أو الإعلان عن غيابه أو وفاته، ونحو ذلك مما يدخل في عنايته كمسؤول عن شؤون موظفي الديانة الإسلامية، كما كانت تسمى. وآخر رسالة منه تحمل تاريخ ١٨٥٢. وكان قد تولى الوظيفة المذكورة وهو كبير السن، ولم يكن معروفا بعلمه السابق ولا بوظائف أخرى تولاها مثل زملائه. ولعله كان من (ناس الحضور) في الجامع الكبير أو من قراء البخاري قبل أن يتولى الوظيفة الرسمية. كان الشيخ القديري، كما وصفته المصادر الفرنسية، طوع بنان إدارة الشؤون الأهلية. وهي تصفه بالمتسامح، أي الذي لا يقف ضد رغباتها أو يعترض على بعض التصرفات المنافية لاتفاق ١٨٣٠. وكان له ابن أكثر منه تسامحا،

стр. 1037

وقد طلب المفتي من السلطات الفرنسية تسهيل مهمة ابنه للدراسة في فرنسا وزيارتها، الخ. ولخموله لا نعرف للشيخ القديري موقفا سوى قبوله أوامر بوجو، ولا مؤلفا ولا درسا شهيرا، ولم يرجع إليه أحد فيما نعلم، للإجازة (١). ٢ - محمد الأرناؤوط: ليس لهذا الشيخ مصادر كثيرة عندنا، إنما نعرف من جريدة (المبشر) الرسمية التي أبنته أنه تولى عدة وظائف ومنها الافتاء والتدريس بالعاصمة. وكان على المذهب الحنفي، وهو من أصول عثمانية (ألبانية). ولد بالجزائر حوالي ١٧٩١ وتوفي في ٢٨ رمضان الموافق ٢٤ أكتوبر، ١٨٦٥، عن ٧٤ سنة. وكان معاصرا لزميله القديري. ويبدو أنه أوسع من زميله علما وعملا. فقد درس بالجزائر على جيل ابن الأمين وابن الشاهد، وأصبح فيها مدرسا إلى سنة ١٨٣٥ حين ولاه الفرنسيون وظيفة القضاء. ونادرا ما كان الفرنسيون يثقون عندئذ في العلماء ذوي الأصول العثمانية، ويبدو أنه كان استثناء بينهم. وقد بقى كذلك في القضاء إلى سنة ١٨٤٢. ولأسباب مجهولة ربما هي نفس الأسباب التي جعلت الكبابطي يعزل من منصبه، استقال الأرناؤوط من وظيفته في هذه السنة وطلب الرخصة للحج، وهي الطريقة الوحيدة للهجرة بدون اتخاذ موقف سياسي. واغتنم هذه الفرصة، حسب الجريدة، فبقي في القاهرة والاسكندرية ثلاث سنوات، وربما لقي زميليه ابن العنابي والكبابطي، ثم رجع إلى الجزائر وتولى فيها وظيفة التدريس، سنة ١٨٤٥، ثم الفتوى أيضا سنة ١٨٤٨، وقد بقي في الوظيفة الأخيرة إلى وفاته. ولا ندري إن كان قد تلقى العلم في الأزهر أثناء إقامته في القاهرة، والغالب أنه قد فعل، ولم تتحدث (المبشر) عن حجته، فلعله قد أتمها. ولكنها تحدثت عن أبنائه الذين كانوا يخدمون فرنسا، تمويها منها على الناس ليفعلوا مثلهم، وقالت أنه كان (خزانة علم) وأنه دفن في

стр. 1038

ضريح الشيخ الثعالبي (١). ٣ - أحمد بوقندورة: عائلة بوقندورة لها صيت وشأن في العهد الفرنسي. تولى الشيخ أحمد وظيفة الفتوى على مذهب الإمام أبي حنيفة بالعاصمة. وقبل ذلك عمل معاونا قضائيا في محكمة الجزائر مدة طويلة، من الخمسينات إلى الثمانينات، حسب السيد ألان كريستلو، ولكننا وجدنا في (المبشر) أنه تولى وظيفة الفتوى في نوفمبر سنة ١٨٧٧ بالجامع الجديد. وكان يتقن الفرنسية. وربما هو الأول الذي ألقى خطبة بالفرنسية بالجامع أمام الحاكم العام سنة ١٨٨٢، وهو الحاكم البغيض لويس تيرمان L.Tirman. وأشادت (المبشر) به لأنه أول من فعل ذلك. أما محمد بيرم الخامس فقد لقيه بالعاصمة ودخل داره، وشهد له بالدهاء السياسي و (التبحر في المعارف السياسية)، واتقان الفرنسية، وأخبر عنه أنه كان أيضا، عضوا في مجلس الحاكم العام (المجلس الأعلى للحكومة)، وله (مشاركة في الفقه والحديث). وهذه عبارة تعني عند العلماء أنه لم يصل إلى درجة الاتقان والتبحر في هذين العلمين وإنما له اطلاع وثقافة عامة فيهما. يقول عنه الشيخ بيرم، وكان على مذهبه الحنفي، أن بوقندورة كان إماما وخطيبا في أحد الجوامع (الجامع الجديد)، وأنه زاره في مقصورة الجامع، ودعاه بوقندورة لتناول العشاء في وليمة أقامها إكراما له في منزله. ووصف بيرم داره وبستانة بالجبل (؟)، فقال (وهو بستان ظريف، جامع للشكلين العربي والأروباوي، وبناؤه ظريف ونظيف، على النحو العربي المتقن) (٢). ولعل تدجين العلماء على النحو الذي كان عليه بوقندورة هو الذي

стр. 1039

جعل بعض الفرنسيين يندبون حظهم بعد ذلك إذ نزع الناس ثقتهم من (علماء فرنسا) ومالوا إلى المرابطين والطرق الصوفية. ذلك أن هؤلاء العلماء في نظر الرأي العام قد أهانوا الدين، وانفصلوا عن المسلمين، وأصبحوا طلاب عيش وخبز. ومن الذين تنبهوا إلى ذلك، ولكن بعد فوات الأوان، ديبون وكوبولاني، ولوشاتلييه وأوغسطين بيرك وديبارمي. أن الشيخ بوقندوة قد اشتهر أيضا بالخطبة التي ألقاها أمام جول كامبون J.Cambon، الحاكم العام الآخر، أثناء تأبين الشيخ أحمد التجاني في الجامع الجديد بالعاصمة، سنة ١٨٩٧. وكانت الخطبة هذه المرة بالعربية وبحضور شيوخ الطرق الصوفية والعلماء والأعيان الفرنسيين والمسلمين. ولعل الحاكم العام نفسه، وهو من الأذكياء الدهاة، هو الذي أمر الشيخ أن يلقى خطبته بلغة دينه لأن فرنسا إنما جعلته في ذلك المنصب ليخاطب باسمها المواطنين لا يخاطبها هي بلغتها. ولا نملك الآن تاريخ وفاة الشيخ بوقندورة الذي ظل سنوات طويلة في الخدمة الرسمية، ولكننا نعرف من بعض المصادر أن أحد أبنائه، وهو محمد، قد خلفه في منصب الفتوى والتدريس أيضا، وهو لا سمعة له أيضا في ميدان العلم والتأليف رغم أنه عاش فترة اليقظة والحث على التعليم، وقد ذكر السيد كريستلو، أن محمد بوقندورة عارض التجنيد الإجباري سنة ١٩١١ (١). ٤ - حميدة العمالي: يختلف حميدة العمالي عن زملائه المعاصرين من عدة وجوه. فقد كان من أعمقهم فقها، وكان قد ترك بعض التآليف وله سند في شيوخ كثيرين، كما كان له تلاميذ اشتهر بعضهم حتى كاد يغطى عليه. فالعمالي من نوادر هذا العهد، رغم وظائفه الرسمية وعيشه فترة الجدب العلمي التي أشرنا إليها. ولعل سر قوته يرجع إلى تواضعه وإلى أخذه

стр. 1040

عن بقية صالحة من سلف المدرسين والعلماء. ولد بالعاصمة سنة ١٢٢٧ (١٨١٣)، وهو من جبل عمال من سلسلة جبال الأطلس التلية القريبة من العاصمة، ومن ذلك نسبته (العمالي)، وكان أبوه رحمانيا من أتباع وتلاميذ الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري. وكان مقدما له. وحفظ حميدة العمالي القرآن على المؤدب الشيخ سيدي عمرو، الذي ذكرناه سابقا، وقد نوه به العمالي في كناشه حين وفاته سنة ١٢٧٥. وأخذ العلم عن شيوخ بقيت أسماؤهم وآثارهم محفورة، منهم مصطفى الكبابطي ومحمد بن الشاهد (١)، ومحمد واعزيز، ومحمد العربي، إمام الجامع الكبير في وقته. وقد أجازه محمد الصالح الرضوي البخاري، وحمودة المقايسي، وأحمد بن الكاهية، ومعظم هذه الإجازات في الحديث والصحاح الستة. وكانت أوليات حميدة العمالي في عهد بوجو وعهد راندون Randon، وكانت وظيفته الأخيرة، وهي الفتوى في عهد بيليسييه Pelissier وماكماهون Mac-mahon، وهي العهود الصعبة من حياة الجزائر، ويسميها الفرنسيون عهد الاحتلال والتهدئة. وقد عاصر ثورة ١٨٧١ أيضا، وكانت بقيادة رحمانية. وقد تولى العمالي عدة وظائف للفرنسيين منها القضاء ١٨٤٩ والفتوى ١٨٥٦، وكان الوظيف الأول أكثر خطورة لأنه عملي ومتصل بمصالح الناس ومصالح الفرنسيين التي كثيرا ما تتعارض، أما الفتوى فقد كانت شرفية فقط - له ولغيره - كما سنرى. وله رسائل إدارية وجهها إلى السلطات أثناء توليه الفتوى، وهي لا تخرج عن اقتراحات بشأن تعيين أو عزل بعض الموظفين في السلك الديني. انتصب العمالي للتدريس في الجامع الكبير. وكان متمكنا من عدة علوم، كالحديث والفقه والتوحيد، ولكنه لم يسمح له بتدريس ما يتقنه

стр. 1041

ويرغب فيه، إذ كانت له مهارة في الأدب والبلاغة أيضا. وكان يدرس أحيانا ذلك على مختصر السعد. وتخرج على يديه ثلة من الطلبة أصبح بعضهم صاحب شهرة مثل حسن بن بريهمات، ومحمد بن عيسى الجزائري الذي انتقل إلى تونس وتولى فيها الكتابة بالوزارة الكبرى. وقرأ عليه أيضا علي بن عبد الرحمن الذي تولى الفتوى في وهران فترة طويلة، ومحمد القزادري، ومحمد بن العطار إمام ومدرس جامع سيدي رمضان، وكذلك محمد بن زاكور الذي تولى الفتوى فيما بعد، وعلي الفخار الذي تولى الفتوى في المدية. ولذلك كان العمالي يوصف بشيخ الجماعة قبل ظهور الشيخ عبد القادر المجاوي. ويذكر أصحاب التراجم أن حميدة العمالي قد حج ولقى أحد العلماء بالحجاز (في رحلته؟)، وهو عبد القادر بن يوسف القادري المعروف بحجة الإسلام. كما ورد عليه في درسه بالجزائر عبد الرحمن النابلسي فحضر مجلسه ثم سأله عن إحدى المسائل النادرة. قلنا أنه تولى الفتوى سنة ١٨٥٦، وهي السنة التي شغر فيها المنصب بوفاة الشيخ مصطفى القديري. وفي رسائله تواريخ كثيرة أولها تاريخ الختم وهو ١٨٥٦ وآخرها ١٨٦٧. وفي هذه السنة والتي بعدها حدثت المجاعة الشهيرة والجوائح في الجزائر. ولكن الشيخ ظل في الفتوى إلى وفاته سنة ١٨٧٣ في عهد ديقيدون البغيض، الذي حارب المدارس القرآنية وحتى المدارس العربية - الفرنسية التي تأسست سنة ١٨٥٠. وتولى الشيخ أيضا وظائف أخرى كعضوية المجلس القضائي والتعاون على ترجمة نصوص تنظيم القضاء الإسلامي مع زميله محمد بن مصطفى وأحمد البدوي و (أحمد) بن الحاج موسى، إلى اللغة العربية (سنة ١٨٥٩) (١). وقد رسخ العلم في أسرة العمالي أيضا فترك ابنا أصبح مثله من المدرسين. وهو علي العمالي. وأول إشارة وردت حوله كانت سنة ١٨٦٧

стр. 1042

في رسالة والده إلى السلطات الفرنسية إذ اقترحه من بين ثلاثة لتولي وظيفة مؤذن في الجامع الكبير بدل عمر بن البحار الذي رقى إلى وظيفة القضاء. وقد أصبح علي العمالي هذا من المدرسين، وممن تتلمذ له في النحو الشيخ أبو القاسم الحفناوي (ابن الشيخ) صاحب (تعريف الخلف)، وأصبح علي العمالي إماما في الجامع الكبير حيث أفنى معظم وقته، كما يقول الحفناوي، في الإقراء والاستفادة من العلوم، وكان يدرس الصرف بشرح الزنجي، والتوحيد بمتن الجوهرة، والعقائد السنوسية. وبالإضافة إلى ذلك تولى علي العمالي التدريس في المدرسة الثعالبية، ولذلك خرج أساتذتها في جنازته (علي) إثر وفاته سنة ١٣٢٦ (١٩٠٨) (١). اختلف حميدة العمالي عن المدرسين المعاصرين في كونه ترك بعض التآليف، ولعلهم ألفوا ولكن لم تصلنا مؤلفاتهم. وقد رأينا له كناشا في مجلد كان في مكتبة المرحوم الشيخ المهدي البوعبدلي وقد أعاره لنا مدة. وهو محشو بالفوائد والنقول والتواريخ والنصوص النادرة، إضافة إلى بعض الأخبار عن حياة الشيخ العلمية والعائلية. وهم يذكرون له أيضا العمل المشترك حول القضاء الإسلامي سنة ١٨٥٩، ثم مجموعة فتاوى ونوازل فقهية في حدود ٣٠٠ مسألة، وله رسائل في أحكام المياه بالبادية، وأخرى في ترتيب محاكم القضاء (ولعلها هي العمل المشترك المشار إليه آنفا). ويقول الشيخ الحفناوي: (اتصلت بتأليف من تآليفه في القضاء، وتتبع فصوله وأنواعه، وحلية القاضي، وشروط القضاء). ولا ندري إن كان للشيخ العمالي تآليف في الحديث الذي قيل أنه اشتهر فيه، خصوصا صحيح البخاري الذي كان يدرسه دراية ورواية. كانت وفاة الشيخ العمالي سنة ١٨٧٣ (١٢٩٠ أو ١٢٩٣) (٢). ونحن لم نقف على آراء الشيخ العمالي في

стр. 1043

النوازل الفقهية ولا في القضاء. ويبدو أنه كان ناقلا لعدد من الفتاوى مثل فتاوى ابن العنابي، كما نقل ابن حمادوش وثائق جاءت في رحلته حول النكاح. وما نظن أن الفرنسيين كانوا يسمحون (بالاجتهاد) لأمثال الشيخ العمالي، فقد كان هو وأمثاله مجرد ناقلين ومترجمين ومفسرين لإرادة السلطة الفرنسية. وأن رجلا في علم الشيخ العمالي لا يخلو، فيما نعتقد، من أدب ومراسلات، ولكن أين هي؟. ٥ - علي بن الحفاف: سيرة ابن الحفاف هي سيرة العالم الجزائري المخضرم زمن الاحتلال. فقد كان أجداده من أهل العلم والفتوى في الجزائر منذ عهود طويلة. وكان علي بن عبد الرحمن بن الحفاف من الأسر المعتبرة لعلمها. وكان شابا عند وقوع الاحتلال فخرج مع من خرج انتظارا للفرج وجلاء العدو، وانضم إلى حركة الأمير عبد القادر، في مليانة، حيث كان الحاج محي الدين بن مبارك وقريبه محمد بن علال على رأس حكومة الأمير هناك. فما كان من الفرنسيين إلا أن صادروا أملاكه وأملاك أسرته، ومنها أملاك أخته زوجة قدور بن رويلة. وعند وقوع زمالة الأمير في قبضة الفرنسيين ١٨٤٣ وتشرد العائلات التي كانت فيها وموت ابن علال خليفة الأمير والقبض على الفتى أحمد بن رويلة، ابن أخت علي بن الحفاف، ونقله رهينة إلى فرنسا، عندئذ رجع علي بن الحفاف إلى مدينة الجزائر ليجد نفسه في حالة بؤس شديد، فهو عاطل عن العمل، وأملاكهم مصادرة، وفي نفس الوقت كان متهما بمعاداة الفرنسيين والانضمام إلى عدوهم. وقد كتب عدة رسائل تبريرية للسلطات الفرنسية، كما كتب إلى ابن أخته في فرنسا، رغم صغر سنه (١٣ سنة) يرجوه التدخل لصالحه مع شيوخه الفرنسيين والجهات العليا الأخرى. وبعد أن تبادل الفرنسيون فيما بينهم الآراء عن مصيره تغلب عندهم الرأي القائل بأن الرجل معاد لهم لا محالة ولكنه ما دام على حرمانه، وهو رجل مثقف فإنه يمكن لفرنسا أن تستفيد منه ما دام هو قد طلب

стр. 1044

ذلك. والغالب عندهم أن ابن الحفاف سيتوب توبة نصوحا رغم عدائه السابق لهم، وكان ذلك هو رأي (دي لا بورت) مسؤول الشؤون الداخلية عندئذ. سمح الفرنسيون للمفتي عندئذ (١٨٤٥) وهو مصطفى القديري أن يعطيه وظيفة حزاب وحضور بالجامع الكبير ليعيش منهما، وأظهروا له العفو والتغاضي (١). ولكن قضيته بقيت بدون حل. ففي ١٨٤٤ كتب إلى ابن أخته في فرنسا يقول له أخبرهم أن (خالي عالم يقرأ وليس له شيء يدخله، وليس عنده وظيف، وليس الآن بيده شيء يعيش به). وكان ابن الحفاف يطالب بمسجد سيدي رمضان الذي كانت أسرته تتولاه منذ ستين سنة مضت، ولكن تولاه الشيخ قدور بن المسيسني إثر خروج ابن الحفاف من الجزائر. وفي ١٨٤٧ ذكر في طلبه الجامع المذكور وألح على أنه عندئذ لا دخل له سوى عشرة فرنكات شهريا، مع أنه صاحب أولاد. ويبدو أن السلطات الفرنسية استجابت لطلبه فعينته سنة ١٨٤٨ وكيلا لجامع سيدي رمضان. وفي سنة ١٨٥٩ عينوه مفتيا في البليدة. معلوماتنا الأخرى عن علي بن الحفاف مفرقة وضعيفة رغم شهرة أسرته وشهرته هو بين المعاصرين. من رسائله نعرف أنه كان ضعيف الأسلوب والثقافة. ولكن الرسائل تنتهي عند توليه وظيفة الفتوى، وهو تاريخ مبكر نسبيا. ذلك أن حياته قد امتدت بعد ذلك. فهل اكتسب علما جديدا، ومن أين؟ يقول مترجموه أنه من تلاميذ إبراهيم الرياحي التونسي، ولا ندري كيف تمت هذه التلمذة، ذلك أن الرياحي لم يزر الجزائر فيما نعلم (٢). وكان ابن

стр. 1045

الحفاف ممن أخذوا الإجازة عن الشيخ محمد الصالح الرضوي البخاري ولكنها كانت إجازة في الاسم الأعظم فقط وليس في العلوم. ولعل ابن الحفاف قد درس على بقايا الشيوخ في عهد الأمير عبد القادر، وقد عرفنا أن من أصهاره قدور بن رويلة كاتب الأمير الشهير وواضع اسمه على كتاب (وشائح الكتائب). ولم يترجم أبو القاسم الحفناوي في تعريف الخلف لابن الحفاف رغم قربه منه ومعرفته له وأخذه إجازة عنه يوما واحدا قبل وفاته سنة ١٣٠٧. ويبدو أن ابن الحفاف تولى الفتوى المالكية والتدريس في الجامع الكبير على إثر وفاة الشيخ حميدة العمالي سنة ١٨٧٣. وبذلك يكون قد تولى في فترة الحاكمين العامين شأنزي ولويس تيرمان، وكلاهما حكم في فترة حالكة السواد من تاريخ الجزائر بالنسبة لاضطهاد العلماء والتعليم، كما عرفنا. ولذلك لا نستغرب أن يمل ابن الحفاف المقام في الجزائر وأن تحدثه نفسه بالهجرة إلى المشرق. فقد رأى وسمع بما حدث لمواطنيه على أثر ثورة ١٨٧١ وثورة بو عمامة. وشاهد غطرسة الكولون في عهد الجمهورية الثالثة المتنمرة وتجنيس اليهود الجماعي، وإهانة القضاء الإسلامي بإلغاء صلاحيات المحاكم الإسلامية إلا في الأحوال الشخصية. ونحو ذلك من أنواع الإذلال والغطرسة. وكانت في ابن الحفاف رواسب حركة المقاومة البكر التي انضم إليها. وقد حدثته نفسه حتى بالانضمام إلى الطريقة الشاذلية، طريقة الشيخ محمد الموسوم بقصر البخاري. ويقال أنه هو الذي اقترح هذا الرجل الصوفي إلى منصب مدير المدرسة الشرعية - الفرنسية الرسمية على السلطات. ولكن الشيخ الموسوم رفض العرض. وكان الشيخ ابن الحفاف يبحث عن ولي وصديق يشد به أزره ويشاوره في أمره. وجاء هذا في شخص محمد بيرم الخامس سنة ١٨٧٨. فقد ساره بسره وخلجات نفسه، وهي الرغبة في الهجرة. وكان بيرم رحالة جواب آفاق، يعرف العالم الإسلامي والأروبي. فنصح ابن الخفاف بالبقاء لخدمة العامة لا الخاصة، في دروسه في الفقه والتوحيد وبعض المعارف الدينية المسموح

стр. 1046

بها من قبل فرنسا منجاة للعامة ومحافظة على الدين، وقد أخبره الشيخ بيرم، وكان صادقا بأن أمثاله قليلون في القطر، وأن بقاءه أنفع للعامة وله عند الله، من خروجه برأسه، تاركا الأمة خالية عن مثله. بالإضافة إلى أن خروجه قد يحمل الغير على تقليده أيضا، وبذلك تبقى العامة بلا معلمين للدين، وتندثر الديانة الاسلامية من العامة بالتدرج. أما بقاؤه فيؤدي، في نظر بيرم، إلى نشر للعلم والعقائد والفقه وحفظ هذه الديانة. وذكره بأن الأسرى إذا لم يتمكن الفادون من افتدائهم جميعا يؤخر العلماء، حسب كتب الفقه. والمعروف أن ابن الحفاف قد شارك في موضوع الهجرة الجماعية التي أثارها صهره قدور بن رويلة مع الشيخ الكبابطي حوالي سنة ١٨٤٤، وها هو يثير الموضوع فرديا سنة ١٨٧٨. وصفه الشيخ بيرم بأوصاف العلماء (الأسرى) فعلا. فهو من الأخيار عنده. وهو يمتاز بالسكينة والتقوى والتفقه والسعة في الحديث، وأنه إمام وخطيب الجامع الكبير. وقد زاره في مقصورة الجامع حيث يستقبل خاصة الزوار. وهذا التنويه كان في محله لأننا نعرف أن لابن الحفاف تقاييد ومؤلفات وأشعارا. وله إجازات إلى بعض المعاصرين أمثال بلقاسم الحفناوي، والمكي بن عزوز، والقاضي شعيب بن علي (١). ٦ - محمد بن مصطفى بن الخوجة المعروف بالمضربة وبمصطفى الكمال. قضى حياته العلمية بين المسجد وجريدة المبشر والتأليف. وأثناء أدائه لمهمة التدريس والخطابة جاء تنظيم الدروس بالمساجد سنة ١٨٩٨ ثم ١٩٥٥ و ١٩٠٥. فكان من المدرسين المشار إليهم بالبنان، رغم قلة تلاميذه. ولعل قدرته على التأليف قد فاقت قدرته على التدريس، رغم فصاحة لسانه وقلمه، على ما قيل عنه. وكان يجمع الشعر إلى النثر،

стр. 1047

والتمسك بالتراث إلى الإيمان بالإصلاح على طريقة الشيخ محمد عبده. وباعتباره أحد مدرسي هذه الفترة في العاصمة استحق منا هذه اللفتة. أما مؤلفاته فسنعالجها في موضوعها إن شاء الله، وكذلك سنتناول دوره في جريدة المبشر في موضعه. من الذين عرفوه عن كثب وترجموا له هو الشيخ عمر راسم، الصحفي والرسام وقد اعتبره شاعر الجزائر وقال إن له ديوانا ضاع وأنه كان هجاء، الخ. ونحن لا يهمنا شعر محمد بن مصطفى خوجة الآن ولكن هذه الميزة التي عرف بها بين معاصريه. كما وصفه عمر راسم بأنه كان خبيرا بشؤون المشرق حتى كأنه عاش فيه مائة سنة. ونحن نفهم من هذا أنه كان يتابع تطورات المشرق في الفكر والسياسة والأدب نتيجة عمله في جريدة المبشر، ولعله كان مكلفا فيها بقسم المشرق وإنتاج المطابع هناك وشخصيات الشرق وتياراته الفكرية. ألم يسند هو حركة الشيخ محمد عبده ويؤمن بطريقتها في التعليم والتحديث والابتعاد عن السياسة؟ ألم يراسل الشيخ محمد رشيد رضا ويقرأ مجلة المنار ويعجب بمبادئها؟ وتشهد تآليفه عن المرأة وعن التسامح الديني وعن الدفاع عن الإسلام وغيرها على متابعته للقضايا الاجتماعية والثقافية والدينية التي كانت تتفاعل في المشرق. ولد الشيخ محمد بن مصطفى خوجة سنة ١٢٨١ (١٨٦٥)، أي زمن الحديث عن المملكة العربية في عهد نابليون الثالث، وزمن المرسومين الشهيرين اللذين أثرا على مستقبل الجزائر (الفرنسية): أولهما مرسوم تمليك الأرض العرشية للأفراد، ومرسوم فتح التجنس بالجنسية الفرنسية لمن يشاء بشرط التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية. لقد نشأ هذا الشيخ في مرحلة انتقالية من سيطرة العسكريين إلى سيطرة المدنيين الفرنسيين، وضياع حقوق الجزائريين بين هؤلاء وأولئك. ولا ندري إن كان الشيخ قد درس في إحدى المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، والظاهر أنه لم يفعل لأن المترجمين يذكرون من شيوخه المفتي علي بن الحفاف وهو لم يكن من مدرسي هذه المدارس. وبدون شك أنه قرأ على آخرين مثل الشيخ محمد

стр. 1048

السعيد بن زكري، وكان هذا من خريجي الزوايا وليس من خريجي المدارس. ولا نعلم أن ابن خوجة قد درس في غير العاصمة، لا في الزوايا الداخلية ولا المعاهد الإسلامية في الخارج، ولذلك يمكننا القول إنه كان عصاميا في اكتساب ثقافته. ويبدو أنه بدأ العمل في جريدة المبشر كمحرر فيها قبل العمل في التدريس بجامع صفر. وقد تعلم من المبشر العمل مع المستشرقين الفرنسيين وعرف عن كثب ماذا كانوا يريدون منه ومن الشعب، وكيف يحرفون الأخبار لتناسب أهواءهم وسياستهم، وعرف اهتماماتهم بالمشرق، زمن حكم السلطان عبد الحميد والثورة الإيرانية، واحتلال مصر، وثورة المهدي السوداني، فكان له ذلك في حد ذاته ثقافة عملية واسعة في فن الصحافة الاستعمارية وأحوال العالم الإسلامي. ولا نستبعد أن تكون بعض مؤلفاته من وحي هذه الظروف. وقد يكون بعضها من دافع الفرنسيين أنفسهم، مثل كتاب الصحة. وكانت الموضوعات التي عالجها حية وذات صلة بوقائع الساعة كالتعليم والمرأة وموقف الإسلام من العلم والتقدم. ولكن الرجل كان يراسل رجال الشرق مثل الشيخ محمد عبده ورشيد رضا ومحمد فريد ويراسلونه، وهذا لا يرضي الفرنسيين، لأنه كان في موقع، كما قلنا، حساسا جدا إذ كانت الجريدة التي يعمل بها هي لسان حال الإدارة الفرنسية للجزائريين - المسلمين عامة. وقد يكون ذلك هو سبب تفريغه لدروس المسجد والتأليف بدل التحرير في الجريدة. وقد وصف عمر راسم الشيخ ابن خوجة عندئذ بأبي النهضة الجزائرية. ولا شك أن ذلك كان انطلاقا من الأفكار المتسامحة والواعية التي كان ينشرها حول الإسلام والمسلمين واللغة العربية. ولنا أن نقول أيضا إن هذه الأفكار هي التي كان يبثها في دروس المساجد أيضا وفي خطب الجمعة. فهو إذن داعية إصلاح وتقدم اجتماعي بمفهوم ذلك الوقت. وقد وصفه المترجمون بأنه دعا إلى نبذ البدع والخرافات وتحرير العقل، وهذا يتماشى تماما مع دعوة الشيخ محمد عبده الذي يشايعه.

стр. 1049

لا ندري ما العمل الذي مارسه الشيخ ابن خوجة قبل ١٨٩٦. فقد كان عمره عندئذ حوالي ٣١ سنة. هل درس بالمدارس الشرعية بعد إصلاحها سنة ١٨٩٥؟ هل مارس وظائف في القضاء؟ لا نملك الآن الوثائق على ذلك. إنما نعرف أنه بين ١٨٩٦ و ١٩٥١ قد عمل في المبشر. ومنذ التاريخ الأخير جلس للتدريس في المسجد، كما ذكرنا، ولا نعرف أنه درس في غير العاصمة. وكان بالإضافة إلى التدريس يعمل في المطابع مصححا ومحققا لبعض الكتب. من ذلك أنه هو الذي صحح تفسير (الجواهر الحسان) للشيخ الثعالبي الذي نشرته مكتبة ومطبعة رودوسي حوالي سنة ١٩٠٤. كما بدأ في تحقيق كتاب للشيخ السيوطي حول الاجتهاد. وكان في المساجد يدرس للعامة الفقه والتوحيد وبعض التفسير مما تسمح به السلطات الفرنسية. وقد وصفه عمر راسم بأنه كان حلو الكلام فصيح اللسان، وأنه كان يستشهد بالحديث والقرآن، وكأن الكتب القديمة مرآة بين عينيه يتذكرها ويستشهد منها بدون تكلف. وفي تقرير ويليام مارسي، مدير مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية، الذي فتش دروس محمد بن مصطفى خوجة في المسجد، إشادة كبيرة به إذ قال عنه إنه أفضل من يعرف العربية، ويتكلم بها بطلاقة، كما أشاد بليبراليته. (أي اتساع أفكاره وتسامح آرائه) واعتبره من أفضل الدعاة (الوسائل) لنشر التحرر الفكري بين المسلمين. وكان ذلك بناء على تقرير سنة ١٩٠٥ - ١٩٠٦، وهي أول سنة أصبح فيها المدرسون المسلمون تحت رقابة المستشرقين الفرنسيين، مدراء المدارس الشرعية - الفرنسية. لا يختلف تقرير ١٩٠٦ - ١٩٠٧ عن سابقه حول مكانة الشيخ محمد بن مصطفى خوجة. فقد كان يدرس خمس ساعات أسبوعيا. ويبدو أن الشيخ قد أصيب بمرض خطير أعاقه عن التدريس فترة طويلة (دام أشهرا). ثم استأنف دروس النحو والقواعد العربية. وكان التلاميذ الذين يحضرون درسه هم: عمال المسجد، وتلاميذ السنة الخامسة من مدرسة الجزائر (أي القسم العالي)، ثم بعض الخواص من سكان مدينة الجزائر. ووصفه المفتش الفرنسي بأنه صاحب ذاكرة عجيبة، وأنه نابغة وخطيب، وهو يفرض قدرته

стр. 1050

على الإفصاح والإبانة. وأنه يدعو التلاميذ إلى (حرية الفكر في موضوع العقيدة). ولا ندري ماذا يقصد المفتش بذلك، ولكن يبدو أن الشيخ كان غير متزمت - كما نقول اليوم - ولعله كان يدعو إلى التخلص من الدجل والخرافة. وأضاف المفتش أن ابن الخوجة كان يفيد التلاميذ كثيرا وأن له القدرة على التأثير في مستمعيه. وقد أضاف إلى ذلك مؤهلا آخر وهو كونه مؤلفا ورجل دين. ومن ثمة فإن الفرنسيين سيجنون من دروسه فائدة كبيرة إذ كان (نصيرا قابلا للاستعمال لعملنا الحضاري). بعد اندلاع الحرب العالمية الأولي دخلت الجزائر في عهد من المحاصرة والحصار وتوقف الحياة الفكرية، واختفاء الصحف والنوادي التي ظهرت خلال العشرية الأولى من هذا القرن. فما الذي فعله ابن الخوجة؟ لقد أشرنا إلى أن تقرير سنة ١٩٠٧ يذكر أن مرضه خطير. ويبدو أنه قد قاوم المرض وظروف الحرب إلى ١٩١٥. فقد وجدنا تقريرا آخر لمفتش فرنسي جديد هو (سان كالبر)، الذي أصبح مديرا لمدرسة الجزائر بعد ديستان ومارسيه (ويليام)، يشير في سنة ١٩١٤ إلى الشيخ ابن الخوجة على أنه من الطبقة الأولى (راتبه ١٨٠٠ فرنك سنويا) من المدرسين، ويسميه محمد الكمال، وأنه من مدرسي جامع صفر وخطبائه. ولكن تقرير ١٩١٦ يذكر أن مدرس وخطيب هذا الجامع لم يعد محمد الكمال (ابن الخوجة) وإنما هو حمود دحمان. وهكذا يكون ابن الخوجة قد توفي سنة ١٩١٥. وليس هناك عندئذ صحافة وطنية (أهلية) تنعاه ولا إذاعة، اللهم إلا جريدة المبشر لسان حال الإدارة الفرنسية والتي سبق له العمل فيها. إن هدف الفرنسيين من التعليم المسجدي الجديد ليس دروس الفقه والتوحيد، كما كان الحال سابقا، أو رفع مستوى العامة في شؤون دينهم وتراثهم، ولكن نشر الأفكار الفرنسية والترقي بالدراسات الإسلامية، كما يقول تقرير والي ولاية الجزائر عندئذ إلى الحاكم العام. كان تعليم النحو والأدب وقواعد اللغة إلى التلاميذ الذين يدرسون في المدارس الابتدائية العربية/ الفرنسية الخاصة بالأهالي، أو المترشحين لدخول إحدى المدارس

стр. 1051

الشرعية - الفرنسية الثلاث. ولا شك أن تحرر أفكار ابن الخوجة وقلمه وفصاحة لسانه كانت تخدم هذا الاتجاه الفرنسي الجديد. ولكن بعض الجزائريين، مثل عمر راسم، كانوا يرون فيه داعية إصلاح وأبا لنهضة، فهو من مستوى عبد القادر المجاوي والشيخ أطفيش المعاصرين له، رغم صغر سنه نسبيا، إذ توفي عن خمسين سنة فقط (١). ٧ - الحفناوي بن الشيخ: خلافا لزميله محمد بن مصطفى خوجة. كان الحفناوي بن الشيخ يمتاز بعدة أمور، منها أنه ابن بادية، ثم انتقل إلى الحاضرة، وأنه تعلم في الزوايا ثم لدى الفرنسيين، وأنه جمع إلى التحرير في المبشر التدريس في الجامع الكبير، ثم أنه تولى الفتوى المالكية وطال عمره حتى نضج بل هرم. ولد بقرية الديس قرب بوسعادة سنة ١٨٥٠. وكانت المنطقة عندئذ ما تزال تحت تأثير ثورة الزعاطشة، التي أدت إلى احتلال بوسعادة ونواحيها وانتصاب المكتب العربي بها (الإدارة الفرنسية الجديدة)، ونفي أبرز الشيوخ الذين أيدوا الثورة مثل محمد علي بن شبيرة وأخيه. ولم تكن زاوية الهامل قد تأسست بعد. والزاوية المعروفة والقريبة عندئذ هي زاوية علي بن عثمان

стр. 1052

بطولقة. فذهب إليها الفتى الحفناوي، بعد أن تعلم على والده مجموعة من المبادئ في النحو والصرف والعروض والفقه والتوحيد والمنطق والحساب والبلاغة. كانت تلك أول غربة للفتى الحفناوي حيث قضى في زاوية طولقة أربع سنوات. ولكن ذلك لم يشبع نهمه العلمي فتوجه بعد ذلك إلى زاوية ابن أبي داود بتاسلنت في زواوة، وهي الزاوية التي تخرج منها أيضا محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل. وقد أشاد الحفناوي بزاوية ابن أبي داود في مؤلفاته، فقال إنها أم الزوايا العلمية. ولا ندري كم بقي هناك، إذ رجع ليدرس الحديث على الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي في زاويته الجديدة. ولكن تعطشه للعلم أبى عليه أن يرضى بما عنده، فذهب إلى نفطة حيث الزاوية العزوزية الشهيرة بالعلم والطريقة الرحمانية. ومن الملاحظ أن الزوايا التي تردد عليها الشيخ الحفناوي كلها رحمانية. ولا ندري إن كان قد اكتفى بنفطة أو ذهب أيضا إلى حاضرة تونس. وبعد سنوات من الرحلة في سبيل العلم والتلقي عن شيوخ كثيرين، توجه إلى العاصمة سنة ١٨٨٣ في ظروف غير معروفة. وتولى بها وظيفة رسمية بعد سنة من وصوله، يقولون أنه جاء العاصمة ليبحث عن مسائل في كتب التراث. ولكن العاصمة عندئذ كانت مدينة أروبية، فهل أرسلته بعض الجهات في المكتب العربي لهذا الغرض (١)؟. ومنذ وصوله لاحظ عليه المستعرب (الشيخ آرنو)، مدير جريدة المبشر النباهة فأخذه عنده ليخلف الصحفي الشهير أحمد البدوي. وكان آرنو Arnaud متوليا أيضا وظيفة (رئيس المترجمين) بالإدارة الفرنسية، فلازمه الحفناوي فترة طويله، وتعلم على يده اللغة الفرنسية، والعلوم العصرية، كما يقول الحفناوي عن نفسه، وظل الحفناوي في جريدة المبشر إلى أن توقفت عن الصدور سنة ١٩٢٧. وكان يقوم فيها بدور المحرر والمصحح، ولكن الموضوعات كانت من اختيار

стр. 1053

الفرنسيين، فكان يترجم من الوثائق الفرنسية، وكان يشيد بالآثار العلمية الفرنسية ترغيبا للجزائريين وإرضاء للفرنسيين، فمدح باستور وأبرز دوره في اكتشاف داء ودواء الكلب ولكنه ربط بين ذلك ودور العرب في الطب. كان الشيخ الحفناوي واسع المعارف، جماعا للكتب والوثائق، قوي الذاكرة. وقد ازدوجت لغته وتعمقت ثقافته العربية والفرنسية بالمطالعة والاتصال بأعيان المترجمين الفرنسيين. وقد استغل هؤلاء قدرته اللغوية ومعارفه العربية الإسلامية، لصالحهم، وكان أول من استغله هو (الشيخ آرنو) - كما يسميه. وقال عنه أنه الترجمان الأكبر بالحكومة العامة وأنه هو شيخه في العلوم العصرية واللغة الفرنسية، وأنه هو الذي رباه عقليا وعلميا فارتقى إلى (درجة أفتخر بها على أبناء وطني) (١)، وقال أنه قد علمه أيضا التواضع القلبي والترفع القالبي على أهل الكبرياء، ووصفه بأنه رجل حكيم، وقد لازمه اثني عشر سنة. هذه العلاقة قد نوه بها الحفناوي نفسه. وهناك علاقة أخرى لم يذكرها هو وإنما ذكرها الفرنسيون أنفسهم. يقول ديبون وكوبولاني Copolani و Dupont إن الشيخ الحفناوي قد وضع نفسه تحت تصرفهما أثناء تأليف كتابهما الضخم (الطرق الدينية الإسلامية). وأنه صحح بمعارفه الغزيرة Prodegue ترجماتهما في موضوع الطرق الصوفية. وقد خصاه بالشكر، وهو الوحيد الذي نوها به من علماء الجزائر، على مساعدتهما (٢). ومن الشخصيات الأخرى التي عمل معها الحفناوي بن الشيخ مدراء الشؤون الأهلية المحنكين مثل دومينيك لوسياني وجان ميرانت J.Mirante أما الأول فقد نشر كتابه (تعريف الخلف) في عهد

стр. 1054

إدارته، وهو الذي وفر المال لطبعه على نفقة حكومة جونار. وأما الثاني (ميرانت) فقد نشر بالتعاون معه كتابا في حفظ الصحة مترجما إلى العربية من تأليف الفرنسي (دركل)، وغير ذلك. وبالإضافة إلى ذلك كان الشيخ الحفناوي يكتب في جريدة (كوكب افريقية) التي أسستها حكومة جونار وأسندت إدارتها إلى زميله الشيخ محمود كحول (١). فأين كل ذلك من التدريس الذي نحن بصدده؟ منذ ١٨٩٧ تولى الشيخ الحفناوي أيضا التدريس في الجامع الكبير بالعاصمة. إنه لم يكن من خريجي المدارس الشرعية الفرنسية وإنما من خريجي الزوايا المرابطية والصوفية. ومع ذلك وجد طريقه إلى الوظيف الديني التعليمي الذي كان من المفروض أن يقوم به المفتى نفسه. وإلى جانب ذلك نلاحظ أنه قد جمع بين العمل في إدارة المبشر والتدريس في المسجد. فهل هذا امتياز له؟ إن أفكاره الظاهرية تتماشى مع الأفكار التي يريد الفرنسيون ترويجها بين الجزائريين. ويبدو أنه لم يكن له طموح سياسي ولا تطلع إلى زعامة، بل كان كما قال عن نفسه، متواضعا يحب العمل، وقد وجده في الثقافة، وقد غرق فيها باللغتين، ولا يهمه ما إذا كانت هذه الثقافة تخدم بلاده أو بلاد الآخرين. إن محيط الشخصيات الفرنسية التي ذكرناها والتي كان يتعايش معها قد وضع الضباب على عينيه، فلم يعد يرى أبعد من يومه. والغريب أننا نجده متأثرا بثقافته الصوفية في كتابه (تعريف الخلف) ولا نكاد نجده متأثرا بالعلوم العصرية التي افتخر أنه تعلمها على يد ارنو. وسنرى ذلك في حديثنا عن كتابه في جزء لاحق من موسوعتنا هذه. إذا كان كثير من القضاة والمدرسين يفتحرون بأنهم تلاميذ عبد القادر المجاوي، فإننا لا نجد إلا القليل النادر من الذين يفتخرون بأنهم تتلمذوا على الشيخ الحفناوي بن الشيخ، رغم طول عمره. حقا إن المجاوي كان مدرسا بالمهنة في مدرسة قسنطينة ثم الجزائر، أما الحفناوي فكان مدرسا

стр. 1055

بالهواية. فابتداء من سنة ١٨٩٧ أخذ يدرس مواد لغوية ودينية في الجامع الكبير. ومن تلاميذه فيها الشيخ والمؤرخ عبد الرحمن الجيلالي الذي ترجم له في كتابه (تاريخ الجزائر). وبين توقف جريدة المبشر عن الصدور سنة ١٩٢٧ وتوليه وظيفة الفتوى سنة ١٩٣٦ بقى الشيخ الحفناوي مدرسا للعامة من جهة ولتلاميذ المدارس العربية - الفرنسية من جهة أخرى. ويبدو أنه لتواضعه أو لحيائه كان، كما يقول عنه تلميذه الجيلالي، ينيب عنه تلاميذه في الخطابة على المنبر منذ توليه الفتوى، إلا مرة واحدة. ومن الجدير بالذكر أنه تولى الفتوى خلفا للشيخ محمود كحول (ابن دالي) الذي اغتيل في ظروف غامضة سنة ١٩٣٦. أما التدريس فلدينا بعض تقارير المفتشين الذين قيموا تجربة الشيخ الحفناوي، حسب الرغبة الفرنسية من دروس المساجد التي استحدثت حوالي ١٩٥٥. وكان من أهل الطبقة الأولى كزميله ابن الخوجة. وكنا قد جمعنا عدة تقارير فيها اسمه من بين المدرسين لكنها للأسف ضاعت منا. ولم يبق لنا إلا التقرير الذي أشار إليه عبد الحميد زوزو، وهو يرجع إلى سنة ١٩٠٦ - ١٩٠٧. واسمه فيه هو أبو القاسم الحفناوي، وكان يدرس خمس مرات أسبوعيا، ويحضر إليه عمال الجامع، وبعض خواص المسلمين القاطنين مدينة الجزائر، لتوسيع معارفهم الدينية، وكان درسه في الفقه، رغم أن ذلك ليس من مهمات الدروس الجديدة. ولعل الجامع الكبير كان استثناء في ذلك، لصلته بالعامة، ولذلك لم نجد من بين الحضور تلاميذ المدارس الفرنسية. ويهمنا حكم المفتش وهو ويليام مارسيه، على الشيخ الحفناوي. فقد قال عنه أن له ثقافة واسعة، وفكرا حرا، وأسلوبا واضحا. وهو يعطي المستمعين إليه مبادئ العلوم الأروبية، وأنه ناجح في طريقة تقديمها إليهم دون مصادمتهم، وهم يستفيدون منه. وهذا يعني أن مهمته قد تحققت في نظر الفرنسيين (١).
следующие страницы →